← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ويُكرهُ فوق شبرٍ. ويكونُ القبرُ (مُسَنَّماً)؛ لما روى البخاري عن سفيانَ التَّمَّارِ: «أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّماً» (١). لكنْ مَنْ دُفِن بدارِ حربٍ لتَعَذُّرِ نَقْلِه فالأولى تسويتُه بالأرضِ وإخفاؤُه. (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ (٢)، وتزويقُهُ (٣)، وتحلِيَتُه، وهو بدعةٌ، (وَالبِنَاءُ) عليه، لَاصَقَه أَوْ لا؛ لقولِ جابرٍ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه مسلم (٤).

стр. 492

(وَ) تُكرهُ (الكِتَابَةُ، وَالجُلُوسُ، وَالوَطْءُ عَلَيْهِ)؛ لما روى الترمذي وصحَّحه مِنْ حديثِ جابرٍ مرفوعاً: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (١)، وروى مسلمٌ عن أبي هريرةَ مرفوعاً (٢): «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (٣). (وَ) يُكرهَ (الاتِّكَاءُ إِلَيْهِ)؛ لما روى أحمدُ: أنَّ النَّبي ﷺ رأى عمرو بنَ حزمٍ متكئاً على قبرٍ، فقال: «لَا تُؤْذِهَ» (٤). ودفنٌ بصحراءَ (٥) أفضلُ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفنُ أصحابَه بالبقيعِ، سوى النَّبيِّ ﷺ ، واختارَ صاحباه الدفنَ عندَه تشَرُّفاً وتَبرُّكاً، وجاءت

стр. 493

أخبارٌ تدلُ على دفنِهِم كما وقع. ويُكرَهُ الحديثُ في أمرِ الدنيا عند القبورِ، والمشيُ بالنعلِ فيها إلا خوفَ نجاسةٍ أو شوكٍ، وتبسُّمٌ، وضَحكٌ أشدُّ. ويحرُمُ إسراجُها، واتخاذُ المساجدِ، والتخلِّي عليها وبينها. (وَيَحْرُمُ فِيهِ)، أي: في قبرٍ واحدٍ (دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معاً، أو واحداً بعد آخر، قبل بِلاءِ السابقِ؛ لأنَّه ﷺ كان يدفِنُ كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمر فِعلُ الصحابةِ ومَن بعدَهم، وإن حَفَرَ فوَجَد عظامَ ميتٍ دفنَها وحَفَرَ في مكانٍ آخرَ، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ ككثرةِ الموتى، وقِلَّةِ من يَدْفِنُهم، وخوفِ الفسادِ عليهم؛ لقولِه ﵇ يومَ أحدٍ: «ادْفِنُوا الاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رواه النسائي (١). ويُقدَّم الأفضلُ للقبلةِ، وتقدَّم (٢). (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ)؛ ليصيرَ كلُّ واحدٍ كأنَّه في قبرٍ مُنْفردٍ (٣).

стр. 494

وكُرِهَ الدَّفنُ عند طلوعِ الشمسِ، وقيامِها، وغروبِها، ويجوزُ ليلاً. ويُستحبُ جَمْعُ الأقاربِ في بُقعةٍ؛ لتسهلَ زيارتُهُم، قريباً من الشهداءِ والصالحين؛ لينتفعَ بمجاورتِهِم، في البقاعِ الشريفةِ. ولو وصَّى أن يُدْفَنَ في ملكِه دُفِنَ مع المسلمين، ومَنْ سُبق إلى مُسَبَّلَةٍ قُدِّم، ثم يُقرَعُ. وإنْ ماتت ذِمِّيَّةٌ حاملٌ بمسلمٍ (١) دَفَنَها مسلمٌ وحدَها إنْ أمْكنَ، وإلا فمعنا على جنبِها الأيسرِ وظَهرُها إلى القبلةِ. (وَلَا تُكْرَهُ القِرَاءَةُ عَلَى القَبْرِ)؛ لما روى أنسٌ مرفوعاً قال: «مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِهِم حَسَنَاتٌ» (٢)، وصحَّ عن ابنِ عمرَ: «أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ البَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا» (٣)،

стр. 495

قاله في المبدع (١). (وَأَيُّ قُرْبَةٍ) مِنْ دعاءٍ، واستغفارٍ، وصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍ، وقراءةٍ، وغيرِ ذلك، (فَعَلَهَا) مسلمٌ (وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِمَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ حَيٍّ؛ نَفَعَهُ ذَلِكَ)، قال أحمدُ: (الميتُ يصلُ إليه كلَّ شيءٍ من الخيرِ؛ للنصوصِ الواردةِ فيه) (٢)، ذَكَرَ (٣) المجدُ وغيرُه (٤): (حتى لو أهداها للنبي ﷺ جاز، ووصل إليه الثوابُ). (وَيُسَنُّ أَنْ يُصْلَحَ لأَهْلِ المَيِّتِ طَعَامٌ (٥) يُبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِمْ) ثلاثةَ أيامٍ؛ لقولِه ﵇: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا

стр. 496

يَشْغَلُهُمْ» رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي وحسَّنه (١). (ويُكْرَهُ لَهُمْ)، أي: لأهلِ الميتِ (فِعْلُهُ)، أي: فِعْلُ الطعامِ (لِلنَّاسِ)؛ لما روى أحمد عن جريرٍ قال: «كُنَّا نُعِدُّ الاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ، وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ»، وإسناده ثقات (٢). ويُكرهُ الذَّبحُ عند القبورِ، والأكلُ منه؛ لخبرِ أنسٍ: «لَا عَقْرَ فِي الإِسْلَامِ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (٣). وفي معناه: الصدقةُ عند القبرِ، فإنه محدَثٌ، وفيه رياءٌ.

стр. 497

(فَصْلٌ) (تُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ)، وحكاه النووي إجماعاً (١)؛ لقولِه ﵇: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا» رواه مسلم (٢)، والترمذي وزاد: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (٣). وسُنَّ أنْ يقِفَ زائرٌ أمامَه قريباً منه، كزيارتِه في حياتِه. (إِلَّا لِنِسَاءٍ (٤)؛ فتُكرهُ لهُنَّ زيارتُها غيرَ قبرِه ﷺ وقبرِ صاحِبيْهِ ﵄؛ روى أحمد، والترمذي وصحَّحه عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» (٥).

стр. 498

(وَ) يُسنُّ أنْ (يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ (١) اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ)؛ للأخبارِ الواردةِ بذلك (٢). وقولُه: (إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) استثناءٌ للتبرُّكِ، أو راجعٌ

стр. 499

للُّحوقِ لا للموتِ، أو إلى البقاعِ. ويَسمعُ الميتُ الكلامَ، ويَعرِفُ زائرَه يومَ الجمعةِ بعدَ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وفي الغنيةِ: (يَعرفُه كلَّ وقتٍ، وهذا الوقتُ آكدُ) (١). وتُباحُ زيارةُ قبرِ كافرٍ. (وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ) المسلمِ (المُصَابِ بِالمَيِّتِ) ولو صغيراً، قبلَ الدفنِ وبعدَه؛ لما روى ابنُ ماجه وإسنادُه ثقاتٌ عن عمرو بنِ حزمٍ مرفوعاً: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢). ولا تعزيةَ بعدَ ثلاثٍ.

стр. 500

فيُقالُ لمصابٍ بمسلمٍ: (أعظَمَ اللهُ أجرَك، وأحسنَ عزاكَ (١)، وغفرَ لميتِك). وبكافرٍ: (أعظَمَ اللهُ أجرَكَ، وأحسنَ عزاكَ). وتحرُمُ تعزيةُ كافرٍ. وكُرِهَ تكرارُها. ويَرُدُّ معزَّى: بـ: استجابَ اللهُ دعاك، ورحِمَنا وإياك، وإذا جاءتْهُ التَّعزيةُ في كتابٍ ردَّها على الرسولِ لفظاً. (وَيَجُوزُ البُكَاءُ (٢) عَلَى المَيِّتِ)؛ لقولِ أنسٍ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ» (٣)، وقال: «إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» متفق عليه (٤). ويُسَنُّ الصبرُ، والرضى، والاسترجاعُ؛ فيقولُ: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي (٥) فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» (٦).

стр. 501

ولا يلزمُ الرِّضى بمرضٍ، وفقرٍ، وعاهةٍ، ويحرُمُ بفعلِ المعصيةِ. وكُرِهَ لمصابٍ تغييرُ حالِه، وتعطيلُ معاشِه، لا جَعْلُ علامةٍ عليه ليُعْرَفَ فيُعَزَّى، وهجرُه للزينةِ، وحَسَنِ الثِّيابِ ثلاثةَ أيامٍ. (وَيَحْرُمُ النَّدْبُ)، أي: تعدادُ محاسنِ الميتِ، كقولِ: واسيِّداهُ، وانقطاعَ ظهراهُ، (وَالنِّيَاحَةُ) وهي: رَفْعُ الصوتِ بالنَّدبِ، (وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ)؛ كصراخٍ، ونتفِ شعرٍ، ونَشْرِهِ، وتسوِيدِ وجهٍ، وخَمْشِهِ؛ لما في الصحيحين: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (١)، وفيهما: «أَنَّهُ (٢) ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٣) (٤)، والصالقةُ: التي ترفعُ صوتَها عند المصيبةِ، وفي

стр. 502

صحيحِ مسلمٍ: «أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ» (١).

стр. 503

(كِتَابُ الزَّكَاةِ) لغةً: النَّماءُ والزِّيادةُ، يقال: زكَا الزَّرعُ: إذا نَمَا وزاد، وتُطلقُ على المدحِ، والتَّطهيرِ، والصلاحِ. وسُمِّي المُخْرَجُ زكاةً؛ لأنَّه يزيدُ في المخرَجِ منه، ويَقِيه الآفاتِ. وفي الشَّرعِ: حقٌ واجبٌ في مالٍ خاصٍ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ. (تَجِبُ) الزَّكاةُ في سائِمَةِ بهيمةِ الأنعامِ، والخارجِ مِنَ الأرضِ، والأَثمانِ، وعروضِ التجارةِ، ويأتي تفصيلُها، (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ): أحدُها: (حُرِّيَّةٌ)، فلا تجبُ على عبدٍ؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا على مكاتبٍ؛ لأنَّه عبدٌ ومِلْكُه غيرُ تامٍ، وتجب على مُبَعَّضٍ بِقَدْر حرِّيته. (وَ) الثاني: (إِسْلَامٌ)، فلا تجبُ على كافرٍ أصليٍّ أو مرتدٍّ، فلا يقضيها إذا أسلم. (وَ) الثالثُ: (مُلْكُ نِصَابٍ)، ولو لصغيرٍ أو مجنونٍ؛ لعمومِ الأخبارِ وأقوالِ الصحابةِ (١)، فإن نقَصَ عنه فلا زكاةَ، إلا الرِّكازَ.

стр. 504

(وَ) الرابعُ: (اسْتِقْرَارُهُ)، أي: تمامُ المِلْكِ في الجُملةِ، فلا زكاةَ في دَيْنِ الكتابةِ؛ لعدمِ استقرارِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ تَعْجيزَ نفسِه. (وَ) الخامسُ: (مُضِيُّ الحَوْلِ)؛ لقولِ عائشة عن النبي ﷺ : «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» رواه ابنُ ماجه (١)، ورِفْقاً

стр. 505

بالمالكِ؛ ليتكاملِ النَّماءِ فَيُوَاسِيَ منه، ويُعفَى فيه عن نصفِ يومٍ. (فِي غَيْرِ المُعَشَّرِ)، أي: الحبوبِ والثمارِ؛ لقولِه تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، وكذا: المعدِنُ، والرِّكازُ، والعسلُ؛ قياساً عليهما، فإنِ استفادَ مالاً بإرثٍ أو هبةٍ ونحوهِما؛ فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليه الحولُ، (إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ) النتاجُ أو الرِّبحُ (نِصَاباً، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أصْلِهِمَا)، فيجبُ ضمُّهما إلى ما عِندَه (إِنْ كَانَ نِصَاباً)؛ لقولِ عمرَ: «اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وِلِا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ» رواه مالكٌ (١)، ولقولِ

стр. 506

عليٍّ: «عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالكِبَارَ» (١)، فلو ماتتْ واحدةٌ من الأُمَّاتِ (٢) فنُتِجَتْ سخلةً (٣)؛ انقطعَ، بخلافِ ما لو نُتجتْ ثم ماتت. (وَإِلَّا) يَكُن الأصلُ نصاباً (فَـ) حولُ الجميعِ (مِنْ كَمَالِهِ) نصاباً، فلو مَلَكَ خَمْساً وثلاثين شاةً، فنتجَتْ شيئاً فشيئاً؛ فَحَوْلُها مِنْ حين تبلغُ أربعينَ، وكذا لو مَلَكَ ثمانيةَ عشرَ مِثقالاً، ورَبِحَت شيئاً فشيئاً؛ فَحَوْلُها منذ بَلَغَت عشرين. ولا يبني الوارثُ على حَوْلِ الموروثِ. ويُضمُّ المستفادُ إلى نصابٍ بيدِه من جنسِه أو في حُكمِه، ويُزكِّي

стр. 507

كلَّ واحدٍ إذا تمَّ حولُه. (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ) مِنْ مغصوبٍ، أو مسروقٍ، أو موروثٍ مجهولٍ، ونحوِه، (مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ)؛ كثمنِ مبيعٍ وقرضٍ، (عَلَى مَلِيءٍ) باذلٍ (أَوْ غَيْرِهِ؛ أَدَّى زَكَاتَهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى)، رُوي عن عليٍّ (١)؛ لأنَّه يَقدِرُ على قبْضِهِ والانتفاعِ به، قَصَد ببقائِه عليه الفرارَ مِنَ الزَّكاةِ أو لا، ولو قَبَضَ دونَ نصابٍ زكَّاهُ. وكذا لو كان بيدِه دونَ نصابٍ، وباقيه دَيْنٌ أو غصبٌ أو ضالٌ. والحوالةُ به أو الإبراءُ كالقبضِ. (وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ)، فالدَّيْنُ وإن لم يَكُن مِن جنسِ المالِ مانعٌ مِنْ وجوبِ الزكاةِ في قدْرِه، (وَلَوْ كَانَ المَالُ) المزكَّى (ظَاهِراً)؛ كالمواشي والحبوبِ والثمارِ. (وَكَفَّارَةٌ كَدَيْنٍ)، وكذا نذرٌ مطلقٌ، وزكاةٌ، ودينُ حجٍ وغيرِه؛ لأنَّه يجبُ قضاؤه، أشبه دينَ الآدميِّ، ولقولِه ﵇: «دَيْنُ الله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٢).

стр. 508

ومتى بَرِئَ ابتدأ حَوْلاً. (وَإِنْ (١) مَلَكَ نِصَاباً صِغَاراً؛ انْعَقَدَ حَوْلُهُ حِينَ مَلَكَهُ)؛ لعمومِ قولِه ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ» (٢)؛ لأنَّها تقعُ على الكبيرِ والصغيرِ، لكن لو تَغذَّت باللَّبَن فقط لم تجبْ؛ لعدمِ السَّوْمِ. (وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الحَوْلِ) انقطع؛ لعدمِ الشَّرطِ، لكنْ يُعفى في الأثمانِ وقِيَمِ العُروضِ عن نقصٍ يسيرٍ؛ كحبةٍ وحبتين؛ لعدمِ

стр. 509

انضباطِه، (أَوْ بَاعَهُ) - ولو مع خيارٍ- بغيرِ جنسِه؛ انقطع الحولُ، (أوْ أبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ - لَا فِرَاراً مِنَ الزَّكَاةِ -؛ انْقَطَعَ الحَوْلُ)؛ لما تقدَّم، ويستأنفُ حولاً، إلا في ذهبٍ بفضةٍ، وبالعكسِ؛ لأنَّهما كالجنسِ الواحدِ، ويُخرِجُ (١) مما معَه عند الوجوبِ. وإذا اشترى عَرْضاً لتجارةٍ بنقدٍ، أو باعَه به؛ بنى على حولِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الزكاةَ تجبُ في قيمِ العروضِ، وهي مِن جنسِ النقدِ، وإن قَصد بذلك الفرارَ من الزكاةِ لم تسقط؛ لأنَّه قَصَدَ به إسقاطَ حقِّ غيرِه فلم يَسقُطْ، كالمُطَلِّقِ في مرضِ الموتِ. فإن ادَّعى عدمَ الفرارِ وثَمَّ قرينةٌ عُمِلَ بها، وإلا فقولُه. (وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِـ) نصابٍ مِن (جِنْسِهِ)؛ كأربعينَ شاةً بمثلِها أو أكثرَ؛ (بَنَى عَلَى حَوْلِهِ)، والزَّائدُ تَبَعٌ للأصلِ في حولِه كنِتاجِ، فلو أبدل مائةَ شاةٍ بمائتين؛ لزِمَه شاتانِ إذا حال حولُ المائةِ، وإنْ أبْدَلَه بدونِ نصابٍ انْقَطَع. (وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ المَالِ) الذي لو دَفَع زكاتَه منه أجْزَأت؛ كالذَّهبِ، والفضةِ، والبَقرِ، والغنمِ السائمةِ ونحوِها؛ لقولِه ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ» (٢)،

стр. 510

و «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ: العُشْرُ» (١) ونحوُ ذلك، و (فِي) للظرفيةِ، وتعلُّقُها بالمالِ كتعلقِ أرشِ جنايةٍ برقبةِ الجاني، فللمالكِ إخراجُها من غيرِه، والنمَّاءُ بعد وجوبِها له، وإنْ أتلَفَه لزِمَه ما وجب فيه، وله التَّصرُّف فيه بِبيعٍ وغيرِه، فلذلك قال: (وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالذِّمَّةِ)، أي: ذمَّةِ المزكِّي؛ لأنَّه المطالَبُ بها. (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ)؛ كسائرِ العباداتِ، فإنَّ الصومَ يجبُ على المريضِ والحائضِ، والصلاةُ تجبُ على المغمى عليه والنائمِ، فتجبُ في الدَّيْنِ والمالِ الغائبِ ونحوِه كما تقدم (٢)، لكنْ لا يَلزمُه الإخراجُ قَبْلَ حصولِه بيدِه. (وَلَا) يُعتبرُ في وجوبِها أيضاً (بَقَاءُ المَالِ)، فلا تَسقُطُ بتلفِهِ، فرَّطَ أو لم يفرِّطْ؛ كدَيْنِ الآدميِّ، إلا إذا تَلِفَ زرعٌ أو ثمرٌ بجائحةٍ قَبْل حصادٍ وجذاذٍ. (وَالزَّكَاةُ) إذا مات مَنْ وَجَبَت عليه (كَالدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ)؛ لقولِه ﵇: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٣)، فإنْ وَجَبَت وعليه دَيْنٌ بِرَهنٍ وضاق المالُ قُدِّم، وإلا تَحاصَّا، ويُقدَّمُ نذرٌ معيَّنٌ وأضحيةٌ معينةٌ.

стр. 511

(بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) وهي: الإبلُ والبقرُ والغنمُ، وسُمِّيت بهيمةً: لأنَّها لا تَتكلَّمْ. (تَجِبُ) الزكاةُ (فِي إِبِلٍ (١) بَخَاتِي (٢) أو عِرَابٍ (٣)، (وَبَقَرٍ) أهليَّةٍ أو وحشيَّةٍ، ومنها الجواميسُ، (وَغَنَمٍ) ضَأْنٍ أو مَعْزٍ، أهليَّةً أو وحشيَّةً، (إِذَا كَانَتْ) لدرٍّ ونَسْلٍ لا لعملٍ، وكانت (سَائِمَةً)، أي: راعيةً للمباحِ، (الحَوْلَ أَوْ أَكْثَرَهُ)؛ لحديثِ بَهْزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: سمعتُ رسولَ اللهُ ﷺ يقول: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: ابْنَةُ لَبُونٍ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائي (٤)،

стр. 512

وفي حديثِ الصِّدِّيقِ: «وَفِي الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا ... » إلى آخره (١). فلا تجبُ في معلوفةٍ، ولا إذا اشترى لها ما تأكلُه، أو جَمَعَ لها من المباحِ ما تأكلُه. (فَـ) يجبُ (فِي خَمْسٍ (٢) وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ: بِنْتُ مُخَاضٍ (٣) إجماعاً، وهي ما تمَّ لها سنةٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمَّها قد حَمَلَت، والماخِضُ: الحاملُ، وليس كونُ أمِّها ماخِضاً بشرطٍ (٤)، وإنما ذُكِر

стр. 513

تعريفاً لها بغالبِ أحوالِها. (وَ) يجبُ (فِيمَا دُونَهَا)، أي: دونَ خمسٍ وعشرين: (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) بصفةِ الإبلِ، إن لم تَكُن معيبةً، ففي خَمْسٍ مِنَ الإبلِ كِرَامٍ سمانٍ شاةٌ كريمةٌ سمينةٌ، وإنْ كانت الإبلُ معيبةً ففيها شاةٌ صحيحةٌ تَنقُص قيمتُها بقَدْرِ نَقْصِ الإبلِ. ولا يُجزئ بَعيرٌ ولا بقرةٌ، ولا نِصْفَا شاتين. وفي العَشْرِ شاتان، وفي خمسَ عشرةَ ثلاثُ شِياه، وفي عشرين أربعُ شِياه، إجماعاً في الكلِّ. (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ)؛ ما تمَّ لها سنتان؛ لأنَّ أمَّها قد وضَعَت غالِباً، فهي ذاتُ لبَنٍ (١). (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ)؛ ما تمَّ لها ثلاثُ سنينَ؛ لأنَّها استحَقَّت أن يَطْرُقَها الفَحْلُ، وأن يُحْمَلَ عليها وتُرْكَبَ. (وَفِي إِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ)، بالذال المعجمة؛ ما تمَّ لها أربعُ سنينَ؛ لأنَّها تُجْذِع إذا سَقَطَت سِنُّها، وهذا أعلى سِنٍّ يجبُ في الزكاةِ. (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إجماعاً.

стр. 514

(فَإِذَا زَادَتْ عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً: فَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)؛ «لِحَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ» رواه أبو داودَ، والترمذي وحسَّنه (١). (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ)، ففي مائةٍ وثلاثين: حِقةٌ وبِنتَا لبونٍ، وفي مائةٍ وأربعين: حِقتانِ وبِنتُ لبونٍ، وفي مائةٍ وخمسين: ثلاثُ حقاقٍ، وفي مائةٍ وستين: أربعُ بناتِ لبونٍ، وفي مائةٍ وسبعين: حقةٌ وثلاثُ بناتِ لبونٍ، وهكذا، فإذا بَلَغَت مائتين خُيِّرَ بين أربعِ حقاقٍ، وخمسِ بناتِ لبونٍ. ومَن وَجَبَت عليه بنتُ لبونٍ - مثلاً - وعَدِمَها، أو كانت معيبةً؛ فله أن يَعْدِلَ إلى بنتِ مخاضٍ ويدفعَ جُبْرَاناً، أو إلى حِقَّةٍ ويأخذَه، وهو شاتان أو عشرون دِرهماً، ويُجزئُ شاةٌ وعشرةُ دراهِمَ.

стр. 515

ويَتعيَّنُ على وليِّ مَحجورٍ عليه إخراجُ أَدْوَنَ مُجْزئٍ. ولا دَخْلَ لجبرانٍ في غيرِ إبلٍ. (فَصْلٌ) في زكاةِ البَقَرِ وهي مُشتقةٌ مِن بَقَرْتُ الشيءَ: إذا شقَقْتُه؛ لأنَّها تَبْقُرُ الأرضَ بالحراثةِ. (وَيَجِبُ فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ) أهليَّةً كانت أو وحشيَّةً: (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ)، لكلٍّ منهما سَنةٌ، ولا شيء فيما دونَ الثلاثين؛ لحديثِ معاذٍ حين بعثه النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ (١).

стр. 516

(وَ) يجبُ (فِي أَرْبَعِينَ (١): مُسِنَّةٌ) لها سنتان، ولا يُجزئُ مُسِنٌّ، ولا تبيعان (٢). (ثُمَّ) يجبُ (فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ)، فإذا بَلَغَت ما يتَّفِقُ فيه الفَرْضان كمائةٍ وعشرين؛ خُيِّر؛ لحديثِ معاذٍ، رواه أحمد (٣).

стр. 517

(وَيُجْزِئُ الذَّكَرُ هُنَا)، وهو التبيعُ في الثلاثين مِنَ البقرِ؛ لورودِ النصِّ فيه. (وَ) يجزئُ (ابْنُ لَبُونٍ) وحقٌّ وجَذَعٌ (مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ) عِند عَدَمِها. (وَ) يجزئُ الذَّكَرُ (إِذَا كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُوراً)، سواءٌ كان مِنْ إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ؛ لأنَّ الزَّكاةَ مُوَاساةٌ، فلا يُكلَّفُها مِنْ غيرِ مالِه. (فَصْلٌ) في زكاةِ الغَنمِ (وَيَجِبُ فِي أَرْبَعِينَ مِنَ الغَنَمِ) ضأناً كانت أو مَعْزاً، أهليَّةً أو وحشيَّةً: (شَاةٌ)؛ جَذَعُ ضَأْنٍ، أو ثَنِيُّ مَعْزٍ، ولا شيء فيما دونَ الأربعين. (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ) إجماعاً. (وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاثُ شِياهٍ).

стр. 518

(ثُمَّ) تَستقرُّ الفريضةُ، (فِي كُلِّ مِائَةٍ: شَاةٌ)، ففي خمسمائةٍ: خَمْسُ شياهٍ، وفي ستمائةٍ: سِتُّ شياهٍ، وهكذا. ولا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ (١)، ولا مَعِيبَةٌ لا يُضحَّى بها إلَّا إنْ (٢) كان الكلُّ كذلك، ولا حامِلٌ، ولا الرُّبَّى (٣) التي تُربِّي ولدَها، ولا طَروقَةُ الفَحْلِ، ولا كريمةٌ، ولا أَكولةٌ، إلا أن يشاءَ ربُّها. وتُؤخذُ مريضةٌ مِنْ مِرَاضٍ، وصغيرةٌ مِنْ صِغَارِ غنمٍ، لا إبلٍ وبقرٍ، فلا يُجزئُ فُصْلَانٌ (٤) وعَجَاجيلُ (٥). وإنْ اجتمع صِغارٌ وكبارٌ، وصِحاحٌ ومعيباتٌ، وذكورٌ وإناثٌ؛ أُخذت أُنثى صحيحةٌ كبيرةٌ على قَدْرِ قيمةِ المالين. وإنْ كان النِّصابُ نَوْعَيْن؛ كبخاتي وعرابٍ، وبقرٍ وجواميسَ، وضأنٍ ومعْزٍ؛ أُخذت الفريضةُ مِنْ أحدِهما على قدْرِ قِيمةِ المالين. (وَالخُلْطَةُ) بضمِّ الخاءِ، أي: الشركةُ (تُصَيِّرُ المَالَيْنِ) المختلطينِ

стр. 519

(كَـ) المالِ (الوَاحِدِ) إنْ كانَا نصاباً مِنْ ماشيةٍ والخَليطانِ من أهلِ وجوبِها، سواءٌ كانت خُلطَةَ أعْيَانٍ بكونِه مشاعاً؛ بأن يكونَ لكلٍّ نصفٌ أو نحوُه، أو خُلطةَ أوصافٍ بأنْ تميَّزَ ما لكلٍّ، واشتَرَكَا في: مُراحٍ - بضم الميم-: وهو المَبيتُ والمأْوَى، ومَسْرَحٍ: وهو ما تَجتمعُ فيه لتذهبَ للمرعى، ومحلَبٍ: وهو موضعُ الحَلْبِ، وفحلٍ: بأنْ لا يختصَّ بطَرْقِ أحَدِ المالين، ومَرْعى: وهو موضعُ الرَّعي ووقتُه؛ لقولِه ﵇: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» رواه الترمذي وغيرُه (١). فلو كان (٢) لإنسانٍ شاةٌ ولآخرَ تسعةٌ (٣) وثلاثون، أو لأربعين رجلاً أربعون شاةٍ، لكلِّ واحدٍ شاةٌ، واشتركَا حولاً تامًّا؛ فعليهم شاةٌ على حَسَبِ مِلكِهم. وإذا كان لثلاثةٍ مائةٌ وعشرون شاةً، لكلِّ واحدٍ أربعون، ولم يَثبُت لأحدِهم حُكمُ الانفرادِ في شيءٍ مِنَ الحولِ؛ فعلى الجميعِ شاةٌ أثلاثاً. ولا أَثَرَ لخلطةِ مَنْ ليس مِن أهلِ الزكاةِ، ولا فيما دونَ نصابٍ،

стр. 520

ولا لخُلطةِ مغصوبٍ. وإذا كانت سائمةُ الرَّجُلِ متفرِّقةً فوقَ مسافةِ قَصْرٍ؛ فلكلِّ محلٍّ حُكْمُه. ولا أثر للخُلطةِ ولا للتفريقِ (١) في غيرِ ماشيةٍ، ويَحرُمان فراراً؛ لما تقدَّم.

стр. 521

(بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَارِ) قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]، والزَّكاةُ تُسمَّى: نفقةٌ. (تَجِبُ) الزكاةُ (فِي الحُبُوبِ كُلِّهَا)؛ كالحِنْطَةِ (١)، والشَّعيرِ، والأرزِ (٢)، والدُّخْنِ، والبَاقِلَاءِ (٣)، والعَدَسِ، والحِمّصِ (٤)، وسائرِ الحبوبِ (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُوتاً)؛ كحبِّ الرَّشادِ، والفُجْلِ (٥)، والقِرْطِمِ (٦)، والأَبَازِيرِ (٧)؛ كالكُسْفُرةِ (٨)،

стр. 522

والكَمُّونِ (١)، وبزْرِ (٢) الكَتَّانِ (٣)، والقِثَّاءِ (٤)، والخِيارِ؛ لعمومِ قولِه ﵇: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ: العُشْرُ» رواه البخاري (٥)، (وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ)؛ لقولِه ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٦)، فدل على اعتبارِ التَّوسِيقِ، وما لا يُدَّخَرُ لا تَكْمُلُ فيه النِّعمةُ؛ لعدمِ النَّفعِ به مآلاً؛ (كَتَمْرٍ، وَزَبِيبٍ)، ولَوْزٍ، وفُسْتُقٍ، وبُنْدُقٍ (٧). ولا تجبُ في سائرِ الثمارِ، ولا في الخُضَرِ، والبُقُولِ، والزُّهورِ

стр. 523

ونحوِها، غيرَ صَعْتَرٍ (١)، وأُشْنَانٍ، وسُمَّاقٍ (٢)، وورقِ شَجَرٍ يُقْصَدُ؛ كسِدْرٍ (٣)، وخِطْمِيٍّ، وآسٍ (٤)، فتجبُ فيها؛ لأنَّها مكيلَةٌ مدَّخَرةٌ. (وَيُعْتَبَرُ) لوجوبِ الزكاةِ في جمَيعِ ذلك: (بُلُوغُ نِصَابٍ قَدْرُهُ) - بعد تَصْفيةِ حَبٍّ مِن قِشْرِه، وجَفَافِ غيرِه -: خَمسَةُ أَوْسُقٍ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدري يرفعُه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» رواه الجماعة (٥). والوَسَقُ: سِتون صاعاً، وتقدَّم أنَّه خمسَةُ أَرطَالٍ وثُلُثُ عراقيٍّ، فهي (أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ)، وألفٌ وأربعمائةٍ وثمانيةٌ وعشرون رطلاً، وأربعةُ أسْبَاعِ رِطلٍ مصريٍّ، وثلاثُمائةٍ واثنان وأربعون رطلاً، وسِتَةُ أسْبَاعِ رطلٍ دمشقيٍّ، ومائتان وسبعةٌ وخمسون رطلاً وسُبُع رطلٍ قدسيٍّ. والوَسَقُ، والصَّاعُ، والمُدُّ: مَكاييلُ نُقِلت إلى الوزنِ لتحفظَ

стр. 524

وتنقلَ، وتُعْتَبُر بالبُرِّ الرَزِينِ، فمَن اتَّخذ مَكيلاً يَسَعُ صاعاً منه عَرَف به ما بلَغ حدَّ الوجوبِ مِن غيرِه. (وَتُضَمُّ) أنواعُ الجِنْسِ مِنْ (ثَمَرَةِ العَامِ الوَاحِدِ) وزرعِه (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ)، ولو ممَّا يَحملُ في السَّنةِ حَمْلَين (فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ)؛ لعمومِ الخبرِ، وكما لو بَدَا صلَاحُ إحداها قبل الأُخرى، سواءٌ اتَّفق وقتُ إطلاعِها وإدراكِها أو (١) اختلف، تعدَّد البلدُ أو لا (٢)، (لَا جِنْسٌ إِلَى آخَرَ)، فلا يُضَمُّ بُرٌّ لشعيرٍ، ولا تَمْرٌ لزبيبٍ في تكميلِ نصابٍ؛ كالمواشي. (وَيُعْتَبَرُ) أيضاً لوجوبِ الزكاةِ فيما تقدَّم: (أَنْ يَكُونَ) النِّصَابُ (مَمْلُوكاً لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةَ)، وهو بُدُّو الصَّلاحِ. (فَلَا تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يَأْخُذُهُ بِحَصَادِهِ)، وكذا ما مَلَكه بعد بُدوِّ الصَّلاحِ بشراءٍ أو إرثٍ أو غيرِه، (وَلَا فِيمَا يَجْتَنِيهِ مِنَ المُبَاحِ، كَالبُطْمِ (٣)، وَالزَّعْبَلِ) بوزنِ جعفرَ، وهو شعيرُ الجبلِ، (وَبِزْرِ قَطُونَا (٤)،

стр. 525

وحَبِ نَمَّام (١)، (وَلَوْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ)؛ لأنَّه لا يَملكُه بملْكِ الأرضِ. فإن نَبَت بنفسِه ما يزرعُه الآدميُّ، كمَنْ سقط له حبُّ حِنْطةٍ في أرضِه أو أرضٍ مباحةٍ؛ ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه يَملكُه وقتَ الوجوبِ. (فَصْلٌ) (يَجِبُ عُشْرٌ) وهو واحدٌ مِن عشرةٍ (فِيمَا سُقِيَ بِلَا مَؤُنَةٍ)؛ كالغَيْثِ، والسيوحِ، والبعلِ (٢) الشَّاربِ بعروقِه. (وَ) يجبُ (نِصْفُهُ)، أي: نصفُ العُشْرِ (مَعَهَا)، أي: مع المؤنةِ؛ كالدُّولابِ تُديرُه البقرُ (٣)، والنواضِحِ يُسْتقَى عليها؛ لقولِه ﵇ في حديثِ ابنِ عمرَ: «وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» رواه البخاري (٤). (وَ) يجبُ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ)، أي: أرباعِ العُشرِ (بِهِمَا)، أي: فيما يَشربُ بلا مُؤنةٍ وبِمؤنةٍ نِصفين، قال في المبدعِ: (بغيرِ خلافٍ نعلمُه) (٥).

стр. 526

(فَإِنْ تَفَاوَتَا)، أي: السقي بمؤنةٍ وبغيرِها؛ (فَـ) الاعتبارُ (بِأَكْثَرِهِمَا نَفْعاً) ونموًّا؛ لأنَّ اعتبارَ عددِ السَّقي وما يُسقَى به في كلِّ وقتٍ مُشِقٌّ، فاعْتُبِر الأكثرُ؛ كالسَّومِ. (وَمَعَ الجَهْلِ) بأكثرِهما نفعاً (العُشْرُ)؛ ليَخرجَ مِنْ عُهْدةِ الواجبِ بيقينٍ. وإذا كان له حائطان، أحدُهما يُسْقَى بمؤنةٍ والآخرُ بغيرِها؛ ضُمَّا في النصابِ، ولكلِّ منهما حُكْمُ نفسِه في سَقْيِه بمؤنةٍ أو غيرِها. ويُصَدَّقُ مالِكٌ فيما سَقَى به. (وَإِذَا اشْتَدَّ الحَبُّ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ؛ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ)؛ لأنَّه يُقْصَدُ للأَكلِ والاقتياتِ، كاليابسِ، فلو باع الحبَّ أو الثمرةَ أو تَلِفا بتعديه بَعْدُ؛ لم تسقطْ، وإنْ قطعَهما أو باعَهما قبلَه فلا زكاةَ؛ إن لم يَقصِدْ الفِرارَ منها. (وَلَا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي البَيْدَرِ) ونحوِه، وهو موضعُ تَشْمِيسِها وتَيْبِيسِها؛ لأنَّه قبل ذلك في حُكْمِ ما لم تَثْبت اليدُ عليه. (فَإِنْ تَلِفَتْ) الحبوبُ أو الثمارُ (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ جعلِها في البَيْدَرِ (بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ) ولا تفريطٍ؛ (سَقَطَتْ)؛ لأنَّها لم تستقِرَّ. وإن تلِف البعضُ؛ فإن كان قبل الوجوبِ زكَّى الباقي إن بَلَغ

стр. 527

نصاباً، وإلا فلا، وإن كان بعدَه زكَّى الباقي مطلقاً حيثُ بلَغ مع التَّالفِ نصاباً. ويَلزمُ إِخْراجُ حبٍّ مُصفًّى، وثَمِرٍ يابساً. ويَحرمُ شِراءُ زكاتِه أو صدقتِه، ولا يَصحُّ. ويُزَكِّي كلَّ نوعٍ على حِدَتِه. (وَيَجِبُ العُشْرُ) أو نصفُه (عَلَى مُسْتَأْجِرِ الأَرْضِ دُونَ مَالِكِهَا)؛ كالمستعيرِ؛ لقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]. ويَجتمعُ العُشْرُ والخَراجُ في أرضٍ خَرَاجيَّةٍ. ولا زكاةَ في قَدْرِ الخَراجِ إنْ لم يَكُن له مالٌ آخرُ. (وَإِذَا أخَذَ مِنْ مُلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ)؛ كرؤوسِ الجبالِ، (مِنَ العَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلاً عِرَاقِيًّا؛ فَفِيهِ عُشْرُهُ)، قال الإمامُ: (أذهبُ إلى أنَّ في العسلِ زكاة العُشْرِ، قد (١) أخذ عمرُ منهم الزكاةَ) (٢).

стр. 528

ولا زكاةَ فيما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ على الشَّجرِ؛ كالمَنِّ، والتَّرَنْجَبِيلِ (١).

стр. 529

ومَنْ زكَّى ما ذُكر مِن المُعشَّراتِ مرةً؛ فلا زكاةَ فيه بَعْدُ؛ لأنَّه غيرُ مُرصدٍ للنماءِ (١). والمَعْدِنُ (٢) إن كان ذهباً أو فضةً ففيه رُبْعُ عُشْرِه إنْ بلَغ نصاباً، وإن كان غيرَهما ففيه رُبْعُ عُشْرِ قيمتِه إن بلَغَت نصاباً بعد سَبكٍ وتصفيةٍ، إن كان المُخرِجُ له مِن أهلِ وجوبِ الزكاةِ. (وَالرِّكَازُ: مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ)، بكسرِ الدالِ، أي: مَدْفَونِهم، أو مَنْ تَقدَّم مِن كفارٍ، عليه أو على بعضِه علامةُ كفرٍ فقط، (فِيهِ (٣) الخُمُسُ فِي (٤) قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ)، ولو عَرْضاً؛ لقولِه ﷺ : «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ (٥). ويُصرفُ مَصرِفَ الفيءِ المطلقِ للمصالحِ كلِّها، وباقيه لواجدِه، ولو أجيراً لغيرِ طلبِه.

стр. 530

وإنْ كان على شيءٍ منه علامةُ المسلمين؛ فلُقَطةٌ، وكذا إنْ لم تَكُنْ علامةٌ.
следующие страницы →