← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومَنْ مَلَك - ولو من أثمانٍ - ما لا يقومُ بكفايتِه؛ فليس بغَنِيٍّ. (وَ) الثالثُ: (العَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمْ): السَّعاةُ الذين يبعثُهم الإمامُ لأخذِ الزكاةِ مِن أربابِها؛ كـ (جُبَاتِهَا، وَحُفَّاظِهَا)، وكُتَّابِها، وقُسَّامِها. وشُرِطَ كونُه مُكلَّفاً، مسلماً، أميناً، كافياً، مِنْ غيرِ ذوي القربى. ويُعطى قَدْرَ أجرتِه منها ولو غنيًّا. ويجوزُ كونُ حاملِها وراعيها ممن مُنِع منها. الصنفُ (الرَّابِعُ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم)، جمعُ مؤلَّفٍ، وهو: السيدُ المطاعُ في عشيرتِه (مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِ، أَوْ يُرجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ)، أو إسلامُ نظيرِه، أو جبايتُها ممَّن لا يُعطيها، أو دَفْعٌ عن المسلمين. ويُعطَى ما يحصلُ به التأليفُ عند الحاجةِ فقط، فَتَرْكُ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ إعطائِهم (١)؛ لعدمِ الحاجةِ إليه في خلافتِهم،

стр. 562

لا لسقوطِ سهمِهم، فإنْ تعذَّر الصَّرفُ إليهم رُدَّ على بقيةِ الأصنافِ. (الخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمْ: المُكَاتَبُونَ)، فيُعْطَى المكاتبُ وفاءَ دَيْنِه لعجزِه عن وفاءِ ما عليه، ولو مع قدرتِه على التكسُّبِ، ولو قبل حُلولِ نجمٍ. ويجوزُ أن يشتريَ منها رقبةً لا تَعْتِقُ عليه فيعتِقَها؛ لقولِ ابنِ عباسٍ (١).

стр. 563

(وَ) يجوزُ أنْ (يُفَكَّ مِنْهَا الأَسِيرُ المُسْلِمُ)؛ لأنَّ فيه فكَّ رقبةٍ من الأَسْرِ. لا أنْ يُعْتِقَ قِنَّهُ أو مكاتَبَه عنها (١). (السَّادِسُ (٢): الغَاِرمُ)، وهو نوعان: أحدُهما: غارمٌ (لِإِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ)، أي: الوصلِ، بأنْ يقع بين جماعةٍ عظيمةٍ -كقبيلتين أو أهلِ قريتين- تشاجرٌ في دماءٍ وأموالٍ، ويحدثُ بسببِها الشَّحناءُ والعداوةُ، فيتوسَّطُ الرجلُ بالصلحِ بينَهما، ويلتزمُ في ذمَّتِه مالاً عوضاً عمَّا بينهم لِيُطْفِئَ الثائرةَ (٣)، فهذا قد أتى معروفاً عظيماً، فكان مِنَ المعروفِ حَمْلُه عنه من الصدقةِ؛ لئلا يُجْحِفَ ذلك بساداتِ القومِ المصلحين، أو يُوهِنَ عزائِمَهم، فجاء الشرعُ بإباحةِ المسألةِ فيها، وجَعَل لهم نصيباً من الصدقةِ، (وَلَوْ مَعَ غِنىً) إن لم يَدفعْ من مالِه. النوعُ الثاني ما أشير إليه بقولِه: (أَوْ) تدَيَّن (لِنَفْسِهِ) في شراءٍ مِنْ كفارٍ، أو مباحٍ، أو محرمٍ وتاب، (مع الفقر)، ويُعطى وفاءَ دينِه ولو

стр. 564

للهِ، ولا يجوزُ له صرفُه في غيرِه ولو فقيراً، . وإنْ دُفِع إلى الغارمِ لفقرِه؛ جاز أن يَقضيَ منه دَيْنَه. (السَّابِعُ (١): فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ: الغُزَاةُ المُتَطَوِّعَةُ، أَيْ): الذين (لَا دِيوَانَ لَهُمْ)، أو لهم دونَ ما يكفيهم، فيُعطى ما يكفيه لغزوِه ولو غنيًّا. ويُجزئُ (٢) أنْ يُعطى منها لحجِّ فرضِ فقيرٍ وعمرتِه، لا أن يشتريَ منها فرساً يُحبِّسُها، أو عقاراً يقِفُه على الغزاةِ. وإن لم يَغْزُ رَدَّ ما أخذه، نَقَل (٣) عبدُ الله: (إذا خرج في سبيلِ اللهِ أَكَلَ من الصدقةِ) (٤). (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ)، وهو: (المُسَافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ)، أي: بسفرِه المباحِ، أو المحرَّمِ إذا تاب، (دُونَ المُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ) إلى غيرِها؛ لأنَّه ليس في سبيلٍ؛ لأنَّ السبيلَ هي الطريقُ، فسُمِّيَ (٥) مَنْ لزِمها ابنَ السبيلِ، كما يُقالُ: ولدُ الليلِ لمن يَكثُرُ خروجُه فيه، وابنُ الماءِ لطيرِه؛ لملازمتِه له، (فَيُعْطَى) ابنُ السبيلِ (مَا يُوصِلُهُ إِلَى

стр. 565

بَلَدِهِ)، ولو وَجَد مُقرِضاً. وإن قصَد بَلَداً واحتاج قبلَ وصولِه إليها؛ أُعْطِي ما يصِل به إلى البلدِ الذي قصده، وما يَرجِعُ به إلى بلدِه. وإنْ فَضَلَ مع ابنِ سبيلٍ (١)، أو غازٍ، أو غارمٍ، أو مكاتبٍ شيءٌ؛ ردَّه، وغيرُهم يتصرَّفُ بما شاء؛ لملكِه له مُستقِرًّا. (وَمَنْ كَانَ ذَا عِيالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ عائلتِه مقصودٌ دفعُ حاجتِه. ويُقلَّدُ مَنِ ادَّعى عِيالاً أو فقراً ولم يُعْرف بغِنىً. (وَيَجُوزُ صَرْفُهَا)، أي: الزكاةِ (إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ)؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١]، ولحديثِ معاذٍ حين بعثه ﷺ إلى اليمنِ فقال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه (٢)، فلم يُذكر في الآيةِ والخبرِ إلا صنفٌ واحدٌ. ويُجزئُ الاقتصارُ على إنسانٍ واحدٍ - ولو غريمِه أو مكاتبِه- إن لم يكن حِيلةً؛ «لأنَّهُ ﵇ أَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِم إِلَى

стр. 566

سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ» (١)، وقال لقبيصةَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (٢). (ويُسَنُّ) دفعُها (إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُم)؛ كخالِه وخالتِه، على قدْرِ حاجتِهم، الأقربُ فالأقربُ؛ لقولِه ﵇: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي القَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٣).

стр. 567

(فَصْلٌ) (وَلَا) يُجزئُ أن (تُدْفَعُ إِلَى هَاشِمِيٍّ)، أي: مَن يُنسبُ إلى هاشمٍ بأن يكونَ مِنْ سلالتِه، فدخل: آل عباسٍ، وآل عليٍّ، وآل جعفرَ، وآل عقيلٍ، وآل الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، وآل أبي لَهَبٍ؛ لقولِه ﵇: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أخرجه مسلم (١). لكن تُجزئُ إليه إنْ كان غازياً، أو غارماً لإصلاحِ ذاتِ بَيْنِ، أو مؤلَّفاً. (وَ) لا إلى (مُطَّلِبيٍّ)؛ لمشاركتِهم لبني هاشمٍ في الخُمُسِ، اختاره القاضي وأصحابُه، وصحَّحه ابنُ المنجَّا (٢)، وجزم به في الوجيزِ وغيرِه (٣).

стр. 568

والأصحُّ: تُجزئُ إليهم، اختاره الخرقيُّ (١)، والشيخان وغيرُهم (٢)، وجزم به في المنتهى والإقناعِ (٣) (٤)؛ لأنَّ آيةَ الأصنافِ وغيرَها مِنَ العموماتِ تتناولُهم، ومشاركتُهم لبني هاشمٍ في الخُمُسِ ليس لمجردِ قرابتِهم، بدليلِ: أنَّ بني نوفلٍ وبني عبدِ شمسٍ مثلُهم، ولم يعطَوا شيئاً مِنَ الخُمُسِ، وإنما شاركوهم بالنصرةِ مع القرابةِ، كما أشار إليه ﵇ بقولِه: «لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (٥)، والنصرةُ لا تَقتضي حِرمانَ الزكاةِ.

стр. 569

(وَ) لا إلى (مَوَالِيهِمَا)؛ لقولِه ﵇: «وَإِنَّ مَوْلَى (١) القَوْمِ مِنْهُمْ» رواه أبو داودَ، والنسائي، والترمذي وصحَّحه (٢)، لكنْ على الأصحِّ: تُجزئُ إلى موالي بني المطَّلبِ كإليهِم. ولكلٍّ أخذُ صدقةِ تطوعٍ، ووصيةٍ أو نذرٍ لفقراءَ، لا كفارةٍ. (وَلَا إِلَى فَقِيرَةٍ تَحْتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ)، ولا إلى فقيرٍ يُنفِقُ عليه مَن وجبت عليه نفقتُه مِن أقاربِه؛ لاستغنائِه بذلك. (وَلَا إِلَى فَرْعِهِ)، أي: ولدِه وإن سَفَل (٣)، مِن ولدِ الابنِ أو ولدِ البنتِ، (وَ) لا إلى (أَصْلِهِ)، كأبيه، وأمِّه، وجدِّه، وجدَّتِه مِن قِبَلِهما وإن علوا، إلا أن يكونوا عمالاً، أو مُؤلَّفين، أو غُزاةً، أو غارِمين لذاتِ بينٍ.

стр. 570

ولا تُجزئُ أيضاً إلى سائرِ مَن تلزمُه نفقتُه، ما لم يكن عاملاً، أو غازياً، أو مؤلَّفاً، أو مكاتَباً، أو ابنَ سبيلٍ، أو غارِماً لإصلاحِ ذاتِ بينٍ. وتُجزئُ إلى مَن تبرَّع بنفقتِه بضمِّه إلى عيالِه، أو تعذَّرت نفقتُه مِن زوجٍ أو قريبٍ بنحوِ غيبةٍ أو امتناعٍ. (وَلَا) تُجزئُ (إِلَى عَبْدٍ) كاملِ رقٍّ، غيرَ عاملٍ ومكاتَبٍ. (وَ) لا إلى (زَوْجٍ)، فلا يُجزئُها دفعُ زكاتِها إليه، ولا بالعكسِ. وتُجزئُ إلى ذوي أرحامِه مِن غيرِ عَمودَي النسبِ. (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ) لأخْذِها (فَبَانَ أَهْلاً)؛ لم تُجزئْهُ؛ لعدمِ جَزْمِه بنيةِ الزكاةِ حالَ دفْعِها لمن ظنَّه غيرَ أهلٍ لها. (أَوْ بِالعَكْسِ)، بأن دَفَعها لغيرِ أهلِها ظانًّا أنَّه أهلُها؛ (لَمْ يُجْزِئْه)؛ لأنَّه لا يخفى حالُه غالِباً، وكدَيْنِ الآدميِّ، (إَلَّا) إذا دفعها (لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً) فتجزئُه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أعطى الرجلين الجَلْدَين، وقال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (١).

стр. 571

(وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ)، حثَّ اللهُ عليها في كتابِه العزيزِ في آياتٍ كثيرةٍ، وقال ﵇: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» رواه الترمذي وحسَّنه (١). (وَ) هي (فِي رَمَضَانَ)، وكلِّ زمانٍ ومكانٍ فاضلٍ -كالعشرِ والحَرمين- أفضلُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ... » الحديث، متفق عليه (٢)، (وَ) في (أَوْقَاتِ الحَاجَاتِ أَفْضَلُ)، وكذا على ذي رحمٍ، لا سِيمَّا مع عداوةٍ، وجارٍ؛ لقولِه تعالى: (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: ١٥ - ١٦]، ولقولِه ﵇: «الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» (٣).

стр. 572

(وَتُسَنُّ) الصدقةُ (بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَ) كفايةِ (مَنْ يَمُونُهُ)؛ لقولِه ﵇: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» متفق عليه (١). (وَيَأْثَمُ) مَنْ تصدَّق (بِمَا يُنْقِصُهَا)، أي: يُنْقِصُ مؤنةً تلزمُه، وكذا لو أضرَّ بنفسِه أو غريمِه أو كفيلِه؛ لقولِه ﵇: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (٢). ومَن أراد الصدقةَ بمالِه كلِّه وله عائلةٌ لهم كفايةٌ أو يَكفيهِم بمكسبِه؛ فله ذلك؛ لقصةِ الصِّديقِ (٣). وكذا لو كان وحدَه ويعلمُ مِن نفسِه حُسْنَ التَّوكلِ والصَّبرِ على المسألةِ، وإلا حَرُم.

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 574

الروض المربع بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع

стр. 575

الروض المربع بشرح زاد المستنقع مختصر المقنع للعلامة منصور بن يونس البهوتي (ت: ١٠٥١ هـ) قوبل على نسخة مقروءة على المؤلف وخمس نسخ أخرى تحقيق أ. د خالد بن علي المشيقح د. عبد العزيز بن عدنان العيدان د. أنس بن عادل اليتامى المجلد الثاني من أول كتاب الصيام إلى نهاية كتاب الوصايا

стр. 576

(كِتَابُ الصِّيَامِ) لغةً: مجرَّدُ الإمساكِ، يقالُ للسَّاكتِ: صائمٌ؛ لإمساكِه عن الكلامِ، ومنه: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: ٢٦]. وفي الشرعِ: إمساكٌ بنيةٍ عن أشياءَ مخصوصةٍ، في زمنٍ معيَّنٍ، مِنْ شخصٍ مخصوصٍ. وفُرِضَ صومُ رمضانَ في السنةِ الثانيةِ مِنَ الهجرةِ، قال ابنُ حجرٍ في شرحِ الأربعين: (في شعبانَ). انتهى (١)، فصام رسولُ اللهِ ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعاً (٢). (يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ)؛ لقولِه تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وقولِه ﵇: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٣). والمستحبُّ قولُ: شهرُ رمضانَ، كما قال اللهُ تعالى، ولا يُكرَه قولُ رمضانَ.

стр. 577

(فَإِنْ لَمْ يُرَ) الهلالُ (مَعَ صَحْوٍ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ) مِنْ شعبانَ؛ (أَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ)، وكُرِه الصومُ؛ لأنَّه يومُ الشكِّ المنهيُّ عنه. (وَإِنْ حَالَ دُونَهُ)، أي: دونَ هلالِ رمضانَ، بأنْ كان في مطلَعِه ليلةَ الثلاثين مِنْ شعبانَ (غَيْمٌ، أَوْ قَتَرٌ)، بالتَّحريكِ، أي: غَبَرةٌ، وكذا دخانٌ؛ (فَظَاهِرُ المَذْهَبِ: يَجِبُ صَوْمُهُ)، أي: صومُ يومِ تلك الليلةِ، حُكماً ظنيًّا احتياطاً، بنيةِ رمضانَ، قال في الإنصافِ: (وهو المذهبُ عند الأصحابِ، ونصروه، وصنَّفوا فيه التصانيفَ، وردُّوا حُجَجَ المخالفِ، وقالوا: نصوصُ أحمدَ تَدُلُّ عليه) (١). ا. هـ، وهذا قولُ عمرَ (٢)، وابنِه (٣)، وعمرو بنِ العاصِ (٤)، وأبي

стр. 578

هريرةَ (١)، وأنسٍ (٢)، ومعاويةَ (٣)، وعائشةَ (٤) وأسماءَ (٥) ابنتا (٦) أبي بكرٍ الصديقِ ﵃؛ لقولِه ﵇: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ

стр. 579

فَاقْدُرُوا لَهُ» (١)، قال نافعٌ: (كان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذا مضى مِنَ الشهرِ تسعةً وعشرون يوماً يَبْعَثُ مَنْ ينظُرُ له الهلالَ، فإن رأى فذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُل دونَ منظرِه سحابٌ ولا قترٌ أصبح مفطراً، وإن حال دونَ منظرِه سحابٌ أو قترٌ أصبح صائماً) (٢)، ومعنى: «اقْدُرُوا لَهُ»، أي: ضَيِّقوا، بأن يُجعلَ شعبانَ تسعاً وعشرين، وقد فسَّره ابنُ عمرَ بفعلِه، وهو راويه وأعلمُ بمعناه، فيجِبُ الرجوعُ إلى تفسيرِه. ويُجزئُ صومُ ذلك اليومِ إنْ ظهر منه، وتُصلَّى التراويحُ تلك الليلةِ، ويجبُ إمساكُه على مَنْ لم يُبَيِّت نيَّتَه، لا عِتقٌ أو طلاقٌ معلَّقٌ برمضانَ. (وَإِنْ رُئِيَ) الهلالُ (نَهَاراً) ولو قَبْل الزَّوالِ؛ (فَهْوَ للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)؛ كما لو رُؤِيَ آخرَ النهارِ، وروى البخاري في تاريخِه مرفوعاً: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَرَوا الهِلَالَ يَقُولُونَ: ابْنُ لَيْلَتَيْنِ» (٣).

стр. 580

(وَإِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ)، أي: متى ثَبَتَتْ رُؤْيَتُه ببلدٍ؛ (لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ)؛ لقولِه ﵇: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ (١)»، وهو خطابٌ للأُمةِ كافةً، فإن رآه جماعةٌ ببلدٍ ثم سافروا لبلدٍ بعيدٍ فلم يُرَ الهلالُ به في آخرِ الشَّهرِ؛ أفطروا. (ويُصَامُ) وجوباً (بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ) مكلَّفٍ، ويكفي خبرُه بذلك؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» رواه أبو داود (٢)، (وَلَوْ) كان

стр. 581

(أُنْثَى)، أو عبداً، أو بدونِ لفظِ الشهادةِ. ولا يَختصُّ بحاكمٍ، فيلزمُ الصومُ من سَمِع عدلاً يُخبرُ برؤيتِه، وتثبُتُ بقيةُ الأحكامِ. ولا يُقْبلُ في شوالٍ وسائرِ الشهورِ إلَّا ذَكَرانِ بلفظِ الشهادةِ. ولو صاموا ثمانيةً وعشرين يوماً ثم رأوه؛ قضوا يوماً فقط. (فَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْماً فَلَمْ يُرَ الهِلَالُ)؛ لم يُفطروا؛ لقولِه ﵇: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (١). (أَوْ صَامُوا لأَجْلِ غَيْمٍ) ثلاثين يوماً ولم يَرُوا الهلالَ؛ (لَمْ يُفْطِرُوا)؛ لأنَّ الصومَ إنما كان احتياطاً، والأصلُ بقاءُ رمضانَ.

стр. 582

وعُلِم منه: أنَّهم لو صاموا بشهادةِ اثنين ثلاثين يوماً ولم يَرَوْهُ؛ أفطروا، صَحْواً كان أو غيماً؛ لما تقدَّم. (وَمَنْ رَأَى وَحْدَهُ هِلَالَ رَمَضَانَ، وَرُدَّ قَولُهُ)؛ لزِمه الصومُ، وجميعُ أحكامِ الشَّهرِ مِن طلاقٍ وغيرِه مُعلَّقٍ به؛ لعلمِه أنه مِن رمضانَ. (أَوْ رَأَى) وحدَه (هِلَالَ شَوَّالٍ؛ صَام) ولم يُفطِرْ؛ لقولِه ﵇: «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رواه الترمذي وصحَّحه (١).

стр. 583

وإنِ اشتبهت الأشهرُ على نحوِ مَأْسورٍ؛ تَحَرَّى وصام (١)، وأجزأه إن لم يَعلمْ أنَّه يتقدَّمُه (٢)، ويَقضي ما وافق عيداً أو أيامَ تشريقٍ. (وَيَلْزَمُ الصَّوْمُ) في شهرِ رمضانَ (لِكُلِّ مُسْلِمٍ)، لا كافرٍ، ولو أسلم في أثنائِه قَضَى الباقي فقط، (مُكَلَّفٍ)، لا صغيرٍ ومجنونٍ، (قَادِرٍ)، لا مريضٍ يَعجَزُ عنه؛ للآيةِ. وعلى وَلِيِّ صغيرٍ مطيقٍ أَمْرُه به، وضَرْبُه عليه؛ ليعتادَه. (وَإِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ) برؤيةِ الهلالِ تلك الليلةَ؛ (وَجَبَ الإِمْسَاكُ وَالقَضَاءُ) لذلك اليومِ الذي أفطره (عَلَى كُلِّ مَنْ صَارَ فِي أَثْنَائِهِ أَهْلاً لِوُجُوبِهِ)، أي: وجوبِ الصومِ، وإن لم يكن حالَ الفطرِ مِن أهلِ وجوبِه. (وَكَذَا حَائِضٌ وَنَفْسَاءُ طَهُرَتَا) في أثناءِ النهارِ، فيُمسكان ويَقضيان. (وَ) كذا (مُسَافِرٌ قَدِمَ مُفْطِراً)، يُمسكُ ويَقضي. وكذا لو بَرِئ مريضٌ مفطراً، أو بلَغ صغيرٌ في أثنائِه مفطراً؛ أمسك وقضى، فإن كانوا صائمين أجزأهم. وإنْ عَلِم مسافرٌ أنه يَقْدِمُ غداً؛ لزِمه الصومُ، لا صغيرٌ عَلِم أنَّه

стр. 584

يَبلُغُ غداً؛ لعدمِ تكليفِه. (وَمَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً) ما يُجزئُ في كفارةٍ: مُدٌّ مِنْ بُرٍّ، أو نصفُ صاعٍ مِنْ غيرِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) [البقرة: ١٨٤]: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هِيَ لِلكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ» رواه البخاري (١)، والمريضُ الذي لا يُرجَى برؤه في حُكمِ الكبيرِ. لكن إنْ كان الكبيرُ أو المريضُ الذي لا يُرجَى برؤه مسافراً؛ فلا فديةَ؛ لفطرِه بعذرٍ معتادٍ، ولا قضاءَ؛ لعَجزِه عنه. (وسَنُّ) الفطرُ (لِمَرِيضٍ يَضُرُّهُ) الصومُ، (وَلِمُسَافِرٍ يَقْصُرُ)، ولو بلا مشقةٍ؛ لقولِه تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٥]، ويُكرَه لهما الصومُ. ويجوزُ وطءٌ لِمَن به مرضٌ يَنتفِعُ به فيه، أو به شَبَقٌ ولم تَندفِع شهوتُه بدونِ وطءٍ، ويَخافُ تشقُّقَ أُنثييه، ولا كفارةَ، ويَقضي، ما لم يَتعذَّر لِشَبَقٍ فيُطْعِم، ككبيرٍ. وإن سافر ليُفطرَ حَرُمَا. (وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَلَهُ الفِطْرُ) إذا

стр. 585

فارق بيوتَ قريتِه ونحوِها؛ لظاهرِ الآيةِ والأخبارِ الصحيحةِ (١)، والأفضلُ عدمُه. (وَإِنْ أَفْطَرَتْ حَامِلٌ، أَوْ) أفطرت (مُرْضِعٌ خَوْفاً عَلَى أَنْفُسِهِمَا (٢) فقط، أو مع الولدِ؛ (قَضَتَاهُ)، أي: قضتا الصومِ (فَقَطْ) مِنْ غيرِ فديةٍ؛ لأنهما بمنزلةِ المريضِ الخائفِ على نفسِه. (وَ) إن أفطرتَا خوفاً (عَلَى وَلَدَيْهِمَا) فقط؛ (قَضَتَا) عددَ الأيامِ، (وَأَطْعَمَتَا)، أي: ووجب على مَن يَمُونُ الولدَ أن يُطْعِمَ عنهما (لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً) ما يجزئ في كفارةٍ؛ لقولِه تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٤]، قال ابنُ عباسٍ: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَيْخِ الكَبِيرِ وَالمَرْأَةِ الكَبِيرةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامِ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِيناً، وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا» رواه أبو داود (٣)،

стр. 586

ورُوِي عن ابنِ عمرَ (١). وتُجزئُ هذه الكفارةُ إلى مسكينٍ واحدٍ جملةً. ومتى قَبِل رضيعٌ ثَدْيَ غيرِها وقَدِر أنْ يَستأجِرَ له؛ لم تُفطر، وظِئْرٌ كأمٍ. ويجبُ الفِطرُ على مَنِ احتاجَه لإنقاذِ معصومٍ مِنْ هَلَكةٍ؛ كغرقٍ. وليس لمن أُبِيح له الفطرُ برمضانَ صومُ غيرِه فيه. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ وَلَمْ يُفِقْ جُزْءاً مِنهُ؛ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ)؛ لأنَّ الصومَ الشرعيَّ الإمساكُ مع النيةِ، فلا يضافُ للمجنونِ ولا للمغمى عليه. فإن أفاق جزءاً من النهارِ صحَّ الصومُ، سواءٌ كان مِن أولِ النهارِ أو آخرِه.

стр. 587

(لَا إِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ) فلا يَمْنَعُ صحَّةَ صومِه؛ لأنَّ النومَ عادةٌ، ولا يزولُ به الإحساسُ بالكليةِ. (وَيَلْزَمُ المُغْمَى عَلَيْهِ القَضَاءُ)، أي: قضاءُ الصَّومِ الواجبِ زمنَ الإغماءِ؛ لأنَّ مدَّتَه لا تطولُ غالِباً، فلم يَزُل به التكليفُ، (فَقَطْ) بخلافِ المجنونِ، فلا قضاءَ عليه؛ لزوالِ تكليفِه. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ)، بأن يَعتقدَ أنَّه يصومُ مِن رمضانَ، أو قضائِه، أو نذرٍ، أو كفارةٍ؛ لقولِه ﵇: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١)، (مِنْ اللَّيْلِ)؛ لما روى الدارقطني بإسنادِه عن عمرةَ، عن عائشةَ مرفوعاً: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»، وقال: (إسنادُه كلُّهم ثقاتٌ) (٢)، ولا فرق بين أولِ اللَّيلِ أو

стр. 588

وسطِه أو آخرِه (١)، ولو أتى بعدَها ليلاً بمنافٍ للصومِ مِن نحوِ أكلٍ ووطءٍ (٢)، (لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ)، لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفردةٌ

стр. 589

لا يَفسُدُ صومُه بفسادِ صومِ غيرِه، (لَا نِيَّةَ الفَرْضِيَّةِ)، أي: لا يُشترطُ أن ينويَ كونَ الصوم فرضاً؛ لأنَّ التعيينَ يجزئُ عنه. ومَن قال: أنا صائمٌ غداً إن شاء اللهُ، متردِّداً؛ فسدت نيَّتُه، لا متبرِّكاً، كما لا يَفسُدُ الإيمانُ بقولِه: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، غيرَ متردِّدٍ في الحالِ (١). ويَكفي في النيِّةِ الأكلُ والشربُ بنيةِ الصومِ. (وَيَصِحُّ) صومُ (النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ) (٢)؛ لقولِ معاذٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، وحذيفةَ (٥)، وحديثِ عائشةَ: «دَخَلَ عَلَّي

стр. 590

النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي إِذاً صَائِمٌ» رواه الجماعةُ إلا البخاري (١)، وأمر بصومِ يومِ عاشوراء في أثنائِه. ويُحكمُ بالصومِ الشرعيِّ المثابِ عليه مِنْ وقتِها. (وَلَوْ نَوَى إِنْ كَانَ غَدَاً مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي؛ لَمْ يجْزِئْهُ)؛ لعدمِ جَزْمِه بالنيةِ. وإنْ قال ذلك ليلةَ الثلاثين مِن رمضانَ، وقال: وإلا فأنا مفطرٌ، فبان مِن رمضانَ؛ أجزأه؛ لأنَّه بنى على أصلٍ لم يَثبُت زوالُه. (وَمَنْ نَوَى الإِفْطَارَ أَفْطَرَ)، أي: صار كمَنْ لَمْ يَنْوِ؛ لقطعِه النيةَ، وليس كَمَنْ أكَل أو شرِب، فيصحُّ أن ينويَه نفلاً بغيرِ رمضانَ. ومَنْ قَطَع نيةَ نذرٍ أو كفارةٍ ثم نواه نفلاً، أو قَلَب نيَّتَهما إلى نفلٍ؛ صحَّ، كما لو انتقل مِن فرضِ صلاةٍ إلى نفلِها.

стр. 591

(بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ)، وما يتعلَّقُ بذلك (مَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أوْ اسْتَعَطَ) بدهنٍ أو غيرِه فوصل إلى حَلْقِه أو دماغِه، (أَو احْتَقَنَ، أَو اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ)، أي: بما عَلِم وصولَه (إِلَى حَلْقِهِ) لرطوبتِه أو حِدَّتِه، مِنْ كُحْلٍ، أو صَبِرٍ (١)، أو قَطُورٍ (٢)، أو ذَرُورٍ (٣)، أو إثْمِدٍ كثيرٍ، أو يسيرٍ مُطَيَّبٍ؛ فَسَد صومُه؛ لأنَّ العَيْنَ منفذٌ، وإن لم يكن معتاداً. (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئاً) مِنْ أيِّ موضِعٍ كان (غَيْرَ إِحْلِيلِهِ)، فلو قطَر فيه (٤)، أو غيَّب فيه شيئاً فوصل إلى المثانةِ؛ لم يَبطُل صومُه.

стр. 592

(أَو اسْتَقَاءَ)، أي: استدعَى القيءَ فقاء؛ فسد (١) أيضاً؛ لقولِه ﵇: «مَنْ اسْتَقَاءَ عَمْداً فَلْيَقْضِ»، حسَّنه الترمذي (٢).

стр. 593

(أَوْ اسْتَمْنَى) فأَمْنى أو مذَّى (١)، (أَوْ بَاشَرَ) دونَ الفرجِ، أو قَبَّل، أو لمس؛ (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ) منِيًّا؛ فسد صومُه، لا إنْ أَمْذى. (أَوْ حَجَمَ، أوْ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ، عَامِداً ذَاكِراً) في الكلِّ (لِصَوْمِهِ؛ فَسَدَ) صومُه؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» رواه أحمدُ، والترمذي (٢)،

стр. 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 595

قال ابنُ خزيمةَ: (ثبتت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك) (١). ولا يُفطِرُ بِفَصْدٍ، ولا شَرْطٍ، ولا رُعافٍ. (لَا) إن كان (نَاسِياً، أَوْ مُكْرَهاً)، ولو بِوَجُورِ (٢) مغمىً عليه معالجةً، فلا يَفسُدُ صومُه وأجزأه؛ لقولِه ﵇: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنْ (٣) الخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٤)، ولحديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه (٥). (أَوْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ، أَوْ غُبَارٌ) من طريقٍ، أو دقيق، أو دخان؛ لم يُفطِرْ لعدمِ إِمْكانِ التحرُّزِ مِن ذلك؛ أشْبَه النائمَ.

стр. 596

(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لم يُفطِرْ؛ لقولِه ﵇: «عُفِيَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» (١)، وقياسُه على تَكرارِ النظرِ غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنه دونَه. (أَوْ احْتَلَمَ)؛ لم يَفسُدْ صومُه؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ مِن جهتِه، وكذا لو ذَرَعه القيءُ، أي: غَلَبَه. (أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ)، أي: طَرَحه لم يَفسُدْ صومُه، وكذا لو شقَّ عليه أن يلفِظَه فبلعه مع ريقِه مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لما تقدَّم. وإن تميَّزَ عن ريقِه وبَلَعَه باختيارِه؛ أفطر. ولا يُفْطِرُ إنْ لَطَخ (٢) باطِنَ قدمِه بشيءٍ فوجد طعمَه بِحَلْقِه. (أَوْ اغْتَسَلَ، أَوْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْثَرَ)، يعني: استنشق، (أَوْ (٣) زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) في المضمضةِ أو الاستنشاقِ، (أَوْ بَالَغَ) فيهما (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ؛ لَمْ يَفْسُدْ) صومُه؛ لعدمِ القصدِ. وتُكرَه المبالغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ للصائمِ، وتقدَّم،

стр. 597

وكُرِهَا (١) له عَبَثاً، أو سَرَفاً (٢)، أو لحرٍّ، أو عطشٍ؛ كغَوْصِه في ماءٍ لغيرِ غُسْلٍ مشروعٍ أو تَبَرُّدٍ. ولا يَفسُدُ صومُه بما دخل حَلْقَه من غيرِ قصدٍ. (وَمَنْ أَكَلَ) أو شرِب، أو جامع (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرِ) ولم يتبيَّن له طلوعُه؛ (صَحَّ صَوْمُهُ)، ولا قضاءَ عليه ولو تردَّد؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليلِ. (لَا إِنْ أَكَلَ) ونحوَه (شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ) مِنْ ذلك اليومِ الذي هو صائمٌ فيه ولم يتبيَّن بعدَ ذلك أنَّها غربت؛ فعليه قضاءُ الصومِ الواجبِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النهارِ. (أَوْ) أكل ونحوَه (مُعْتَقِداً أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَاراً)، أي: فبان طلوعُ الفجرِ، أو عدمُ غروبِ الشمسِ؛ قضى؛ لأنَّه لم يُتِمَّ صومُه. وكذا يَقضي إنْ أكل ونحوَه يعتقِدُه نهاراً فبان ليلاً ولم يُجَدِّد نيَّةً لواجبِ. لا مَن أكل ظانًّا غروبَ شمسٍ ولم يَتبيَّن له الخطأُ.

стр. 598

(فَصْلٌ) (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) ولو في يومٍ لَزِمَه إمساكُه، أو رأى الهلالَ ليلتَه ورُدَّت شهادتُه، فَغَيَّب حشفَةَ ذَكَرِه الأصليِّ (فِي قُبُلٍ) أصليٍّ (أَوْ دُبُرٍ)، ولو ناسياً أو مكرهاً (١)؛ (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ)، أنزل أَوْ لا. ولو أَوْلجَ خُنثى مُشْكلٌ ذَكَرَه في قُبُلِ خنثى مُشْكِلٍ، أو قُبُلِ امرأةٍ، أَوْ أَوْلج رَجُلٌ ذَكَرَه في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكلٍ؛ لم يَفسُدْ صومُ واحدٍ منهما إلا أن يُنْزِلَ؛ كالغُسلِ، وكذا إذا أنزل مجبوبٌ أو امرأتان بمساحقةٍ. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرْجِ) ولو عَمْداً (فَأَنْزَلَ) منيًّا أو مذيًّا، (أَوْ كَانَتِ المَرْأَةُ) المجامَعةُ (مَعْذُورَةً) بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ؛ فالقضاءُ ولا كفارةَ. وإن طاوَعَتْ عامِدةً عالمةً فالكفارةُ أيضاً. (أَوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) المباحِ فيه القصرُ، أو في مرضٍ يُبيحُ الفطرَ؛ (أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)؛ لأنَّه صومٌ لا يلزمُ المضيُّ

стр. 599

فيه، أشبه التطوعَ، ولأنه يُفطِرُ بنيَّتِه الفطرَ، فيقعُ الجِماعُ بعدَه. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ) مُتَفرِّقَين أو متوالِيَيْن، (أَوْ كَرَّرَهُ)، أي: كَرَّر الوطءَ (فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر) للوطءِ الأَوَّلِ؛ (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ)، وهي ما إذا كرَّر الوطءَ في يومٍ قبل أن يُكفِّرَ، قال في المغني والشرح: (بغيرِ خلافٍ) (١)، (وَفِي الأُولَى)، وهي ما إذا جامع في يومين: (اثْنَتَانِ)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفردةٌ. (وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ؛ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ)؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ وقد تكرَّر، فتَتكرَّرُ هي كالحجِ. (وَكَذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ)؛ كمن لم يَعْلَم برؤيةِ الهلالِ إلا بعدَ طلوعِ الفجرِ، أو نَسِي النيةَ، أو أكل عامداً (إِذَا جَامَعَ)؛ فعليه الكفارةُ؛ لهتكِه حُرْمَةَ الزمنِ. (وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافَى ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ؛ لَمْ تَسْقُطْ) الكفارةُ عنه؛ لاستقرارِها، كما لو لم يطرأ العذرُ. (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)؛ لأنَّه لم يَرِد به نصٌّ، وغيرُه لا يَساويه. والنَّزْعُ جماعٌ.

стр. 600

والإنزالُ بالمساحقةِ كالجِماعِ، على ما في المنتهى (١) (٢). (وَهِيَ)، أي: كفارةُ الوطءِ في نهارِ رمضانَ: (عِتْقُ رَقْبَةٍ) مؤمنةٍ، سليمةٍ (٣) مِنَ العيوبِ الضارةِ بالعملِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصومَ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعِ تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أقطٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئاً يُطْعِمُه للمساكين؛ (سَقَطَتْ) الكفارةُ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لما دفَع إليه النبيُّ ﷺ التمرَ لِيُطْعِمَه للمساكين فأخبَره بحاجتِه، قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٤)، ولم يَأْمُره بكفارةٍ أخرى، ولم يَذْكر له بقاءَها في ذمَّتِه، بخلافِ كفارةِ حجٍّ، وظهارٍ، ويمينٍ، ونحوِها. ويَسقُطُ الجميعُ بتكفيرِ غيرِه عنه بإذنِه.
следующие страницы →