← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)؛ لم يُفطِرْ؛ لقولِه ﵇: «عُفِيَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» (١)، وقياسُه على تَكرارِ النظرِ غيرُ مُسلَّمٍ؛ لأنه دونَه. (أَوْ احْتَلَمَ)؛ لم يَفسُدْ صومُه؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ مِن جهتِه، وكذا لو ذَرَعه القيءُ، أي: غَلَبَه. (أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ)، أي: طَرَحه لم يَفسُدْ صومُه، وكذا لو شقَّ عليه أن يلفِظَه فبلعه مع ريقِه مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لما تقدَّم. وإن تميَّزَ عن ريقِه وبَلَعَه باختيارِه؛ أفطر. ولا يُفْطِرُ إنْ لَطَخ (٢) باطِنَ قدمِه بشيءٍ فوجد طعمَه بِحَلْقِه. (أَوْ اغْتَسَلَ، أَوْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْثَرَ)، يعني: استنشق، (أَوْ (٣) زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) في المضمضةِ أو الاستنشاقِ، (أَوْ بَالَغَ) فيهما (فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ؛ لَمْ يَفْسُدْ) صومُه؛ لعدمِ القصدِ. وتُكرَه المبالغةُ في المضمضةِ والاستنشاقِ للصائمِ، وتقدَّم،

стр. 597

وكُرِهَا (١) له عَبَثاً، أو سَرَفاً (٢)، أو لحرٍّ، أو عطشٍ؛ كغَوْصِه في ماءٍ لغيرِ غُسْلٍ مشروعٍ أو تَبَرُّدٍ. ولا يَفسُدُ صومُه بما دخل حَلْقَه من غيرِ قصدٍ. (وَمَنْ أَكَلَ) أو شرِب، أو جامع (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرِ) ولم يتبيَّن له طلوعُه؛ (صَحَّ صَوْمُهُ)، ولا قضاءَ عليه ولو تردَّد؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليلِ. (لَا إِنْ أَكَلَ) ونحوَه (شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ) مِنْ ذلك اليومِ الذي هو صائمٌ فيه ولم يتبيَّن بعدَ ذلك أنَّها غربت؛ فعليه قضاءُ الصومِ الواجبِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النهارِ. (أَوْ) أكل ونحوَه (مُعْتَقِداً أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَاراً)، أي: فبان طلوعُ الفجرِ، أو عدمُ غروبِ الشمسِ؛ قضى؛ لأنَّه لم يُتِمَّ صومُه. وكذا يَقضي إنْ أكل ونحوَه يعتقِدُه نهاراً فبان ليلاً ولم يُجَدِّد نيَّةً لواجبِ. لا مَن أكل ظانًّا غروبَ شمسٍ ولم يَتبيَّن له الخطأُ.

стр. 598

(فَصْلٌ) (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) ولو في يومٍ لَزِمَه إمساكُه، أو رأى الهلالَ ليلتَه ورُدَّت شهادتُه، فَغَيَّب حشفَةَ ذَكَرِه الأصليِّ (فِي قُبُلٍ) أصليٍّ (أَوْ دُبُرٍ)، ولو ناسياً أو مكرهاً (١)؛ (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ)، أنزل أَوْ لا. ولو أَوْلجَ خُنثى مُشْكلٌ ذَكَرَه في قُبُلِ خنثى مُشْكِلٍ، أو قُبُلِ امرأةٍ، أَوْ أَوْلج رَجُلٌ ذَكَرَه في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكلٍ؛ لم يَفسُدْ صومُ واحدٍ منهما إلا أن يُنْزِلَ؛ كالغُسلِ، وكذا إذا أنزل مجبوبٌ أو امرأتان بمساحقةٍ. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرْجِ) ولو عَمْداً (فَأَنْزَلَ) منيًّا أو مذيًّا، (أَوْ كَانَتِ المَرْأَةُ) المجامَعةُ (مَعْذُورَةً) بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ؛ فالقضاءُ ولا كفارةَ. وإن طاوَعَتْ عامِدةً عالمةً فالكفارةُ أيضاً. (أَوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) المباحِ فيه القصرُ، أو في مرضٍ يُبيحُ الفطرَ؛ (أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)؛ لأنَّه صومٌ لا يلزمُ المضيُّ

стр. 599

فيه، أشبه التطوعَ، ولأنه يُفطِرُ بنيَّتِه الفطرَ، فيقعُ الجِماعُ بعدَه. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ) مُتَفرِّقَين أو متوالِيَيْن، (أَوْ كَرَّرَهُ)، أي: كَرَّر الوطءَ (فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر) للوطءِ الأَوَّلِ؛ (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ)، وهي ما إذا كرَّر الوطءَ في يومٍ قبل أن يُكفِّرَ، قال في المغني والشرح: (بغيرِ خلافٍ) (١)، (وَفِي الأُولَى)، وهي ما إذا جامع في يومين: (اثْنَتَانِ)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفردةٌ. (وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ؛ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ)؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ وقد تكرَّر، فتَتكرَّرُ هي كالحجِ. (وَكَذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ)؛ كمن لم يَعْلَم برؤيةِ الهلالِ إلا بعدَ طلوعِ الفجرِ، أو نَسِي النيةَ، أو أكل عامداً (إِذَا جَامَعَ)؛ فعليه الكفارةُ؛ لهتكِه حُرْمَةَ الزمنِ. (وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافَى ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ؛ لَمْ تَسْقُطْ) الكفارةُ عنه؛ لاستقرارِها، كما لو لم يطرأ العذرُ. (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)؛ لأنَّه لم يَرِد به نصٌّ، وغيرُه لا يَساويه. والنَّزْعُ جماعٌ.

стр. 600

والإنزالُ بالمساحقةِ كالجِماعِ، على ما في المنتهى (١) (٢). (وَهِيَ)، أي: كفارةُ الوطءِ في نهارِ رمضانَ: (عِتْقُ رَقْبَةٍ) مؤمنةٍ، سليمةٍ (٣) مِنَ العيوبِ الضارةِ بالعملِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصومَ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعِ تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أقطٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) شيئاً يُطْعِمُه للمساكين؛ (سَقَطَتْ) الكفارةُ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لما دفَع إليه النبيُّ ﷺ التمرَ لِيُطْعِمَه للمساكين فأخبَره بحاجتِه، قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٤)، ولم يَأْمُره بكفارةٍ أخرى، ولم يَذْكر له بقاءَها في ذمَّتِه، بخلافِ كفارةِ حجٍّ، وظهارٍ، ويمينٍ، ونحوِها. ويَسقُطُ الجميعُ بتكفيرِ غيرِه عنه بإذنِه.

стр. 601

(بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ) في الصَّومِ، (وَحُكْمُ القَضَاءِ)، أي: قضاء الصوم (يُكْرَهُ) لصائمٍ (جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ)؛ للخروجِ مِن خلافِ مَن قال بفطرِه. (وَيَحْرُمُ) على الصائمِ (بَلْعُ النُّخَامَةِ)، سواءٌ كانت مِن جَوْفِه أو صَدْرِه أو دِمَاغِه، (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ)، أي: لا بالريقِ، (إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)؛ لأنَّها مِن غيرِ الفمِ. وكذلك إذا تنجَّسَ فمُه بدمٍ أو قيءٍ ونحوِه فبلَعه وإنْ قلَّ؛ لإمكانِ التحرُّزِ منه. وإنْ أخرج مِن فمِه حصاةً، أو درهماً، أو خيطاً ثم أعاده؛ فإن كَثُر ما عليه أفطَر، وإلا فلا. ولو أخرَجَ لسانَه ثُمَّ أعاده؛ لم يُفْطِر بما عليه ولو كثُر؛ لأنَّه لم يَنفصِل عن محلِّه. ويفطرُ بريقٍ أخرجه إلى ما بين شَفَتَيْه ثُمَّ بَلَعه. (وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ)، قال المجدُ: (المنصوصُ عنه: أنه لا بأس به لحاجةٍ ومصلحةٍ) (١)،

стр. 602

وحكاه هو والبخاري عن ابنِ عباسٍ (١). (وَ) يُكْره (مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ)، وهو الذي كلَّما مضَغَه صَلُبَ وقوي؛ لأنَّه يجلبُ الغمَّ (٢)، ويجمعُ الريقَ، ويورِثُ العطشَ. (وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهَمَا)، أي: طَعْمَ الطعامِ والعلكِ (فِي حَلْقِهِ؛ أَفْطَرَ)؛ لأنه أوصَلَه إلى جوفِه. (ويَحْرُمُ) مَضْغُ (العِلْكِ المُتَحَلِّلِ) مطلقاً إجماعاً، قاله في المبدعِ (٣)، (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ) وإلا فلا، هذا معنى ما ذكره في المقنعِ (٤)، والمغني (٥)، والشرحِ (٦)؛ لأنَّ المُحرَّمَ إدخالُ ذلك إلى جوفِه ولم يوجَدْ. وقال في الإنصافِ: (والصحيحُ مِنَ المذهبِ: أنَّه يَحرمُ مَضْغُ ذلك ولو لم يَبتلِع ريقَه، وجزم به الأكثرُ) انتهى (٧)، وجزم به في

стр. 603

الإقناعِ (١)، والمنتهى (٢). ويُكرَه أنْ يدَعَ بَقَايَا الطَّعامِ بين أسنانِه، وشَمُّ ما لا يُؤمَنُ أن يجذِبَه نَفَسٌ؛ كسحيقِ مسكٍ. (وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ) ودواعي الوطءِ (لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْهَا شَابًّا، وَرَخَّصَ لِشَيْخٍ» رواه أبو داودَ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ (٣)،

стр. 604

ورواه سعيدٌ عن أبي هريرةَ (١)، وأبي الدرداءِ (٢)، وكذا عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ صحيحٍ (٣)، «وَكَانَ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ لما كَانَ مَالِكاً لإِرْبِهِ» (٤)، وغيرُ ذي الشَهوةِ في معناه. وتَحرمُ (٥) إنْ ظَنَّ إنزالاً.

стр. 605

(وَيَجِبُ) مطلقاً (اجْتِنَابُ كَذِبٍ، وَغِيبَةٍ)، ونميمةٍ، (وشَتْمٍ)، ونحوِه؛ لقولِه ﵇: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رواه أحمدُ، والبخاري، وأبو داودَ وغيرُهم (١). قال أحمدُ: (ينبغي للصائمِ أن يَتعاهدَ صومَه من لسانِه، ولا يماري، ويصونَ صومَه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجدِ، وقالوا: نَحفظُ صومَنا ولا نغتابُ أحداً، ولا يَعملُ عملاً يَجرحُ به صومَه) (٢). (وسُنَّ (٣) له كثرةُ قراءةٍ، وذكرٍ، وصدقةٍ، وكفُّ لسانِهِ عمَّا يُكرَه. وسُنَّ (لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ) جهراً: (إِنِّي صَائِمٌ)؛ لقولِه ﵇: «فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (٤). (وَ) سُنَّ (تَأخِيرُ سُحُورٍ (٥) إن لم يَخشَ طلوعَ فجرٍ ثانٍ؛ لقولِ

стр. 606

زيدِ بنِ ثابتٍ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ ، قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» متفقٌ عليه (١). وكُره جماعٌ مع شكٍّ في طلوعِ فجرٍ، لا سُحورٌ. (وَ) سُنَّ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ)؛ لقولِه ﵇: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» متفقٌ عليه (٢)، والمرادُ إذا تحقَّقَ غروب الشمسِ، وله الفطرُ بغلبةِ الظنِ. وتَحصلُ فضيلتُه (٣) بشربٍ، وكمالُها بأكلٍ، ويكونُ (عَلَى رُطَبٍ)؛ لحديثِ أنسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (٤) تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» رواه أبو داودَ، والترمذي وقال: (حسنٌ غريبٌ) (٥)، (فَإِنْ عُدِمَ) الرطبُ (فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَـ) على (مَاءٍ)؛ لما تقدَّم.

стр. 607

(وَقَوْلُ مَا وَرَدَ) عندَ فطرِه ومنه: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» (١). (وَيُسْتَحَبُّ القَضَاءُ)، أي: قضاءُ رمضانَ فوراً، (مُتَتَابِعاً)؛ لأنَّ

стр. 608

القضاءَ يَحكي الأداءَ، وسواءٌ أفطر بسببٍ محرَّمٍ أَوْ لا، وإن لم يَقضِ على الفورِ وجب العزمُ عليه. (وَلَا يَجُوزُ) تأخيرُ قضائِه (إِلَى رَمَضانٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ)؛ لقولِ عائشةَ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، لِمَكَان رَسُولِ اللهِ ﷺ » متفقٌ عليه (١)، فلا يجوزُ التَّطَوُّعُ قَبْلَه ولا يَصِح. (فَإِنْ فَعَلَ)، أي: أخَّرَه بلا عذرٍ حَرُم عليه، وحينئذ (فَعَلَيْهِ مَعَ القَضَاءِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يومٍ) ما يُجزئُ في كفارةٍ، رواه سعيدٌ بإسنادٍ جيِّدٍ عن ابنِ عباسٍ (٢)، والدارقطني بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرةَ (٣)، وإن كان لعذرٍ فلا شيء عليه.

стр. 609

(وَإِنْ مَاتَ) بعد أن أخَّره لعذرٍ فلا شيء، ولغيرِ عذرٍ أُطعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ، كما تقدَّم، (وَلَوْ بَعْدَ رَمَضَانٍ آخَرَ)؛ لأنَّه بإخراجِ كفارةٍ واحدةٍ زال تفريطُه. والإطعامُ مِن رأسِ مالِه، أوصى به أوْ لا. وإنْ مات وعليه صَوْمُ كفارةٍ؛ أُطْعِم عنه كصومِ متعةٍ. ولا يُقْضَى عنه ما وجب بأصلِ الشرعِ مِن صلاةٍ وصومٍ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ) نذرٍ (١)، (أَوْ اعْتِكَافُ) نذرٍ (أَوْ صَلَاةُ نَذْرٍ؛ اسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ قَضَاؤُهُ)؛ لما في الصحيحين: أنَّ امرأةً جاءت إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أُمِّي ماتت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصومُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» (٢)، ولأنَّ النِّيابةَ تدخلُ في العبادةِ بحسبِ خِفَّتِها، وهو أخفُّ حُكْماً مِنَ الواجبِ بأصلِ الشرعِ. والوليُّ هو الوارثُ، فإن صام غيرَه جازَ مطلقاً؛ لأنَّه تبرعٌ. وإنْ خلَّفَ تَرِكةً وَجَب الفعلُ، فيفعلُه الوليُّ، أو يدفعُ إلى مَنْ

стр. 610

يفعلُه عنه. ويدفعُ في الصومِ عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكينٍ. وهذا كلُّه فيمن أمْكَنَه صومُ ما نذَرَه فلم يَصُمْه، فلو أمكنه بعضُه قُضِيَ ذلك البعضُ فقط. والعمرةُ (١) في ذلك كالحجِ.

стр. 611

(بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (١)، وهذه الإضافةُ للتشريفِ والتعظيمِ. (يُسَنُّ صِيَامُ) ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كلِّ شهرٍ، والأفضلُ أن يَجعلَها (أَيَّامِ) اللَّيالي (البِيضِ)؛ لما روى أبو ذرٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رواه الترمذي وحسَّنه (٢)، وسُمِّيت بِيضاً لابيضاضِ

стр. 612

ليلِها كلِّه بالقمرِ. (وَ) يُسنُّ (١) صومُ (الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ)؛ لقولِه ﵇: «هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رواه أحمدُ، والنسائي (٢). (وَ) صومُ (٣) (سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديثِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» خرَّجه (٤) مسلمٌ (٥).

стр. 613

ويُستحبُّ تتابُعُها، وكونُها عقِبَ العيدِ؛ لما فيه مِن المسارعةِ إلى الخيرِ. (وَ) صومُ (شَهْرِ المُحَرَّمِ)؛ لحديثِ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ» رواه مسلمٌ (١). (وَآكَدُهُ العَاشِرُ، ثُمَّ التَّاسِعُ)؛ لقولِه ﵇: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ» (٢)، احتجَّ به أحمدُ، وقال: (إن اشتبه عليه (٣) أوَّلُ الشَّهرِ صام ثلاثةَ أيامٍ؛ ليتيقَّنَ صومَهما) (٤). وصومُ عاشوراءَ كفارةُ سنةٍ، ويُسنُّ فيه التوسعةُ على العيالِ. (وَ) صومُ (عَشْرِ (٥) ذِي الحِجَّةِ)؛ لقولِه ﵇: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، قالوا: يا رسولَ

стр. 614

اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ ، قال: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلاً (١) خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري (٢). (وَ) آكَدُهُ (يَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا)، وهو كفارةُ سنتين؛ لحديثِ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (٣). وقال في صيامِ يومِ عاشوراءَ: «إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلمٌ (٤). ويَلِي يومَ عرفةَ في الآكدِيِّة يومُ التروية، وهو الثامنُ (٥). (وَأَفْضَلُهُ)، أي: أفضلُ صومِ التطوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ)؛ لأمرِه ﵇ عبدَ اللهِ بنَ عمرو قال: «هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» متفقٌ عليه (٦). وشرطُه: أن لا يُضْعِفَ البدنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضلُ

стр. 615

من القيامِ بحقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ عبادِه اللازمةِ، وإلا فتَرْكُه أفضلُ. (وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ) بالصومِ؛ لأنَّ فيه إحياءً لشعارِ (١) الجاهليةِ، فإن أفطر منه، أو صام معه غيرَه؛ زالت الكراهةُ. (وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمُعَةِ)؛ لقولِه ﵇: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ أَوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ» متفقٌ عليه (٢). (وَ) إفرادُ يومِ (السَّبْتِ)؛ لحديثِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رواه أحمدُ (٣).

стр. 616

وكُرِه صومُ يومِ النَّيْروزِ، والمِهْرَجانِ، وكلِّ عيدٍ للكفارِ، أو يومٍ يُفْرِدونه بالتَّعظيمِ. (وَ) يومُ (الشَّكِّ)، وهو يومُ الثلاثين مِن شعبانَ إذا لم يكن غَيْمٌ ولا نحوُه؛ لقولِ عمارٍ: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ » رواه أبو داودَ، والترمذي وصحَّحه، والبخاري تعليقاً (١).

стр. 617

ويُكره الوِصالُ، وهو أنْ لا يفطرَ بين اليومين أو الأيامِ، ولا يُكره إلى السَّحَرِ، وتَرْكُه أَوْلَى. (وَيَحْرُمُ صَوْمُ) يومي (العِيدَيْنِ) إجماعاً (١)؛ للنهي المتفقِ عليه (وَلَوْ فِي فَرْضٍ). (وَ) يَحرمُ (صِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لقولِه ﵇: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ» رواه مسلم (٢)، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ)، فيَصحُّ صومُ أيامِ التشريقِ لمن عَدِمَ الهَدْيَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ وعائشةَ:

стр. 618

«لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الهَدْيَ» رواه البخاري (١). (وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ مُوَسَّعٍ) مِنْ صومٍ أو غيرِه؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ)، كالمضيَّقِ، فيَحْرُمُ خُروجُه مِن الفرضِ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ مِنْ عهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ، ودخَلَت التَّوسِعةُ في وقتِه رِفقاً ومَظِنَّةً للحاجةِ، فإذا شرَع تعيَّنت المصلحةُ في إتمامِه. (وَلَا يَلْزَمُ) الإتمامُ (فِي النَّفلِ)، مِن صومٍ وصلاةٍ ووضوءٍ وغيرِها؛ لقولِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِماً»، فأكل. رواه مسلمٌ وغيرُه (٢)، وزاد النسائي بإسنادٍ جيدٍ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» (٣).

стр. 619

وكُرِه خروجُه منه بلا عذرٍ. (وَلَا قَضَاءُ فَاسِدِهِ)، أي: لا يلزمُه قضاءُ ما فسد مِنَ النفلِ، إلا الحجَ والعمرةَ فيَجبُ إتمامُهما؛ لانعقادِ الإحرامِ لازِماً، فإن أفسدَهما، أو فسَدَا؛ لَزِمَه القضاءُ. (وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ (١) مِنْ رمضانَ؛ لقولِه ﵇: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» متفقٌ عليه (٢)، وفي الصحيحين: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣)، زاد أحمدُ: «وَمَا تَأَخَّرَ» (٤)، وسمِّيت

стр. 620

بذلك لأنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يكونُ في تلك السنةِ، أو لعِظَمِ قَدْرِها عند اللهِ، أو لأنَّ للطاعاتِ فيها قَدْراً عظيماً، وهي أفضلُ الليالي، وهي باقيةٌ لم تُرفَع؛ للأخبارِ. (وَأَوْتَارُهُ آكَدُ)؛ لقولِه ﵇: «اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ (١) سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» (٢)، (وَلَيْلَةُ سَبْعٍ

стр. 621

وَعِشْرِينَ أَبْلَغُ)، أي: أرجاها (١)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ (٢)، وأُبيِّ بنِ كعبٍ (٣)، وغيرِهما (٤).

стр. 622

وحِكْمةُ إخفائِها ليجتهدوا في طلبِها. (وَيَدْعُو فِيهَا)؛ لأنَّ الدَّعاءَ مستجابٌ فيها، (بِمَا وَرَدَ) عن عائشةَ قالت: يا رسولَ اللهِ إن وافقتُها فبِمَ أدعو؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رواه أحمدُ، وابنُ ماجه، وللترمذي معناه وصحَّحه (١)، ومعنى «العَفْوَ»: التركُ. وللنسائي مِنْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعاً: «سَلُوا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ (٢)، فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْراً مِنْ مُعَافَاةٍ» (٣)،

стр. 623

فالشُّرُّ الماضي يزولُ بالعفْوِ، والحاضرُ بالعافيةِ، والمستقبلُ بالمعافاةِ؛ لتضمُّنِها دوامَ العافيةِ.

стр. 624

(بَابُ الاعتِكَافِ) (هُوَ) لغةً: لزومُ الشيءِ، ومِنه: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) [الأعراف: ١٣٨]. واصطلاحاً: (لُزُومُ مَسْجِدٍ)، أي: لزومُ مسلمٍ عاقلٍ - ولو مميزاً - لا غُسلَ عليه مسجداً ولو ساعةً (لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى)، ويُسمَّى: جِواراً. ولا يَبطُلُ بإغماءٍ. وهو (مَسْنُونٌ) كلَّ وقتٍ إجماعاً (١)؛ لفعلِه ﷺ ومداومتِه عليه، واعتكَفَ أزْواجُه بعدَه ومعه، وهو في رمضانَ آكدُ؛ لفعلِه ﵇، وآكدُه في عَشْرِهِ الأَخِيرِ. (وَيَصِحُّ) الاعتكافُ (بِلَا صَوْمٍ)؛ لقولِ عمرَ: يا رسولَ اللهِ إنِّي نذَرتُ في الجاهليةِ أنْ أعتكف ليلةً بالمسجدِ الحرامِ، فقال النبي ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» رواه البخاري (٢)، ولو كان الصومُ شرطاً لما صحَّ اعتكافُ الليلِ. (وَيَلْزَمَانِ)، أي: الاعتكافُ والصومُ (بِالنَّذْرِ)، فَمَن نَذَر أنْ

стр. 625

يعتكفَ صائماً أو بصومٍ (١)، أو يصومَ معتكِفاً، أو باعتكافٍ؛ لزِمَه الجمعُ، وكذا لو نذَر أن يصلِّيَ معتكِفًا ونحوَه؛ لقولِه ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» رواه البخاري (٢)، وكذا لو نذر صلاةً بسورةٍ معينةٍ. ولا يَجوزُ لزوجةٍ اعتكافٌ بلا إذنِ زوجِها، ولا لِقِنٍّ بلا إذْنِ سيِّدِه، ولهما تحليلُهما مِن تطوُّعٍ مطلقاً، ومِن نَذْرٍ بلا إذن. (وَلَا يَصِحُّ) الاعتكافُ إلا بنيَّةٍ؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٣). ولا يَصحُّ (إِلَّا فِي مَسْجِدٍ)؛ لقولِه تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧]، (يُجَمَّعُ فِيهِ)، أي: تُقَامُ فيه الجماعةُ؛ لأنَّ الاعتكافَ في غيرِه يُفْضِي إمَّا إلى تَرْكِ الجماعةِ، أو تَكرُّرِ (٤) الخروجِ إليها كثيراً مع إمكانِ التحرُّزِ منه، وهو منافٍ للاعتكافِ. (إِلَّا) مَنْ لا (٥) تلزمُه الجماعةُ، كـ (المَرْأَةِ)، والمعذورِ، والعبدِ، (فَـ) يَصحُّ اعتكافُهم (فِي كُلِّ مَسْجِدٍ)؛ للآيةِ، وكذا مَن اعتكف مِن

стр. 626

الشُّروقِ إلى الزوالِ مثلاً، (سِوَى مَسْجِدِ بَيْتِهَا)، وهو الموضعُ الذي تَتَّخِذُه لصلاتِها في بيتِها؛ لأنَّه ليس بمسجدٍ حقيقةً ولا حكماً؛ لجوازِ لُبثِها فيه حائضاً وجنباً. ومِن المسجدِ ظهرُه، ورَحْبَتُهُ المَحُوطَةُ، ومَنَارتُه التي هي أو بابُها فيه، وما زِيد فيه. والمسجدُ الجامعُ أفضلُ لرجلٍ تخلَّل اعتكافَه جمعةٌ. (وَمَنْ نَذَرَهُ)، أي: الاعتكافَ، (أَوْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ) المساجدِ (الثَّلَاثَةِ): مسجدِ مكةَ، والمدينةِ، والأقصى، (وَأَفْضَلُهَا): المسجدُ (الحَرَامُ، فَمَسْجِدُ المَدِينَةِ، فَالأَقْصَى)؛ لقولِه ﵇: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» رواه الجماعةُ إلا أبا داودَ (١)؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ)، جوابُ: (مَنْ)، أي: لم يلزمه الاعتكافُ أو الصلاةُ (فِيهِ)، أي: في المسجدِ الذي عيَّنه إنْ لم يكن مِن الثلاثةِ؛ لقولِه ﵇: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢)، فلو تعيَّن غيرُها بِتَعَيُّنه لَزِم (٣) المُضِيُّ إليه، واحتاج لشدِّ الرَّحْلِ إليه.

стр. 627

لكن إنْ نذر الاعتكافَ في جامعٍ؛ لم يُجْزِئْهُ في مسجدٍ لا تُقامُ فيه الجمعةُ. (وَإنْ عَيَّنَ) لاعتكافِه أو صلاتِه (الأَفْضَلَ)؛ كالمسجدِ الحرامِ؛ (لَمْ يُجْزِ (١) اعتكافُه أو صلاتُه (فِيمَا دُونَهُ)؛ كمسجدِ المدينةِ أو الأقصى. (وَعَكْسُه بِعَكْسِهِ)، فمن نذر اعتكافاً أو صلاةً بمسجدِ المدينةِ أو الأقصى؛ أجزأه بالمسجدِ الحرامِ؛ لما روى أحمدُ وأبو داودَ عن جابرٍ: أنَّ رجلاً قال يومَ الفتحِ: يا رسولَ اللهِ إني نذرتُ إنْ فتح اللهُ عليك مكةَ أنْ أُصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله، فقال: «شَأْنَكَ إِذاً» (٢). (وَمَنْ نَذَرَ) اعتكافاً (زَمَناً مُعَيَّناً)؛ كعشرِ ذي الحِجةِ؛ (دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الأُولَى)، فيدخُلُ قُبَيْلَ الغروبِ مِن اليومِ الذي قبلَه، (وَخَرَجَ) مِن معتكفِه (بَعْدَ آخِرِهِ)، أي: بعدَ غروبِ شمسِ آخرِ يومٍ منه.

стр. 628

وإنْ نَذَر يوماً دَخَل قبلَ فجرِه، وتأخَّر حتى تغربَ شمسُه. وإنْ نَذَر زمناً معيَّناً تابعه ولو أطلق، وعدداً فله تفريقُه، ولا تَدخلُ ليلةُ يومٍ نُذِر؛ كيومِ ليلةٍ نذرَها. (وَلَا يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ) مِن معتكَفِه (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ) له (مِنْهُ)؛ كإتيانِه بمأْكلٍ ومشربٍ لِعَدمِ مَن يأتيه بهما، وكقيءٍ بَغَتَه، وبولٍ، وغائطٍ، وطهارةٍ واجبةٍ، وغَسْلِ متنجِّسٍ يحتاجُه، وإلى جمعةٍ وشهادةٍ لزمتاه، والأَوْلَى أنْ لا يُبَكِّر لجمعةٍ، ولا يُطيلُ الجلوسَ بعدَها، وله المشيُ على عادتِه، وقصدُ بيتِه لحاجتِه إنْ لم يجد مكاناً يليقُ به بلا ضررٍ ولا منةٍ، وغسلُ يدِه بمسجدٍ في إناءٍ مِن وسخٍ ونحوِه، لا بولٌ وفصدٌ وحِجامةٌ بإناءٍ فيه، أو في هوائِه. (وَلَا يَعُودُ مَرِيضاً، وَلَا يَشْهَدُ جَنَازَةً) حيث وجب عليه الاعتكافُ متتابعاً ما لم يتعيَّن عليه ذلك لِعَدَمِ من يقومُ به، (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ)، أي: يَشترطَ في ابتداءِ اعتكافِه الخروجَ إلى عيادةِ مريضٍ، أو شهودِ جنازةٍ. وكذا كلُّ قُرْبَة لم تتعيَّن عليه، وما له منه بُدٌ، كعَشاءٍ ومبيتٍ بِبَيْته، لا الخروجُ للتجارةِ، ولا التَّكَسُّبُ بالصنعةِ في المسجدِ، ولا الخروجُ لما شاء. وإنْ قال: متى مَرِضْت، أو عَرَض لي عارضٌ خَرَجْتُ؛ فله

стр. 629

شَرْطُه، وإذا زال العُذْرُ وجَبَ الرجوعُ إلى اعتكافٍ واجبٍ. (وَإِنْ وَطِئَ) المعتكِفُ (فِي فَرْجٍ)، أو أَنْزَل بمباشرةٍ دونَه؛ (فَسَدَ اعْتِكَافُهُ)، ويكفِّرُ كفارةَ يمينٍ إن كان الاعتكافُ منذوراً؛ لإفسادِ نَذْرِه، لا لوطئِه (١). ويَبطلُ أيضاً اعتكافُه بخروجِه لما له منه بُدٌّ، ولو قَلَّ. (وَيُسْتَحَبُ اشْتِغَالُهُ بِالقُرَبِ)، من صلاةٍ، وقراءةٍ، وذكرٍ، ونحوِها، (وَاجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ)، بفتحِ الياءِ، أي: يُهِمُّهُ؛ لقولِه ﵇: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٢).

стр. 630

ولا بأس أن تزورَه زوجتُه في المسجدِ، وتتحدَّثَ معه، وتُصْلِحَ رأسَه أو غيرَه، ما لم يلتذَّ بشيءٍ منها، وله أن يتحدَّثَ مع مَنْ يأتيه ما لم يُكْثِر. ويُكرَه الصَّمْتُ إلى الليلِ، وإنْ نذَرَه لم يَفِ به. وينبغي لمن قصَد المسجدَ أنْ يَنْوِيَ الاعتكافَ مُدَّة لبثِه فيه، لاسيمَّا إنْ كان صائماً. ولا يجوزُ البيعُ والشراءُ فيه للمعتكفِ وغيرِه، ولا يَصحُّ.

стр. 631

(كِتَابُ المَنَاسِكِ) جمعُ منسكٍ، بفتحِ السينِ وكسرِها، وهو التَّعبُّدُ، يقالُ: تنسَّك: تعبَّد، وغلَب إطلاقِها على مُتَعَبَّداتِ الحجِ. والمنسكُ في الأصلِ: من النَّسِيكةِ، وهي الذبيحةُ. (الحَجُّ) بفتحِ الحاءِ في الأشهرِ، عكسُ شهرِ الحِجَّةِ، فُرِض سنَةَ تسعٍ مِن الهجرةِ. وهو لغةً: القصدُ، وشرعاً: قَصْدُ مكةَ لعملٍ مخصوصٍ، في زمنٍ مخصوصٍ. (وَالعُمْرَةُ) لغةً: الزِّيارةُ، وشرعاً: زيارةُ البيتِ على وجهٍ مخصوصٍ. وهما (وَاجِبَانِ)؛ لقولِه تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِله) [البقرة: ١٩٦]، ولحديثِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ هل على النساءِ مِن جهادٍ؟ قال «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ» رواه أحمدُ وابنُ ماجه بإسنادٍ صحيحٍ (١)، وإذا ثبَت ذلك في النساءِ فالرجالُ أَوْلى.

стр. 632

إذا تقرَّر ذلك: فيَجِبان (عَلَى المُسْلِمِ، الحُرِّ، المُكَلَّفِ، القَادِرِ)، أي: المستطيعِ، (فِي عُمُرِهِ مَرَّةً) واحدةً؛ لقولِه ﵇: «الحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ (١)» رواه أحمدُ وغيرُه (٢). فالإسلامُ والعقلُ: شرطان للوجوبِ والصحةِ. والبلوغُ وكمالُ الحريةِ: شرطان للوجوبِ والإجزاءِ دونَ الصحةِ. والاستطاعةُ: شرطٌ للوجوبِ دونَ الإجزاءِ. فمَن كَمُلَت له الشروطُ وَجب عليه السَّعْيُ (عَلَى الفَوْرِ)، ويأثمُ إنْ أخَّرَه بلا عذرٍ؛ لقولِه ﵇: «تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ - يَعْنِي: الفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رواه أحمدُ (٣).

стр. 633

(فَإِنْ زَالَ الرِّقُ)، بأنْ عَتَقَ العبدُ مُحْرِماً، (وَ) زال (الجُنُونُ)، بأنْ أَفَاق المجنونُ وأحرَم إنْ لم يَكُن مُحْرِماً، (وَ) زال (الصِّبَا)، بأن بلَغ الصغيرُ وهو محرمٌ (فِي الحَجِّ) وهو (بِعَرَفةَ) قَبْل الدَّفْعِ منها، أو بعدَه إنْ عادَ فوَقَف في وقتِه ولم يَكُن سعَى بعد طوافِ القدومِ، (وَفِي)، أي: أو وُجِدَ ذلك في إحرامِ (العُمْرةِ قَبْلَ طَوَافِهَا؛ صَحَّ)، أي: الحجُ أو (١) العمرةُ فيما ذُكِر (فَرْضاً)، فيُجزِئُه عن حجةِ الإسلامِ وعمرتِه، ويُعْتَدُّ بإحرامٍ ووقوفٍ موجودَيْن إذاً، وما قبلَه

стр. 634

تطوُّعٌ لم يَنْقَلبْ فرضاً. فإن كان الصغيرُ أو القنُّ سعى بعدَ طوافِ القدومِ قَبْل الوقوفِ؛ لم يُجزئْه الحجُ ولو أعاد السَّعيَ؛ لأنَّه لا يُشرعُ مجاوَزةُ عددِه ولا تكرارُه، بخلافِ الوقوفِ فإنه لا قَدْرَ له محدودٌ، وتُشرعُ استِدامتُه. وكذا إن بلَغ أو عتَق في أثناءِ طوافِ العمرةِ لم تُجزئْه (١)، ولو أعادَه. (وَ) يصحُّ (فِعْلُهُمَا)، أي: الحجِّ والعمرةِ (مِنَ الصَّبِيِّ) نفلاً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: أنَّ امرأةً رَفَعَت إلى النَّبيِّ صلى الله وعليه وسلم صبِيًّا فقالت: ألهذا حجٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» رواه مسلمٌ (٢). ويُحْرِم الوَليُّ في مالٍ (٣) عمَّن لم يُمَيِّز، ولو مُحْرِماً أو لم يحُجَّ، ويُحْرِمُ مُمَيِّزٌ بإذنِه، ويَفعلُ وَليٌّ ما يُعْجِزُهما، لكن يبدأُ الوَليُّ في رَمْيٍ بنفسِه، ولا يُعْتَدُّ بِرَمْيِ حلَالٍ، ويُطَافُ به لعجزٍ راكباً أو محمولاً. (وَ) يصحَّان مِن (العَبْدِ نَفْلاً)؛ لعدمِ المانعِ، ويَلزمانِه بنذرِه، ولا يُحْرِمُ به ولا زوجةٌ إلا بإذنِ سيِّدٍ وزوجٍ، فإنْ عَقَداه فلهما تَحْلِيلُهما.

стр. 635

ولا يَمْنَعُها مِنْ حجِّ فرضٍ كَمُلَت شروطُه. ولكلٍّ مِنْ أَبَوَيْ حُرٍّ بالغٍ مَنْعُه مِنْ إحرامٍ بنفلٍ، كنفلِ جهادٍ، ولا يُحلِّلَانه إنْ أَحْرَم. (وَالقَادِرُ) المرادُ فيما سَبق: (مَنْ أمْكَنهُ الرُّكُوبُ، وَوَجَدَ زَاداً وَرَاحِلَةً) بآلتِهما (صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ)؛ لما روى الدارقطني بإسنادِه عن أنسٍ، عن النَّبيِّ صلى الله وعليه وسلم في قولِه : (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) [آل عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسولَ اللهِ ما السبيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (١).
следующие страницы →