(فَإِنْ زَالَ الرِّقُ)، بأنْ عَتَقَ العبدُ مُحْرِماً، (وَ) زال (الجُنُونُ)، بأنْ أَفَاق المجنونُ وأحرَم إنْ لم يَكُن مُحْرِماً، (وَ) زال (الصِّبَا)، بأن بلَغ الصغيرُ وهو محرمٌ (فِي الحَجِّ) وهو (بِعَرَفةَ) قَبْل الدَّفْعِ منها، أو بعدَه إنْ عادَ فوَقَف في وقتِه ولم يَكُن سعَى بعد طوافِ القدومِ، (وَفِي)، أي: أو وُجِدَ ذلك في إحرامِ (العُمْرةِ قَبْلَ طَوَافِهَا؛ صَحَّ)، أي: الحجُ أو (١) العمرةُ فيما ذُكِر (فَرْضاً)، فيُجزِئُه عن حجةِ الإسلامِ وعمرتِه، ويُعْتَدُّ بإحرامٍ ووقوفٍ موجودَيْن إذاً، وما قبلَه
стр. 634
تطوُّعٌ لم يَنْقَلبْ فرضاً.
فإن كان الصغيرُ أو القنُّ سعى بعدَ طوافِ القدومِ قَبْل الوقوفِ؛ لم يُجزئْه الحجُ ولو أعاد السَّعيَ؛ لأنَّه لا يُشرعُ مجاوَزةُ عددِه ولا تكرارُه، بخلافِ الوقوفِ فإنه لا قَدْرَ له محدودٌ، وتُشرعُ استِدامتُه.
وكذا إن بلَغ أو عتَق في أثناءِ طوافِ العمرةِ لم تُجزئْه (١)، ولو أعادَه.
(وَ) يصحُّ (فِعْلُهُمَا)، أي: الحجِّ والعمرةِ (مِنَ الصَّبِيِّ) نفلاً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: أنَّ امرأةً رَفَعَت إلى النَّبيِّ صلى الله وعليه وسلم صبِيًّا فقالت: ألهذا حجٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» رواه مسلمٌ (٢).
ويُحْرِم الوَليُّ في مالٍ (٣) عمَّن لم يُمَيِّز، ولو مُحْرِماً أو لم يحُجَّ، ويُحْرِمُ مُمَيِّزٌ بإذنِه، ويَفعلُ وَليٌّ ما يُعْجِزُهما، لكن يبدأُ الوَليُّ في رَمْيٍ بنفسِه، ولا يُعْتَدُّ بِرَمْيِ حلَالٍ، ويُطَافُ به لعجزٍ راكباً أو محمولاً.
(وَ) يصحَّان مِن (العَبْدِ نَفْلاً)؛ لعدمِ المانعِ، ويَلزمانِه بنذرِه، ولا يُحْرِمُ به ولا زوجةٌ إلا بإذنِ سيِّدٍ وزوجٍ، فإنْ عَقَداه فلهما تَحْلِيلُهما.
стр. 635
ولا يَمْنَعُها مِنْ حجِّ فرضٍ كَمُلَت شروطُه.
ولكلٍّ مِنْ أَبَوَيْ حُرٍّ بالغٍ مَنْعُه مِنْ إحرامٍ بنفلٍ، كنفلِ جهادٍ، ولا يُحلِّلَانه إنْ أَحْرَم.
(وَالقَادِرُ) المرادُ فيما سَبق: (مَنْ أمْكَنهُ الرُّكُوبُ، وَوَجَدَ زَاداً وَرَاحِلَةً) بآلتِهما (صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ)؛ لما روى الدارقطني بإسنادِه عن أنسٍ، عن النَّبيِّ صلى الله وعليه وسلم في قولِه : (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) [آل عمران: ٩٧] قال: قيل: يا رسولَ اللهِ ما السبيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (١).
стр. 636
وكذا لو وَجَد ما يُحَصِّلُ به ذلك (بَعْدَ قَضَاءِ الوَاجِبَاتِ)، مِن الدِّيونِ حالَّةً أو مؤجَّلةً، والزَّكواةِ، والكفَّاراتِ، والنُّذورِ، (وَ) بعدَ (النَّفَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ) له ولعيالِه على الدوامِ، مِن عقارٍ، أو بضاعةٍ، أو صناعةٍ، (وَ) بعدَ (الحَوَائِجِ الأَصْلِيَّةِ)، مِن كتبٍ، ومسكنٍ (١)، وخادمٍ، ولباسِ مثلِه، وغِطاءٍ، ووِطاءٍ، ونحوِها، ولا يَصيرُ مُستطيعا بِبَذْلِ غيرِه له.
ويُعتَبر أَمْنُ طريقٍ بلا خفَارَةٍ (٢)، يُوجَدُ فيه الماءُ والعلفُ على
стр. 637
المعتادِ، وسَعَةُ وقتٍ يُمكِنُ السَّيْرُ فيه على العادةِ.
(وَإِنْ أعْجَزَهُ) عن السَّعي (كِبَرٌ، أَوْ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ)، أو ثِقَلٌ لا يقدر معه على (١) ركوبٍ إلِّا بمشقةٍ شديدةٍ، أو كان نِضْوَ (٢) الخِلْقَةِ لا يقدِرُ ثُبوتاً على راحلةٍ إلا بمشقةٍ غيرِ محتملةٍ؛ (لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ وَيَعَتَمِرُ عَنْهُ) فوراً (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا)، أي: مِنْ بَلَدِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: إنَّ امرأةً مِن خَثْعَم قالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ أَبي أدْرَكَتهُ فريضةُ اللهِ في الحجِّ شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الراحلةِ، أَفَأَحُجَّ عنه؟ قال: «حُجِّي (٣) عَنْهُ» متفقٌ عليه (٤).
(وَيُجْزِئُ) الحجُّ أو (٥) العمرةُ (عَنْهُ)، أي: عن المَنُوبِ عنه إذاً، (وَإِنْ عُوفِيَ بَعْدَ الإِحْرَامِ)، قبلَ فراغِ نائبِه مِن النُّسكِ أو بعدَه؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخرج مِن العهدةِ (٦).
ويَسقطان عمَّن لم يجد نائِباً.
стр. 638
ومَن لم يحجَّ عن نفسِه لم يحجَّ عن غيرِه.
ويصحُّ أن يَسْتَنيبَ قادرٌ وغيرُه (١) في نفلِ حجٍ وبعضِه.
والنائبُ أمينٌ فيما يُعطاه ليَحجَّ مِنه، ويُحسَبُ له نفقةُ رجوعِه وخادمِه إن لم يَخْدِم مِثلُه نفسَه.
(وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ)، أي: الحجِّ أو (٢) العمرةِ (عَلَى المَرْأَةِ: وَجُودُ مَحْرَمِهَا)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» رواه أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ (٣)، ولا فرق بين الشَّابةِ والعجوزِ، وقصيرِ السَّفرِ وطويلِه.
(وَهُوَ)، أي: مَحْرَمُ السَّفرِ: (زَوْجُها، أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ)؛ كأخٍ مسلمٍ مكلفٍ، (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ)؛ كأخٍ مِن رضاعٍ كذلك.
وخَرَج مَن تَحرُمُ عليه بسببٍ مُحَرمٍ؛ كأمِّ المَزْنيِّ بها وبنتِها، وكذا أمُّ الموطوءةِ بشبهةٍ وبنتُها.
والملاعنُ ليس مَحْرَماً للملاعنةِ؛ لأنَّ تحريمَها عليه أبداً عقوبةٌ وتغليظٌ عليه، لا لحرمتِها.
стр. 639
ونفقةُ المَحْرَمِ عليها، فيُشترطُ لها: مِلْكُ زادٍ وراحلةٍ لهما، ولا يلزمُه مع بذلِها ذلك سفرٌ معها.
ومَن أَيِسَت مِنه استنابت، وإن حجَّت بدونِه حَرُم وأجزأ.
(وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ)، أي: الحجُّ والعمرةُ؛ (أُخْرِجَا مِنْ تَرِكَتِهِ) مِن رأسِ المالِ، أَوْصَى به أو لا.
ويَحجُّ النائبُ مِن حيثُ وجَبَا على الميتِ؛ لأنَّ القضاءَ يكونُ بصفةِ الأداءِ؛ وذلك لما روى البخاري عن ابنِ عباسٍ: أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله إنَّ أُمي نذَرَت أن تَحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ قال: «نَعَمْ حُجِّي (١) عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا حَقَّ (٢) الله، فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٣).
ويسقُطُ بحجِّ أجنبيٍّ عنه، لا عن حيٍّ بلا إذنِه.
وإن ضاق مالُه حُجَّ به من حيثُ بلَغ، وإن مات في الطريقِ حُجَّ عنه من حيثُ مات.
стр. 640
(بَابُ المَوَاقِيتِ)
الميقاتُ لغةً: الحَدُّ، واصطلاحاً: موضِعُ العبادةِ وزمنُها.
(وَمِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ: ذُو الحُلَيْفَةِ)، بضمِّ الحاءِ (١) وفتحِ اللامِ، بينها وبين المدينةِ ستةُ أميالٍ أو سبعةٌ، وهي أبعدُ المواقيتِ مِن مكةَ، بينها وبين مكةَ عشرةُ أيامٍ.
(وَ) ميقاتُ (أَهْلِ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالمَغْرِبِ: الجُحْفَةُ)، بضمِّ الجيمِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ، قُرْبَ رابِغٍ، بينها (٢) وبين مكةَ نحوُ ثلاثِ مراحلَ.
(وَ) ميقاتُ (أَهْلِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ (٣)، بينه وبين مكةَ ليلتان.
(وَ) ميقاتُ (أَهْلِ نَجْدٍ) والطائفِ: (قَرْنٌ)، بسكونِ الراءِ (٤)، ويقالُ: قرنُ المنازلِ، وقرنُ الثعالبِ، على يومٍ وليلةٍ مِن مكةَ.
يحتاطَ، فإن لم يحاذِ ميقاتاً أحْرَم عن مكةَ بمرحلتين.
(وَعُمْرَتُهُ)، أي: عمرةُ مَنْ كان بمكةِ يُحرِمُ لها (مِنَ الحِلِّ)؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله وعليه وسلم أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِن التَّنْعِيم» متفقٌ عليه (١).
ولا يَحِلُّ لحُرٍّ مكلَّفٍ مسلمٍ أرَاد مكة أو النُّسك تَجاوزُ الميقاتِ بلا إحرامٍ إلَّا لقتالٍ مباحٍ، أو خوفٍ، أو حاجةٍ تَتَكرَّر؛ كحطَّابٍ ونحوِه، فإن تجاوزَه لغيرِ ذلك لَزِمَه أنْ يَرْجِعَ لِيُحْرِمَ منه إن لم يَخفْ فَوتَ حجٍّ أو على نفسِه، وإنْ أحْرَم من موضعِه فعليه دمٌ.
وإنْ تجاوزَه غيرُ مكلَّفٍ ثُمَّ كُلِّف؛ أحْرَم مِن موضعِه.
وكُرِه إحرامٌ قبل ميقاتٍ، وبحجٍّ قبلَ أشهرِه، ويَنعقِدُ.
(وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ)، مِنها يومُ النَّحرِ، وهو يومُ الحجِّ الأكبرِ.
стр. 643
(بَابُ الإِحْرَامِ)
لغةً: نيَّةُ الدخولِ في التحريمِ؛ لأنَّه يُحَرِّمُ على نفسِه بنِيَّتِه ما كان مباحاً له قبلَ الإحرامِ مِن النكاحِ والطيبِ ونحوِهِما.
وشرعاً: (نِيَّةُ النُّسُكِ)، أي: نيَّةُ (١) الدخول فيه، لا نيَّتَه (٢) أن يَحجَّ أو يعتمرَ.
(سُنَّ لِمُرِيدِهِ)، أي: مريدِ الدخولِ في النُّسكِ مِن ذكرٍ وأنثى (غُسْلٌ)، ولو حائضاً ونفساء؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله وعليه وسلم أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رواه مسلم (٣)، و «أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لإِهْلَالِ الحَجِّ وَهِيَ حَائِض» (٤)، (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمٍ)، أي: عدمِ الماءِ، أو تعذُّرِ استعمالِه لنحوِ مرضٍ.
стр. 644
(وَ) سُنَّ له أيضاً (تَنَظُّفٌ)، بأَخْذِ شَعْرٍ، وظفرٍ، وقطْعِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلا يَحتاجَ إليه في إحرامِه فلا يتمَكَّنُ منه.
(وَ) سُنَّ له أيضاً (تَطَيُّبٌ) في بدنِه بمسكٍ، أو بخورٍ، أو ماءِ وردٍ ونحوِها؛ لقولِ عائشةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ» (١)، وقالت «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» متفقٌ عليه (٢).
وكُرِهَ أنْ يتطيَّبَ في ثوبِه، وله استدامةُ لُبْسِه ما لم يَنْزَعْهُ، فإنْ نَزَعه فليس له أن يلبِسَه قَبْلَ غَسْلِ الطِّيبِ منه.
ومتى تعمَّد مسَّ ما على بدنِه مِن الطِّيبِ، أو نحَّاه عن موضعِه ثم ردَّه إليه، أو نَقَلَه إلى موضعٍ آخر؛ فدى، لا إنْ سَالَ بعَرَقٍ أو شمسٍ.
(وَ) سُنَّ له أيضاً (تَجَرُّدٌ مِنْ مَخِيْطٍ)، وهو: كلُّ ما يُخاطُ على قدْرِ الملبوسِ عليه؛ كالقميصِ والسراويلِ؛ «لأَنَّه ﵇ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ» رواه الترمذي (٣).
стр. 645
وسُنَّ أيضاً أنْ يُحْرِمَ (فِي إِزارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ) نظيفين، ونعلين؛ لقولِه ﵇: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» رواه أحمد (١)، والمرادُ بالنعلينِ: التَّاسُومَةُ (٢)، ولا يجوزُ له لُبْسُ السرموزةِ والجُمْجُمِ (٣)، قاله في الفروعِ (٤).
стр. 646
(وَ) سُنَّ (إِحْرَامٌ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ) نفلاً، أو عَقِب فريضةٍ؛ «لأَنَّه ﵇ أَهَلَّ دُبُرَ صَلَاةٍ» رواه النسائي (١).
(وَنِيَّتُهُ شَرْطٌ)، فلا يَصيرُ مُحْرِماً بمجرَّدِ التَّجَرُّدِ أو التلبيةِ مِن غيرِ نيةِ الدخولِ في النسكِ؛ لحديثِ: «إَنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢).
(وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ نُسُكَ كَذَا)، أي: أنْ يُعَيِّنَ ما يُحْرِمُ به ويَلْفِظُ به، وأن يقولَ: (فَيَسِّرْهُ لِي)، وتقَبَّلْهُ منِّي، وأنْ يَشْتَرِطَ فيقولَ: (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي (٣) حَيْثُ حَبَسْتَنِي)؛
стр. 647
لقولِه صلى الله وعليه وسلم لضُبَاعةَ بنتِ الزبيرِ حينَ قالت له: إني أريد الحجَّ وأَجِدُني وَجِعةً، فقال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» متفقٌ عليه (١)، زاد النسائي في روايةٍ إسنادها جيدٌ: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكَ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٢)، فمتى حُبِسَ بمرضٍ، أو عدوٍّ، أو ضَلَّ الطَّريقَ؛ حَلَّ ولا شيء عليه.
ولو شَرَط أن يَحِلَّ متى شاء، أو إنْ أفسدَه لم يَقْضِه؛ لم يصحَّ الشَّرطُ.
ولا يَبطُلُ الإحرامُ بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سكرٍ؛ كموتٍ، ولا يَنْعَقدُ مع وجودِ أحدِها.
والإنساكُ: تمتُّعٌ، وإفرادٌ، وقِرانٌ.
(وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ التَّمَتُّعُ)، فالإفرادُ، فالقرانُ، قال أحمدُ: (لا
стр. 648
أَشُكُّ (١) أنَّه ﵇ كان قارناً، والمتعةُ أحبُّ إليَّ) ا. هـ (٢)، وقال: (لأنه آخرُ ما أَمر به النبي صلى الله وعليه وسلم) (٣)، ففي الصحيحين: أنَّه ﷺ أَمَر أصحَابَه لمَّا طافوا وسعوا أنْ يجعلوها عمرةً إلا مَن ساق هدياً، وثبت على إحرامِه لسوقِه الهديَ، وتأسَّفَ بقولِه: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ (٤) مَعَكُمْ» (٥).
(وَصِفَتُهُ) أي: التمتعُ: (أَنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فِي عَامِهِ) مِن مكةَ، أو قُرْبِها، أو بعيدٍ منها.
والإفرادُ: أن يُحْرِمَ بحجٍّ ثم بعمرة (٦) بعد فراغِه منه.
والقِرانُ: أن يُحْرِمَ بهما معاً، أو بها ثم يُدْخِلُه عليها قبلَ شروعٍ في طوافِها، ومَنْ أحْرَم به ثم أدخلها عليه لم يَصحَّ إحرامُه بها.
(وَ) يجبُ (عَلَى الأُفُقِيِّ)، وهو مَن كان مسافَةَ قصْرٍ فأكثرَ مِن
стр. 649
الحرمِ إن أحرم متمتعاً أو قارِنًا؛ (دَمُ) نُسُكٍ لا جُبْرانٍ، بخلافِ أهلِ الحرمِ، ومَن مِنه دونَ المسافةِ؛ فلا شيءَ عليه؛ لقولِه تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٩٦].
ويُشترطُ: أنْ يُحْرِم بها مِن ميقاتٍ أو مسافةِ قصرٍ فأكثرَ من مكةَ، وألَّا يسافرَ بينهما، فإن سافر مسافةَ قصرٍ فأحرم فلا دمَ عليه.
وسُنَّ لمفردٍ وقارنٍ فَسْخُ نيَّتِهما بحجٍ، ويَنْوِيان بإحرامِهما ذلك عمرةً مفردةً؛ لحديثِ الصحيحين السابقِ (١)، فإذا حلَّا (٢) أحْرَمَا به ليصيرَا مُتَمَتِّعَيْن، ما لم يَسُوقَا هدياً أو يَقِفَا بعرفةَ.
وإن ساقه متمتعٌ لم يَكُن له أن يَحِلَّ، فيُحْرِم بحجٍّ إذا طاف وسعى لعمرتِه قبلَ حلقٍ، فإذا ذبحه يومَ النحرِ حلَّ منهما.
(وَإِنْ حَاضَتْ المَرْأَةُ) المتمتِّعةُ قبْلَ طوافِ العمرةِ (فَخَشِيِتْ فَوَاتَ الحَجِّ؛ أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوباً (وَصَارَت قَارِنَةً)؛ لما روى مسلمٌ: أنَّ عائشةَ كانت متمتِّعةً فحاضت، فقال لها النبي ﷺ : «أَهِلِّي بِالحَجِّ» (٣)، وكذا لو خَشِيَه غيرُها.
стр. 650
ومَن أَحْرَم وأَطْلَق؛ صحَّ وصرَفَه لما شاء، وبِمثل ما أَحَرم فلانٌ انعقد بمثلِه، وإنْ جَهِل جعلَه عمرةً؛ لأنَّها اليقينُ.
ويصحُّ: أحْرَمْتُ يوماً، أو بنِصْفِ نُسُكٍ، لا إنْ أَحْرَم فلانٌ فأنا مُحْرِمٌ؛ لعدمِ جزمِه.
(وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ) -قطع به جماعةٌ (١)، والأصحُّ عَقِب إحرامِه-: (لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ)، أي: أنا مقيمٌ على طاعتِك وإجابةِ أمركِ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، روى ذلك ابنُ عمرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ متفقٍ عليه (٢).
وسُنَّ أن يَذْكَرَ نُسُكَه فيها، وأنْ يبدأَ القارنُ بِذِكْرِ عمرتِه، وإكثارُ التلبيةِ، وتتأكَّدُ إذا علا نَشَزاً (٣)، أو هبط وادياً، أو صلَّى مكتوبةً، أو أَقْبَل ليلٌ أو نهارٌ، أو التقَتِ الرِّفاقُ، أو سَمِع مُلَبِّياً، أو فعلَ محظوراً ناسياً، أو رَكِب دابَّتَه، أو نزل عنها، أو رأى البيتَ.
(يُصَوِّتُ بِهَا الرَّجُلُ)، أي: يجهرُ بالتلبيةِ؛ لخبرِ السائبِ بنِ
стр. 651
خلادٍ مرفوعاً: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ»، صحَّحه الترمذي (١).
وإنما يُسَنُّ الجهرُ بالتلبيةِ في غيرِ مساجدِ الحِلِّ وأمصارِه، وفي غيرِ طوافِ القدومِ والسعي بعدَه.
وتُشرَعُ بالعربيةِ لقادِرٍ، وإلا فبِلُغَتِه.
ويُسنُّ بعدَها دعاءٌ، وصلاةٌ على النبي ﷺ .
(وَتُخْفِيهَا المَرْأَةُ) بقَدْرِ ما تُسْمِعُ رفيقتَها، ويُكرَه جهرُها فوقَ ذلك مخافةَ الفتنةِ.
ولا تُكرَه التلبيةُ لِحَلالٍ.
стр. 652
(بَابُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ)
أي: المُحرَّمَاتِ بسببِه.
(وَهِيَ)، أي: محظوراتُه (تِسْعَةٌ):
أحدُها: (حَلْقُ الشَّعرِ (١) مِن جميعِ بدنِه بلا عذرٍ، يعني: إزالتُه بحلقٍ، أو نَتْفٍ، أو قَلْعٍ؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: ١٩٦].
(وَ) الثاني: (تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ)، أو قَصُّه مِن يدٍ أو رجلٍ بلا عذرٍ.
فإن خَرَج بِعَيْنِه شعرٌ، أو كُسِرَ ظفرُه فأزالهما، أو زالَا (٢) مع غيرِهما؛ فلا فديةَ.
وإنْ حصل الأذى بقرْحٍ أو قملٍ ونحوِه فأزال (٣) شعرَه لذلك؛ فدى.
ومَن حُلِق رأسُه بإذنِه، أو سكت ولم يَنهَه؛ فدى.
ويُباحُ للمُحْرِمِ غَسْلُ شعرِه بسدرٍ ونحوِه.
стр. 653
(فَمَنْ حَلَقَ) شعرةً واحدةً أو بعضَها فعليه طعامُ مسكينٍ، وشَعرتين أو بعضَ شَعرتين فطعامَا مسكينٍ (١)، وثلاثَ شعراتٍ فعليه دمٌ، (أَوْ قَلَّمَ) ظفراً فطعامُ مسكينٍ، وظُفْرَيْن فطعامَا مسكينٍ (٢)، و (ثَلَاثَةً فَعَلَيهِ دَمٌ)، أي: شاةٌ، أو إطعامُ ستةَ مساكين، أو صيامُ ثلاثةَ أيامٍ.
وإن خلَّلَ شَعْرَه وشكَّ في سقوطِ شيءٍ به (٣)؛ استُحِبَّت.
الثالثُ: تغطيةُ رأسِ الذَّكَرِ، وأشار إليه بقولِه: (وَمَنْ غَطَّى رَأْسَهُ بِمُلَاصِقٍ؛ فَدَى)، سواءٌ كان معتاداً كعمامةٍ، وبُرْنُسٍ (٤)، أم لا كقِرْطاسٍ (٥) وطينٍ، ونُورةٍ، وحناءٍ، أو عَصَبَهُ بِسَيْرٍ، أو استظَلَّ في مَحْمَلٍ راكباً أو لا، ولو لم يلاصِقْه، ويحرُمُ ذلك بلا عذرٍ، لا إنْ حَمَلَ عليه، أو استظَلَّ بِخَيْمَةٍ، أو شجرةٍ، أو بيتٍ.
стр. 654
الرابعُ: لُبْسه المَخِيطَ، وإليه الإشارةُ بقولِه: (وَإِنْ لَبِسَ ذَكَرٌ مَخِيْطاً فَدَى).
ولا يَعْقِدُ عليه رداءً ولا غيرَه، إلا إزارَه، ومِنْطَقَةً (١) وهِمْيَاناً (٢) فيهما نفقةٌ مع حاجةٍ لِعَقْدٍ.
وإنْ لم يجد نَعْلَيْن لَبِسَ خُفَيِّن، أو لم يَجِد إزاراً لَبِسَ سراويلَ إلى أنْ يجِدَ، ولا فديةَ.
الخامسُ: الطِّيبُ، وقد ذكره بقولِه: (وَإِنْ طَيَّبَ) مُحرِمٌ (بَدَنَه، أَوْ ثَوْبَهُ)، أو شيئاً منهما، أو استعملَه في أكلٍ أو شربٍ (٣)، (أَوْ ادَّهَنَ)، أو اكتحل، أو اسْتَعَطَ (بِمُطَيَّبٍ، أَوْ شَمَّ) قصداً (طِيباً، أَوْ تَبَخَّرَ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ)، أو شمَّه قصداً، ولو بَخورَ الكعبةِ؛ أَثِمَ و (فَدَى).
ومِن الطِّيبِ: مِسْكٌ، وكافورٌ، وعنبرٌ، وزعفرانٌ، ووَرْسٌ (٤)،
стр. 655
ووَرْدٌ، وبَنَفْسَجٌ (١)، ولَيْنوفرُ (٢)، وياسمينٌ، وبانٌ (٣)، وماءُ وردٍ.
وإن شمَّها بلا قصدٍ، أو مسَّ ما لا يَعْلَقُ؛ كقِطَعِ كافورٍ، أو شمَّ فواكهَ، أو عوداً، أو شيحاً (٤)، أو ريحاناً فارسيًّا، أو نَمَّاماً (٥)، أو ادَّهن بدهنٍ غيرِ مطيَّبٍ؛ فلا فديةَ.
السادسُ: قَتْلُ صيدِ البَرِّ واصطياده (٦)، وقد أشار إليه بقولِه: (وَإِنْ قَتَلَ صَيْداً مَأْكُولاً بَرِّيًّا أَصْلاً)؛ كحَمَامِ وبَطٍّ ولو استأنسَ، بخلافِ إبلٍ وبقرٍ أهليةٍ ولو توحَّشت، (وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْهُ)، أي: مِن الصيدِ المذكورِ (وَمِنْ غَيْرِهِ)؛ كالمتولِّدِ بين المأكولٍ وغيرِه، أو بين الوحشي وغيرِه؛ تغليباً للحظرِ.
стр. 656
(أَوْ تَلِفَ) الصيدُ المذكورُ (فِي يَدِهِ) بمباشرةٍ أو سببٍ، كإشارةٍ، ودلالةٍ، وإعانةٍ ولو بمناولةِ آلةٍ، أو جنايةِ دابةٍ هو متصرِّفٌ فيها؛ (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ).
وإن دلَّ ونحوَه مُحرِمٌ مُحرِماً فالجزاءُ بينهما.
ويَحْرُمُ على المُحْرِم أكلُه مما صاده، أو كان له أثرٌ في صيدِه، أو ذُبحَ أو صِيدَ لأجلِه.
وما حَرُم عليه لنحو دِلالةٍ، أو صِيدَ له؛ لا يَحرُمُ على مُحْرِمٍ غيرِه.
ويَضمنُ بَيْضَ صَيْدٍ، ولَبَنَه إذا حلبَه بقيمتِه.
ولا يَملكُ المُحْرِم ابتداءً صيداً بغيرِ إرثٍ.
وإن أَحْرَم وبِملكِه صيدٌ لم يَزُل، ولا يدُه الحكميةُ، بل تزالُ يدُه المشاهدةُ بإرسالِه.
(وَلَا يَحْرُمُ) بإحرامٍ أو حَرَمٍ (حَيْوانٌ إِنْسِيٌّ)؛ كالدجاجِ (١) وبهيمةِ الأنعامِ؛ لأنَّه ليس بصيدٍ، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يذبحُ البُدْنَ في إحرامِه بالحرمِ (٢).
стр. 657
(وَلَا) يحرمُ (صَيْدُ البَحْرِ) إن لم يكن بالحرمِ؛ لقولِه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦].
وطيرُ الماءِ بريُّ.
(وَلَا) يَحْرُم بِحَرَمٍ ولا إحرامٍ (قَتْلُ مُحَرَّمِ الأَكْلِ)؛ كالأسدِ، والنمرِ، والكلبِ، إلا المتولِّدَ كما تقدَّم.
(وَلَا) يَحْرُم قتلُ الصيدِ (الصَّائِلِ) دفعاً عن نفسِه أو مالِه، سواءٌ خَشِي التَّلَفَ أو الضَّرَرَ بجرحِه (١)؛ لأنَّه التحق بالمؤذياتِ، فصار كالكلبِ العقورِ.
ويُسنُّ مطلقاً قتلُ كلِّ مؤذٍ غيرِ آدمي.
ويَحْرُم بإحرامٍ قتلُ قَمْلٍ وصِئْبَانِهِ (٢) ولو برميه، ولا جزاءَ فيه، لا براغيثَ وقُرادٍ (٣) ونحوِهما.
وُيْضَمنُ جَرَادٌ بقيمتِه.
ولمُحْرِمٍ احتاج لِفِعْلِ محظورٍ فعلُه ويفدي، وكذا لو اضطرَّ إلى أَكْلِ صَيْدٍ فله ذَبْحُه وأكلُه؛ كمن بالحرمِ، ولا يُباحُ إلا لمن له أكلُ الميتةِ.
стр. 658
السابعُ: عقدُ النِّكاحِ، وقد ذكره بقولِه: (وَيَحْرُمُ عَقْدُ نِكَاحٍ)، فلو تزوَّج المُحْرِمُ، أو زوَّج مُحْرِمَةً، أو كان وليًّا أو وكيلاً في النكاحِ؛ حَرُمَ، (وَلَا يَصِحُّ)؛ لما روى مسلمٌ عن عثمانَ مرفوعاً: «لَا يَنْكِحِ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» (١)، (وَلَا فِدْيَةَ) في عقدِ النكاحِ، كشراءِ الصيدِ، ولا فرق بين الإحرامِ الصحيحِ والفاسدِ.
ويُكْرَه للمُحْرِم أنْ يخطِبَ امرأةً كخُطبةِ عقدِه، وحضورِه، وشهادتِه فيه.
(وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ)، أي: لو راجع المُحْرِمُ امرأتِه صحَّت بلا كراهةٍ؛ لأنَّه إمساكٌ، وكذا شراءُ أمةٍ للوطءِ.
الثامنُ: الوَطْءُ، وإليه الإشارة بقولِه: (وَإِنْ جَامَعَ المُحْرِمُ)؛ بأن غيَّب الحشَفةَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ مِن آدمي أو غيرِه (٢)؛ لقولِه تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ) [البقرة: ١٩٧]، قال ابنُ عباسٍ: «هُوَ الجِمَاعُ» (٣).
وإن كان الوطءُ (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ؛ فَسَدَ نُسُكُهُمَا)، ولو بعدَ الوقوفِ بعرفةَ، ولا فرق بين العامدِ والساهي؛ لقضاءِ بعضِ
стр. 659
الصحابةِ بفسادِ الحجِّ ولم يَستفصِل، (وَيَمْضِيَانِ فِيهِ)، أي: يجبُ على الواطئ والموطوءةِ المضيُّ في النسكِ الفاسدِ، ولا يَخرجان منه بالوطءِ؛ رُوي عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وأبي هريرةَ (٣)، وابنِ عباسٍ (٤)،
فحكمُه كالإحرامِ الصحيحِ؛ لقولِه تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ) [البقرة: ١٩٦]، (وَيَقْضِيَانِهِ) وجوباً (ثَانِيَ عَامٍ)؛ رُوي عن ابنِ عباسٍ، وابنِ
стр. 660
عمرَ، وابنِ عمرو (١)(٢)، وغيرُ المكلَّفِ يقضي بعد تكلِيفِه وحجَّةِ الإسلامِ فوراً مِن حيثُ أحرمَ أوَّلاً إن كان قبلَ ميقاتٍ، وإلا فمِنه.
وسُنَّ تَفَرُّقُهُما في قضاءٍ مِن موضعِ وَطْءٍ إلى أن يحِلَّا.
والوطءُ بعد التحلُّلِ الأوَّلِ لا يُفسدُ النسكَ، وعليه شاةٌ.
ولا فديةَ على مكرَهةٍ، ونفقةُ حجَّةِ قضائِها عليه؛ لأنَّه المفسدُ لِنُسكِها.
التاسعُ: المباشرةُ دون الفرجِ، وذكرها بقولِه: (وَتَحْرُمُ المُبَاشَرَةُ)، أي: مباشرةُ الرجلِ المرأةَ، (فَإِنْ فَعَلَ)، أي: باشَرَها (فَأَنْزَلَ؛ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ)، كما لو لم يُنْزِل، ولا يَصحُّ قياسُها على الوطءِ؛ لأنَّه يجبُ به الحدُّ دونها، (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) إنْ أنْزَل بمباشرةٍ،
стр. 661
أو قبلةٍ، أو تكرارِ نَظَر، أو لمسٍ لشهوةٍ، أو أمنى باستمناءٍ؛ قياساً على بدنةِ الوطءِ، وإن لم (١) ينزل فشاةٌ كفديةِ أذى، وخطأٌ في ذلك كعمدٍ، وامرأةٌ مع شهوةٍ كرجلٍ في ذلك.
(لَكِنْ يُحْرِمُ) بعدَ أن يَخرُجَ (مِنَ الحِلِّ)؛ ليَجمعَ في إحرامِه بين الحِلِّ والحرمِ (لِطَوَافِ الفَرْضِ)، أي: ليطوفَ طوافَ الزيارةِ مُحْرِماً.
وظاهرُ كلامِه: أنَّ هذا في المباشِرِ (٢) دونَ الفرجِ إذا أنزل، وهو غيرُ متَّجِهٍ؛ لأنَّه لم يفسد إحرامُه حتى يحتاجَ لتجديدِه، فالمباشرةُ كسائرِ المحرماتِ غيرِ الوطءِ، هذا مقتضى كلامِه في الإقناعِ (٣)، كالمنتهى (٤)، والمقنعِ (٥)، والتنقيحِ (٦)، والإنصافِ (٧)، والمبدعِ وغيرِها (٨)، وإنما ذكروا هذا الحكمَ فِيمن وطِئ بعد التحلِّلِ الأوَّلِ إلا أن يكونَ على وجهِ الاحتياطِ؛ مراعاةً للقولِ بالإفسادِ.
(وَ) يُخيَّر (بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ) بعدَ أنْ يُقوِّمَه بدراهِمَ لتعذُّرِ المِثْلِ، ويشتري بها طعاماً كما مَرَّ؛ (بَيْنَ إِطْعَامٍ) كما مَرَّ، (وَصِيْامٍ) على ما تقدَّم.
(وَأَمَّا دَمُ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ، فَيَجبُ الهَدْيُ) بشرطِه السابقِ؛ لقولِه تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦]، والقارنُ بالقياسِ على المتمتعِ.
(فَإِنْ عَدِمَهُ)، أي: عَدِمَ الهدْيَ، أو عَدِمَ ثمنَه ولو وَجَد مَنْ يُقْرِضُهُ؛ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) في الحجِّ، (وَالأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ)، وإن أخَّرها عن أيامِ مِنَى صامها بَعْدُ، وعليه دمٌ مطلقاً، (وَ) صيامُ (سَبْعَةٍ) أيامٍ (إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)؛ قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) [البقرة: ١٩٦]، وله صومُها بعدَ أيامِ منى وفراغِه مِن أفعالِ الحجِّ.
ولا يَجِبُ تتابعٌ ولا تفريقٌ في الثلاثةِ ولا السبعةِ.
(وَالمُحْصَرُ) يذبحُ هَدْياً بنيِّةِ التَّحَلُّلِ؛ لقولِه تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦]، و (إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْياً صَامَ عَشَرَةَ) أيامٍ بنيَّةِ التَّحلُّلِ (ثُمَّ حَلَّ)؛ قياساً على المتمتعِ.
(وَيَجِبُ بِوَطْءٍ فِي فَرْجٍ فِي الحَجِّ) قَبْل التَّحلُّلِ الأوَّلِ (بَدَنَةٌ)، وبعدَه شاةٌ، فإن لم يَجد البدنةَ صام عشرةَ أيامٍ؛ ثلاثةً في الحجِّ
стр. 666
وسبعةً إذا رجع؛ لقضاءِ الصحابةِ (١).
(وَ) يجبُ بوطءٍ (فِي العُمْرَةِ شَاةٌ) (٢).
(وَإِنْ طَاوَعَتْهُ زَوْجَتُهُ لَزِمَهَا)، أي: ما ذُكِرَ من الفِدْيَةِ في الحجِّ والعمرةِ، وفي نسخةٌ: (لَزِمَاهَا)، أي: البدنةُ في الحجِّ، والشاةُ في العمرةِ.
والمُكْرَهةُ لا فديةَ عليها.
وتقدَّم حُكْمُ المباشرةِ دون الفرجِ (٣)، ولا شيءَ على مَنْ فكَّر فأنزل.
والدمُ الواجبُ لفواتٍ، أو تركِ واجبٍ؛ كمتعةٍ.
(فَصْلٌ)
(وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوراً مِنْ جِنْسٍ) واحدٍ، بأنْ حَلَقَ، أو قَلَّمَ، أو لَبِسَ مَخِيطاً، أو تَطَيَّبَ، أو وَطِئَ ثم أعاده (وَلَمْ يَفْدِ) لِما سبق؛ (فَدَى مَرَّةً)، سواءٌ فعلَه متتابعاً أو متفرِّقاً؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَوْجَب في حلقِ الرأسِ فديةً واحدةً، ولم يُفرِّق بين ما وقع في دُفْعةٍ أو دُفُعاتٍ (٤).
стр. 667
وإنْ كفَّر عن السابقِ ثم أعادَه؛ لزمته الفديةُ ثانياً.
(بِخِلَافِ صَيْدٍ)، ففيه بعَدَدِه ولو في دُفْعةٍ؛ لقولِه تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥].
(وَمَنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِنْ أَجْنَاسٍ)؛ بأنْ حلَقَ وقلَّم أظفارَه ولبِسَ المخيطَ؛ (فَدَى لِكُلٍّ مَرَّةً)، أي: لكلِّ جنسٍ فِدْيَتَه الواجبةَ فيه، سواءٌ (رَفَضَ إِحْرَامَهُ أَوْ لَا)، إذْ التَّحلُّلُ مِن الحجِّ لا يَحصلُ إلا بأحدِ ثلاثةِ أشياءٍ: كمالِ أفعالِه، أو التحلُّلِ عند الحصرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَطه في ابتدائِه، وما عدا هذه لا يتحلَّلُ به، ولو نوى التحلُّل لم يَحِلَّ.
ولا يفسُدُ إحرامُه برفضِه، بل هو باقٍ يلزمُه أحكامُه، وليس عليه لرفضِ الإحرامِ شيءٌ؛ لأنه مجردُ نيةٍ.
(وَيَسْقُطُ بِنِسْيَانٍ)، أو جهلٍ، أو إكراهٍ؛ (فِدْيَةُ لُبْسٍ، وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١)، ومتى زال عُذْرُه أزالَه في الحالِ، (دُونَ) فديةِ
стр. 668
(وَطْءٍ، وَصَيْدٍ، وَتَقْلِيمٍ، وَحِلَاقٍ)، فتجبُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك إتلافٌ، فاستوى عمدُه وسهوُه؛ كمالِ الآدميِّ.
وإن استدام لُبْسَ مخيطٍ أحرم فيه ولو لحظةً فوقَ المعتادِ مِن خَلْعِه؛ فدى، ولا يشُقُّه.
(وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ) يتعلَّقُ بحرمٍ أو إحرامٍ؛ كجزاءِ صيدٍ، ودمِ متعةٍ، وقِرانٍ، ومنذورٍ، وما وجب لتركِ واجبٍ، أو فعلِ محظورٍ في الحرمِ؛ (فَـ) ـإنه يلزمُه (١) ذبحُه في الحرمِ، قال أحمدُ: (مكةُ ومنى واحِدٌ).
والأفضلُ نَحْرُ ما بحجٍّ بمِنَى، وما بعمرةٍ بالمروةِ.
ويلزمُ تَفْرِقَةُ لحمِه، أو إطلاقِه (لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)؛ لأنَّ القصدَ التوسعةُ عليهم، وهم المقيمُ به والمجتازُ مِنْ حاجٍّ وغيرِه مِمن له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ، وإن سلَّمه لهم (٢) حيًّا فذبحوه أجزأ، وإلا ردَّه وذبحَه.
(وَفِدْيَةُ الأَذَى)، أي: الحلقِ، (وَاللُّبْسِ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كطيبٍ (٣)، وتغطيةِ رأسٍ، وكلِّ محظورٍ فَعَلَه خارجَ الحرمِ، (وَدَمُ الإِحْصَارِ؛ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ) مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ؛ لأنَّه ﵇ نحر هديَه
стр. 669
في موضعِه بالحديبيةِ (١)، وهي مِن الحلِّ، ويُجْزِئُ بالحرمِ أيضاً.
(وَيُجْزِئُ الصَّوْمُ) والحلقُ (بِكُلِّ مَكَانٍ) (٢)؛ لأنَّه لا يَتعدَّى نفعُه لأحدٍ، فلا فائدةَ لتخصيصِه.
(وَالدَّمُ) المطلقُ كأضحيةٍ: (شاةٌ)؛ جذعُ ضأنٍ، أو ثَنِيُّ مَعْزٍ، (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ) أو بقرةٍ، فإنْ ذبحها فأفضلُ، وتجبُ كلُّها.
(وتُجْزِئُ عَنْهَا)، أي: عن البدنةِ: (بَقَرةٌ)، ولو في جزاءِ صيدٍ، كعكسِه، وعن سَبْعِ شياهٍ: بدنةٌ أو بقرةٌ مطلقاً.
стр. 670
(بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ)
أي: مثلُه في الجملةِ إن كان، وإلا فقيمتُه.
فيجبُ المثلُ مِن النَّعمِ فيما له مثلٌ؛ لقولِه تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]، «وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الضَّبُع كَبْشاً» (١).
ويُرجعُ فيما قضت فيه الصحابةُ إلى ما قضوا به فلا يحتاجُ أنْ يُحكمَ عليه مرةً أخرى؛ لأنهم أعرفُ، وقولُهم أقربُ إلى الصوابِ، ولقولِه ﵇: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٢).