← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وسبعةً إذا رجع؛ لقضاءِ الصحابةِ (١). (وَ) يجبُ بوطءٍ (فِي العُمْرَةِ شَاةٌ) (٢). (وَإِنْ طَاوَعَتْهُ زَوْجَتُهُ لَزِمَهَا)، أي: ما ذُكِرَ من الفِدْيَةِ في الحجِّ والعمرةِ، وفي نسخةٌ: (لَزِمَاهَا)، أي: البدنةُ في الحجِّ، والشاةُ في العمرةِ. والمُكْرَهةُ لا فديةَ عليها. وتقدَّم حُكْمُ المباشرةِ دون الفرجِ (٣)، ولا شيءَ على مَنْ فكَّر فأنزل. والدمُ الواجبُ لفواتٍ، أو تركِ واجبٍ؛ كمتعةٍ. (فَصْلٌ) (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوراً مِنْ جِنْسٍ) واحدٍ، بأنْ حَلَقَ، أو قَلَّمَ، أو لَبِسَ مَخِيطاً، أو تَطَيَّبَ، أو وَطِئَ ثم أعاده (وَلَمْ يَفْدِ) لِما سبق؛ (فَدَى مَرَّةً)، سواءٌ فعلَه متتابعاً أو متفرِّقاً؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَوْجَب في حلقِ الرأسِ فديةً واحدةً، ولم يُفرِّق بين ما وقع في دُفْعةٍ أو دُفُعاتٍ (٤).

стр. 667

وإنْ كفَّر عن السابقِ ثم أعادَه؛ لزمته الفديةُ ثانياً. (بِخِلَافِ صَيْدٍ)، ففيه بعَدَدِه ولو في دُفْعةٍ؛ لقولِه تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]. (وَمَنْ فَعَلَ مَحْظُوراً مِنْ أَجْنَاسٍ)؛ بأنْ حلَقَ وقلَّم أظفارَه ولبِسَ المخيطَ؛ (فَدَى لِكُلٍّ مَرَّةً)، أي: لكلِّ جنسٍ فِدْيَتَه الواجبةَ فيه، سواءٌ (رَفَضَ إِحْرَامَهُ أَوْ لَا)، إذْ التَّحلُّلُ مِن الحجِّ لا يَحصلُ إلا بأحدِ ثلاثةِ أشياءٍ: كمالِ أفعالِه، أو التحلُّلِ عند الحصرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَطه في ابتدائِه، وما عدا هذه لا يتحلَّلُ به، ولو نوى التحلُّل لم يَحِلَّ. ولا يفسُدُ إحرامُه برفضِه، بل هو باقٍ يلزمُه أحكامُه، وليس عليه لرفضِ الإحرامِ شيءٌ؛ لأنه مجردُ نيةٍ. (وَيَسْقُطُ بِنِسْيَانٍ)، أو جهلٍ، أو إكراهٍ؛ (فِدْيَةُ لُبْسٍ، وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١)، ومتى زال عُذْرُه أزالَه في الحالِ، (دُونَ) فديةِ

стр. 668

(وَطْءٍ، وَصَيْدٍ، وَتَقْلِيمٍ، وَحِلَاقٍ)، فتجبُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك إتلافٌ، فاستوى عمدُه وسهوُه؛ كمالِ الآدميِّ. وإن استدام لُبْسَ مخيطٍ أحرم فيه ولو لحظةً فوقَ المعتادِ مِن خَلْعِه؛ فدى، ولا يشُقُّه. (وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ) يتعلَّقُ بحرمٍ أو إحرامٍ؛ كجزاءِ صيدٍ، ودمِ متعةٍ، وقِرانٍ، ومنذورٍ، وما وجب لتركِ واجبٍ، أو فعلِ محظورٍ في الحرمِ؛ (فَـ) ـإنه يلزمُه (١) ذبحُه في الحرمِ، قال أحمدُ: (مكةُ ومنى واحِدٌ). والأفضلُ نَحْرُ ما بحجٍّ بمِنَى، وما بعمرةٍ بالمروةِ. ويلزمُ تَفْرِقَةُ لحمِه، أو إطلاقِه (لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)؛ لأنَّ القصدَ التوسعةُ عليهم، وهم المقيمُ به والمجتازُ مِنْ حاجٍّ وغيرِه مِمن له أخذُ زكاةٍ لحاجةٍ، وإن سلَّمه لهم (٢) حيًّا فذبحوه أجزأ، وإلا ردَّه وذبحَه. (وَفِدْيَةُ الأَذَى)، أي: الحلقِ، (وَاللُّبْسِ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كطيبٍ (٣)، وتغطيةِ رأسٍ، وكلِّ محظورٍ فَعَلَه خارجَ الحرمِ، (وَدَمُ الإِحْصَارِ؛ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ) مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ؛ لأنَّه ﵇ نحر هديَه

стр. 669

في موضعِه بالحديبيةِ (١)، وهي مِن الحلِّ، ويُجْزِئُ بالحرمِ أيضاً. (وَيُجْزِئُ الصَّوْمُ) والحلقُ (بِكُلِّ مَكَانٍ) (٢)؛ لأنَّه لا يَتعدَّى نفعُه لأحدٍ، فلا فائدةَ لتخصيصِه. (وَالدَّمُ) المطلقُ كأضحيةٍ: (شاةٌ)؛ جذعُ ضأنٍ، أو ثَنِيُّ مَعْزٍ، (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ) أو بقرةٍ، فإنْ ذبحها فأفضلُ، وتجبُ كلُّها. (وتُجْزِئُ عَنْهَا)، أي: عن البدنةِ: (بَقَرةٌ)، ولو في جزاءِ صيدٍ، كعكسِه، وعن سَبْعِ شياهٍ: بدنةٌ أو بقرةٌ مطلقاً.

стр. 670

(بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ) أي: مثلُه في الجملةِ إن كان، وإلا فقيمتُه. فيجبُ المثلُ مِن النَّعمِ فيما له مثلٌ؛ لقولِه تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]، «وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الضَّبُع كَبْشاً» (١). ويُرجعُ فيما قضت فيه الصحابةُ إلى ما قضوا به فلا يحتاجُ أنْ يُحكمَ عليه مرةً أخرى؛ لأنهم أعرفُ، وقولُهم أقربُ إلى الصوابِ، ولقولِه ﵇: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٢).

стр. 671

ومِنه: (فِي النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ)، رُوي عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، ومعاويةَ (١)؛ لأنها تُشبِهُها.

стр. 672

(وَ) في (حِمَارِ الوَحْشِ): بقرة، رُوي عن عمرَ (١). (وَ) في (بَقَرِهِ (٢)، أي: الواحدةِ مِن بقرِ الوحشِ: بقرةٌ، رُوي عن ابنِ مسعودٍ (٣). (وَ) في (الإِيِّلِ) (٤)، على وزنِ قِنَّبٍ، وَخُلَّبٍ،

стр. 673

وسَيِّدٍ (١): بقرةٌ، روي عن ابنِ عباسٍ (٢). (وَ) في (التَّيْتَل (٣): بقرةٌ، قال الجوهري: (التيتلُ (٤) الوعلُ المُسنُّ) (٥).

стр. 674

(وَ) في (الوعلِ (١): بَقَرةٌ)، يُروَى عن ابنِ عمرَ أنه قال: «فِي الأَرْوَى: بَقَرَةٌ» (٢)، قال في الصحاحِ: (الوعلُ هي الأروى) (٣)، وفي القاموسِ: (الوَعلُ بفتح الواو، مع فتحِ العينِ وكسرِها وسكونِها: تيسُ الجبلِ) (٤). (وَ) في (الضَّبُعِ (٥): كَبْشٌ)، قال الإمامُ: (حَكَم فيها رسولُ اللهِ ﷺ بكبشٍ) (٦). (وَ) في (الغَزَالَةِ (٧): عَنْزٌ)، روى جابرٌ عنه ﷺ أنَّه قال: «فِي الظَّبْي شَاةٌ» (٨).

стр. 675

(وَ) في (الوَبْرِ (١)، وهو دويبةٌ كحلاءُ دونَ السِّنَّوْرِ لا ذَنَبَ لها: جَدْيٌ (٢). (وَ) في (الضَّبِّ: جَدْيٌ)؛ قضَى به عمرُ، وأَرْبَدُ (٣)، والجديُ:

стр. 676

الذَّكرُ من أولادِ المعزِ، له ستةُ أشهرٍ. (وَ) في (اليَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ) لها أربعةُ أشهرٍ، رُوي عن (١) عمرَ (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣). (وَ) في (الأَرْنَبِ: عَنَاقٌ)، رُوي عن عمرَ (٤)، والعَنَاقُ: الأنثى مِن أولادِ المعزِ، أصغرُ مِن الجفرةِ. (وَ) في (الحَمَامَةِ: شَاةٌ)، حَكَم به عمرُ، وعثمانُ (٥)، وابنُ

стр. 677

عمرَ (١)، وابنُ عباسٍ (٢)، ونافعُ بنُ عبدِ الحارثِ (٣): في حمامِ الحرمِ، وقِيسَ عليه حَمَامُ الإحرامِ. والحمامُ: كلُّ ما عَبَّ الماءَ وهَدَر (٤)، فيَدخلُ فيه:

стр. 678

الفَوَاختُ (١)، والوَراشينُ (٢)، والقَطَا، والقُمْرِيُّ (٣)، والدُّبْسيُّ (٤). وما لم تقضِ فيه الصحابةُ يُرجعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن خبِيرَيْن. وما لا مِثْلَ له كباقي الطيرِ ولو أكبرَ من الحمامِ: فيه القيمةُ. وعلى جماعةٍ اشتركوا في قتلِ صيدٍ: جزاءٌ واحدٌ.

стр. 679

(بَابُ) حكمِ (صَيْدِ الحَرَمِ)، أي: حرمِ مكةَ (يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى المُحْرِمِ وَالحَلَالِ) إجماعاً (١)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فتحِ مكةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). (وَحُكْمُ صَيْدِهِ كَصَيْدِ المُحْرِمِ) فيه الجزاءُ، حتى على الصغيرِ والكافرِ، لكنَّ بَحْرِيَّه لا جزاءَ فيه، ولا يَملِكُه ابتداءً بغيرِ إرثٍ، ولا يَلزمُ المحرمُ جزاءان. (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ)، أي: شجرِ الحرمِ (وَحَشِيشِهِ الأَخْضَرَيْنِ) اللَّذينِ لم يَزرعهما آدميٌّ؛ لحديثِ: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا»، وفي روايةٍ: «وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» (٣). ويجوزُ قَطْعُ اليابسِ، والثمرةِ، وما زَرَعَه الآدميُّ، والكَمْأَةِ، والفَقْعِ (٤)،

стр. 680

وكذا الإذخرُ كما أشار إليه بقولِه: (إِلَّا الإِذْخِرَ (١)، قال في القاموسِ: (حشيشٌ طيبُ الرِّيحِ) (٢)؛ لقولِه ﵇: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (٣). ويُباحُ انتفاعُ بما زال أو انكَسَر بغيرِ فِعْلِ آدميٍّ، ولو لم يَبِنْ. وتُضمنُ شجرةٌ صغيرةٌ عُرفاً بشاةٍ، وما فوقَها ببقرةٍ، رُوي عن ابنِ عباسٍ (٤)، ويُفعلُ فيها (٥) كجزاءِ صيدٍ.

стр. 681

ويُضمنُ حشيشٌ وورقٌ بقيمتِه، وغصنٌ بما نقص، فإنْ (١) استَخلفَ شيئاً منها سَقَط ضمانَه، كرَدِّ شجرةٍ فتنبت، لكنْ يَضمنُ نقصَها. وكُرِهَ إخْرَاجُ ترابِ الحرمِ وحجارتِه إلى الحِلَّ، لا ماءِ زمزمَ. ويَحرمُ إخراجُ ترابِ المساجدِ وطيبِها للتَّبركِ وغيرِه. (وَيَحْرُمُ صَيْدُ) حرمِ (المَدِيْنَةِ)؛ لحديثِ عليٍّ: «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِر (٢) إِلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» رواه أبو داودَ (٣).

стр. 682

(وَلَا جَزَاءَ) فيما حَرُم مِن صيدِها وشجرِها وحشيشِها، قال أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ: (لم يبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ولا أحداً مِن أصحابِه حَكَموا فيه بجزاءٍ) (١). (وَيُبَاحُ الحَشِيشُ) مِنْ حرم المدينةِ (لِلعَلَفِ)؛ لما تقدَّم. (وَ) يُباحُ اتخاذُ (آلَةِ الحَرْثِ وَنَحْوِهِ)؛ كالمساندِ، وآلةِ الرَّحْلِ مِن شجرِ حرمِ المدينةِ؛ لما روى أحمدُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا حَرَّم المدينةَ قالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّا أصحابُ عَمَلٍ، وأصحابُ نَضْحٍ، وإنَّا لا نستطيعُ أرضاً غيرَ أرضِنا، فرَخِّص لنا، فقال: «القَائِمَتَانِ، وَالوِسَادَةُ، وَالعَارِضَةُ، وَالمِسْنَدُ (٢)، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (٣)، والمسندُ: عودُ البكرةِ.

стр. 683

ومَن أدخلَها صيداً فله إمساكُه وذبحُه. (وَحَرَمُهَا) بريدٌ في بريدٍ، وهو (مَا بَيْنَ عَيْرٍ): جبلٍ مشهورٍ بها، (إِلَى ثَوْرٍ): جبلٍ صغيرٍ لونُه إلى الحمرةِ فيه تدويرٌ، ليس بالمستطيلِ، خلفَ أُحُد مِن جهةِ الشمالِ، وما بينَ عَيْر إلى ثورٍ هو ما بين لابَتَيْها، واللَّابةُ: الحَرَّةُ، وهي أرضٌ تَرْكَبُها حجارةٌ سُودٌ. وتُستحبُ المجاورةُ بمكةَ، وهي أفضلُ مِن المدينةِ، قال في الفنونِ: (الكعبةُ أفضلُ مِن مجرَّدِ الحجرةِ، فأما والنبي ﷺ فيها فلا والله، ولا العرشُ وحملتُه والجنةُ؛ لأنَّ بالحجرةِ جَسداً لو وُزِن به لرجح) ا. هـ (١). وتُضاعفُ الحسنةُ والسيئةُ بمكانٍ وزمانٍ فاضلٍ.

стр. 684

(بَابُ) ذِكْرِ (دُخُولِ مَكَّةَ)، وما يتعلقُ بِه من الطوافِ والسَّعيِ (يُسَنُّ) دخُولُ مكةَ (مِنْ أعْلَاهَا)، والخروجُ مِن أسفلِها. (وَ) يُسنُّ دخُولُ (المَسْجِدِ) الحرامِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لما روى مسلمٌ وغيرُه عن جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ دَخل» (١).

стр. 685

ويُسنُّ أنْ يقولَ عند دخولِه: بسْمِ اللهِ، وباللهِ، ومِن اللهِ، وإلى اللهِ، اللهم افتح لي أبوابَ فضلِكَ، ذكره في أسبابِ الهدايةِ (١). (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لفعلِه ﵇، رواه الشافعي عن ابنِ جريجٍ (٢)، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، ومنه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيماً وَتَشْرِيفاً وتَكْرِيماً ومَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيماً وتَشْرِيفاً وتَكْرِيماً ومَهَابَةً وبِرًّا، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيراً

стр. 686

كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلَالِهِ، والحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلاً، والحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَاعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١)، يرفعُ بذلك صوتَه. (ثُمَّ يَطُوفُ مُضْطَبِعاً) في كلِّ أسبوعِه استحباباً؛ إن لم يَكُن حاملَ معذورٍ بردائِه، والاضطباعُ: أنْ يجعلَ وسَطَ ردائِه تحتَ عاتقِه الأيمنِ، وطرفيه على عاتقِه الأيسرِ، وإذا فرغ مِن الطوافِ أزال الاضطباعَ. (يَبْتَدِئُ المُعْتَمِرُ بِطَوَافِ العُمْرَةِ)؛ لأنَّ الطوافَ تحيَّةُ المسجدِ الحرامِ، فاستُحِبَّت (٢) البداءةُ به، ولفعلِه ﵇ (٣)، (وَ) يطوفُ (القَارِنُ وَالمُفْرِدُ لِلقُدُومِ)، وهو الورودُ. (فَيُحَاذِي الحَجَرَ الأَسْوَدَ بِكُلِّهِ)، أي: بكلِّ بدَنِه، فيكونُ مبدأُ طوافِه؛ لأنَّه ﵇ كان يَبْتَدئ به (٤)، (وَيَسْتَلِمُهُ)، أي: يمسحُ الحجرَ

стр. 687

بيدِه اليمنى، وفي الحديثِ: «أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» رواه الترمذي وصحَّحه (١)، (وَيُقَبِّلُهُ)؛ لما روى عمرُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ استقبل الحَجَرَ ووضع شَفَتَيْهِ عليه يَبكي طويلاً، ثم التفت فإذا بعمرَ بنِ الخطابِ يَبكي، فقال: «يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ» رواه ابنُ ماجه (٢)،

стр. 688

نَقَل الأثرمُ: (ويسجدُ عليه) (١)، وفَعَله ابنُ عمرَ (٢)،

стр. 689

وابنُ عباسٍ (١). (فَإِنْ شَقَّ) استلامُه وتقبيلُه لم يزاحِم، واستلمَه بيدِه و (قَبَّلَ يَدَهُ)؛ لما روى مسلمٌ عن ابنِ عباسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ (٢) وَقَبَّلَ يَدَهُ» (٣)، (فَإِنْ شَقَّ) استلمه بشيءٍ وقبَّلَه؛ روي عن ابنِ عباسٍ (٤)، فإن شَقَّ (اللَّمْسُ أَشَارَ إِليْهِ)، أي: إلى الحجرِ بيدِه أو بشيءٍ، ولا يقبِّلُه؛ لما روى البخاري عن ابنِ عباسٍ قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الحَجَرَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّر» (٥). (وَيَقُولُ) مُسْتقبِلَ الحجرِ بوجهِه كلَّما استلمَه (مَا وَرَدَ)، ومنه:

стр. 690

«بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَاناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِك، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ »؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ السائبِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ» (١). (وَيَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ)؛ لأنَّه ﵇ طاف كذلِك، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٢). (وَيَطُوفُ سَبْعاً، يَرْمُلُ (٣) الأفُقِي)، أي: المُحرِمُ مِن بعيدٍ مِن

стр. 691

مكةَ (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط إن طاف ماشياً، فيُسرعُ المشيَ ويُقاربُ الخُطَا (ثَلَاثاً)، أي: في ثلاثةِ أشواطٍ، (ثُمَّ) بعد أن يرمُلَ الثلاثةَ أشواطٍ (يَمْشِي أَرْبَعاً) مِن غير رَمَلٍ؛ لفعلِه ﵇ (١). ولا يُسَنُّ رَمَلٌ (٢) لحامِلِ معذورٍ، ونساءٍ، ومُحْرِمٍ مِن مكةَ أو قربِها. ولا يُقضى الرَّمَلُ إنْ فات في الثلاثةِ الأولِ. والرَّمَلُ أَوْلَى مِن الدنوِّ مِن البيتِ. ولا يُسَنُّ رَمَلٌ ولا اضطِبَاعٌ في غيرِ هذا الطوافِ. (وَ) يُسَنُّ أن (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ) عندَ محاذاتِهما؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَه ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالحَجَرَ فِي طَوَافِهِ»، قال نافعٌ: (وكان ابنُ عمرَ يفعلُه)، رواه أبو داودُ (٣).

стр. 692

فإن شَقَّ استلامُهُما أشار إليهما، لا الشَّاميَّ: وهو أولُ ركنٍ يَمُرُّ به، ولا الغربيَّ: وهو ما يليه. ويقولُ بين الركنِ اليمانيِّ والحجرِ الأسودِ: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: ٢٠١]، وفي بقيَّةِ طوافِه: اللهمَّ اجعله حجًّا مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، ربِّ اغفر وارحم، واهدني السبيلَ الأقومَ، وتَجاوَزْ عما تعلمُ، وأنت الأعزُّ الأكرمُ، وتُسَنُّ القراءةُ فيه. (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الطَّوافِ) ولو يسيراً مِنْ شَوْطٍ مِنْ السبعةِ؛ لم يَصحَّ؛ لأنَّه ﷺ طاف كاملاً، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١). (أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، أي: يَنْوِ الطوافَ؛ لم يَصحَّ؛ لأنَّه عبادةٌ أشبهَ الصلاةَ، ولحديثِ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢). (أَوْ) لم يَنْوِ (نُسُكَهُ)، بأن أحرم مطلقاً، وطاف قبلَ أن يَصرفَ إحرامَه لنسكٍ معينٍ؛ لم يَصحَّ طوافَه.

стр. 693

(أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان)، بفتحِ الذالِ، وهو ما فَضَلَ عن جدارِ الكعبةِ؛ لم يَصحَّ طوافُه؛ لأنَّه مِن البيتِ، فإذا لم يَطُف به لم يطف بالبيتِ جميعِه. (أَوْ) طاف على (جِدَارِ الحِجْرِ)، بكسرِ الحاءِ المهملةِ؛ لم يصحَّ طوافُه؛ لأنَّه ﷺ طَافَ مِنْ وراءِ الحِجْرِ والشاذَروَانِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١). (أَوْ) طاف وهو (عُرْيَانٌ، أَوْ نَجِسٌ)، أو مُحْدِثٌ؛ (لَمْ يَصِحَّ) طوافُه؛ لقولِه ﵇: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» رواه الترمذي والأثرمُ عن ابنِ عباسٍ (٢). ويُسَنُّ فِعْلُ بَاقِي المناسكِ كلِّها على طهارةٍ. وإن طاف المُحْرِمُ لابِسَ مخيطٍ؛ صحَّ وفدَى. (ثُمَّ) إذا تمَّ (٣) طوافُه (يُصَلِّي رَكْعَتَينِ) نفلاً، يقرأُ فيهما بـ «الكافرينَ»، و «الإخلاصِ» بعد «الفاتحةِ»، وتُجزِئُ مكتوبةٌ عنهما. وحيثُ رَكَعَهُما جاز، والأفضلُ كونُهُما (خَلْفَ المَقَامِ)؛ لقولِه تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥].

стр. 694

(فَصْلٌ) (ثُمَّ) بعدَ الصلاةِ يعودُ و (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ)؛ لفعلِه ﵇ (١). ويُسنُّ الإكثارُ مِن الطَّوافِ كلَّ وقتٍ. (وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ)، أي: بابِ الصفا؛ ليَسعى، (فَيَرْقَاهُ)، أي: الصفا (حَتَّى يَرَى البَيْتَ)، فيستقبِلُه، (ويُكَبِّرُ ثَلَاثاً، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ) ثلاثاً، ومِنه: «الحَمْدُ لِلهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ (٢)، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (٣)، ويدعو بما أحَبَّ، ولا يُلَبِّي. (ثُمَّ يَنْزِلُ) مِن الصَّفا (مَاشِياً إِلَى) أن يَبْقَى بينَه وبينَ (العَلَمِ

стр. 695

الأَوَّلِ) - وهو الميلُ الأخضرُ في ركنِ المسجدِ- نحوُ ستةِ أذرعٍ، (ثُمَّ يَسْعَى (١) ماشٍ سعياً شديداً (إِلَى) العَلَمِ (الآخَرِ)، وهو الميلُ الأخضرُ بفِناءِ المسجدِ حذاءَ دارِ العبَّاسِ. (ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى (٢) المَرْوَةَ، وَيَقُولُ مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ) مِن المروةِ (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ)، أي: ما ذُكِر من المشي والسعي (سَبْعَاً، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ)، يفتتحُ بالصفا، ويختمُ بالمروةِ. ويجبُ استيعابُ ما بينهما في كلِّ مرةٍ، فيُلصقُ عَقِبَه بأصلِهما (٣) إن لم يَرْقَهما، فإن ترَك مما بينهما شيئاً ولو دونَ ذراعٍ؛ لم يصحَّ سعيُه. (فَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ سَقَطَ الشَّوْطُ الأَوَّلُ) فلا يَحتسِبُه. ويُكثُر من الدِّعاءِ والذِّكرِ في سعيِه، قال أبو عبدِ اللهِ: (كان ابنُ مسعودٍ إذا سعى بين الصفا والمروة قال: «رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ») (٤).

стр. 696

وتُشترطُ (١) له نيَّةٌ، وموالاةٌ، وكونُه بعدَ طوافِ نسكٍ ولو مسنوناً. (وَتُسَنُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ) مِن الحدثِ والنجسِ، (وَالسِّتَارَةُ)، أي: سترُ العورةِ، فلو سعى محدثاً، أو نجساً، أو عرياناً؛ أجزأه. (وَ) تُسنُّ (المُوَالاةُ) بينه وبين الطوافِ. والمرأةُ لا ترقَى الصفا ولا المروة، ولا تسعَى سعياً شديداً. وتُسنُّ مبادرةُ معتمرٍ بذلك. (ثُمَّ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعاً لَا هَدْيَ مَعَهُ؛ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ) ولو لبَّدَه، ولا يحلِقُه (٢) ندباً؛ ليوفِّرَه للحجِّ، (وَتَحَلَّلَ)؛ لأنه تمَّت عمرتُه. (وَإَّلا)، بأنْ كان مع المتمتعِ هَدْيٌ؛ لم يقصِّرْ، و (حَلَّ إِذَا حَجَّ)،

стр. 697

فيُدْخِلُ الحجَ على العمرةِ، ثم لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما جميعاً. والمعتمرُ غيرُ المتمتعِ يُحِلُّ سواءٌ كان معه هدي أو لم يَكُن، في أشهرِ الحجِّ أو غيرها (١). (والمُتَمَتِّعُ) والمعتمرُ (إِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ يرفعُه: «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةَ فِي العُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الحَجَرَ» قال الترمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) (٢). ولا بأس بها في طوافِ القدومِ سرًّا.

стр. 698

(بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) (يُسَنُّ لِلمُحلِّينَ بِمَكَّةَ) وقُرْبِها حتى متمتعٍ حلَّ مِن عمرتِه (الإِحْرَامُ بِالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ)، وهو ثامنُ ذي الحِجَّةِ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا يتروَوَّنَ فيه الماءَ لِمَا بعدَه، (قَبْلَ الزَّوَالِ)، فيُصلِّي بِمِنَى الظهرَ مع الإمامِ. ويُسنَّ أن يُحْرِمَ (مِنْهَا)، أي: مِن مكةَ، والأفضلُ مِن تحتِ الميزابِ. (وَيُجْزِئُ) إِحْرَامُه (مِنْ بَقِيَّةِ الحَرَمِ) ومِن خارجِه ولا دمَ. والمتمتعُ إذا عَدِم الهديَ وأرادَ الصومَ سُنَّ له أن يُحْرِمَ يومَ السابعِ ليصومَ الثَّلاثةَ مُحْرِماً. (وَيَبِيتُ بِمِنَى)، ويُصلِّي مع الإمامِ استحباباً، (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) مِن يومِ عرفةَ (سَارَ) مِن مِنَى (إِلَى عَرَفَةَ)، فأقام بِنَمِرةَ (١) إلى الزَّوال، يخطُبُ بها الإمامُ أو نائبُه خُطْبَةً قصيرةً مُفْتَتَحةً بالتَّكبيرِ، يُعلِّمهم فيها الوقوفَ، ووقتَه، والدَّفعَ منه، والمبيتَ بمزدلفةَ.

стр. 699

(وَكُلُّهَا)، أي: كُلُّ عَرفةَ (مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ (١)؛ لقولِه ﵇: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا (٢) عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رواه ابنُ ماجه (٣).

стр. 700

(وَسُنُّ (١) أَنْ يَجْمَعَ (٢) بعرفةَ مَنْ له الجمعُ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ) تقديماً، (وَ) أنْ (يَقِفَ رَاكِباً) مستقبلَ القبلةِ (عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ)؛ لقولِ جابرٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْواءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ (٣) المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ» (٤). ولا يُشرعُ صُعودُ جبلِ الرَّحمةِ، ويقالُ له: جبلُ الدعاءِ. (وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاء، وَمِمَّا وَرَدَ (٥) كقولِ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي

стр. 701

قَلْبِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» (١). ويُكثِرُ الاستغفارَ، والتضرعَ، والخشوعَ، وإظهارَ الضَّعْفِ والافتقارِ، ويُلِحَّ في الدعاءِ، ولا يَسْتبطئُ الإجابةِ. (وَمَنْ وَقَفَ)، أي: حَصَل بعرفةَ (وَلَو لَحْظَةً)، أو نائماً، أو مارًّا، أو جاهلاً أنها عرفةُ (مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ)، أي: للحجِّ؛ بأنْ يكون مسلماً، مُحْرِماً بالحجِّ، ليس سكرانَ، ولا مجنوناً، ولا مغمىً عليه؛ (صَحَّ حَجُّهُ)؛ لأنَّه حَصَل بعرفةَ في زمنِ الوقوفِ. (وَإِلَّا) يقِفَ بعرفةَ، أو وقف في غيرِ زَمَنِه، أو لم يَكُن أهلاً للحجِّ؛ (فَلا) يصحَّ حجَّه؛ لفواتِ الوقوفِ المعْتَدِّ به.

стр. 702

(وَمَنْ وَقَفَ) بعرفةَ (نَهَاراً، وَدَفَع) منها (قَبْلَ الغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ) إليها (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ الغروبِ، ويَستمرُّ بها إليه؛ (فَعَلَيْهِ دَمٌ)، أي: شاةٌ؛ لأنَّه تَرَك واجباً. فإن عادَ إليها واستمرَّ للغروبِ، أو عاد بعدَه قبلَ الفجرِ؛ فلا دمَ؛ لأنَّه أتَى بالواجبِ وهو الوقوفُ بالليلِ والنهارِ. (وَمَنْ وَقَفَ لَيْلاً فَقَطْ فَلَا) دمَ عليه، قال في شرحِ المقنعِ: (لا نعلمُ فيه خلافاً) (١)؛ لقولِ النَّبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ» (٢). (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الغُرُوبِ) مع الإمامِ أو نائبِه على طريقِ

стр. 703

المَأْزِمَيْن (١) (إِلَى مُزْدَلفَةَ)، وهي ما بين المَأْزِمَيْن ووادي محسِّرٍ. ويُسنُّ كونُ دفعِه (بِسَكِينةٍ)؛ لقولِه ﵇: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» (٢)، (وَيُسْرِعُ فِي الفَجْوَةِ (٣)؛ لقولِ أسامةَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» (٤)، أي: أسرع؛ لأنَّ العَنَقَ: انبساطُ السَّيرِ، والنصُّ: فوقَ العَنَقِ. (وَيَجْمَعُ بِهَا)، أي: بمزدلفةَ (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ)، أي: يُسَنُّ لمن دفع مِن عرفةَ أنْ لا يُصلِّي المغربَ حتى يصِلَ إلى مزدلفةَ، فيَجمعُ بين المغربِ والعشاءِ مَن يجوزُ له الجَمْعُ قبل حَطِّ رَحْلِه، وإن صلَّى المغربَ بالطريقِ ترك السنةَ وأجزأ (٥). (وَيَبِيتُ بِهَا) وجوباً؛ لأنَّ النَّبي ﷺ بات بها، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٦).

стр. 704

(وَلَهُ الدَّفْعُ) مِن مزدلفةَ قبلَ الإمامِ (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيلِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنَى» متفقٌ عليه (١). (وَ) الدَّفعُ (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ نصفِ اللَّيلِ (فِيهِ دَمٌ) على غيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ، سواءٌ كان عالماً بالحُكْمِ أو جاهِلاً، عامِداً أو ناسِياً، (كَوُصُولِهِ إِلَيْهَا)، أي: إلى مزدلفةَ (بَعْدَ الفَجْرِ) فعليه دمٌ؛ لأنه تَرَك نُسكاً واجِباً، (لَا) إنْ وَصَل إليها (قَبْلَه)، أي: قبلَ الفجرِ فلا دمَ عليه. وكذا إن دَفَع مِن مزدلفةَ قَبْلَ نصفِ الليلِ وعادَ إليها قَبْلَ الفجرِ؛ لا دمَ عليه. (فَإِذَا) أصبَح بها (صَلَّى الصُّبْحَ) بغَلَسٍ، ثم (أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ (٢)، وهو جبلٌ صغيرٌ بالمزدلفةِ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه مِن علاماتِ الحجِّ، (فَرَقَاهُ أَوْ يَقِفُ عَنْدَهُ، وَيَحْمَدُ اللهَ وَيُكَبِّرهُ) ويهلِّلُه، (وَيَقْرَأُ: «فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ» [البقرة: ١٩٨] الآيَتَيْنِ، ويَدْعُو حَتَّى يُسْفِرَ)؛ لأنَّ في حديثِ جابرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَزَلْ

стр. 705

وَاقِفاً عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ حَتىَّ أَسْفَرَ جِدًّا» (١). فإذا أسفَر سارَ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ بسكينةٍ، (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّراً (٢)، وهو وادٍ بين مزدلفةَ ومنَى، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُحَسِّرُ (٣) سالكَه؛ (أَسَرَعَ) قَدْرَ (رَمْيَةَ حَجَرٍ) إنْ كان ماشياً، وإلَّا حرَّك دابتَه؛ «لأنَّهُ ﷺ لَمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلاً»، كما ذكره جابرٌ (٤). (وَأَخَذَ الحَصَى)، أي: حصى الجمارِ مِن حيثُ شاء، وكان ابنُ عمرَ يأخذُ الحصَى مِن جَمْعٍ (٥)، وفَعَله سعيدُ بنُ جُبيرٍ، وقال: (كانوا يتزودون الحصى مِن جَمْعٍ) (٦). والرَّمْيُ تحيةُ منى، فلا يَبدأُ قبلَه بشيءٍ.
следующие страницы →