стр. 771
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 147658
الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز
البهوتي
Полный текст (1 607 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 772
وكأرضِ العنوةِ في ذلك ما جَلَوْا عنه فزعاً مِنَّا، وما صُولحوا على أنَّه لنا ونُقرُّه معهم بالخراجِ، بخلافِ ما صُولحوا على أنَّه لهم؛ كالحِيرةِ (١)، وأُلَّيسَ (٢)، وبَانِقْياءَ (٣)، وأرضِ بني صَلُوبَا (٤) مِن أراضي (٥) العراقِ، فيصحُّ بيعُها كالتي أَسْلم أهلُها عليها كالمدينةِ.
(بَلْ) يصحُّ أن (تُؤَجَّرَ) الأرضُ (٦) العَنوةُ ونحوُها؛ لأنَّها مُؤجَّرةٌ في أيدي أربابِها بالخراجِ المضروبِ عليها في كلِّ عامٍ، وإجارةُ المُؤجَّرةِ (٧) جائزةٌ.
стр. 773
стр. 774
بأجرةٍ لم يَأثمْ بدفعِها، جَزَم به في المغني وغيرُه.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نَقْعِ البِئْرِ)، وماءِ العيونِ؛ لأنَّ ماءها لا يُمْلَكُ؛ لحديثِ: «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالكَلَإِ وَالنَّارِ» رواه أبو داودَ وابنُ ماجه (١)،
بل ربُّ الأرضِ أحقُّ به مِن غيرِه؛ لأنَّه في ملكِه، (وَلَا) يصحُّ بيعُ (ما يَنْبُتُ فِي أَرْضِهِ مِنْ كَلَأٍ أَوْ (٢) شَوْكٍ)؛ لما
стр. 775
تقدَّم، وكذا معادِنُ جاريةٌ؛ كنفطٍ وملحٍ، وكذا لو عشَّش في أرضِه طيرٌ؛ لأنَّه لم (١) يَملِكْه به، فلم يَجزْ بيعُه، (وَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ)؛ لأنَّه مِن المباحِ، لكن لا يجوزُ دُخولُ ملكِ غيرِه بغيرِ إذنِه، وحرُم مَنْعُ مستأذِنٍ بلا ضررٍ.
(وَ) الشرطُ الخامسُ: (أَنْ يَكُونَ) المعقودُ عليه (مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ)؛ لأنَّ ما لا يُقْدَرُ على تسليمِه شبيهٌ بالمعدومِ، فلم يصحَّ بيعُه.
(فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ آبِقٍ)، عُلِمَ خبرُه أوْ لَا؛ لما روى (٢) أحمدُ عن أبي سعيدٍ: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ العَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ» (٣).
(وَ) لا بيعُ (شَارِدٍ، وَ) لا (طَيْرٍ فِي هَوَاءٍ)، ولو أَلِفَ الرجوعَ، إلا أن يكونَ بمغلَقٍ، ولو طال زَمَنُ أَخْذِه.
(وَ) لا (٤) بيعُ (سَمَكٍ فِي مَاءٍ)؛ لأنَّه غررٌ، ما لم يَكُن مَرئيًّا
стр. 776
بمَحُوزٍ يَسهلُ أخذُه منه؛ لأنَّه معلومٌ يُمكِنُ تسليمُه.
(وَلَا) يصحُّ بيعُ (مَغْصُوبٍ مِن غَيْرِ غَاصِبِهِ وقَادِرٍ (١) عَلَى أخْذِهِ) مِن غاصبِه؛ لأنَّه لا يَقدرُ على تسليمِه.
فإن باعه مِن غاصبِه، أو قادِرٍ على أخذِه؛ صحَّ؛ لعدمِ الغَررِ، فإن عَجَز بعدُ فله الفسخُ.
(وَ) الشرطُ السادسُ: (أَنْ يَكُونَ) المبيعُ (مَعْلُوماً) عندَ المتعاقِدَيْن؛ لأنَّ جهالةَ المبيعِ غرَرٌ.
ومعرفةُ المبيعِ: إما (بِرُؤيَةٍ) له أو لبعضِه الدَّالِ عليه، مقارِنةٍ أو متقدِمةٍ بزمنٍ لا يَتغيرُ فيه المبيعُ ظاهِراً، ويُلحقُ بذلك: ما عُرف بلمسِه أو شمِّه أو ذوقِه، (أَوْ صِفَةٍ) تَكفي في السَّلَمِ، فتقومُ مَقامَ الرؤيةِ في بيعِ ما يجوزُ السَّلَمُ فيه خاصةً.
ولا يَصحُّ بيعُ الأُنموذجِ؛ بأن يُرِيَه صاعاً مثلاً، ويَبيعَه الصُّبْرةَ على أنَّها مِن جنسِه.
ويصحُّ بيعُ الأعمى وشراؤه بالوصفِ، واللمسِ، والشمِّ، والذَّوقِ فيما يُعرفُ به؛ كتوكيلِه.
(فَإِنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ) بلا وصفٍ، (أَوْ رَآهُ وَجَهِلَهُ)؛ بأن لم يَعلمْ ما هو، (أَوْ وُصِفَ لَهُ بِمَا لَا يَكْفِي سَلَماً؛ لَمْ يَصِحَّ) البيعُ؛
стр. 777
لعدمِ العِلْمِ بالمبيعِ.
(وَلَا يُبَاعُ حَمْلٌ فِي بَطْنٍ، وَلَبَنٌ فِي ضَرْعٍ مُنْفَرِدَيْنِ)؛ للجهالةِ، فإن باع ذاتَ لبنٍ أو حملٍ، دَخَلا تبعاً.
(وَلَا) يُباعُ (مِسْكٌ فِي فَأْرَتِهِ)، أي: الوعاءِ الذي يكونُ فيه؛ للجهالةِ.
(وَلَا نَوَى فِي تَمْرِهِ)؛ للجهالةِ.
(وَ) لا (صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ)؛ لنهيه ﵇ عنه في حديثِ ابنِ عباسٍ (١)،
ولأنَّه مُتَّصلٌ بالحيوانِ، فلم يَجزْ إفرادُه بالعقدِ؛ كأعضائِه.
(وَ) لا بيعُ (فُجْلٍ وَنَحْوِهِ) مما المقصودُ منه مُسْتَتِرٌ بالأرضِ (قَبْلَ قَلْعِهِ)؛ للجهالةِ.
стр. 778
(وَلَا بَيْعُ (١) المُلَامَسَةِ)؛ بأن يقولَ: بِعتُك ثوبي هذا على أنَّك متى لمستَه فهو عليك بِكذا، أو يقولَ: أيُّ ثوبٍ لمستَه فهو لك بِكذا، (وَ) لا بيعُ (المُنَابَذَةِ)؛ كأن يقولَ: أيُّ ثوبٍ نبذتَه إليَّ - أي: طرحتَه - فهو عليكَ بِكذا؛ لقولِ أبي هريرةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ» متفقٌ عليه (٢)، وكذا بيعُ الحصاةِ؛ كـ: ارْمِهَا فعَلَى أيِّ ثوبٍ وَقَعَت فلَكَ بكذا، ونحوِه.
(وَلَا) بيعُ (عَبْدٍ) غيرِ معيَّنٍ (مِنْ عَبِيْدِهِ وَنَحْوِهِ)؛ كشاةٍ مِن قطيعٍ، وشجرةٍ مِن بستانٍ؛ للجهالةِ، ولو تَساوت القيمُ.
(وَلَا) يَصحُّ (اسْتِثْنَاؤُهُ إِلَّا مُعَيَّناً) فلا يَصحُّ: بِعتُك هؤلاءِ العبيدِ إلا واحداً؛ للجهالةِ، ويصحُّ: إلا هذا ونحوُه؛ «لأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ»، قال الترمذي: (حديثٌ صحيحٌ (٣) (٤).
стр. 779
(وَإِنْ اسْتَثْنَى) بائعٌ (مِن حَيْوانٍ يُؤْكَلُ رَأسَهُ وَجِلْدَهُ وَأطْرَافَهُ؛ صَحَّ)؛ لفعلِه ﵇ في خروجِه مِن مكةَ إلى المدينةِ، رواه أبو الخطابِ (١).
فإن امتنع المشتري مِن ذَبْحِه لم يُجْبَرْ بلا شرطٍ، ولَزِمَته قيمتُه على التقريبِ.
وللمشتري الفسخُ بعيبٍ يَخْتَصُّ هذا المستثنى.
(وَعَكْسُهُ)، أي: عكسُ استثناءِ الأطرافِ في الحكمِ (٢) (الشَّحْمُ، وَاللَّحْمُ (٣) ونحوُه مما لا يَصحُّ إفرادُه بالبيعِ فيَبطُلُ (٤) باستثنائِه، وكذا لو استثنى مِنه رطلاً مِن لحمٍ ونحوِه (٥).
стр. 780
(وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوفِهِ؛ كَرُمَّانٍ، وَبَطِّيخٍ)، وبيضٍ؛ لدعاءِ الحاجةِ لذلك، ولكونِه مصلحةً؛ لفسادِه بإزالتِه.
(وَ) يَصحُّ بَيْعُ (البَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ)، كالحِمِّصِ والجوزِ واللوزِ (فِي قِشْرِهِ)، يعني: ولو تَعدَّد قِشْرُه؛ لأنَّه مفردٌ مضافٌ فيَعُمُّ، وعبارةُ الأصحابِ: فِي قِشْرَيْهِ (١)؛ لأنَّه مستورٌ بحائلٍ مِن أصلِ الخِلْقَةِ؛ أشبه الرمانَ.
(وَ) يصحُّ بيعُ (الحَبِّ المُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ)؛ لأنَّه ﵇ جَعَل الاشتدادَ غايةً للبيعِ، وما بعدَ الغايةِ يُخالفُ ما قبلَها، فَوَجَب زوالُ المنعِ.
(وَ) الشرطُ السابعُ: (أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُوماً) للمتعاقِدَيْن أيضاً كما تقدَّم (٢)؛ لأنَّه أحدُ العِوضين فاشتُرِطَ العلمُ به كالمبيعِ.
(فَإِنْ بَاعَهُ بِرَقْمِهِ)، أي: ثمنِه المكتوبِ عليه وهما يجهلانِه أو أحدُهُما؛ لم يَصحَّ؛ للجهالةِ.
(أَوْ) باعه (بِأَلْفِ دِرِهَمٍ ذَهَباً وَفِضَّةً)؛ لم يَصحَّ؛ لأنَّ مِقْدارَ كلِّ جنسٍ (٣) منهما مجهولٌ.
стр. 781
(أَوْ) باعه (بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ)، أي: بما يقِفُ عليه مِن غيرِ زيادةٍ؛ لم يصحَّ؛ للجهالةِ.
(أَوْ) باعه (بِمَا بَاعَ) به (زَيْدٌ وَجَهِلَاهُ، أَوْ) جَهِله (أحَدُهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ) البيعُ؛ للجهلِ بالثمنِ.
وكذا لو باعه كما يبيعُ الناسُ، أو بدينارٍ أو درهَمٍ مطلقٍ وثَمَّ نقودٌ متساوِيةٌ رواجاً، وإن لم يَكُن إلا واحدٌ، أو غَلَبَ؛ صحَّ وصُرِفَ إليه.
ويَكفي عِلْمُ الثَّمنِ بالمشاهدةِ؛ كصُبْرةٍ مِن دراهمَ أو فلوسٍ، ووَزْنِ صَنْجَةٍ (١) وملءِ كَيلٍ مجهولَين.
(وَإِنْ بَاعَ (٢) ثَوْباً أَوْ صُبْرَةً)؛ هي الكُومةُ المجموعةُ مِن الطعامِ، (أَوْ) باع (قَطِيعاً: كُلَّ ذِرَاعٍ) مِن الثوبِ بِكذا، (أَوْ) كلَّ (قَفِيزٍ) مِن الصُّبْرةِ بِكذا، (أَوْ) كلَّ (شَاةٍ) مِن القطيعِ (بِدِرْهَمٍ؛ صَحَّ) البيعُ، ولو لم يَعْلَمَا قَدْرَ الثوبِ والصبرةِ (٣) والقطيعِ؛ لأنَّ المبيعَ معلومٌ بالمشاهدةِ، والثمنَ معلومٌ لإشارتِه إلى ما يُعرفُ مَبلغُه بجهةٍ لا تتعلَّقُ بالمتعاقِدَيْن، وهي الكَيْلُ والعَدُّ والذَّرعُ.
стр. 782
(وَإِن بَاعَ مِنَ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ)؛ لم يَصحَّ؛ لأن (مِنْ) للتبعيضِ، و (كُلَّ) للعددِ فيكونُ مجهولاً، بخلافِ ما سَبَق؛ لأنَّ المبيعَ الكلُّ لا البعضُ، فانتفت الجهالةُ.
وكذا لو باعه مِن الثوبِ كلَّ ذراعٍ بكذا، أو مِن القطيعِ كلَّ شاةٍ بكذا؛ لم يصحَّ؛ لما ذُكِر.
(أَوْ) باعه (بِمَائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَاراً)؛ لم يصحَّ، (وَعَكْسُهُ) بأنْ باع بدينارٍ أو دنانيرَ إلا دِرهَماً؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ قيمةَ المستثنى مجهولةٌ، فيَلزمُ الجهلُ بالثمنِ؛ إذْ استثناءُ المجهولِ مِن المعلومِ يُصَيِّرُه مجهولاً.
(أَوْ بَاعَ مَعلُوماً وَمَجْهُولاً يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ)؛ كهذه الفرسِ وما في بطنِ أخرى، (وَلَمْ يَقُلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِكَذَا؛ لَمْ يَصِحَّ) البيعُ؛ لأنَّ الثمنَ يوزَّعُ على المبيعِ بالقيمةِ، والمجهولُ لا يُمكِنُ تَقْوِيمُه، فلا طريقَ إلى معرفةِ ثمنِ المعلومِ، وكذا لو باعه بمائةٍ ورطلِ خمرٍ.
وإن قال: كلٌّ منهما بِكذا؛ صحَّ في المعلومِ بثمنِه؛ للعلمِ به.
(فَإِنْ لَمْ يَتَعذَّرْ) عِلْمُ مجهولٍ أُبِيع مع معلومٍ؛ (صَحَّ فِي المَعْلوِمِ بِقِسْطِهِ) مِن الثمنِ؛ لعدمِ الجهالةِ، وهذه هي إحدى (١) مسائلِ تفريقِ الصَّفقةِ الثلاثِ.
والثانيةُ أُشِير إليها بقولِه: (وَلَوَ بَاعَ مُشَاعاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَعَبْدٍ)
стр. 783
مشتركٍ بينهما، (أَوْ مَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِالأَجْزَاءِ)؛ كقَفِيزَيْنِ متساوِيَيْنِ لهما؛ (صَحَّ) البيعُ (فِي نَصِيْبِهِ بِقِسْطِهِ) مِن الثمنِ؛ لفقدِ الجهالةِ في الثَّمنِ لانقسامِه على الأجزاءِ، ولم يصحَّ في نصيبِ شريكِه؛ لعَدَم إذنِه.
والثالثةُ ذكرها بقولِه: (وَإِنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِه، أَوْ) باع (عَبْداً وَحُرًّا، أَوْ) باع (خَلًّا وَخَمْراً صَفْقَةً وَاحِدَةً) بثمنٍ واحدٍ؛ (صَحَّ) البيعُ (فِي عَبْدِهِ) بقِسْطِه، (وَفِي الَخلِّ بِقِسْطِهِ) مِن الثمنِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما له حكمٌ يخصُّه، فإذا اجتمعَا بَقِيا على حُكمِهما، ويُقَدَّرُ خمرٌ خلًّا، وحرٌّ عبداً؛ ليَتقسَّطَ الثمنُ.
(وَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ إنْ جَهِلَ الحَالَ) بينَ إمساكِ ما يصحُّ فيه البيعُ بِقسطِه مِن الثمنِ، وبينَ ردِّ البيعِ؛ لتبعيضِ الصفقةِ عليه.
وإن باع عبدَه وعبدَ غيرِه بإذنِه، أو باع عبدَيْهِ لاثنين، أو اشترى عبدَيْنِ مِن اثنين أو وكيلِهما بثمنٍ واحدٍ؛ صحَّ، وقُسِّطَ الثمنُ على قِيمَتَيْهِما (١).
وكبيعٍ إجارةٌ، ورهنٌ، وصلحٌ ونحوُها.
стр. 784
(فَصْلٌ)
(وَلَا يَصِحُّ البَيْعُ) ولا الشراءُ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا الثَّانِي)، أي: الذي عندَ المنبرِ عقِبَ جلوسِ الإمامِ على المنبرِ؛ لأنَّه الذي كان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فاختصَّ به الحكمُ؛ لقولِه تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]، والنهي يَقتضي الفسادَ.
وكذا قَبْلَ النِّداءِ لمن منزِلُه بعيدٌ في وقتِ وجوبِ السعي عليه.
وتحرُمُ المساومةُ والمناداةُ إذاً؛ لأنَّهما وسيلةٌ للبيعِ المحرَّمِ، وكذا لو تَضايَقَ وقتُ مكتوبةٍ.
(وَيَصِحُّ) بعدَ النداءِ المذكورِ البيعُ لحاجةٍ؛ كمضطرٍ إلى طعامٍ، أو سترةٍ ونحوِهما إذا وَجَد ذلك يُباعُ.
ويصحُّ أيضاً (النِّكَاحُ وَسَائِرُ العُقُودِ)؛ كالقرضِ، والرهنِ، والضمانِ، والإجارةِ، وإمضاءِ بيعِ خيارٍ؛ لأنَّ ذلك يَقِلُّ وقوعُه، فلا تكونُ إباحتُه ذريعةً إلى فواتِ الجمعةِ أو بعضِها، بخلافِ البيعِ.
(وَلَا يَصِحُ بَيْعُ عَصِيرٍ) ونحوِه (مِمَّن يَتَّخِذُهُ خَمْراً)؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢].
(وَلَا) بيعُ (سِلَاحٍ فِي فِتْنَةٍ) بينَ المسلمين؛ لأنَّه ﵇ نَهى عنه،
стр. 785
قاله أحمدُ (١)، قال: (وقد يُقتَلُ به ولا يَقْتُلُ به) (٢)، وكذا بيعُه لأهلِ حربٍ، أو قطَّاعِ طريقٍ؛ لأنَّه إعانةٌ على معصيةٍ.
ولا بيعُ مأكولٍ ومشمومٍ لمن يَشربُ عليهما المسكِرَ، ولا قَدَحٍ لمن يَشربُه به، ولا جَوْزٍ وبيضٍ لقمارٍ ونحوِ ذلك.
(وَلَا) بيعُ (عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ إِذَا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه ممنوعٌ مِن استدامةِ ملْكِه عليه لما فيه مِن الصَّغَارِ، فمُنِعَ مِن ابتدائِه، فإن كان يَعْتِقُ عليه بالشراءِ صحَّ؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى حُرِّيَّتِه.
(وَإِنْ أسْلَمَ) قِنٌّ (فِي يَدِهِ)، أي: يدِ كافرٍ، أو عندَ مشتريه منه ثُمَّ ردَّه لنحوِ عيبٍ؛ (أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مُلْكِهِ) عنه بنحوِ بيعٍ أو هبةٍ أو عتقٍ؛ لقولِه تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) [النساء: ١٤١]، (وَلَا تَكْفِي مُكَاتَبَتُهُ)؛ لأنَّها لا تزيلُ ملْكِ سيِّدِه عنه،
стр. 786
ولا بيعُه بخيارٍ؛ لعدمِ انقطاعِ علَقِه (١) عنه.
(وَإِنْ جَمَعَ) في عقدٍ (بَيْنَ بَيْعٍ وَكِتَابَةٍ)، بأنْ باعَ عبدَه شيئاً وكاتَبَه بعوضٍ واحدٍ صفقةً واحدةً، (أَوْ) جمَع بينَ (بَيْعٍ وَصَرْفٍ)، أو إجارةٍ، أو خُلْعٍ، أو نكاحٍ بعوضٍ واحدٍ؛ (صَحَّ) البيعُ وما جُمِعَ إليه (فِي غَيْرِ الكِتَابَةِ)، فيَبطلُ البيعُ؛ لأنَّه باعَ مالَه لمالِه، وتصحُّ هي؛ لأنَّ البُطلانَ وُجِد في البيعِ فاختصَّ به، (وَيُقَسَّطُ العِوَضُ عَلَيْهِمَا)، أي: على المبيعِ وما جُمِعَ إليه بالقِيَمِ.
(وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ) المسلمِ؛ (كَأنْ يَقُولَ لَمِنَ اشْتَرَى سِلْعَةً بعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ)؛ لقولِه ﵇: «لَا يَبِعْ (٢) بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (٣).
(وَ) يحرمُ أيضاً (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَائِهِ؛ كَأنْ يَقُولَ لَمِنْ بَاعَ سِلْعَةً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيهَا عَشَرَةٌ)؛ لأنَّه في معنى البيعِ عليه المنهيِّ عنه، ومحلُّ ذلك: إذا وَقَع في زمنِ الخيارَيْن، (لِيَفْسَخَ) المقولُ له العقدَ (وَيَعْقِدَ مَعَهُ).
وكذا سَوْمُه على سَوْمِه بعدَ الرِّضا صريحاً، لا بعدَ رَدٍّ.
(وَيَبْطُلُ العَقْدُ فِيهِمَا)، أي: في البيعِ على بيعِه والشراءِ على
стр. 787
شرائِه، ويصحُّ في السَّومِ على سومِه، والإجارةُ كالبيعِ في ذلك.
ويحرُمُ بَيْعُ حاضرٍ لبادٍ، ويبطُلُ إنْ قَدِمَ لبيعِ سلعتِه بسعرِ يومِها جاهِلاً بسِعْرِها، وقَصَدَه الحاضِرُ، وبالناسِ حاجةٌ إليها.
(وَمَنْ بَاعَ رِبِويًّا بِنَسِيئَةٍ)، أي: مؤجَّلٍ، وكذا حالٍّ لم يُقْبَضْ، (وَاعْتَاضَ عَنْ ثَمَنِهِ مَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيْئَةً)؛ كثَمَنِ بُرٍّ اعتَاضَ عنه بُرًّا أو غيرَه مِن المكيلات؛ لم يَجزْ؛ لأنَّه ذريعةٌ لبيعِ الربوي بالربوي (١) نسيئةً.
وإنْ اشترَى مِن المشترِي طعاماً بدراهِمَ وسلَّمَها إليه، ثم أَخَذها منه وفاءً، أو لم يُسلِّمْ إليه لكن قاصَّه؛ جاز.
(أَوِ اشْتَرَى شَيْئاً) ولو غيرِ ربوي (نَقْداً بِدُونِ مَا بَاعَ بِهِ نَسِيئَةً)، أو حالًّا لم يُقْبَضْ، (لَا بِالعَكْسِ؛ لَمْ يَجُزْ)؛ لأنَّه ذريعةٌ إلى الرِّبا ليَبيعَ ألفاً بخمسمائِة، وتُسمى: مسألةُ العِينَةِ.
وقولُه: (لَا بِالعَكْسِ)، يعني: لا إنْ اشتراه بأكثرَ مما باعه به؛ فإنه جائِزٌ، كما لو اشتراه بمثلِه.
وأما عكسُ مسألةِ العينةِ: بأنْ باعَ سلعةً بنقدٍ، ثم اشتراها بأكثرَ منه نسيئةً؛ فنَقَل أبو داودَ: (يجوزُ بلا حيلةٍ) (٢)، ونَقَل حربٌ: (أنَّها
стр. 788
مِثلُ مسألةِ العينةِ) (١)، وجَزَم به المصنفُ في الإقناعِ (٢)، وصاحبُ المنتهى (٣)، وقدَّمه في المبدعِ وغيرِه (٤).
قال في شرحِ المنتهى: (وهو المذهبُ؛ لأنه يُتَّخَذُ وسيلةً للرِّبا، كمسألةِ العينةِ) (٥)، وكذا العقدُ الأولُ فيهما حيثُ كان وسيلةً إلى الثاني فيَحرمُ، ولا يصحُّ.
(وَإِنِ اشْتَرَاهُ)، أي: اشترى المبيعَ في مسألةِ العينةِ أو عكسِها (بِغَيْرِ جِنْسِهِ)؛ بأنْ باعَه بذهبٍ ثم اشتراه بفضةٍ، أو بالعكسِ، (أَوْ) اشتراه (بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، أَوْ بَعْدَ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ)؛ بأن هُزِل (٦) العبدُ، أو نسِيَ صنعةً، أو تخرَّقَ الثوبُ، (أَوْ) اشتراه (مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِيهِ)؛ بأن باعه مشتريه، أو وَهَبه ونحوَه، ثم اشتراه بائعُه ممن صار إليه؛ جاز، (أَوْ اشْتَرَاهُ أبُوهُ)، أي: أبو بائعِه، (أَوْ ابْنُهُ)، أو مكاتبُه، أو زوجتُه؛ (جَازَ) الشراءُ، ما لم يَكُن حيلةً على التَّوصُّلِ إلى فِعْلِ
стр. 789
مسألةِ العِينةِ.
ومَن احتاج إلى نقدٍ، فاشترى ما يُساوي مائةً بأكثرَ ليَتوسعَ بثمنِه؛ فلا بأس، وتُسمى: مسألةُ التَّورُّقُ.
ويحرُمُ التسعيرُ، والاحتكارُ في قوتِ آدميٍّ، ويُجبرُ على بيعِه كما يبيعُ الناسُ.
ولا يُكره إدخارُ قوتِ أهلِه ودوابِّه.
ويُسَنُّ الإشهادُ على البيعِ.
стр. 790
(بَابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)
والشَّرطُ هنا: إلزامُ أحَدِ المتعاقدَيْن الآخرَ بسببِ العقدِ ما له فيه منفعةٌ.
ومحَلُّ المعتبرِ منها: صُلبُ العقدِ.
وهي ضربان:
ذَكَر الأولَ منهما بقولِه: (مِنْها صَحِيحٌ)، وهو ما وافَقَ مقتضَى العقدِ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: شرطُ مقتضَى البيعِ؛ كالتَّقابضِ، وحُلولِ الثَّمنِ، فلا يؤثِّرُ فيه؛ لأنَّه بيانٌ وتأكيدٌ لمقتضَى العقدِ، فلذلك أسقطَه المصنِّفُ.
الثاني: شرطُ ما كان مِن مصلحةِ العقدِ؛ (كَالرَّهنِ) المعيَّنِ، أو الضامنِ المعيَّنِ، (وَ) كـ (تَأجِيلِ ثَمَنٍ) أو بعضِه إلى مدَّةٍ معلومةٍ، (وَ) كشرطِ صفةٍ في المبيعِ؛ كـ (كَوْنِ العَبْدِ كَاتِباً، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ مُسْلِماً)، أو خيَّاطاً مثلاً، (وَالأَمَةِ بِكْراً)، أو تحيضُ، والدَّابةِ هِمْلَاجَةً (١)، والفهدِ أو نحوِه صَيُوداً؛ فيصحُّ.
стр. 791
فإنْ وفَى (١) بالشرطِ وإلا فلصاحبِه الفسخُ، أو أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ، وإن تعذَّر ردٌّ تعيَّنَ أرشٌ.
وإن شَرَط صفةً فبَان أعلَا منها؛ فلا خيارَ.
(وَ) الثالثُ: شرطُ بائعٍ نفعاً معلوماً في مبيعٍ، غيرَ وطءٍ ودواعيه، (نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ البَائِعُ سُكْنَى الدَّارِ) أو نحوِها (شَهْراً، وَ (٢) حُمْلَانَ (٣) البَعِيرِ) - أو نحوِه - المبيعِ (٤) (إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ)؛ لما روى جابرٌ: «أنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ ﷺ جَمَلاً، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ» متفقٌ عليه (٥)، واحتجَّ في التعليقِ والانتصارِ وغيرِهما: «بِشِرَاءِ عُثْمَانَ مِنْ صُهَيْبٍ أَرْضاً، وَشَرَطَ وَقْفَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ» (٦) ذكره في المبدعِ (٧)، ومقتضاه صحَّةَ الشرطِ المذكورِ.
стр. 792
ولبائعٍ إجارةُ وإعارةُ ما استثنَى، وإن تعذَّر انتفاعُه بسببِ مشترٍ فعليه أجرةُ المثلِ له.
(أَوْ شَرَطَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِعِ) نفعاً معلوماً في مبيعٍ؛ كـ (حَمْلِ الحَطَبِ) المبيعِ إلى موضعٍ معلومٍ، (أَوْ تَكْسِيْرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ) المبيعِ، (أَوْ تَفْصِيلِهُ) إذا بيَّن نوعَ الخياطةِ أو التفصيلِ، واحتجَّ أحمدُ لذلك (١) بما رَوى (٢): «أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ (٣) اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وَشَارَطَهُ عَلَى حَمْلِهَا» (٤)، ولأنَّه بيعٌ وإجارةٌ، فالبائعُ كالأجيرِ.
وإن تراضيا على أخذِ أجرتِه ولو بلا عذرٍ؛ جاز.
(وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ) مِن غيرِ النَّوعَيْن الأَوَّلَيْنِ؛ كحَمْلِ حَطَبٍ وتكسيرِه، وخياطةِ ثوبٍ وتفصيلِه؛ (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لما روى أبو داودَ والترمذي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو (٥)، عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»، قال الترمذي: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) (٦).
стр. 793
والضربُ الثاني مِن الشروطِ أشار إليه بقولِه: (وَمِنْهَا فَاسِدٌ): وهو ما يُنافي مقتضَى العقدِ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ:
أحدُها: (يُبْطِلُ العَقْدَ) مِن أصلِه؛ (كَاشْتِرَاطِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ عَقْداً آخَرَ؛ كَسَلَفٍ)، أي: سَلَمٍ، (وَقَرْضٍ، وَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَصَرْفٍ) للثَّمنِ أو غيرِه، وشركةٍ، وهو بيعتان في بيعةٍ المنهيُّ عنه، قاله أحمدُ (١).
الثاني: ما يصحُّ معه البيعُ، وقد ذكره بقولِه: (وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَليْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ (٢) المَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ) شَرَط أنْ (لَا يَبِيْعَ) المبيعَ، (وَلَا يَهَبَـ) ـهُ، (وَلَا يُعْتِقَـ) ـهُ، (أَوْ) شَرَط (إِنْ عَتَقَ فَالوَلَاءُ لَهُ)، أي: للبائعِ، (أَوْ) شَرَط البائعُ على المشتري (أَنْ يَفْعَلَ
стр. 794
ذَلِكَ)، أي: أن يبيعَ المبيعَ، أو يهبَه ونحوَه؛ (بَطَلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ)؛ لقولِه ﵇: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» متفقٌ عليه (١)، والبيعُ صحيحٌ؛ لأنَّه ﷺ في حديثِ بَريرةَ أَبْطَل الشَّرطَ ولم يُبطِلْ العقدَ.
(إِلَّا إِذَا شَرَطَ) البائعُ (العِتْقَ) على المشتري فيصحُّ الشرطُ أيضاً، ويُجبَرُ المشتري على العتقِ إنْ أبَاهُ، والولاءُ له، فإن أصرَّ أعْتَقَه حاكمٌ.
وكذا شرطُ رهنٍ فاسدٍ؛ كخمرٍ، ومجهولٍ، وخيارٍ أو أجلٍ مجهولَيْن، ونحوِ ذلك؛ فيصحُّ البيعُ، ويَفسُدُ الشرطُ.
(وَ) إن قال البائع: (بِعْتُكَ) كذا بكذا (عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثِ) ليالٍ مثلاً، أو على أن ترهَنَنِيهِ (٢) بثمنِه (وَإِلَّا) تَفعلُ ذلك (فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا)، وقَبِلَ المشتري؛ (صَحَّ) البيعُ والتعليقُ، كما لو شَرَط الخيارَ، ويَنفسِخُ إن لم يَفعلْ.
(وَ) الثالثُ: ما لا يَنعقِدُ معه بيعٌ؛ نحوُ (بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أَوْ) إنْ (رَضِي زَيْدٌ) بِكذا، وكذا تعليقُ القَبولِ، (أَوْ يَقُولَ) الراهنُ (لِلمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ) في محلِّه (٣) (وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ، لَا يَصِحُّ
стр. 795
стр. 796
أتممتُ الثمنَ، وإلا فهو لك، فيصحُّ؛ لفِعْلِ عمرَ ﵁ (١)، والمدفوعُ للبائعِ إن لم يَتمَّ البيعُ، والإجارةُ مثلُه.
(وَإِنْ بَاعَهُ) شيئاً (وَشَرَطَ البَرَاءَةَ (٢) مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مَجْهُولٍ)، أو مِن عيبِ كذا إن كان؛ (لَمْ يَبْرَأْ) البائعُ، فإن وَجَد المشتري بالمبيعِ عيباً فله الخيارُ؛ لأنَّه إنَّما يَثبتُ بعدَ البيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه.
وإن سَمَّى العيبَ، أو أبرأه بعدَ العقدِ؛ برِئَ.
(وَإِنْ بَاعَهُ دَاراً) أو نحوَها مما يُذْرَعُ (عَلَى أَنَّها عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَكْثَرَ) مِن عَشَرةٍ، (أَوْ أَقَلَّ) منها؛ (صَحَّ) البيعُ، والزيادةُ للبائعِ، والنقصُ عليه، (وَلِمِنْ جَهِلَهُ)، أي: الحالَ مِن زيادةٍ أو نقصٍ، (وَفَاتَ غَرَضُهُ الخِيَارُ)؛ فلكلٍّ منهما الفسخُ ما لم يُعْطِ البائعُ الزيادةَ للمشتري مجاناً في المسألةِ الأُولَى، أو يَرضَ المشتري بأَخْذِه بكلِّ الثمنِ في الثانيةِ؛ لعدمِ فواتِ الغرضِ.
стр. 797
وإنْ تراضيَا على المعاوَضَةِ عن الزيادةِ أو النقصِ؛ جاز، ولا يُجبَرُ أحدُهُما على ذلك.
وإنْ كان المبيعُ نحوَ صُبْرَةٍ على أنها عشرةُ أَقْفِزةٍ فبانت أقلَّ أو أكثرَ؛ صحَّ البيعُ، ولا خيارَ، والزيادةُ للبائعِ، والنقصُ عليه.
стр. 798
(بَابُ الخِيارِ) وقبضِ المبيعِ والإقالةِ
الخيارُ: اسمُ مصدرِ اختار، أي: طَلَب خَيْرَ الأمرَيْن مِن الإمضاءِ والفسخِ.
(وَهُوَ) ثمانيةُ (أَقْسَامٌ):
(الأَوَّلُ: خِيَارُ المَجْلِسِ)، بكسرِ اللامِ: موضِعُ الجلوسِ، والمرادُ هنا مكانُ التبايعِ.
(يَثْبُتُ) خيارُ المجلسِ (فِي الَبيْعِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ يرفعُه: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ» متفقٌ عليه (١).
لكن يُستثنى مِن البيعِ: الكتابةُ، وتولِّي طرَفَيْ العقدِ، وشراءُ مِن يَعتقُ عليه، أو اعترف بحريتِه قبلَ الشراءِ.
(وَ) كالبيعِ (الصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ)؛ كما لو أقرَّ بدَيْنٍ أو عَيْنٍ ثُمَّ صالحه عنه بعوضٍ، وقسمةُ التراضي، والهبةُ على عوضٍ؛ لأنَّها نوعٌ مِن البيعِ.
(وَ) كبيعٍ أيضاً (إِجَارَةٌ)؛ لأنَّها عَقْدُ معاوضةٍ أشْبَهَت البيعَ،
стр. 799
(وَ) كذا (الصَّرْفُ، وَالسَّلَمُ)؛ لتناولِ البيعِ لهما؛ (دُونَ سَائِرِ العُقُودِ)؛ كالمساقاةِ، والحوالةِ، والوقفِ، والرهنِ، والضمانِ.
(وَلكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ) ومَنْ في معناهما ممَّن تقدَّم (الخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عُرْفاً بِأَبْدَانِهِمَا) مِن مكانِ التبايعِ، فإنْ كانَا في مكانٍ واسعٍ كصحراءَ؛ فبِأَنْ يمشيَ أحدُهما مستدبِراً لصاحبِه خُطُواتٍ، وإنْ كانا في دارٍ كبيرةٍ ذاتِ مجالسَ وبيوتٍ؛ فبِأَنْ يُفارِقَه مِن بيتٍ إلى بيتٍ أو إلى نحوِ صُفَّةٍ، وإن كانا في دارٍ صغيرةٍ؛ فإذا صَعَد أحدُهما السَّطحِ أو خَرَج منها فقد افترقا، وإن كانا في سفينةٍ كبيرةٍ؛ فبِصعودِ أحدِهِما أعلاها إن كانا أسفلَ، أو بالعكسِ، وإن كانت صغيرةً؛ فبِخروجِ أحدِهِما منها.
ولو حَجَز بينَهما بحاجزٍ كحائطٍ، أو ناما؛ لم يُعَدَّ تفرُّقاً؛ لبقائِهما بأبدانِهما بمَحَلِّ العقدِ ولو طالت المدةُ.
(وَإِنْ نَفَيَاهُ)، أي: الخيارَ؛ بأنْ تبايَعا على أنْ لا خيارَ بينهما؛ لزِم بمجرَّدِ العقدِ.
(أَوْ أَسْقَطَاهُ)، أي: الخيارَ بعدَ العقدِ؛ (سَقَطَ)؛ لأنَّ الخيارَ حقٌ للعاقدِ، فسَقَط (١) بإسْقاطِه.
(وَإِنْ أسْقَطَهُ أحَدُهُمَا)، أي: أحدُ المتبايعَيْنِ، أو قال لصاحبه:
стр. 800
اختَرْ؛ سَقَط خيارَه، و (بَقِيَ خِيَارُ الآخَرِ (١)؛ لأنَّه لم يَحصُلْ منه إسقاطٌ لخيارِه بخلافِ صاحبِه.
وتَحرمُ الفُرقةُ خَشْيَةَ الفسخِ.
وينقطِعُ الخيارُ بموتِ أحدِهِما، لا بجنونِه.
(وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ)؛ بأنْ تفرَّقَا كما تقدَّم؛ (لَزِمَ البَيْعُ) بلا خلافٍ.
القسمُ (الثَّانِي) مِن أقسامِ الخيارِ: خيارُ الشَّرطِ، بـ (أَنْ يَشْتَرِطَاهُ)، أي: يَشترطَ المتعاقدان الخيارَ (فِي) صُلْبِ (العَقْدِ)، أو بعدَه في مدَّةِ خِيارِ المجلسِ أو الشَّرطِ، (مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَو طَوِيلَةً)؛ لقولِه ﵇: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢).
стр. 801
ولا يصحُّ اشتراطُه بعدَ لزومِ العَقْدِ، ولا إلى أجلٍ مجهولٍ، ولا في عَقْدٍ حيلةً ليَربحَ في قرضٍ؛ فيحرمُ، ولا يصحُّ البيعُ.
(وَابتِدَاؤُهَا)، أي: ابتداءُ مدَّةِ الخيارِ (مِنَ العَقْدِ) إن شَرَط في العقدِ، وإلا فمِنْ حينِ اشْتَرَط.
(وَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهُ)، أي: مدَّةُ الخيارِ ولم يَفسخْ؛ لزِم البيعُ، (أَوْ قَطَعَاهُ)، أي: قَطَع المتعاقدان الخيارَ (بَطَلَ)، ولزِم البيعُ، كما لو لم يَشترطاه.
(وَيَثْبُتُ) خيارُ الشَّرطِ (فِي البَيْعِ، وَالصُّلْحِ)، والقسمةِ، والهبةِ (بِمَعْنَاهُ)، أي: بمعنى البيعِ؛ كالصُّلحِ بعوضٍ عن عَيْنٍ أو دَيْنٍ مقرٍّ به، وقِسمةِ التراضي، وهبةِ الثَّوابِ؛ لأنَّها أنواعٌ مِن البيعِ، (وَ) في (الإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ)؛ كخياطةِ ثوبٍ، (أَوْ) في إجارةٍ (عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي العَقْدَ)؛ كسنةِ ثلاثٍ في سنةِ اثنين (١) إذا شَرَطَه مدَّةً تَنقضي قبلَ
стр. 802
دخولِ سنةِ ثلاثٍ، فإن وَلِيَت المدَّةُ العقدَ كشهرٍ مِن الآن؛ لم يصحَّ شرطُ الخيارِ؛ لئلا يؤدِّي إلى فواتِ بعضِ المنافعِ المعقودِ عليها، أو استيفائها في مدَّةِ الخيارِ، وكلاهُما غيرُ جائزٍ.
ولا يَثبتُ خيارُ الشَّرطِ في غيرِ ما ذُكر؛ كصرفٍ، وسَلَمٍ، وضمانٍ، وكفالةٍ.
ويصحُّ شَرْطُه للمتعاقدَيْن ولو وكيلَيْن، (وَإِنْ شَرَطَاهُ لأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِه صَحَّ) الشرطُ، وثَبَت (١) له الخيارُ وحدَه؛ لأنَّ الحقَّ لهما، فكيفما تراضيَا به جاز.
(وَ) إن شرطَاه (إِلَى الغَدِ، أَوْ اللَّيْلِ) صحَّ، و (يَسْقُطُ بِأوَّلِهِ)، أي: أولِ الغَدِ أو اللَّيلِ؛ لأنَّ (إِلَى) لانتهاءِ الغايةِ، فلا يَدخُلُ ما بعدَها فيما قبلَها، وإلى صلاةٍ؛ يَسقطُ بدخولِ وقتِها.
(وَ) يجوزُ (لِمَنْ لَهُ الخِيَارُ الفَسْخُ وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ) صاحبِه (الآخَرِ، وَ) مع (سَخَطِهِ)؛ كالطلاقِ.
(وَالمِلْكُ) في المبيعِ (مُدَّةَ الخِيَارَيْنِ)، أي: خيارِ الشرطِ وخيارِ المجلسِ (لِلمُشْتَرِي)، سواءٌ كان الخيارُ لهما أو لأحدِهما؛ لقولِه ﵇: «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ
стр. 803
المُبْتَاعَ» رواه مسلمٌ (١)، فجَعَل المالَ للمبتاعِ باشتراطِه، وهو عامٌّ في كلِّ بيعٍ، فَشَمِل بيعَ الخيارِ.
(وَلَهُ)، أي: للمشتري (نَماؤُهُ)، أي: نماءُ المبيعِ (المُنْفَصِلُ) كالثمرةِ، (وَكَسْبُهُ) في مدةِ الخيارين، ولو فسخَاهُ بعدُ؛ لأنَّه نماءُ ملْكِه الدَّاخلِ في ضمانِه؛ لحديثِ: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، صحَّحه الترمذي (٢).
стр. 804
وأما النماءُ المتَّصِلُ كالسِّمَنِ؛ فإنه يتبَعُ العَيْنَ مع الفسخِ؛ لتعذُّرِ انفصالِه.
(وَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا فِي المَبِيعِ، وَ) لا في (عِوَضِهِ المُعَيَّنِ فِيهَا)، أي: في مدَّةِ الخيارين (بَغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ)، فلا يَتصرفُ المشتري في المبيعِ بغيرِ إذنِ البائِعِ إلا معه، كأن آجَره له، ولا يتصرفُ البائعُ في الثمنِ المعيَّنِ زمنَ الخيارين إلا بإذنِ المشتري أو معه، كأن استأجر منه به عيناً.
هذا إن كان التصرفُ (بِغَيْرِ تَجْرِبَةِ المَبِيْعِ)، فإن تصرَّف لتجربتِه؛ كركوبِ دابةٍ (١) لينظُرَ سيرَها، وحَلْبِ دابةٍ ليعلمَ قَدْرَ لبنِها؛ لم يَبطلْ خيارَه؛ لأنَّ ذلك هو المقصودُ مِن الخيارِ؛ كاستخدامِ الرقيقِ.
(إِلَّا عِتْقَ المُشْتَرِي) لمبيعٍ زَمَنَ الخيارِ، فيَنفذُ مع الحرمةِ، ويَسقطُ خيارُ البائعِ حينئذ.
(وَتَصَرُّفُ المُشْترِي) في المبيعِ بشرطِ الخيارِ له زمنَه، بنحوِ وقفٍ، أو بيعٍ، أو هبةٍ، أو لمسٍ لشهوةٍ؛ (فَسْخٌ لِخِيَارِهِ) وإمضاءٍ للبيعِ؛ لأنه دليلُ الرِّضا به، بخلافِ تَجربةِ المبيعِ واستخدامِه.
стр. 805
وتصرُّفُ البائعِ في المبيعِ إذا كان الخيارُ له وحدَه ليس فسخاً للبيعِ.
ويَبطُلُ خيارُهُما مُطلقاً بتَلَفِ مبيعٍ بعدَ قبضٍ، وبإتلافِ مشترٍ إيَّاه مطلقاً.
(وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا)، أي: مِن البائعِ والمشتري بشرطِ الخيارِ؛ (بَطَلَ خِيَارُهُ)، فلا يورَثُ إنْ لم يَكُن طالبَ به قبلَ موتِه؛ كالشفعةِ وحدِّ القذفِ.
(الثَّالِثُ) مِن أقسامِ الخيارِ: خيارُ الغَبْنِ (١) (إِذَا غُبِنَ فِي المَبِيْعِ غَبْناً يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ)؛ لأنَّه لم يَردْ الشرعُ بتحديدِه، فرُجِع فيه إلى العرفِ، وله ثلاثُ صورٍ:
إحداها (٢): تلقِّي الرُّكبان؛ لقولِه ﵇: «لَا تَلَقُّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ» رواه مسلمٌ (٣).
(وَ) الثانيةُ المشارُ إليها بقولِه: (بِزِيَادَةِ النَّاجِشِ) الذي لا يُريدُ شراءً، ولو بلا مُواطأةٍ، ومنه: أُعْطِيتُ كذا وهو كاذِبٌ؛ لتغريرِه المشتري.
стр. 806
الثالثةُ ذكرها بقولِه: (وَالمُسْتَرْسِلِ)، وهو مَن جَهِل القيمةَ ولا يُحسِنُ يماكِسُ، مِن: استرسل، إذا اطمأنَّ واستأنَسَ، فإذا غُبِن ثَبَت له الخيارُ، ولا أرشَ مع إمساكٍ (١).
والغَبنُ محرمٌ، وخيارُه على التراخي.
(الرَّابِعُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارُ التَّدْلِيسِ)، مِن الدُّلْسَةِ: وهي الظلمةُ، فيَثبتُ بما يَزيدُ به الثمنُ؛ (كَتَسْوِيدِ شَعْرِ الجَارِيَةِ، وَتَجْعِيدهِ)، أي: جَعْلِه جعداً، وهو ضدُّ السَّبِطِ، (وَجمْعِ مَاءِ الرَّحَى)، أي: الماءِ الذي تَدورُ به الرَّحى، (وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا) للبيعِ؛ لأنَّه إذا أرسلَه بعدَ حَبْسِه اشتدَّ دورانُ الرَّحى حين ذلك، فيَظنُّ المشتري أنَّ ذلك عادتَها فيَزيدُ في الثمنِ، فإذا تَبيَّن له التدليسُ ثَبَت له الخيارُ.
وكذا تَصْرِيةُ اللَّبنِ في ضرعِ بهيمةِ الأنعامِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: «لَا تُصَرُّوا (٢) الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
стр. 807
بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا (١)، إِنْ (٢) شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ» متفقٌ عليه (٣).
وخيارُ التدليسِ على التراخي، إلا المصراةَ فيُخيَّرُ ثلاثةُ أيامِ منذُ عَلِم بين إمساكٍ بلا أرشٍ وردٍّ مع صاعِ تمرٍ سليمٍ إنْ حَلَبها، فإن عَدِم التمرَ فقيمتُه، ويُقبلُ ردُّ اللبنِ بحالِه.
(الخَامِسُ) مِن أقسامِ الخيارِ: (خِيَارُ العَيْبِ) وما بمعناه، (وَهُوَ)، أي: العيبُ: (مَا يُنقِصُ قِيمَةَ المَبِيع) عادةً، فما عدَّه التجارُ في عُرفِهم مُنقِصاً أُنيط الحكمُ به، وما لا فلا.
والعيبُ (كَمَرَضِهِ)، على جميعِ حالاتِه في جميعِ الحيواناتِ، (وَفَقْدِ عُضْوٍ) كإصبعٍ، (وَ (٤) سِنٍّ، أَوْ زِيادَتِهِمَا، وَزِنَا الرَّقِيقِ) إذا بَلَغ عشراً مِن عبدٍ أو أمةٍ، (وَسَرِقَتِهِ)، وشُرْبِه مُسْكراً، (وَإِبَاقِهِ، وَبَوْلِهِ فِي الفِرَاشِ)، وكونِه أعسرَ لا يَعملُ بيمينِهِ عَمَلَها المعتادَ، وعدمِ
стр. 808
ختانِ ذكرِ كبيرٍ، وعَثْرةِ مركوبٍ، وحَرَنِه (١) ونحوِه، وبَخَرٍ (٢)، وحَوَلٍ، وخَرَسٍ، وطَرَشٍ، وكَلَفٍ (٣)، وقَرَعٍ، وحملِ أَمَةٍ، وطولِ مدَّةِ نقلِ ما في دارٍ مبيعةٍ عُرفاً، وكَونِها يَنزِلُها الجندُ، لا سقوطُ آياتٍ يسيرةٍ بمصحفٍ ونحوِه، ولا حُمَّى وصداعٍ يَسيرين، ولا ثُيوبةٍ، أو كُفرٍ، أو عدمِ حيضٍ، ولا معرفةِ غناءٍ.
(فَإِذَا عَلِمَ المُشْتَرِي العَيْبَ بَعْدَ) العقدِ (أَمْسَكَهُ بَأَرْشِهِ) إنْ شاء؛ لأنَّ المتبايعين تراضَيَا على أنَّ العوضَ في مقابلةِ المبيعِ، فكلُّ جزءٍ منه يُقابِلُه جزءٌ مِن الثمنِ، ومع العيبِ فات جزءٌ مِن المبيعِ، فله الرجوعُ ببدلِه، وهو الأرشُ.
(وَهُوَ)، أي: الأرشُ: (قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصِّحَّةِ وَالعَيْبِ)، فيُقوَّمُ المبيعُ صحيحاً ثم مَعيباً، ويؤخذُ قِسْطُ ما بينهما مِن الثمنِ،
стр. 809
فإن قُوِّمَ صحيحاً بعشرةٍ ومعيباً بثمانيةٍ، رَجَع بخُمُسِ الثَّمنِ قليلاً كان أو كثيراً.
وإن أفضَى أخْذُ الأَرشِ إلى ربا؛ كشراءِ حُلي فضةٍ بزنَتِه دراهمَ؛ أمْسَكَ مجاناً إن شاء، (أَوْ رَدَّهُ وَأخَذَ الثَّمَنَ) المدفوعَ للبائعِ.
وكذا لو أُبرِئ المشتري مِن الثَّمنِ أو وُهِب له، ثم فَسَخ البيعَ لعيبٍ أو غيرِه؛ رَجَع بالثَّمنِ على البائعِ.
وإن عَلِم المشتري قبلَ العقدِ بعيبِ المبيعِ، أو حَدَث العيبُ بعدَ العقدِ؛ فلا خيارَ له، إلا في مكيلٍ ونحوِه تعيَّبَ قبلَ قَبْضِه.
(وَإِنْ تَلِفَ المَبِيعُ) المعيبُ، (أَوْ أَعْتَقَ العَبْدَ)، أو لم يَعلمْ عيبَه حتى صَبَغ الثَّوبَ، أو نَسَج، أو وَهَب المبيعَ، أو باعَه أو بعضَه؛ (تَعَيَّنَ الأَرْشُ)؛ لتعذُّرِ الرَّدِّ، وعدمِ وجودِ الرِّضا به ناقِصاً.
وإنْ دلَّس البائعُ؛ بأن عَلِم العيبَ وكَتَمه عن المشتري، فمات المبيعُ أو أبَق؛ ذَهَب على البائعِ؛ لأنَّه غرَّه، وردَّ للمشتري ما أَخَذ.
(وَإِنْ اشْتَرى مَا لَمْ يُعْلَمْ عَيْبُهُ بِدُونِ كَسْرِهِ؛ كَجَوْزِ هِنْدٍ، وَبَيْضِ نَعَامٍ، فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِداً؛ فَأمسَكَهُ فَلَهُ أَرْشُهُ، وَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ أَرْشَ كَسْرِهِ) الذي تَبْقَى له معه قيمةٌ، وأَخَذ ثمنَه؛ لأنَّ عَقْدَ البيعِ يَقتضي السلامةَ، ويَتعيَّنُ أرشٌ مع كَسْرٍ لا تَبقى معه قيمةٌ.
(وَإِنْ كَانَ) المبيعُ (كَبَيْضِ دَجَاجٍ) فكَسَرَه فوَجَده فاسِداً؛ (رَجَعَ
стр. 810
بِكُلِّ الثَّمَنِ)؛ لأنَّا تبيَّنا فسادَ العقدِ مِن أصلِه؛ لكونِه وَقَع على ما لا نَفْعَ فيه، وليس عليه ردُّ فاسِدِ ذلك إلى بائعِه؛ لعدمِ الفائدةِ فيه.
(وَخِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ)؛ لأنَّه لدَفْعِ ضررٍ متحقَّقٍ، فلم يَبْطُلْ بالتأخيرِ، (مَا لَمْ يُوْجَدْ دَلِيلُ الرِّضَا)؛ كتصرفٍ فيه بإجارةٍ أو إعارةٍ أو نحوِهما عالماً بعَيْبِه، واستعمالِه لغيرِ تجربةٍ.
(وَلَا يَفْتَقِرُ) الفسخُ للعيبِ (إِلَى حُكْمٍ، وَلَا رِضاً، وَلَا حُضُورِ صَاحِبِهِ)، أي: البائعِ؛ كالطَّلاقِ.
ولمشترٍ مع غيرِه معيباً أو بشرطِ خيارٍ؛ الفسخُ في نصيبِه، ولو رضِيَ الآخرُ.
والمبيعُ بعدَ فسخٍ أمانةٌ بِيَدِ مشترٍ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا)، أي: البائعُ والمشتري في معيبٍ (عِنْدَ مَنْ حَدَثَ العَيْبُ) مع الاحتمالِ؛ (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يَمِينِهِ) إنْ لم يَخرُجْ عن يدِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ القبضِ في الجزءِ الفائتِ، فكان القولُ قولَ مَن ينفِيه، فيَحلِفُ أنَّه اشتراه وبه العيبُ، أو أنه ما حَدَث عندَه ويَردُّه.
(وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا)؛ كالأصبعِ الزائدةِ، والجُرحِ الطَّرِي الذي لا يَحتمِلُ أن يكونَ قبلَ العقدِ؛ (قُبِلَ) قولُ المشتري في المثالِ الأولِ، والبائعِ في المثالِ الثاني (بِلَا يَمِينٍ)؛ لعدمِ