(وَالأَوَانِي (١) المُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ وَالأَوْسَاطِ؛ كَالقَمَاقِمِ (٢)، وَالأَسْطَالِ (٣) الضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ) لاختلافِها.
(وَ) كـ (الجَوَاهِرِ)، واللؤلؤِ، والعقيقِ ونحوِه؛ لأنَّها تختلفُ اختلافاً متبايناً بالصِغَرِ والكِبَرِ، وحُسْنِ التَّدويرِ، وزيادةِ الضوءِ والصفاءِ.
(وَ) كـ (الحَامِلِ مِنَ الحَيَوَانِ)؛ كأمةٍ حاملٍ؛ لأنَّ الصفةَ لا تأتي على ذلك، والولدُ مجهولٌ غيرُ محقَّقٍ، وكذا لو أَسْلَم في أَمَةٍ وولدِها؛ لندرةِ جمعِهِما الصفةَ.
(وَكُلِّ مَغْشُوشٍ)؛ لأن غِشَّه يَمنعُ العِلْمَ بالقدرِ المقصودِ منه، فإن كانت الأثمانُ خالصةً؛ صحَّ السَّلَمُ فيها، ويكونُ رأسُ المالِ غيرَها.
ويَصحُّ السَّلمُ في فلوسٍ، ويكونُ رأسُ المالِ عرْضاً.
(وَمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطاً) مقصودةً (غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ؛ كَالغَالِيَةِ (٤)،
стр. 854
والنَّدِّ (١)، (وَالمَعَاجِينِ) التي يُتداوى بها؛ (فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ)؛ لعدمِ انضباطِه.
(وَيَصِحُّ) السَّلَمُ (فِي الحَيَوَانِ) ولو آدميًّا؛ لحديثِ أبي رافعٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً (٢)» رواه مسلم (٣).
(وَ) يَصحُّ أيضاً في (الثِّيَابِ المَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ)؛ كالكَتَّانِ والقطنِ ونحوِهما؛ لأنَّ ضبطَها مُمكِنٌ، وكذا نُشَّابٌ، ونَبْلٌ مَرِيشَان (٤)، وخِفافٌ، ورِماحٌ.
(وَ) يَصحُّ أيضاً في (٥) (مَا خِلْطُهُ) - بكسرِ الخاءِ - (غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ كَالجُبْنِ (٦)
стр. 855
فيه المِنْفِحَةُ (١)، (وَخَلِّ التَّمْرِ) فيه الماءُ، (والسَّكَنْجَبِينِ (٢) فيه الخلُّ، (وَنَحْوِهَا)؛ كالشَّيرجِ، والخبزِ، والعجينِ.
الشرطُ (الثَّانِي: ذِكْرُ الجِنْسِ وَالنَّوْعِ)، أي: جِنْسِ المُسْلَمِ فيه ونوعِه، (وَكُلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ)، أي: بسببِه (الثَّمَنُ) اختلافاً (ظَاهِرَاً)؛ كلَوْنِه، وقَدْرِه، وبلدِه، (وَحَدَاثَتِهِ وَقِدَمِهِ).
ولا يجبُ استقصاءُ كلِّ الصِّفاتِ؛ لأنه يتعذَّرُ، ولا ما لا يَختلِفُ به الثَّمنُ؛ لعدمِ الاحتياجِ إليه.
(وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ) المتعاقِدَيْنِ (الأَرْدَأَ أَوْ (٣) الأَجْوَدَ)؛ لأنَّه لا يَنحصِرُ، إذ ما مِن رديءٍ أو جيِّدٍ إلَّا ويُحتمَلُ وجودُ أردأَ أو أجودَ منه.
(بَلْ) يصحُّ شرطُ (جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ)، ويجزئُ ما صَدَق عليه أنه جيِّدٌ أو رديءٌ، فيُنَزَّلُ (٤) الوَصْفُ على أقلِّ درجةٍ.
(فَإنْ جَاءَ) المسلَمُ إليه (بِمَا شَرَطَ) للمسلِمِ؛ لزِمَه أخذُه، (أَوْ)
стр. 856
جاءه بـ (أَجْوَدَ مِنْهُ)، أي: مِن المسلَمِ فيه (مِنْ نَوْعِهِ وَلَوْ قَبْلَ مَحلِّهِ)، أي: حلولِه، (وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ؛ لَزِمَهُ أَخْذُهُ)؛ لأنَّه جاءه (١) بما تَناولَه العقدُ وزيادةٍ تنفعُه.
وإن جاءه بدونِ ما وَصَف، أو بغيرِ نوعِه مِن جنسِه؛ فله أخذُه، ولا يَلزمُه.
وإن جاءه بجنسٍ آخرَ؛ لم يَجزْ له قبولُه.
وإن قَبَض المسلَمَ فيه فوَجَد به عيباً؛ فله ردُّه، وإمساكُه مع الأَرْشِ.
الشرطُ (الثَّالِثُ: ذِكْرُ قَدْرِهِ)، أي: قدرِ المسلَم فيه (بِكَيْلٍ) معهودٍ فيما يُكالُ، (أَوْ وَزْنٍ) معهودٍ فيما يوزنُ؛ لحديثِ: «مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» متفقٌ عليه (٢)، (أَوْ ذَرْعٍ يُعْلَمُ) عندَ العامَّةِ؛ لأنَّه إذا كان مجهولاً تعذَّرَ الاستيفاءُ به عندَ التَّلَفِ، فيَفُوتُ العِلْمُ بالمسلَمِ فيه.
فإنْ شَرَطا مِكيَالاً غيرَ معلومٍ بعَيْنِه، أو صَنْجَةً (٣) غيرَ معلومةٍ بعَيْنِها؛ لم يَصحَّ.
стр. 857
وإنْ كان معلوماً صحَّ السَّلَمُ دونَ التَّعيينِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ فِي المَكِيلِ)؛ كالبُرِّ والشَّيْرَجِ (وَزْنَاً، أَوْ فِي المَوْزُونِ)؛ كالحديدِ (كَيْلاً؛ لَمْ يَصِحَّ) السَّلَمُ؛ لأنَّه قدَّرَه بغيرِ ما هو مُقدَّرٌ به، فلم يَجزْ، كما لو أسلم في المذروعِ وزناً.
ولا يصحُّ في فواكِهَ معدودةٍ؛ كرُمَّانٍ وسَفَرْجَلٍ (١) ولو وزناً.
الشرطُ (الرَّابِعُ: ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ)؛ للحديثِ السابقِ، ولأنَّ الحلولَ يخرِجُه عن اسمه ومعناه.
ويُعْتَبرُ أن يكونَ الأجلُ (لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ) عادةً؛ كشهرٍ، (فَلَا يَصِحُّ) السَّلمُ إن أَسْلَم (حَالًّا)؛ لما سَبَق، (وَلَا) إنْ أسْلَم إلى أجلٍ مجهولٍ؛ كـ (إِلَى الحَصَادِ وَالجَذَاذِ) وقدومِ الحاجِّ؛ لأنَّه يختلِفُ، فلم يَكُن معلوماً.
(وَلَا) يَصحُّ السَّلَمُ (إِلَى) أجلٍ قريبٍ؛ كـ (يَوْمٍ) ونحوِه؛ لأنَّه لا وَقْعَ له في الثمنِ، (إِلَّا) أنْ يُسْلِمَ (فِي شَيْءٍ يَأْخُذُهُ (٢) مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ) أجزاءً معلومةً؛ (كَخُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَحْوِهِمَا) مِن كلِّ ما يصحُّ السَّلَمُ
стр. 858
فيه؛ إذ الحاجةُ داعيةٌ إلى ذلك.
فإنْ قَبَضَ البعضَ وتعذَّر الباقي؛ رَجَع بقِسْطِه مِن الثَّمنِ، ولا يَجعلُ الباقي (١) فضلاً على المقبوضِ؛ لتماثُلِ أجزائِه، بل يُقَسَّطُ الثَّمَنُ عليهما بالسَّويةِ.
الشرطُ (الخَامِسُ: أَنْ يُوجَدَ) المُسْلَمُ فيه (غَالِباً فِي مَحِلِّه) - بكسرِ الحاءِ- أي: وقتِ حُلولِه؛ لوجوبِ تسليمِه إذاً، فإن كان لا يوجَدُ فيه، أو يوجَدُ نادراً؛ كالسَّلَمِ في العنبِ والرُّطبِ إلى الشتاءِ؛ لم يصحَّ.
(وَ) يُعتَبرُ أيضاً وجودُ المسلَمِ فيه في (مَكَانِ الوَفَاءِ) غالباً، فلا يصحُّ إنْ أسْلَم في ثَمَرةِ بستانٍ صغيرٍ معيَّنٍ، أو قريةٍ صغيرةٍ، أو في نتاجٍ مِن فَحْلِ بني فلان أو غَنَمِه، أو مِثْلِ هذا الثوبِ؛ لأنَّه لا يؤمنُ تَلَفُه وانقطاعُه.
و(لَا) يُعتبَرُ وجودُ المسلَمِ فيه (وَقْتَ العَقْدِ)؛ لأنَّه ليس وقتَ وجوبِ التسليمِ، (فَإِنْ) أسْلَمَ إلى محلٍّ يوجَدُ فيه غالباً فـ (تَعَذَّرَ) المُسْلَمِ فيه، بأن لم تَحمِلْ الثِّمارُ تلك السنةَ، (أَوْ) تعذَّر (بَعْضُهُ؛ فَلَهُ)، أي: لربِّ السَّلَمِ (الصَّبْرُ) إلى أن يوجَدَ فيطالِبَ به، (أَوْ فَسْخُ) العقدِ في
стр. 859
(الكُلِّ) إن تعذَّر الكلُّ، (أَوْ) في (البَعْضِ) المتعذِّرِ، (وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ المَوْجُودَ أَوْ عِوَضَهُ)، أي: عوضَ الثَّمنِ (١) التَّالِفِ؛ لأنَّ العقدَ إذا زالَ وَجَب ردُّ الثَّمنِ.
ويجبُ ردُّ عَيْنِه إنْ كان باقياً، وعِوَضِه (٢) إن كان تالِفاً، أي: مثلِهِ إن كان مِثْلِيًّا، وقيمتِهِ (٣) إن كان متقوَّماً، هذا إنْ فَسَخ في الكلِّ، فإن فَسَخَ في البعضِ فبِقِسْطِه.
الشرطُ (السَّادسُ: أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ تَامًّا)؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَليُسْلِفْ ... » الحديثَ (٤)، أي: فليعْطِ، قال الشافعي: (لأنَّه لا يَقعُ اسمُ السَّلَفِ فيه حتى يُعْطِيَه ما سلَّفَه (٥) قبلَ أن يُفارِقَ مَن أسْلَفَه) (٦).
ويُشترَطُ أنْ يكونَ رأسُ مالِ السَّلمِ (مَعْلُوماً قَدْرُهُ وَوَصْفُهُ)؛ كالمُسلَمِ فيه، فلا يصحُّ بصُبْرةٍ لا يَعلمان قَدْرَها، ولا بجوهرٍ ونحوِه مما لا يَنضبِطُ بالصِّفةِ، ويكونُ القبضُ (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) مِن المجلسِ.
وكُلُّ مالَيْن حُرِّمَ النَّساءُ فيهما لا يجوزُ إسلامُ أحدِهما في
стр. 860
الآخَرِ؛ لأنَّ السَّلمَ مِن شرطِه التأجيلُ.
(وَإِنْ قَبَضَ البَعْضَ) مِن الثمنِ في المجلسِ (ثُمَّ افْتَرَقَا) قبلَ قَبْضِ الباقي؛ (بَطَلَ فِيمَا عَدَاهُ)، أي: عدا المقبوضِ، وصحَّ في المقبوضِ.
ولو جَعَل دَيْناً سَلَماً لم يصحَّ، وأمانةً أو عَيْناً مغصوبةً أو عاريةً يصحُّ؛ لأنَّه في معنى القبضِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ) ثمناً واحداً (فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ (١) كبُرٍّ (إِلَى أَجَلَيْنِ)؛ كرَجَبٍ وشعبانَ مَثلاً، (أَوْ عَكْسُه) بأنْ أسْلَمَ في جِنسين؛ كبُرٍّ وشَعِيرٍ إلى أجلٍ كرجبٍ مَثلاً؛ (صَحَّ) السَّلَمُ (إِنْ بَيَّنَ) قَدْرَ (كُلِّ جِنْسٍ وَثَمَنَهُ) في المسألةِ الثانيةِ، بأن يقولَ: أسْلَمْتُك دينارَيْن، أحدُهما في إِرْدَبِّ (٢) قمحٍ صفتُه كذا وأجلُه كذا، والثاني في إردَبَّينِ شعيراً صفتُه كذا والأجلُ كذا.
(وَ) صحَّ أيضاً إنْ بيَّن (قِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ) في المسألةِ الأُولى، بأن يقولَ: أسلمتُكَ دينارَيْن أحدُهما في إِردَبِّ قمحٍ إلى رجبٍ، والآخرُ في إِرْدَبٍّ ورُبُعٍ مثلاً إلى شعبانَ.
стр. 861
فإن لم يُبَيِّن ما ذُكر فيهما لم يصحَّ؛ لأنَّ مُقابِلَ كلٍّ مِن الجِنسينِ أو الأجلينِ مجهولٌ.
الشرطُ (السَّابِعُ: أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يَصِحُّ) السَّلمُ (فِي عَيْنٍ)؛ كدارٍ وشجرةٍ؛ لأنَّها ربُّما تَلِفت قبلَ أوانِ تسليمِها.
(وَ) لا يُشترطُ ذِكْرُ مكانِ الوفاءِ؛ لأنَّه ﵇ لم يَذكرْه، بل (يَجِبُ الوَفَاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ)؛ لأنَّ العقدَ يَقتضي التسليمَ في مكانِه، وله أخذُه في غيرِه إن رَضِيَا.
ولو قال: خُذْه وأُجْرةَ حملِه إلى موضِعِ الوفاءِ؛ لم يَجزْ.
(وَيَصِحُّ شَرْطُهُ)، أي: الوفاءِ (فِي غَيْرِهِ)، أي: غيرِ مكانِ العقدِ؛ لأنه بيعٌ، فصَحَّ شَرْطُ الإيفاءِ في غيرِ مكانِه؛ كبيوعِ الأعيانِ.
وإن شرطَا الوفاءَ موضِعَ العقدِ كان تأكيداً.
(وَإِنْ عُقِدَ) السَّلَمُ (بِبَرِّ) يَّةٍ (أَوْ بَحْرٍ؛ شَرَطَاهُ) أي: مكانَ الوفاءِ لُزوماً، وإلا فَسَد السَّلمُ؛ لتعذُّرِ الوفاءِ موضِعَ العقدِ، وليس بعضُ الأماكنِ سواه أَوْلَى مِن بعضٍ، فاشتُرطَ تَعْيينُه بالقولِ؛ كالكَيْلِ.
ويُقْبَلُ قولُ المسْلَمِ إليه في تعيينِه مع يمينِه.
(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ) لمن هو عليه أو غَيرِه (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ «لنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» (١).
стр. 862
(وَلَا) تصحُّ أيضاً (هِبَتُهُ) لغيرِ مَن هو عليه؛ لعَدَمِ القدرةِ على تسليمِه، (وَلَا الحَوَالَةُ بِهِ)؛ لأنَّها لا تصحَّ إلا على دَيْنٍ مُستقرٍّ، والسَّلمُ عُرْضَةٌ للفسخِ، (وَلَا) الحوالةُ (عَلَيْهِ)، أي: على المُسْلَمِ فيه، أو رأسِ مالِه بعدَ فسخِ، (وَلَا أَخْذُ عِوَضِهِ)؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (١).
стр. 863
وسواءٌ فيما ذُكِر إذا كان المسْلَمُ فيه مَوجوداً أو مَعدوماً، والعِوضُ مِثلَه في القيمةِ أو أقلَّ أو أكثرَ.
وتصحُّ الإقالةُ في السَّلمِ.
(وَلَا يَصِحُّ) أَخْذُ (الرَّهْنُ وَالكَفِيلُ بِهِ)، أي: بدَيْنِ السَّلمِ، رُويت كراهيتُه عن عليٍّ (١)، وابنِ عباسٍ (٢)، وابنِ عمرَ (٣)، إذ وَضْعُ الرَّهنِ للاستيفاءِ مِن ثمنِه عندَ تعذُّرِ الاستيفاءِ مِن الغريمِ، ولا يُمكِنُ استيفاءُ المسلَمِ فيه مِن عَيْنِ الرهنِ، ولا مِن ذمَّةِ الضامِنِ؛ (٤) حِذاراً مِن أن يَصرِفَه إلى غيرِه.
ويصحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مُستقرٍّ؛ كقرضٍ، وثمنِ مبيعٍ لمن هو عليه، بشرطِ قَبْضِ عِوَضِه في المجلسِ.
وتصحُّ هِبَةُ كلِّ دَيْنٍ لمن هو عليه، ولا يجوزُ لغيرِه.
الذي يجبُ التسليمُ فيه، ولا يلزمُه المثلُ في البلدِ الآخرِ؛ لأنَّه لا يلزَمُه حَمْلُه إليه، (إِنْ لَمْ تَكُنْ) قيمتُه (بِبَلَدِ القَرْضِ أَنْقَصَ)، صوابُه: أكثرَ، فإن كانت القيمةُ ببلدِ القرضِ أكثرَ لزِمَ مثلُ المثلي؛ لعدمِ الضَّررِ إذاً.
ولا يُجبرُ ربُّ الدَّيْنِ على أخذِ قرضِه ببلدٍ آخرَ إلا فيما لا مُؤنةَ لحملِه مع أمنِ البلدِ والطريقِ.
وإذا قال: اقترض لي مائةً ولك عشرةٌ؛ صحَّ؛ لأنَّها في مقابَلَةِ ما بَذَلَه مِن جاهِهِ.
ولو قال: اضْمَنِّي فيها ولك ذلك؛ لم يَجزْ.
стр. 870
(بَابُ الرَّهْنِ)
هو لغةً: الثُّبوتُ والدوامُ، يقالُ: ماءٌ راهنٌ، أي: راكِدٌ، ونِعْمَةٌ راهنةٌ، أي: دائمةٌ.
وشرعاً: تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بعَيْنٍ يُمكِنُ استيفاؤه مِنها أو مِن ثمنِها.
وهو جائزٌ بالإجماعِ (١).
ولا يصحُّ بدونِ إيجابٍ وقبولٍ، أو ما يَدلُّ عليهما.
ويُعتَبرُ معرفةُ قدرِه، وجنسِه، وصفتِه، وكونُ راهنٍ جائزَ التَّصرُّفِ، مالِكاً للمرهونِ، أو مأذوناً له فيه.
و(يَصِحُّ) الرهنُ (فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجْوزُ بَيْعُهَا)؛ لأنَّ القصدَ منه الاستيثاقُ بالدَّينِ، ليتوصَّلَ إلى استيفائِه مِن ثمنِ الرهنِ عندَ تعذُّرِه مِن الراهنِ، وهذا مُتحقِّقٌ في كلِّ عَيْنٍ يجوزُ بيعُها، (حَتَّى المُكَاتَبِ)؛ لأنَّه يجوزُ بيعُه، ويُمَكَّنُ مِن الكَسْبِ، وما يؤدِّيه مِن النُّجومِ رهنٌ معه، وإن عَجَز ثَبَت الرهنُ فيه وفي كسبِه، وإن عَتَق بقِيَ ما أدَّاه رهناً، ولا يصحُّ شرطُ منعِه مِن التَّصرُّفِ.
والمعلَّقُ عِتْقُهُ بصفةٍ إنْ كانت تُوجَدُ قبلَ حلولِ الدَّيْنِ؛ لم يصحَّ رهنُه، وإلا صحَّ.
стр. 871
ويصحُّ الرهنُ (مَعَ الحَقِّ)؛ بأن يقولَ: بِعتُكَ هذا بعشرةٍ إلى شهرٍ تَرْهَنُني بها عبدَك هذا، فيقولُ: اشتريت منك ورهنتُه؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ لجوازِه (١) إذاً.
(وَ) يصحُّ (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الحقِّ بالإجماعِ (٢).
ولا يجوزُ قبلَه؛ لأنَّه وثيقةٌ بحقٍّ، فلم يَجزْ قبلَ ثبوتِه، ولأنَّه تابعٌ للحقِّ فلا يسبِقُه.
ويُعتبرُ أن يكونَ (بِدَيْنٍ ثَابِتٍ) أو مآلِهِ إليه، حتى على عَيْنٍ مضمونةٍ؛ كعاريَّةٍ، ومقبوضٍ بعقدٍ فاسدٍ، ونَفعِ إجارةٍ في ذمةٍ، لا على دَيْنِ كتابةٍ، أو ديَةٍ على عاقلةٍ قبلَ الحلولِ، ولا بعهدةِ مَبيعٍ وثمنٍ وأُجرةٍ مُعَيَّنَيْنِ، ونَفعِ نحوِ دارٍ مُعينةٍ.
(وَيَلْزَمُ) الرهنُ بالقبضِ (فِي حَقِّ الرَّاهِنِ فَقَط)؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيرِه، فلزِمَ مِن جهتِه؛ كالضمانِ في حقِّ الضامِنِ.
(وَيَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ)؛ لأنَّه يجوزُ بيعُه في محلِّ الحقِّ، ثم إن رضِيَ الشَّريكُ والمرتهِنُ بكونِه في يدِ أحدِهما أو غيرِهما جاز، وإن اختلفا جَعَلَه حاكمٌ بيدِ أمينٍ أمانةً أو بأجرةٍ.
(وَيَجُوزُ رَهْنُ المَبِيعِ) قبلَ قبضِه (غَيْرِ المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ)
стр. 872
والمذروعِ والمعدودِ (عَلَى ثَمَنِهِ وَغَيْرِهِ)، عندَ بائعِه وغيرِه؛ لأنَّه يصحُّ بيعُه، بخلافِ المكيلِ (١) ونحوِه؛ لأنَّه لا يصحُّ بيعُه قبلَ قبْضِهِ، فكذلك رهنُه.
(وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ)؛ كالوقفِ وأمِّ الولدِ (لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ)؛ لعدمِ حصولِ مقصودِ الرهنِ منه، (إِلَّا الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ الأَخْضَرَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِمَا بِدُونِ شَرْطِ القَطْعِ)، فيصحُّ رهنُهما مع أنَّه لا يصحُّ بيعُهُما بدونِه؛ لأنَّ النَّهي عن البيعِ لعدمِ الأَمنِ مِن العاهةِ؛ ولهذا أُمِر بوضْعِ الجوائحِ، وبتقديرِ تلفِها لا يفوتُ حقُّ المرتهِنِ مِن الدَّيْنِ؛ لتعلُّقِه بذمَّةِ الراهنِ.
ويصحُّ رهنُ الجاريةِ دونَ ولدِها، وعكسُه، ويُباعانِ، ويختصُّ المرتهِنُ بما قابَلَ الرهنَ مِن الثمنِ.
(وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) في حقِّ الراهِنِ (إِلَّا بِالقَبْضِ)؛ كقبضِ المبيعِ؛ لقولِه تعالى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]، ولا فرقَ بينَ المكيلِ وغيرِه، وسواءٌ كان القبضُ مِن المرتهِنِ أو مَن اتفقَا عليه.
والرهنُ قبلَ القبضِ صحيحٌ، وليس بلازمٍ؛ فللراهنِ (٢) فَسخُه والتَّصرفُ فيه، فإن تصرَّف فيه بنحوِ بيعٍ أو عتقٍ؛ بَطَل، وبنحوِ
стр. 873
إجارةٍ أو تدبيرٍ لا يَبطُلُ؛ لأنَّه لا يَمنَعُ مِن البيعِ.
(وَاسْتدَامَتُهُ)، أي: القبضِ (شَرْطٌ) في اللُّزومِ؛ للآيةِ، وكالابتداءِ.
(فَإِنْ أَخْرَجَهُ) المرتهِنُ (إِلَى الرَّاهِنِ بِاخْتِيَارِهِ) ولو كان نيابةً عنه؛ (زَالَ لُزُومُهُ)؛ لزوالِ استدامةِ القبضِ، وبقيَ العقدُ كأنَّه لم يُوجَدْ فيه قَبضٌ، ولو آجَرَه أو أعارَه لمرتهِنٍ أو غيرِه بإذنِه فلزومُه باقٍ.
(فَإِنْ رَدَّهَ)، أي: ردَّ الراهنُ الرهنَ (إِلَيْهِ)، أي: إلى المرتهِنِ (عَادَ لُزُومُهُ إِلَيْهِ)؛ لأنَّه أقبضَه باختيارِه، فلزِمَ كالابتداءِ، ولا يحتاجُ إلى تجديدِ عقدٍ؛ لبقائِه.
ولو استعار شيئاً ليَرْهَنَه جاز، ولربِّه الرجوعُ قبلَ إقباضِه لا بعدَه، لكنْ له مطالبةُ الراهِنِ بفكاكِه مطلقاً، ومتى حلَّ الحقُّ ولم يَقضِهِ؛ فللمرتهِنِ بيعُه واستيفاءُ دَيْنَه منه، ويَرجِعُ المُعيرُ بقيمتِه أو مثلِه، وإن تلِف ضمِنَه الراهِنُ - وهو المستعيرُ - ولو لم يُفرِّطْ المرتهِنُ.
(وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، أي: مِن الراهنِ والمرتهنِ (فِيهِ)، أي: في الرهنِ المقبوضِ (بغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ)؛ لأنَّه يفوِّتُ على الآخَرِ حقَّه، فإن لم يتفقَا على المنافعِ لم يَجزْ الانتفاعُ، وكانت معطَّلةً، وإن اتفقَا على الإجارةِ أو الإعارةِ؛ جاز.
ولا يُمنَعُ الراهِنُ مِن سَقْيِ شجرٍ، وتلقيحٍ، ومداواةٍ، وفَصْدٍ،
стр. 874
وإنزاءِ فحلٍ على مرهونَةٍ، بل مِن قطعِ سِلْعَةٍ (١) خَطِرَةٍ.
(إِلَّا عِتْقَ الرَّاهِنِ) المرهونَ (فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الإِثْمِ)؛ لأنَّه مبني على السِّرايةِ والتَّغليبِ، (وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهُ) حالَ الإعتاقِ مِن الراهِنِ؛ لأنَّه أبطَلَ حقَّ المرتهنِ مِن الوثيقةِ، وتكونُ (رَهْناً مَكَانَهُ)؛ لأنها بَدَلٌ عنه.
وكذا لو قَتَله، أو أحْبَل الأمةَ بلا إذنِ المرتهنِ، أو أقرَّ بالعتقِ وكذَّبَه.
(وَنَمَاءُ الرَّهْنِ) المتَّصِلِ والمنفصِلِ؛ كالسِّمَنِ، وتعلُّمِ الصنعةِ، والولدِ، والثمرةِ، والصوفِ، (وَكَسْبُهُ، وَأَرْشُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ مُلْحَقٌ بِهِ)، أي: بالرهنِ، فيكونُ رهناً معه، ويُباعُ معه لوفاءِ الدينِ إذا بِيعَ (٢).
(وَمُؤْنَتُهُ)، أي: الرهنِ (عَلَى الرَّاهِنِ)؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غَنَمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» رواه الشافعي، والدارقطني (٣)،
стр. 875
وقال: (إسنادٌ (١) حسنٌ متصلٌ) (٢).
(وَ) على الراهنِ أيضاً (كَفَنُهُ)، ومُؤنةُ تَجهيزِه بالمعروفِ؛ لأنَّ ذلك تابعٌ لمؤنَتِه، (وَ) عليه أيضاً (أُجْرَةُ مَخْزَنِهِ) إن كان مخزوناً، وأُجرَةُ حِفْظِه.
(وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ)؛ للخبرِ السَّابقِ، ولو قبلَ عقدِ الرهنِ كبعدَ الوفاءِ؛ (إِنْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ) ولا تفريطٍ (مِنْهُ)، أي: مِن المرتهنِ؛ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، قاله عليٌّ ﵁ (٣)؛ لأنَّه أمانةٌ في يدِه كالوديعةِ، فإن تعدَّى أو فرَّط ضَمِن.
(وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ)، أي: الرهنِ (شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ)؛ لأنَّه كان ثابِتاً في ذمِّةِ الراهنِ قبلَ التَّلفِ، ولم يُوجَدْ ما يُسقِطُه، فبقيَ بحالِه، وكما لو دَفَع إليه عبداً ليبيعَه ويَستوفِيَ حقَّه مِن ثمنِه.
стр. 876
(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ)، أي: الرهنِ؛ (فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ)؛ لأنَّ الدَّيْنَ كلَّه مُتعلِّقٌ بجميعِ أجزاءِ الرهنِ، (وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ) (١)؛ لما سَبَق، سواءٌ كان ممَّا تُمْكِنُ (٢) قِسمتُه أوْ لَا.
ويُقبَلُ قولُ المرتهِنِ في التلفِ، وإن ادَّعاه بحادثٍ ظاهِرٍ كُلِّفَ بَيِّنةً بالحادثِ، وقُبِل قولُه في التَّلفِ وعدمِ التفريطِ ونحوِه.
(وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ)، أي: في الرهنِ؛ بأنْ رَهَنَه عبداً بمائةٍ، ثم رَهَنه عليها ثوباً؛ لأنَّه زيادةُ استيثاقٍ، (دُونَ) الزيادةِ في (دَيْنِهِ)، فإذا رَهَنه عبداً بمائةٍ لم يَصحَّ جَعْلُه رَهْناً بخمسينَ مع المائةِ، ولو كان يُساوي ذلك؛ لأنَّ الرهنَ اشتغَلَ بالمائةِ الأُولَى، والمشغولُ لا يُشغَلُ.
(وَإِنْ رَهَنَ) واحدٌ (عِندَ اثْنَيْنِ شَيْئاً) على دَيْنٍ لهما، (فَوَفَّى أَحَدَهُمَا)؛ انفَكَّ في نصيبِه؛ لأنَّ عَقْدَ الواحدِ مع اثنين بمنزلةِ عقدَيْنِ، فكأنَّه (٣) رَهَنَ كلَّ واحدٍ مِنهما النِّصفَ مُنفرداً، ثم إن طَلَب المقاسمةَ أُجيبَ إليها إن كان الرهنُ مَكيلاً أو مَوزوناً.
(أَوْ رَهَنَاهُ شَيْئاً فَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا؛ انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ)؛ لأنَّ
стр. 877
الرهنَ مُتعددٌ، فلو رَهَن اثنان عبداً لهما عندَ اثنينِ بألفٍ، فهذه أربعةُ عقودٍ، ويَصيرُ كلُّ رُبعٍ منه رَهْناً بمائتين وخمسين.
ومتى قَضى بعضَ دَينِه، أو أُبرئَ مِنه وببعضِه رهنٌ أو كفيلٌ؛ فعمَّا نواهُ، فإن أطلق صَرَفَه إلى أيِّهما شاء.
(وَمَتَى حَلَّ الدَّيْنُ) لزِمَ الراهِنَ الإيفاءُ؛ كالدَّيْنِ الذي لا رَهْنَ به.
(وَ) إن (امْتَنَعَ مِن وَفَائِهِ: فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ للمُرْتَهِنِ أَوْ العَدْلِ) الذي تحتَ يدِه الرهنُ (فِي بَيْعِهِ؛ بَاعَهُ)؛ لأنَّه مأذونٌ له فيه، فلا يحتاجُ لتجديدِ إِذْنٍ مِن الراهنِ، وإن كان البائعُ العدلَ اعتُبِرَ إِذْنُ المرتهِنِ أيضاً، (وَوَفَّى الدَّيْنَ)؛ لأنَّه المقصودُ بالبيعِ، وإن فَضَل مِن ثمنِه شيءٌ فلمالِكِه، وإن بقِيَ مِنه شيءٌ، فعلى الراهِنِ.
(وَإِلَّا) يأذَن في البيعِ ولم يوفِّ؛ (أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَى وَفَائِهِ أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ)؛ لأنَّ هذا شأْنُ الحاكِمِ، فإن امتَنَع حَبَسه أو عَزَّره حتى يَفعَلَ، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)، أي: أصرَّ على الامتناعِ، أو كان غائباً، أو تغيَّبَ؛ (بَاعَهَ الحَاكِمُ وَوَفَّى دَيْنَهَ)؛ لأنَّه حقٌّ تعيَّنَ عليه، فقام الحاكِمُ مَقامَهُ فيه.
وليس للمرتهِنِ بيعُه إلا بإذنِ ربِّه، أو الحاكِمِ.
стр. 878
(فَصْلٌ)
(وَيُكونُ) الرهنُ (عِنْدَ مَنِ اتفَقَا عَلَيْهِ)، فإذا اتَّفقَا أنْ يكونَ تحتَ يدِ جائزِ التَّصرُّفِ؛ صحَّ، وقام قَبْضُه مَقامَ قبضِ المرتهنِ.
ولا يجوزُ تحتَ يدِ صبيٍّ، أو عبدٍ بغيرِ إذنِ سيدِه، أو مكاتَبٍ بغيرِ جُعْلٍ إلا بإذنِ سيِّدِه.
وإنْ شَرَط جَعْلَه بيدِ اثنين؛ لم يَنفرِدْ أحدُهما بحفظِه.
وليس للرَّاهِنِ ولا للمرتهِنِ إذا لم يَتَّفِقا، ولا للحاكمِ نقلُهُ عن يدِ العدلِ إلا أن تتغيَّرَ (١) حالُه، وللوكيلِ ردُّه عليهما، لا على أحدِهما.
(وَإِنْ أَذِنَا لَهُ فِي البَيْعِ)، أي: بيعِ الرهنِ؛ (لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ البَلَدِ)؛ لأنَّ الحظَّ فيه لرَوَاجِه، فإن تعدَّد باعَ بجِنسِ الدَّيْنِ، فإن عدِمَ فبما ظنَّه أصلَحَ، فإن تساوَت عيَّنَه حاكمٌ.
وإن عيَّنَا نَقداً تعيَّن، ولم تَجُزْ مخالَفَتُهُما، فإن (٢) اختلفَا لم يُقبَلْ قولُ واحدٍ منهما، ويُرفَعُ الأمرُ للحاكمِ، ويأمرُ ببَيْعِه بنَقْدِ البلدِ، سواءٌ كان مِن جنسِ الحقِّ أو لم يَكُن، وافَقَ قولَ أحدِهما أوْ لَا.
стр. 879
(وَإِن) باع بإذنِهما و (قَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) مِن غيرِ تفريطٍ؛ (فَمِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ)؛ لأنَّ الثمنَ في يدِ العدْلِ أمانةٌ، فهو كالوكيلِ.
(وَإِنِ ادَّعَى) العدْلُ (دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى المُرْتَهِنِ فَأَنْكَرَهُ وَلَا بَيِّنَةَ) للعدلِ بدفعِه للمرتهنِ، (وَلَمْ يَكُنْ) الدَّفْعُ (بِحُضُورِ الرَّاهِنِ؛ ضَمِنَ) العدلُ؛ لأنَّه فرَّط حيثُ لم يُشهِدْ، ولأنَّه إنما أُذِن له في قضاءِ مُبرئٍ، ولم يحصُلْ، فيَرجِعُ المرتهِنُ على راهنِه، ثم هو على العدلِ.
وإن كان القضاءُ ببيِّنةٍ لم يَضمَنْ؛ لعدمِ تفريطِه، سواءٌ كانت البينةُ قائِمَةً أو مَعدومةً، كما لو كان بِحضرةِ الراهنِ؛ لأنَّه لا يُعدُّ مُفَرِّطاً؛ (كَوكِيلٍ) في قضاءِ الدَّيْنِ، فحُكمُه حُكمُ العَدْلِ فيما تقدَّم؛ لأنَّه في معناه.
(وَإِنْ شَرَطَ أَلَّا يَبِيعَهُ) المرتهِنُ (إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ)؛ ففاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى العقدِ؛ كشرطِه أنْ لا يَستوفِيَ الدَّيْنَ مِن ثمنِه، أو لا يُباعُ ما خِيفَ تَلفُه.
(أَوْ) شَرَط (إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ فِي وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ)، أي: للمرتهِنِ بدينِه؛ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَحْدَهُ)؛ لقولِه ﵇: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» رواه الأثرمُ، وفسَّره الإمامُ بذلك (١)، ويصحُّ الرهنُ؛ للخبرِ.
стр. 880
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ رَاهِنٍ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ)، بأن قال المرتهِنُ: هو رهنٌ بألفٍ، قال (١) الراهنُ: بل بمائةٍ فقط.
(وَ) يُقبَلُ قولُه أيضاً في قَدْرِ (الرَّهْنِ)، فإذا قال المرتهِنُ: رَهَنْتَنِي هذا العبدَ والأمةَ، وقال الراهنُ: بل العبدَ وحدَه، فقولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
(وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (رَدِّهِ)؛ بأن قال المرتهِنُ: ردَدتُه إليك، وأنكر الراهِنُ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ معه، والمرتهِنُ قَبَض العينَ لمنفعتِه، فلم يُقبَلْ قولُه في الردِّ؛ كالمستأجِرِ.
(وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (كَوْنِهِ عَصِيراً لَا خَمْراً) في عقدٍ شُرِط فيه، بأن قال: بِعْتُك كذا بكذا على أن ترهَنَنِي هذا العصيرَ، وقَبِلَ على ذلك، وأقبَضَهُ له، ثم قال المرتهِنُ: كان خمراً فلي فَسْخُ البيعِ، وقال الراهِنُ: بل كان عصيراً فلا فَسْخَ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ السلامةُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الراهِنُ (أَنَّهُ)، أي: أنَّ الرهنَ (مِلْكُ (٢) غَيْرِهِ)؛ قُبِلَ على نفسِه دونَ المرتهِنِ، فيلزَمُه ردُّه للمُقِرِّ له إذا انْفَكَّ الرهنُ، (أَوْ) أقرَّ (أَنَّهُ)، أي: أنَّ الرهنَ (جَنَى؛ قُبِلَ) إقرارُ الراهِنِ (عَلَى نَفْسِهِ)،