← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147658

الروض المربع بشرح زاد المستقنع - ط ركائز

البهوتي

Полный текст (1 607 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ)، أي: الرهنِ؛ (فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ)؛ لأنَّ الدَّيْنَ كلَّه مُتعلِّقٌ بجميعِ أجزاءِ الرهنِ، (وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ) (١)؛ لما سَبَق، سواءٌ كان ممَّا تُمْكِنُ (٢) قِسمتُه أوْ لَا. ويُقبَلُ قولُ المرتهِنِ في التلفِ، وإن ادَّعاه بحادثٍ ظاهِرٍ كُلِّفَ بَيِّنةً بالحادثِ، وقُبِل قولُه في التَّلفِ وعدمِ التفريطِ ونحوِه. (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ)، أي: في الرهنِ؛ بأنْ رَهَنَه عبداً بمائةٍ، ثم رَهَنه عليها ثوباً؛ لأنَّه زيادةُ استيثاقٍ، (دُونَ) الزيادةِ في (دَيْنِهِ)، فإذا رَهَنه عبداً بمائةٍ لم يَصحَّ جَعْلُه رَهْناً بخمسينَ مع المائةِ، ولو كان يُساوي ذلك؛ لأنَّ الرهنَ اشتغَلَ بالمائةِ الأُولَى، والمشغولُ لا يُشغَلُ. (وَإِنْ رَهَنَ) واحدٌ (عِندَ اثْنَيْنِ شَيْئاً) على دَيْنٍ لهما، (فَوَفَّى أَحَدَهُمَا)؛ انفَكَّ في نصيبِه؛ لأنَّ عَقْدَ الواحدِ مع اثنين بمنزلةِ عقدَيْنِ، فكأنَّه (٣) رَهَنَ كلَّ واحدٍ مِنهما النِّصفَ مُنفرداً، ثم إن طَلَب المقاسمةَ أُجيبَ إليها إن كان الرهنُ مَكيلاً أو مَوزوناً. (أَوْ رَهَنَاهُ شَيْئاً فَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا؛ انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ)؛ لأنَّ

стр. 877

الرهنَ مُتعددٌ، فلو رَهَن اثنان عبداً لهما عندَ اثنينِ بألفٍ، فهذه أربعةُ عقودٍ، ويَصيرُ كلُّ رُبعٍ منه رَهْناً بمائتين وخمسين. ومتى قَضى بعضَ دَينِه، أو أُبرئَ مِنه وببعضِه رهنٌ أو كفيلٌ؛ فعمَّا نواهُ، فإن أطلق صَرَفَه إلى أيِّهما شاء. (وَمَتَى حَلَّ الدَّيْنُ) لزِمَ الراهِنَ الإيفاءُ؛ كالدَّيْنِ الذي لا رَهْنَ به. (وَ) إن (امْتَنَعَ مِن وَفَائِهِ: فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ أَذِنَ للمُرْتَهِنِ أَوْ العَدْلِ) الذي تحتَ يدِه الرهنُ (فِي بَيْعِهِ؛ بَاعَهُ)؛ لأنَّه مأذونٌ له فيه، فلا يحتاجُ لتجديدِ إِذْنٍ مِن الراهنِ، وإن كان البائعُ العدلَ اعتُبِرَ إِذْنُ المرتهِنِ أيضاً، (وَوَفَّى الدَّيْنَ)؛ لأنَّه المقصودُ بالبيعِ، وإن فَضَل مِن ثمنِه شيءٌ فلمالِكِه، وإن بقِيَ مِنه شيءٌ، فعلى الراهِنِ. (وَإِلَّا) يأذَن في البيعِ ولم يوفِّ؛ (أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَى وَفَائِهِ أَوْ بَيْعِ الرَّهْنِ)؛ لأنَّ هذا شأْنُ الحاكِمِ، فإن امتَنَع حَبَسه أو عَزَّره حتى يَفعَلَ، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)، أي: أصرَّ على الامتناعِ، أو كان غائباً، أو تغيَّبَ؛ (بَاعَهَ الحَاكِمُ وَوَفَّى دَيْنَهَ)؛ لأنَّه حقٌّ تعيَّنَ عليه، فقام الحاكِمُ مَقامَهُ فيه. وليس للمرتهِنِ بيعُه إلا بإذنِ ربِّه، أو الحاكِمِ.

стр. 878

(فَصْلٌ) (وَيُكونُ) الرهنُ (عِنْدَ مَنِ اتفَقَا عَلَيْهِ)، فإذا اتَّفقَا أنْ يكونَ تحتَ يدِ جائزِ التَّصرُّفِ؛ صحَّ، وقام قَبْضُه مَقامَ قبضِ المرتهنِ. ولا يجوزُ تحتَ يدِ صبيٍّ، أو عبدٍ بغيرِ إذنِ سيدِه، أو مكاتَبٍ بغيرِ جُعْلٍ إلا بإذنِ سيِّدِه. وإنْ شَرَط جَعْلَه بيدِ اثنين؛ لم يَنفرِدْ أحدُهما بحفظِه. وليس للرَّاهِنِ ولا للمرتهِنِ إذا لم يَتَّفِقا، ولا للحاكمِ نقلُهُ عن يدِ العدلِ إلا أن تتغيَّرَ (١) حالُه، وللوكيلِ ردُّه عليهما، لا على أحدِهما. (وَإِنْ أَذِنَا لَهُ فِي البَيْعِ)، أي: بيعِ الرهنِ؛ (لَمْ يَبِعْ إِلَّا بِنَقْدِ البَلَدِ)؛ لأنَّ الحظَّ فيه لرَوَاجِه، فإن تعدَّد باعَ بجِنسِ الدَّيْنِ، فإن عدِمَ فبما ظنَّه أصلَحَ، فإن تساوَت عيَّنَه حاكمٌ. وإن عيَّنَا نَقداً تعيَّن، ولم تَجُزْ مخالَفَتُهُما، فإن (٢) اختلفَا لم يُقبَلْ قولُ واحدٍ منهما، ويُرفَعُ الأمرُ للحاكمِ، ويأمرُ ببَيْعِه بنَقْدِ البلدِ، سواءٌ كان مِن جنسِ الحقِّ أو لم يَكُن، وافَقَ قولَ أحدِهما أوْ لَا.

стр. 879

(وَإِن) باع بإذنِهما و (قَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ) مِن غيرِ تفريطٍ؛ (فَمِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ)؛ لأنَّ الثمنَ في يدِ العدْلِ أمانةٌ، فهو كالوكيلِ. (وَإِنِ ادَّعَى) العدْلُ (دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى المُرْتَهِنِ فَأَنْكَرَهُ وَلَا بَيِّنَةَ) للعدلِ بدفعِه للمرتهنِ، (وَلَمْ يَكُنْ) الدَّفْعُ (بِحُضُورِ الرَّاهِنِ؛ ضَمِنَ) العدلُ؛ لأنَّه فرَّط حيثُ لم يُشهِدْ، ولأنَّه إنما أُذِن له في قضاءِ مُبرئٍ، ولم يحصُلْ، فيَرجِعُ المرتهِنُ على راهنِه، ثم هو على العدلِ. وإن كان القضاءُ ببيِّنةٍ لم يَضمَنْ؛ لعدمِ تفريطِه، سواءٌ كانت البينةُ قائِمَةً أو مَعدومةً، كما لو كان بِحضرةِ الراهنِ؛ لأنَّه لا يُعدُّ مُفَرِّطاً؛ (كَوكِيلٍ) في قضاءِ الدَّيْنِ، فحُكمُه حُكمُ العَدْلِ فيما تقدَّم؛ لأنَّه في معناه. (وَإِنْ شَرَطَ أَلَّا يَبِيعَهُ) المرتهِنُ (إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ)؛ ففاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى العقدِ؛ كشرطِه أنْ لا يَستوفِيَ الدَّيْنَ مِن ثمنِه، أو لا يُباعُ ما خِيفَ تَلفُه. (أَوْ) شَرَط (إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ فِي وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ)، أي: للمرتهِنِ بدينِه؛ (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَحْدَهُ)؛ لقولِه ﵇: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» رواه الأثرمُ، وفسَّره الإمامُ بذلك (١)، ويصحُّ الرهنُ؛ للخبرِ.

стр. 880

(وَيُقْبَلُ قَوْلُ رَاهِنٍ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ)، بأن قال المرتهِنُ: هو رهنٌ بألفٍ، قال (١) الراهنُ: بل بمائةٍ فقط. (وَ) يُقبَلُ قولُه أيضاً في قَدْرِ (الرَّهْنِ)، فإذا قال المرتهِنُ: رَهَنْتَنِي هذا العبدَ والأمةَ، وقال الراهنُ: بل العبدَ وحدَه، فقولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. (وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (رَدِّهِ)؛ بأن قال المرتهِنُ: ردَدتُه إليك، وأنكر الراهِنُ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ معه، والمرتهِنُ قَبَض العينَ لمنفعتِه، فلم يُقبَلْ قولُه في الردِّ؛ كالمستأجِرِ. (وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (كَوْنِهِ عَصِيراً لَا خَمْراً) في عقدٍ شُرِط فيه، بأن قال: بِعْتُك كذا بكذا على أن ترهَنَنِي هذا العصيرَ، وقَبِلَ على ذلك، وأقبَضَهُ له، ثم قال المرتهِنُ: كان خمراً فلي فَسْخُ البيعِ، وقال الراهِنُ: بل كان عصيراً فلا فَسْخَ، فقولُه؛ لأنَّ الأصلَ السلامةُ. (وَإِنْ أَقَرَّ) الراهِنُ (أَنَّهُ)، أي: أنَّ الرهنَ (مِلْكُ (٢) غَيْرِهِ)؛ قُبِلَ على نفسِه دونَ المرتهِنِ، فيلزَمُه ردُّه للمُقِرِّ له إذا انْفَكَّ الرهنُ، (أَوْ) أقرَّ (أَنَّهُ)، أي: أنَّ الرهنَ (جَنَى؛ قُبِلَ) إقرارُ الراهِنِ (عَلَى نَفْسِهِ)،

стр. 881

لا على المرتهِنِ إن كذَّبَه؛ لأنه مُتَّهَمٌ في حقِّه، وقولَ الغيرِ على غيرِه غيرُ مقبولٍ، (وَحُكِمَ بِإقْرَارِه بَعْدَ فَكِّهِ)، أي: فكِّ الرهنِ بوفاءِ الدَّيْنِ أو الإبراءِ منه، (إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ المُرْتَهِنُ) فيَبطُلُ الرهنُ؛ لوجودِ المقتضِي السَّالمِ عن المعارِضِ، ويُسلَّمُ للمُقَرِّ له به. (فَصْلٌ) (وَلِلمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْكَبَ) مِن الرهنِ (مَا يُرْكَبُ، وَ) أنْ (يَحْلُبَ مَا يُحْلَبُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ) مُتحرِّياً للعدلِ، (بِلَا إِذْنِ) راهنٍ؛ لقولِه ﵇: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» رواه البخاري (١)، وتُسْتَرضَعُ الأَمةُ بقِدْرِ نفقتِها، وما عدا ذلك مِن الرهنِ لا يَنتفِعُ به إلا بإذنِ مالِكِهِ. (وَإِنْ أنْفَقَ عَلَى) الحيوانِ (الرَّهْنِ بِغَيْرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ)، أي: إمكانِ استئذانِه؛ (لَمْ يَرْجِعْ) على الراهنِ ولو نَوى الرجوعَ؛ لأنه مُتبرِّعٌ أو مُفرِّطٌ حيثُ لم يَستأذِنْ المالكَ مع قدرتِه عليه. (وَإِنْ تَعَذَّرَ) استئذانِه وأنْفَقَ بنيَّةِ الرجوعِ؛ (رَجَعَ) على الراهنِ (وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الحَاكِمَ)؛ لاحتياجِه لحراسةِ حقِّهِ.

стр. 882

(وَكَذَا وَدِيعَةٌ)، وعاريةٌ، (وَدَوابٌّ مُسْتَأْجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّهَا)، فله الرجوعُ إذا أنفَقَ على ذلك بنيَّةِ الرجوعِ عندَ تعذُّرِ إذْنِ مالِكِها؛ بالأقلِّ مما أنفق أو نفقةِ المثلِ. (وَلَو خَرِبَ الرَّهْنُ) إن كان داراً (فَعَمَّرَهُ) المرتهِنُ (بِلَا إِذنِ) الراهنِ؛ (رَجَعَ بِآلَتِهِ فَقَطْ)؛ لأنَّها ملكُهُ، لا بما يَحْفَظُ به ماليَّةَ الدَّارِ وأُجرةَ (١) المُعْمِرِين؛ لأنَّ العِمارةَ ليست واجبةً على الراهنِ، فلم يَكُن لغيرِه أنْ ينوبَ عنه فيها، بخلافِ نفقةِ الحيوانِ؛ لحرمتِه في نفسِه. وإنْ جنَى الرهنُ وَوَجَب مالٌ؛ خُيِّر سيِّدُه بينَ فدائِه، وبيعِه، وتسليمِه إلى ولِّي الجنايةِ فَيَملِكُه (٢)، فإن فَداهُ فهو رهنٌ بحالِه، وإن باعه أو سلَّمَه في الجنايةِ؛ بَطَل الرهنُ، وإن لم يَستغرِقْ الأَرْشُ قيمتَه بِيع مِنه بقدرِه وباقيه رهنٌ. وإن جُنِيَ عليه فالخصمُ سيدُه، فإن أَخَذ الأرشَ كان رهناً، وإن اقتَصَّ فعليه قيمةُ أقلِ العَبدَيْنِ -الجاني والمجني عليه - (٣)، تكونُ رهناً مكانَه.

стр. 883

(بَابُ الضَّمَانِ) مأخوذٌ مِن الضَّمْنِ (١)، فذمَّةُ الضامِنِ في ضمن ذمَّةِ المضمونِ عنه. ومعناه شرعاً: التزامُ ما وَجَب على غيرِه مع بقائِه، وما قد يجبُ. ويَصحُّ بلفظِ: ضَمينٌ، وكَفيلٌ، وقَبيلٌ، وحَميلٌ، وزَعيمٌ، وتحمَّلتُ دَيْنَك، أو ضَمِنتُهُ، أو هو عندي ونحوِ ذلك، وبإشارةٍ مفهومةٍ مِن أَخرسٍ. و(لَا يَصِحُّ) الضمانُ (إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)؛ لأنَّه إيجابُ مالٍ، فلا يصحُّ مِن صغيرٍ ولا سفيهٍ. ويصحُّ مِن مفلَّس؛ لأنَّه تصرَّف في ذمَّته، ومن قِنٍّ ومكاتَبٍ بإذن سيِّدهما، ويؤخذ مما بيد مكاتَب، وما ضَمِنَه قِنٌّ مِن سيِّدِه.

стр. 884

(وَلِرَبِّ الحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا)، أي: مِن المضمونِ والضامِنِ، (فِي الحَيَاةِ وَالمَوْتِ)؛ لأنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذِمتِهِما، فَمَلَك مُطالبةَ مَن شاء مِنهما؛ لحديثِ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رواه أبو داودَ، والترمذي وحسَّنه (١). (فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمُونِ عَنْهُ) مِن الدَّيْنِ المضمونِ بإبراءٍ، أو قضاءٍ، أو حوالةٍ ونحوِها؛ (بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ)؛ لأنَّه تَبَعٌ له، (لَا عَكْسُهُ)، فلا يَبرأُ المضمونُ ببراءةِ الضامِنِ؛ لأنَّ الأصلَ لا يَبرأُ ببراءةِ التَّبَعِ. وإذا تعدَّد الضامِنُ لم يَبرَأْ أحدُهم بإبراءِ الآخَرِ، ويَبرءون بإبراءِ المضمونِ عنه. ظظ (وَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ للمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا) معرفتُه للمضمونِ (لَهُ)؛ لأنَّه لا يُعتبرُ رضاهُما، فكذا معرفَتُهُما، (بَلْ) يُعتبرُ (رِضَا

стр. 885

الضَّامِنِ)؛ لأنَّ الضمانَ (١) تبرعٌ بالتزامِ الحقِّ، فاعتُبر له الرِّضا؛ كالتَّبرُّعِ بالأعيانِ. (وَيَصِحُّ ضَمَانُ المَجْهُولِ إِذَا آلَ إِلَى العِلْمِ)؛ لقولِه تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) [يوسف: ٧٢]، وهو غيرُ معلومٍ؛ لأنَّه يَختلِفُ. (وَ) يصحُّ أيضاً ضمانُ ما يؤولُ إلى الوجوبِ، كـ (العَوَارِي، وَالمَغْصُوبِ، وَالمَقْبُوضِ بِسَوْمٍ) إنْ ساوَمَه وقَطَع ثمنَه، أو ساوَمَه فقط ليُريَه أهلَه إن رَضُوهُ وإلا ردَّه، وإنْ أَخَذه ليُريَه أهلَه بلا مساومةٍ ولا قطعِ ثمنٍ؛ فغيرُ مضمونٍ. (وَ) يصحُّ ضمانُ (عُهْدَةِ مَبِيعٍ)، بأن يَضمَنَ الثمنَ إن استُحِقَّ المَبيعُ، أو رُدَّ بعيبٍ، أو الأَرْشَ إن خرَج معيباً، أو يَضمَنَ الثمنَ للبائِعِ قبلَ تسليمِه، أو (٢) إنْ ظَهَر به عَيبٌ، أو استُحِقَّ فيصحُّ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه. وألفاظُ ضمانِ العهدةِ: ضَمِنتُ عُهدتَهُ، أو دَرَكَه ونحوُها. ويصحُّ أيضاً ضمانُ ما يجبُ، بأن يَضمَنَ ما يلزَمُه مِن دَيْنٍ، أو ما يُدايِنُه زيدٌ لعمرٍو ونحوَه، وللضامِنِ إبطالُه قبلَ وجوبِه، (لَا

стр. 886

ضَمَانُ الأمَانَاتِ)؛ كوديعةٍ، ومالِ شركةٍ، وعينٍ مؤجرةٍ؛ لأنَّها غير مضمونة (١) على صاحبِ اليدِ، فكذا ضامِنُه، (بَلْ) يصحُّ ضمانُ (التَّعَدِّي فِيهَا)، أي: في الأماناتِ؛ لأنَّها حينئذ تكونُ مضمونةً على مَن هي بيدِه؛ كالمغصوبِ. وإن قَضَى الضامِنُ الدَّيْنَ بنيَّةِ الرجوعِ رَجَع، وإلا فلا، وكذا كَفيلٌ، وكلُّ مؤدٍّ (٢) عن غيرِه دَيْناً واجباً، غيرَ نحوِ زكاةٍ. (فَصْلٌ) في الكَفالةِ وهي: التزامُ رشيدٍ إحضارَ مَن عليه حقٌّ ماليٌّ لربِّه. وتَنعقِدُ بما يَنعقِدُ به ضَمانٌ. وإنْ ضَمِنَ معرفتَه أُخِذَ به. (وَتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِـ) بدنِ (كُلِّ) إنسانٍ عندَه (عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ)؛ كعاريةٍ ليردَّها أو بَدَلَها، (وَ) تصحُّ أيضاً (بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ)، ولو جهِلَه الكَفيلُ؛ لأنَّ كلًّا منهما حقُّ ماليٌّ، فصحَّت الكفالةُ به؛ كالضَّمانِ.

стр. 887

و (لَا) تصحُّ ببدنِ مَن عليه (حَدٌّ) للهِ تعالى كالزِّنا، أو لآدميٍّ كالقذفِ؛ لحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعاً: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» (١)، (وَلَا) ببدنِ مَن عليه (قِصَاصٌ)؛ لأنه لا يُمكِنُ استيفاؤه مِن غيرِ الجاني، ولا بزوجةٍ وشاهدٍ، ولا بمجهولٍ أو إلى أجلٍ مجهولٍ. ويصحُّ: إذا قَدِمَ الحاجُّ فأنا كفيلٌ بزيدٍ شَهراً. (وَيُعْتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ)؛ لأنَّه لا يَلزَمُه الحقُّ ابتداءً إلا بِرضاه، (لَا) رِضا (مَكْفُولٍ بِهِ)، أوْ لَهُ؛ كالضَّمانِ. (فَإِنْ مَاتَ) المكفولُ بَرِئَ الكفيلُ؛ لأنَّ الحضورَ سَقَط عنه. (أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى) قَبْلَ المطالبةِ؛ بَرِئَ الكفيلُ؛ لأنَّ تَلَفَها بمنزِلَةِ موتِ المكفولِ به. فإن تَلِفت بفعلِ آدميٍّ فعلى المُتْلِفِ بدلُها، ولم يَبرأْ الكفيلُ.

стр. 888

(أوْ سَلَّمَ) المكفولُ (نَفْسَه بَرِئَ الكَفِيلُ)؛ لأنَّ الأصيلَ (١) أدَّى ما على الكَفيلِ، أشبه ما لو قَضى المضمونُ عنه الدَّيْنَ. وكذا يَبرأُ الكفيلُ إذا سلَّم المكفولَ بمحلِّ العقدِ وقد حلَّ الأجلُ أوْ لَا، بلا ضَررٍ في قبضِه، وليس ثَمَّ يدٌ حائلِةٌ ظالمةٌ. وإن تعذَّر إحضارُ المكفولِ مع حياتِه، أو غاب ومَضى زَمنٌ يُمكِنُ إحضارُهُ فيه؛ ضَمِن ما عليه إن لم يَشترِطْ البراءةَ منه. ومَن كَفَلَه اثنانِ فسلَّمَه أحدُهما؛ لم يَبرَأْ الآخَرُ، وإن سلَّم نفسَه بَرِئَا.

стр. 889

(بَابُ الحَوَالَةِ) مُشتَقَّةٌ مِن التَّحوُّلِ؛ لأنَّها تُحوِّلُ الحقَّ مِن ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ أخرى. وتَنعقِدُ بـ: أَحَلْتُك، وأَتْبَعْتُك بدَيْنِك على فلانٍ، ونحوِه. و(لَا تَصِحُّ) الحوالةُ (إِلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ)؛ إذ مُقتضاها إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّيْنِ مطلقاً، وما ليس بمستقِرٍّ عُرضةٌ للسقوطِ، فلا تصحُّ على مالِ كتابةٍ، أو سَلَمٍ، أو صَدَاقٍ قبلَ دخولٍ، أو ثمنٍ مدةَ خيارٍ ونحوِها. وإنْ أحالَه على مَنْ لا دَيْنَ عليه فهي وكالةٌ. والحوالةُ على مالِه في الديوانِ أو الوقفِ إذنٌ في الاستيفاءِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ اسْتِقْرَارُ المُحَالِ فِيهِ)، فإن أحالَ المكاتَبُ سيدَه أو الزوجُ زوجتَه؛ صحَّ؛ لأنَّ له تسليمَه، وحوالتُه تَقومُ مَقامَ تسليمِه. (وَيُشْتَرَطُ) أيضاً للحوالةِ (اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ)، أي: تماثُلُهُما، (جِنْساً)؛ كدنانيرَ بدنانيرَ، أو دراهِمَ بدراهِمَ، فإنْ أحالَ مَن عليه ذهبٌ بفضةٍ أو عكسُه؛ لم يصحَّ، (وَوَصْفاً)؛ كصِحَاحٍ بصِحَاحٍ، أو مصريَّةٍ (١) بمثلِها، فإن اختلفا لم يصحَّ، (وَوَقْتاً)، أي: حلولاً أو تأجيلاً أجلاً واحداً، فلو كان أحدُهما حالًّا والآخرُ مؤجَّلاً، أو

стр. 890

أحدُهما يحلُّ بعدَ شهرٍ والآخَرُ بعدَ شهرين؛ لم تصحَّ، (وَقَدْراً)، فلا يصحُّ بخمسةٍ على ستةٍ؛ لأنَّها إرفاقٌ كالقرضِ، فلو جُوِّزَت مع الاختلافِ لصارَ المطلوبُ منها الفَضْلَ، فتَخرُجُ عن موضوعِها. (وَلَا يُؤَثِّرُ الفَاضِلُ) في بطلانِ الحوالةِ، فلو أحال بخمسةٍ مِن عشرةٍ على خمسةٍ، أو بخمسةٍ على خمسةٍ مِن عشرةٍ؛ صحَّت؛ لاتفاقِ ما وَقَعَت فيه الحوالةُ، والفاضِلُ باقٍ بحالِه لربِّه. (وَإِذَا صَحَّتْ) الحوالةُ، بأن اجتمعت شروطُها؛ (نُقِلَ (١) الحَقُّ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ، وَبَرِئَ المُحِيلُ) بمجرَّدِ الحوالةِ، فلا يَملِكُ المحتالُ الرجوعُ على المحيلِ بحالٍ، سواءٌ أمكن استيفاءُ الحقِّ أو تعذَّر لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو موتٍ أو غيرِها. وإن تراضى (٢) المحتالُ والمحالُ عليه على خيرٍ مِن الحقِّ، أو دونَه في الصِّفةِ (٣)، أو تعجيلِه، أو تأجيلِه، أو عوضِه؛ جاز. (وَيُعَتَبرُ) لصحَّةِ الحوالةِ (رِضَاهُ)، أي: رضا المحيلِ؛ لأنَّ الحقَّ عليه، فلا يلزَمُه أداؤه مِن جهةِ الدَّيْنِ على المحالِ عليه. ويُعتبرُ أيضاً: عِلْمُ المال، وأن يكونَ مما يثبُتُ مثلُه في الذِّمةِ بالإتلافِ، مِن الأثمانِ والحبوبِ ونحوِها.

стр. 891

و (لَا) يُعتبَرُ (رِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ)؛ لأنَّ للمحيلِ أن يستوفِيَ الحقَّ بنفسِه وبوكيلِه، وقد أقام المحتالَ مَقامَ نفسِه في القبضِ، فلزِمَ المحالَ عليه الدَّفعُ إليه. (وَلَا رِضَا المُحْتَالِ) إنْ أُحيل (عَلَى مَلِيءٍ)، ويُجبرُ على اتِّباعِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَليَتْبَعْ» متفقٌ عليه (١)، وفي لفظٍ: «مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَليَحْتَلْ» (٢). والمليءُ: القادِرُ بمالِه وقولِه وبدنِه، فمالُهُ: القدرةُ على الوفاءِ، وقولُهُ: أن لا يكونَ مماطِلاً، وبدنُهُ: إمكانُ حضورِه إلى مجلسِ الحكمِ. قاله الزركشيُّ (٣). (وَإِنْ كَانَ) المحالُ عليه (مُفْلِساً، وَلَمْ يَكُنْ) المحتالُ (رِضِيَ) بالحوالةِ عليه؛ (رَجَعَ بِهِ)، أي: بدينِه على المحيلِ؛ لأنَّ الفلسَ عَيبٌ، ولم يرضَ به، فاستحَقَّ الرجوعَ كالمبيعِ المعيبِ. (٤) فإن رضِي بالحوالةِ عليه فلا رجوعَ له إن لم يَشترِطْ الملاءةَ؛ لتفريطِه.

стр. 892

(وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ)؛ بأن أحال المشتري البائعَ به على مَن له عليه دَينٌ، فبان البيعُ باطلاً؛ فلا حوالةَ، (أَوْ أُحِيلَ بِهِ)، أي: بالثمنِ (عَلَيْهِ)، بأن أحال البائعُ على المشتري مدِينَه بالثمنِ، (فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلاً)، بأن كان المبيعُ مستَحَقًّا أو حرًّا أو خمراً؛ (فَلَا حَوَالَةَ)؛ لظهورِ أن لا ثمنَ على المشتري لبطلانِ البيعِ، والحوالةُ فرعٌ على لُزومِ الثمنِ، ويَبقى الحقُّ على ما كان عليه أوَّلاً. (وَإِذَا فُسِخَ البَيْعُ) بتقايلٍ، أو خيارِ عيبٍ، أو نحوِه؛ (لَمْ تَبْطُلْ) الحوالةُ؛ لأنَّ عقدَ البيعِ لم يَرتفِعْ، فلم يَسقُطْ الثمنُ، فلم (١) تَبطُلْ الحوالةُ، وللمشتري الرجوعُ على البائعِ؛ لأنَّه لمَّا ردَّ المعوَّضَ استحَقَّ الرجوعَ بالعِوضِ. (وَلَهُمَا أَنْ يُحِيلَا)، أي: للبائعِ أن يُحيلَ المشتري على مَن أحالَه المشتري عليه في الصورةِ الأولى، وللمشتري أن يُحيلَ المحتالُ عليه على البائعِ في الثانيةِ. وإذا اختلَفا فقال: أحلتُكَ، قال (٢): بل وكَّلْتَنِي، أو بالعكسِ؛ فقولُ مدَّعِي الوكالةِ. وإن اتَّفقا على: أحلتُكَ، أو أحلتُكَ بدَيْنِي، وادَّعى أحدُهما

стр. 893

إرادةَ الوكالةِ؛ صُدِّقَ. وإن اتَّفقا على: أحلتُكَ بدَيْنِكَ؛ فقولُ مدَّعي الحوالةِ. وإذا طالَبَ الدائنُ المدينَ، فقال: أحلُتُ فلاناً الغائِبَ، وأنكر ربُّ المالِ؛ قُبِلَ قولُه مع يمينِه، ويُعمَلُ بالبيِّنةِ.

стр. 894

(بَابُ الصُّلْحِ) وهو لغةً: قطعُ المنازَعَةِ. وشرعاً: معاقدةٌ يُتوصَّلُ بها إلى إصلاحٍ بين مُتخاصِمين. والصلحُ في الأموالِ قسمان: على إقرارٍ، وهو المشارُ إليه بقولِه: (إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ فَأَسْقَطَ) عنه مِن الدَّيْنِ بعضِه، (أَوْ وَهَبَ) مِن العينِ (البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ)، أي: لم يُبرِئْ منه ولم يَهبه؛ (صَحَّ)؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمنَعُ مِن إسقاطِ بعضِ حقِّه، كما لا يُمنَعُ مِن استيفائِه؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ» (١). ومحلُّ صحَّةِ ذلك: إن لم يَكُن بلفظِ الصُّلح، فإن وَقَع بلفظِه لم يصحَّ؛ لأنَّه صالَحَ عن بعضِ مالِه ببعضٍ، فهو هَضمٌ للحقِّ. ومحلُّه أيضاً: (إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَاهُ)، بأن يقولَ: بشرْطِ أنْ تُعطِيَني كذا، أو على أنْ تُعطِيَني، أو تُعوِّضُني كذا، ويَقبلُ على ذلك؛ فلا يصحُّ؛ لأنَّه يَقتضي المعاوضةَ، فكأنَّه عاوَضَ بعضَ حقِّه ببعضٍ.

стр. 895

واسمُ (يَكُنْ) ضميرُ الشَّأنِ، وفي بعضِ النُّسخِ: (إن لم يكن شرطاً)، أي: بشرط. ومحلُّه أيضاً: أنْ لا يَمنعَه حقَّه بدونِه، وإلا بَطَل؛ لأنَّه أَكْلٌ لمالِ الغيرِ بالباطلِ. (وَ) محلُّه أيضاً: أن لا يكونَ (ممَّن لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ)؛ كمكاتَبٍ، وناظرِ وقفٍ، ووليِّ صغيرٍ ومجنونٍ؛ لأنَّه تبرُّعٌ، وهؤلاء لا يملِكُونَه، إلا إنْ أنكر مَن عليه الحقُّ ولا بينةَ؛ لأنَّ استيفاءَ البعضِ عندَ العجزِ عن استيفاءِ الكلِّ أَوْلَى مِن تَرْكِه. (وَإِنْ وَضَعَ) ربُّ دَيْنٍ (بَعْضَ) الدَّيْنِ (الحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ؛ صَحَّ الإِسْقَاطُ فَقَطْ)؛ لأنَّه أسقطَه (١) عن طيبِ نفسِه، ولا مانِعَ مِن صحَّتِه، ولم يصحَّ التأجيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يتأجَّلُ، وكذا لو صالحه عن مائةٍ صحاحٍ بخمسينَ مُكسَّرةٍ، فهو إبراءٌ مِن الخمسين ووعدٌ في الأُخرى، ما لم يقعْ بلفظِ الصلحِ، فلا يصحُّ، كما تقدَّم. (وَإِنْ صَالَحَ عَنْ المُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا)؛ لم يصحَّ في غيرِ الكتابةِ؛ لأنَّه يَبْذُلُ القَدْرَ الذي يحطُّه عِوضاً عن تعجيلِ ما في ذمَّته، وبيعُ الحلولِ والتأجيلِ لا يجوزُ. (أَوْ بِالعَكْسِ)؛ بأنْ صالَحَ عن الحالِّ ببعضِه مُؤجَّلاً؛ لم يصحَّ

стр. 896

إن كان بلفظِ الصلحِ كما تقدَّم، فإن كان بلفظِ الإبراءِ ونحوِه، صحَّ الإسقاطُ دونَ التأجيلِ، وتقدَّم. (أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِبَيْتٍ) ادَّعاه، (فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْناهُ) ولو مدَّةً معيَّنةً كسنةٍ، (أَوْ) على أَنْ (يَبْنِيَ لَهُ فَوْقَهُ غُرْفَةً)، أو صالحه على بعضِه؛ لم يصحَّ الصلحُ؛ لأنَّه صالحه عن ملكِه على ملكِه أو منفعتِه، وإن فَعَل ذلك كان تَبرعاً متى شاء أخرجه. وإن فَعَله على سبيلِ المصالحةِ مُعتقداً وجوبَه عليه بالصلحِ؛ رَجَع عليه بأجرةِ ما سَكَن، وأخذ ما كان بيدِه مِن الدارِ؛ لأنه أخذه بعقدٍ فاسدٍ. (أَوْ صَالَحَ مُكَلَّفاً لِيُقِرَّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ)، أي: بأنَّه مملوكُهُ؛ لم يصحَّ، (أَوْ) صالَحَ (امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ بِعِوَضٍ؛ لَمْ يَصِحَّ) الصلحُ؛ لأنَّ ذلك صلحٌ يُحِلُّ حراماً؛ لأنَّ إرقاقَ النفسِ وبذلَ المرأةِ نفسَها بعوضٍ لا يجوزُ. (وَإِنْ بِذَلَاهُمَا)، أي: دَفَع المدَّعَى عليه العبوديةَ، والمرأةُ المدَّعَى عليها الزوجيةَ عِوضاً (لَهُ)، أي: للمدَّعِي (صُلْحاً عَنْ دَعْوَاهُ؛ صَحَّ)؛ لأنَّه يجوزُ أن يَعتِقَ عبدَه ويُفارِقَ امرأتَه بعِوضٍ. ومَن عَلِمَ بكذبِ دعواه؛ لم يُبَحْ له أَخْذُ العِوضِ؛ لأنَّه أكلٌ لمالِ الغيرِ بالباطلِ.

стр. 897

(وَإِنْ قَالَ: أَقِرَّ بِدَيْنِي وَأعِطيكَ مِنْهُ كَذَا، فَفَعَلَ)، أي: فأقرَّ بالدَّيْنِ؛ (صَحَّ الإِقْرِارُ)؛ لأنَّه أقرَّ بحقٍّ يحرُمُ عليه إنكارُه، و (لَا) يصحُّ (الصُّلْحُ)؛ لأنَّه يجبُ عليه الإقرارُ بما عليه مِن الحقِّ، فلم يحلَّ له أخْذُ العوضِ عليه، فإن أخذ شيئاً ردَّه. وإن صالحه عن الحقِّ بغيرِ جنسِه، كما لو اعتَرَفَ له بعينٍ أو دَيْنٍ، فعوَّضَه عنه ما يجوزُ تَعويضُه؛ فإن كان بنقدٍ عن نقدٍ فصرفٌ، وإن كان بعرضٍ فبيعٌ يُعتبرُ له ما يُعتبرُ فيه، ويصحُّ بلفظِ صلحٍ وما يُؤدي معناه، وإن كان بمنفعةٍ كسُكْنى دارٍ فإجارةٌ. وإن صالَحَتْ المعترِفَةُ بدَيْنٍ أو عينٍ بتزويجِ نفسِها؛ صحَّ، ويكونُ صداقاً. وإن صالَحَ عما في الذمَّة بشيءٍ في الذمَّةِ؛ لم يجزْ التفرُّقُ (١) قبلَ القبضِ؛ لأنَّه بيعُ دَيْنٍ بدَيْنٍ. وإن صالَحَ عن دَيْنٍ بغيرِ جنسِه؛ جاز مُطلقاً، وبجنسِه لا يجوزُ بأقلَّ أو أكثرَ على وجهِ المعاوَضَةِ. ويصحُّ الصلحُ عن مجهولٍ تعذَّر عِلمُه مِن دَيْنٍ وعينٍ بمعلومٍ، فإن لم يَتعذَّرْ عِلمُه فكبراءةٍ مِن مجهولٍ.

стр. 898

(فَصْلٌ) القسمُ الثاني: صلحٌ على إنكارٍ، وقد ذَكَره بقولِه: (وَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَسَكَتَ أَوْ أَنْكَرَ وَهَوَ يَجْهَلُهُ)، أي: يجهلُ ما ادُّعِيَ به عليه، (ثُمَّ صَالَحَ) عنه (بِمَالٍ) حالٍّ أو مؤجَّلٍ؛ (صَحَّ) الصلحُ؛ لعمومِ قولِه ﵇: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً» رواه أبو داودَ، والترمذي وقال: (حسنٌ صحيحٌ)، وصحَّحه الحاكمُ (١).

стр. 899

ومَن ادُّعِيَ عليه بوديعةٍ، أو تَفريطٍ فيها، أو قراضٍ (١)، فأنكر وصالَحَ على مالٍ؛ فهو جائِزٌ، ذَكَره في الشَّرحِ وغيرِه (٢). (وَهُوَ)، أي: صلحُ الإنكارِ (لِلمُدَّعِي بَيْعٌ)؛ لأنَّه يَعتقِدُه عِوضاً عن مالِه، فلزِمَه حُكمُ اعتقادِه، (يَرُدُّ مَعِيبَهُ)، أي: معيبَ ما أَخَذه مِن العِوضِ، (وَيَفْسَخُ الصُّلْحَ)؛ كما لو اشترى شيئاً فَوَجَده مَعيباً، (وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) العِوضُ إن كان شِقْصاً (بِشُفْعَةٍ)؛ لأنَّه بيعٌ. وإن صالحه (٣) ببعضِ عَينِ المدَّعَى به فهو فيه كمُنكرٍ. (وَ) الصلحُ (لِلآخَرِ) المنكِرِ (إِبْرَاءٌ)؛ لأنَّه دَفَع المالَ افتداءً ليمينِه، وإزالةَ الضَّررِ عنه، لا عِوضاً عن حقٍّ يَعتقِدُه، (فَلَا رَدَّ) لما صالَحَ عنه بعيبٍ يجِدُه فيه، (وَلَا شُفْعَةَ) فيه؛ لاعتقادِهِ أنَّه ليس بعِوضٍ.

стр. 900

(وَإِنْ كَذَبَ أَحَدُهُمَا) في دعواه أو إنكارِه، وعَلِمَ بكذبِ نفسِه؛ (لَمْ يَصِحَّ) الصلحُ (فِي حَقِّهِ بَاطِناً)؛ لأنَّه عالمٌ بالحقِّ، قادرٌ على إيصالِه لمستحقِّه، غيرُ مُعتقدٍ أنَّه محقٌّ، (وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ) عليه؛ لأنَّه أكْلٌ للمالِ بالباطلِ. وإن صالَحَ عن المنكِرِ أجنبيٌّ بغيرِ إذنِه؛ صحَّ، ولم يَرجِعْ عليه. ويصحُّ الصلحُ عن قصاصٍ، وسُكنى دارٍ، وعيبٍ، بقليلٍ وكثيرٍ. (وَلَا يَصِحُّ) الصلحُ (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ، وَقَذْفٍ) أو غيرِهِما؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يَؤولُ إليه، (وَلَا) عن (حَقِّ شُفْعَةٍ) أو خيارٍ؛ لأنهما لم يُشرَعا لاستفادةِ مالٍ، وإنما شُرِعَ الخيارُ للنَّظرِ في الأحظِّ، والشفعةُ لإزالةِ الضَّررِ بالشَّركةِ، (وَ) لا عن (تَرْكِ شَهَادَةٍ) بحقٍّ أو باطلٍ. (وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ) إذا صالَحَ عنها؛ لرِضاه بتَركِها، ويَردُّ (١) العوضَ، (وَ) كذا حُكمُ (الحَدِّ) والخيارِ. وإن صالحه على أنْ يُجْرِيَ على أرضِه أو سطحِه ماءً مَعلوماً؛ صحَّ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليه، فإن كان بعوضٍ مع بقاءِ ملكِه فإجارةٌ، وإلا فبيعٌ، ولا يُشترطُ في الإجارةِ هنا بيانُ المدَّةِ؛ للحاجةِ. ويجوزُ شراءُ ممرٍّ في ملكِه، وموضِعٍ (٢) في حائِطٍ يَجعلُه باباً،

стр. 901

وبَقعةٍ يحفِرُها بِئراً، وعلوِّ بيتٍ يَبني عليه بُنياناً مَوصوفاً، ويصحُّ فِعلُه صُلحاً أبداً، وإجارةً مدةً معلومةً. (وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ) الخاصِّ به أو المشتَرَكِ، (أَوْ) حَصَل غُصنُ شَجرتِه في (قَرَارِهِ)، أي: قرارِ غيرِه الخاصِّ أو المشتركِ، أي: في أرضِه، وطالَبَه بإزالةِ ذلك؛ (أَزَالَهُ) وجوباً، إما بقَطْعِه أو لَيِّهِ إلى ناحيةٍ أخرى، (فَإِنْ أَبَى) مالِكُ الغُصنِ إزالتَه (لَوَاهُ) مالِكُ الهواءِ (إِنْ أمْكَنَ، وَإِلَّا) يُمكِنُ (فَلَهُ قَطْعُهُ)؛ لأنَّه إخْلاءُ ملكِه الواجبِ إخلاؤُهُ، ولا يَفتقِرُ إلى حاكِمٍ، ولا يُجبرُ المالكُ على الإزالةِ؛ لأنَّه ليس مِن فعلِه. وإن أتلَفَه مالِكُ الهواءِ مع إمكانِ لَيِّه؛ ضَمِنه. وإن صالحه على بقاءِ الغُصنِ بعوضٍ؛ لم يجزْ. وإن اتَّفقا على أن الثمرةَ بينهما ونحوَه؛ صحَّ جائزاً. وكذا حُكمُ عِرْقِ شجرةٍ حَصَل في أرضِ غيرِه. (وَيَجُوزُ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ فَتْحُ الأَبْوَابِ لِلاسْتِطْرَاقِ)؛ لأنَّه لم يَتعيَّنْ له مالِكٌ، ولا ضررَ فيه على المجتازِينَ. و(لَا) يجوزُ (إِخْرَاجُ رَوْشَنٍ (١) على أطرافِ خشبٍ أو نحوِه

стр. 902

مدفونةٍ في الحائطِ، (وَ) لا إخراجُ (سَابَاطٍ)، وهو: المستَوفي للطريقِ كلِّه على جِدارَين، (وَ) لا إخراجُ (دَكَّةٍ)، بفتحِ الدالِ، وهي: الدُّكانُ (١) والمِصْطَبَّةُ (٢) - بكسرِ الميمِ -، (وَ) لا إخراجُ (مِيزَابٍ (٣)، ولو لم يَضرَّ بالمارةِ، إلا أن يأذنَ إمامٌ أو نائِبُه، ولا ضررَ؛ لأنَّه نائبُ المسلمين، فَجَرى مجرَى إذنِهم. (وَلَا يَفْعَلُ ذلِكَ)، أي: لا يُخرجُ رَوشناً، ولا سَاباطاً، ولا دَكةً، ولا مِيزاباً (فِي مِلْكِ جَارٍ، وَدَرْبٍ (٤) مُشْتَرَكٍ) غيرِ نافِذٍ (بِلَا إِذْنِ المُسْتَحِقِّ)، أي: الجارِ أو أهلِ الدَّربِ؛ لأنَّ المنعَ لحقِّ المستحقِّ؛ فإذا رَضِيَ بإسقاطِه جاز.

стр. 903

ويجوزُ نقلُ بابٍ في دربٍ غيرِ نافذٍ إلى أَوَّلِه بلا ضررٍ، لا إلى داخِلٍ إن لم يإذن مَن فوقَه، ويكونُ إعارةً. وحَرُمَ أن يُحدِثَ بملكِه ما يضرُّ بجارِه؛ كحمَّامٍ ورَحَىً وتنُّورٍ، وله منعُه، كدَقٍّ وَسقْيٍ يَتعدَّى. وحَرُمَ أن يتصرَّفَ في جدارِ جارٍ أو مُشتركٍ بفَتْحِ طاقٍ أو ضَرْبِ وَتَدٍ ونحوِه إلَّا بإذنِه. (وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خُشُبَه (١) عَلَى حَائِطِ جَارِهِ) أو حائِطٍ مُشتركٍ (إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ)، فيجوزُ (إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّسْقِيفُ إِلَّا بِهِ)، ولا ضررَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ يرفعُه: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خُشُبَه (٢) عَلَى جِدَارِهِ»، ثم يقولُ أبو هريرةَ: (ما لي أراكم عنها مُعرِضِين،

стр. 904

واللهِ لأرمينَّ بها بين أكتافِكُم) متفقٌ عليه (١). (وَكَذَلِكَ) حائطُ (المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ)؛ كحائطِ نحوِ يتيمٍ، فيجوزُ لجارِه وَضْعُ خَشبِه عليه إذا لم يُمكِنْ تَسقيفٌ إلا به بلا ضَررٍ؛ لما تقدَّم. (وَإِذَا انْهَدَمَ جِدَارُهُمَا) المشترَكُ، أو سقفُهُما، (أَوْ خِيفَ ضَرَرُهُ) بسقوطِه، (فَطَلَبَ أَحَدُهُما أَنْ يُعَمِّرَهُ الآخَرُ مَعَهُ؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ) إن امتنع؛ لقولِه ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢)، فإن أبَى أخَذَ حاكمٌ مِن مالِه وأنفق عليه.

стр. 905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 906

وإن بناه شَريكٌ شركةً بنيةِ رجوعٍ رَجَع. (وَكَذَا النَّهْرُ (١)، وَالدُّولَابُ (٢)، وَالقَنَاةُ (٣) المشتركَةُ إذا احتاجت لعِمارةٍ، ولا يُمنَعُ شَريكٌ مِن عِمارةٍ، فإن فَعَل فالماءُ على الشَّركةِ. وإن أعطى قومٌ قَناتَهُم أو نحوَها لمن يَعمُرُها وله منها جزءٌ معلومٌ؛ صحَّ.

стр. 907

ومَن له عُلوٌ لم يَلزَمُه عمارةُ سُفلِهِ إذا انهدم، بل يُجبرُ عليه مالِكُهُ، ويَلزَمُ الأعلى سُترةٌ تَمنَعُ مُشارفَةَ الأسفلِ، فإن استويا اشتركا.

стр. 908

(بَابُ الحَجْرِ) وهو في اللغةِ: التَّضييقُ والمنعُ، ومنه سُمِّيَ الحرامُ والعقلُ: حِجْراً. وشرعاً: منعُ إنسانٍ مِن تصرُّفِه في مالِه. وهو ضربان: حَجرٌ (١) لحقِّ الغيرِ؛ كعلَى مُفلِسٍ، ولحقِّ نفسِه؛ كعلَى نحوِ صغيرٍ. (وَ (٢) مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَاءِ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ، وَحَرُمَ حَبْسُهُ) وملازمتُه؛ لقولِه تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠]. فإن ادَّعى العسرةَ ودَيْنُهُ عن عِوضٍ؛ كثمنٍ وقرضٍ، أوْ لَا، وعُرِفَ له مالٌ سابقٌ الغالِبُ بقاؤه، أو كان أقرَّ بالملاءةِ؛ حُبِسَ إن لم يُقِمْ بيِّنةٍ تُخبرُ باطِنَ حالِه، وتُسمَعُ قبلَ حبسٍ وبعدَه، وإلاَّ حَلَف وخُلِّيَ سبيلُه. (وَمَنْ مَالُهُ (٣) قَدْرُ دَيِنِه (٤)؛ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ)؛ لعدمِ الحاجةِ إلى

стр. 909

الحجرِ عليه، (وَأُمِرَ)، أي: وَوَجَب على الحاكمِ أمرُه (بِوَفَائِهِ) بطلبِ غريمِه؛ لحديثِ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (١). ولا يَترخَّصُ مَن سَافر قَبلَه. ولغريمِ مَن أراد سفراً منعُه مِن غيرِ جهادٍ متعيِّنٍ حتى يُوَثِّقَ برهنٍ يُحرِزُ، أو كَفيلٍ مليءٍ. (فَإنْ أَبَى) القادرُ وفاءَ الدَّيْنِ الحالِّ؛ (حُبِسَ بِطَلَبِ رَبِّهِ) ذلك؛ لحديثِ: «لَيُّ الوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٢)، قال الإمامُ: (قال وكيعٌ: عِرضُه: شَكواه،

стр. 910

وعُقوبَتُه: حَبسُه) (١). فإن أبى عزَّرَه مرَّة بعدَ أُخرى، (فَإِنْ أَصَرَّ) على عدمِ قضاءِ الدَّينِ، (وَلَمْ يَبِعْ مَالَهُ؛ بَاعَهُ الحَاكِمُ وَقَضَاهُ)؛ لقيامِه مَقامَه، ودَفعاً لضررِ ربِّ الدَّيْنِ بالتأخيرِ. (وَلَا يُطْلَبُ) مدينٌ (بِ) دَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ)؛ لأنَّه لا يَلزَمُه أداؤه قبلَ حلولِه، ولا يُحجَرُ عليه مِن أجلِه. (وَمَنْ مَالُهُ لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ) مِن الدَّيْنِ (حَالًّا؛ وَجَبَ) على الحاكمِ (الحَجْرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ) كلِّهم (أَوْ بَعْضِهِمْ)؛ لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ، وَبَاعَ مَالَهُ» رواه الخلَّالُ بإسنادِه (٢).

стр. 911

(وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ)، أي: إظهارُ حَجرِ الفلسِ (١)، وكذا السَّفهُ (٢)؛ ليَعلَمَ الناسُ بحالِه، فلا يُعامِلوه إلا على بصيرةٍ. (وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ)، أي: المحجورِ عليه لفَلَسٍ (فِي مَالِهِ) الموجودِ والحادثِ بإرثٍ أو غيرِه (بَعْدَ الحَجْرِ) بغيرِ وصيَّةٍ أو تدبيرٍ، (وَلَا إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ)، أي: على مالِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه. وأما تصرُّفُه في مالِه قبلَ الحجرِ عليه فصحيحٌ؛ لأنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه، لكن يحرمُ عليه الإضرارُ بغريمِه. (وَمَنْ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً) قبلَ الحجرِ، وَوَجَده باقياً بحالِه، ولم يأخُذْ شيئاً مِن ثمنِه؛ فهو أحقُّ به؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» متفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرةَ (٣). وكذا لو أقرضه أو باعه شيئاً (٤) (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الحجرِ عليه؛

стр. 912

(رَجَعَ فِيهِ) إذا وَجَده بعينِه (إِنْ جَهِلَ حَجْرَهُ)؛ لأنَّه معذورٌ بجهلِ حالِه، (وَإِلَّا) يَجهَلُ الحجرَ عليه (فَلَا) رجوعَ له في عَيْنِه؛ لأنَّه دَخَل على بصيرةٍ. ويَرجِعُ بثمنِ المبيعِ وبدلِ القرضِ إذا انفكَّ حجرُه. (وَإِنْ تَصَرَّفَ) المفلسُ (فِي ذِمَّتِهِ) بشراءٍ أو ضمانٍ أو نحوِهما، (أَوْ أقَرَّ) المفلسُ (بِدَيْنٍ، أَوْ) أقرَّ بـ (جِنَايَةٍ تُوجِبُ قَوَداً أَوْ مَالاً؛ صَحَّ) تصرُّفُه في ذمَّتِه وإقرارُه بذلك؛ لأنَّه أهلٌ للتَّصرُّفِ، والحجرُ متعلِّقٌ بمالِه لا بذمَّتِه، (وَيُطَالَبُ بِهِ)، أي: بما لزِمَه مِن ثمنِ مبيعٍ ونحوِه، وما أقرَّ به (بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ عَنْهُ)؛ لأنَّه حقٌّ عليه، وإنما مَنَعْنا (١) تَعلُّقَه بمالِه لحقِّ الغرماءِ، فإذا استُوفِيَ فقد زال المعارِضُ. (وَيَبِيْعُ الحَاكِمُ مَالَهُ)، أي: مالَ المفلسِ الذي ليس مِن جِنسِ الدَّيْنِ، بثمنِ مثلِه أو أكثرَ، (وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهُ) فَوراً (بَقَدْرِ دُيُونِ غُرَمَائِهِ) الحالَّةِ؛ لأنَّ هذا هو جُلُّ المقصودِ مِن الحجرِ عليه، وفي تَأخيرِه مَطْلٌ، وهو ظلمٌ لهم. (وَلَا يَحِلُّ) دَيْنٌ (مُؤَجَّلٌ بِفَلَسِ) مدينٍ؛ لأنَّ الأجلَ حقٌّ للمفلسِ، فلا يَسقُطُ بفلسِه؛ كسائرِ حُقوقِهِ. (وَلَا) يحلُّ مؤجلٌ أيضاً (بِمَوْتِ) مَدِينٍ (إِنْ وَثَّقَ وَرَثَتُهُ بِرَهْنٍ) يُحرِزُ، (أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ) بأقلِّ الأمرَيْن مِن قِيمةِ التَّركةِ أو الدَّيْنِ؛ لأنَّ

стр. 913

الأجلَ حقٌّ للميتِ، فوُرِث عنه كسائرِ حُقوقِهِ، فإن لم يُوَثِّقُوا حَلَّ؛ لغلبةِ الضَّررِ. (وَإنْ ظَهَر غَرِيمٌ) للمفلسِ (بَعْدَ القِسْمَةِ) لمالِه؛ لم تُنقَضْ، و (رَجَعَ عَلَى الغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ)؛ لأنَّه لو كان حاضِراً شارَكَهُم، فكذا إذا ظَهَر. وإنْ بَقِيَ على المفلسِ بقية وله صنعةٌ؛ أُجبِرَ على التكسُّبِ لوفائِها؛ كوقفٍ وأمِّ ولدٍ يُستغنَى عنهما. (وَلَا يَفُكُّ حَجْرَهُ إِلَّا حَاكِمٌ)؛ لأنَّه ثَبَت بحُكمِه، فلا يَزولُ إلا به. وإن وفَّى ما عليه انفكَّ الحجرُ بلا حُكْمِ حاكمٍ؛ لزَوالِ موجبِه. (فَصلٌ) في المحجورِ عليه لحظِّهِ (وَيُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَالمَجْنُونِ لِحَظِّهِمْ)؛ إذ المصلحةُ تعودُ عليهم، بخلافِ المفلسِ. والحجرُ عليهم عامٌّ في ذِممِهِم ومالِهِم، ولا يَحتاجُ لحاكمٍ، فلا يصحُّ تصرُّفُهُم قبلَ الإذنِ. (وَمَنْ أَعْطَاهُمْ مَالَهُ بَيْعَاً، أَوْ قَرْضَاً)، أو وديعةً ونحوَها؛ (رَجَعَ

стр. 914

بِعَيْنِهِ) إنْ بَقِيَ؛ لأنَّه مالُه، (وَإِنْ) تلِف في أيديِهِم، أو (أَتْلَفُوهُ؛ لَمْ يَضْمَنُوا)؛ لأنَّه سَلَّطهم عليه برضاه، عَلِمَ بالحجرِ أوْ لَا؛ لتفريطِه. (وَيَلْزَمُهُمْ أَرْشُ الجِنَايَةِ) إنْ جنوا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المجني عليه، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه. (وَ) يَلزَمُهم أيضاً (ضَمَانُ مَالِ مَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِمْ)؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المالِكِ، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه. (وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) حُكِمَ ببلوغِه؛ لما روى ابنُ عمرَ قال: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» متفقٌ عليه (١). (أَوْ نَبَتَ حَوْلَ قُبُلِهِ شَعْرٌ خَشِنٌ) حُكِمَ ببلوغِه؛ لأنَّ سعدَ بنَ معاذٍ لما حَكَم في بني قريظةَ بقَتْلِهِم وسَبْيِ ذراريهم أَمَر أن يُكشفَ عن مؤتزرِهِم، فَمَن أنْبَتَ فهو مِن المقاتلِةِ، ومَن لم يُنبِتْ فهو مِن الذُّريةِ، وبَلَغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» متفقٌ عليه (٢).

стр. 915

(أَوْ أَنَزَلَ) حُكِمَ ببلوغِه؛ لقولِه تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) [النور: ٥٩]. (أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ وَرَشَدَا)، أي: مَن بَلَغ وعَقَل، (أَوْ رَشَدَ سَفِيهٌ؛ زَالَ حَجْرُهُمْ)؛ لزوالِ عِلَّتِه، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦]، (بِلَا قَضَاءٍ) حاكمٍ؛ لأنَّه ثَبَت بغيرِ حُكمِه، فزال؛ لزوالِ مُوجِبِه بغيرِ حُكمِه. (وَتَزِيدُ الجَارِيَةُ) على الذَّكَرِ (فِي البُلُوغِ بِالحَيْضِ)؛ لقولِه ﵇:
следующие страницы →