(وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ)، أي: إظهارُ حَجرِ الفلسِ (١)، وكذا السَّفهُ (٢)؛ ليَعلَمَ الناسُ بحالِه، فلا يُعامِلوه إلا على بصيرةٍ.
(وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ)، أي: المحجورِ عليه لفَلَسٍ (فِي مَالِهِ) الموجودِ والحادثِ بإرثٍ أو غيرِه (بَعْدَ الحَجْرِ) بغيرِ وصيَّةٍ أو تدبيرٍ، (وَلَا إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ)، أي: على مالِه؛ لأنَّه محجورٌ عليه.
وأما تصرُّفُه في مالِه قبلَ الحجرِ عليه فصحيحٌ؛ لأنَّه رشيدٌ غيرُ محجورٍ عليه، لكن يحرمُ عليه الإضرارُ بغريمِه.
(وَمَنْ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً) قبلَ الحجرِ، وَوَجَده باقياً بحالِه، ولم يأخُذْ شيئاً مِن ثمنِه؛ فهو أحقُّ به؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» متفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرةَ (٣).
وكذا لو أقرضه أو باعه شيئاً (٤) (بَعْدَهُ)، أي: بعدَ الحجرِ عليه؛
стр. 912
(رَجَعَ فِيهِ) إذا وَجَده بعينِه (إِنْ جَهِلَ حَجْرَهُ)؛ لأنَّه معذورٌ بجهلِ حالِه، (وَإِلَّا) يَجهَلُ الحجرَ عليه (فَلَا) رجوعَ له في عَيْنِه؛ لأنَّه دَخَل على بصيرةٍ.
ويَرجِعُ بثمنِ المبيعِ وبدلِ القرضِ إذا انفكَّ حجرُه.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ) المفلسُ (فِي ذِمَّتِهِ) بشراءٍ أو ضمانٍ أو نحوِهما، (أَوْ أقَرَّ) المفلسُ (بِدَيْنٍ، أَوْ) أقرَّ بـ (جِنَايَةٍ تُوجِبُ قَوَداً أَوْ مَالاً؛ صَحَّ) تصرُّفُه في ذمَّتِه وإقرارُه بذلك؛ لأنَّه أهلٌ للتَّصرُّفِ، والحجرُ متعلِّقٌ بمالِه لا بذمَّتِه، (وَيُطَالَبُ بِهِ)، أي: بما لزِمَه مِن ثمنِ مبيعٍ ونحوِه، وما أقرَّ به (بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ عَنْهُ)؛ لأنَّه حقٌّ عليه، وإنما مَنَعْنا (١) تَعلُّقَه بمالِه لحقِّ الغرماءِ، فإذا استُوفِيَ فقد زال المعارِضُ.
(وَيَبِيْعُ الحَاكِمُ مَالَهُ)، أي: مالَ المفلسِ الذي ليس مِن جِنسِ الدَّيْنِ، بثمنِ مثلِه أو أكثرَ، (وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهُ) فَوراً (بَقَدْرِ دُيُونِ غُرَمَائِهِ) الحالَّةِ؛ لأنَّ هذا هو جُلُّ المقصودِ مِن الحجرِ عليه، وفي تَأخيرِه مَطْلٌ، وهو ظلمٌ لهم.
(وَلَا يَحِلُّ) دَيْنٌ (مُؤَجَّلٌ بِفَلَسِ) مدينٍ؛ لأنَّ الأجلَ حقٌّ للمفلسِ، فلا يَسقُطُ بفلسِه؛ كسائرِ حُقوقِهِ.
(وَلَا) يحلُّ مؤجلٌ أيضاً (بِمَوْتِ) مَدِينٍ (إِنْ وَثَّقَ وَرَثَتُهُ بِرَهْنٍ) يُحرِزُ، (أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ) بأقلِّ الأمرَيْن مِن قِيمةِ التَّركةِ أو الدَّيْنِ؛ لأنَّ
стр. 913
الأجلَ حقٌّ للميتِ، فوُرِث عنه كسائرِ حُقوقِهِ، فإن لم يُوَثِّقُوا حَلَّ؛ لغلبةِ الضَّررِ.
(وَإنْ ظَهَر غَرِيمٌ) للمفلسِ (بَعْدَ القِسْمَةِ) لمالِه؛ لم تُنقَضْ، و (رَجَعَ عَلَى الغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ)؛ لأنَّه لو كان حاضِراً شارَكَهُم، فكذا إذا ظَهَر.
وإنْ بَقِيَ على المفلسِ بقية وله صنعةٌ؛ أُجبِرَ على التكسُّبِ لوفائِها؛ كوقفٍ وأمِّ ولدٍ يُستغنَى عنهما.
(وَلَا يَفُكُّ حَجْرَهُ إِلَّا حَاكِمٌ)؛ لأنَّه ثَبَت بحُكمِه، فلا يَزولُ إلا به.
وإن وفَّى ما عليه انفكَّ الحجرُ بلا حُكْمِ حاكمٍ؛ لزَوالِ موجبِه.
(فَصلٌ) في المحجورِ عليه لحظِّهِ
(وَيُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ وَالمَجْنُونِ لِحَظِّهِمْ)؛ إذ المصلحةُ تعودُ عليهم، بخلافِ المفلسِ.
والحجرُ عليهم عامٌّ في ذِممِهِم ومالِهِم، ولا يَحتاجُ لحاكمٍ، فلا يصحُّ تصرُّفُهُم قبلَ الإذنِ.
(وَمَنْ أَعْطَاهُمْ مَالَهُ بَيْعَاً، أَوْ قَرْضَاً)، أو وديعةً ونحوَها؛ (رَجَعَ
стр. 914
بِعَيْنِهِ) إنْ بَقِيَ؛ لأنَّه مالُه، (وَإِنْ) تلِف في أيديِهِم، أو (أَتْلَفُوهُ؛ لَمْ يَضْمَنُوا)؛ لأنَّه سَلَّطهم عليه برضاه، عَلِمَ بالحجرِ أوْ لَا؛ لتفريطِه.
(وَيَلْزَمُهُمْ أَرْشُ الجِنَايَةِ) إنْ جنوا؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المجني عليه، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه.
(وَ) يَلزَمُهم أيضاً (ضَمَانُ مَالِ مَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِمْ)؛ لأنَّه لا تَفريطَ مِن المالِكِ، والإتلافُ يَستوي فيه الأهلُ وغيرُه.
(وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) حُكِمَ ببلوغِه؛ لما روى ابنُ عمرَ قال: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» متفقٌ عليه (١).
(أَوْ نَبَتَ حَوْلَ قُبُلِهِ شَعْرٌ خَشِنٌ) حُكِمَ ببلوغِه؛ لأنَّ سعدَ بنَ معاذٍ لما حَكَم في بني قريظةَ بقَتْلِهِم وسَبْيِ ذراريهم أَمَر أن يُكشفَ عن مؤتزرِهِم، فَمَن أنْبَتَ فهو مِن المقاتلِةِ، ومَن لم يُنبِتْ فهو مِن الذُّريةِ، وبَلَغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» متفقٌ عليه (٢).
(وَالرُّشْدُ: الصَّلَاحُ فِي المَالِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ في قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦]، أي: صلاحاً في أموالهم (١)، فعلى هذا يُدفَعُ إليه مالُه، وإن كان مُفسداً لدِينِه.
ويُؤنَسُ رُشدُه (بِأَنْ يَتَصَرَّفَ مِرَاراً فَلَا يُغْبَنُ) غَبناً فاحِشاً (غَالِباً، وَلَا يَبْذُلُ مَالَهُ فِي حَرامٍ)؛ كخمرٍ وآلاتِ لهوٍ، (أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ)؛ كغناءٍ ونِفْطٍ (٢)؛ لأنَّ مَن صَرَف مالَه في ذلك عُدَّ سَفيهاً.
(وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ)، أي: إلى الصغيرِ (حَتَّى يُخْتَبَرَ)؛ ليُعلمَ رُشْدُه
стр. 918
(قَبْلَ بُلُوغِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ)؛ لقولِه تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الآية [النساء: ٦]، والاختبارُ يَختصُّ بالمراهِقِ الذي يَعرِفُ المعاملةَ والمصلحةَ.
(وَوَلِيُّهُم)، أي: وليُّ السفيهِ الذي بَلَغ سَفيهاً واستمرَّ، والصغيرِ، والمجنونِ، (حَالَ الحَجْرِ: الأَبُ) الرشيدُ العدلُ، ولو ظاهِراً؛ لكمالِ شَفقتِه، (ثُمَّ وَصِيُّهُ)؛ لأنَّه نائبُه، ولو بِجُعْلٍ وثَمَّ متبرِّعٌ، (ثُمَّ الحَاكِمُ)؛ لأنَّ الولايةَ انقطعت مِن جهةِ الأبِ، فتعيَّنَت للحاكمِ.
ومَن فُكَّ عنه الحجرُ فَسَفِهَ أُعِيد عليه، ولا يَنظُرُ في مالِه إلا الحاكمُ، كمَنْ جُنَّ بعدَ بلوغٍ ورشدٍ.
(وَلَا يَتَصَرَّفُ لأَحَدِهِمْ وَلِيُّهُ إِلَّا بِالأَحَظِّ)؛ لقولِه تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام: ١٥٢]، والسفيهُ والمجنونُ في معناه.
(وَيَتَّجِرُ) وليُّ المحجورِ عليه (لَهُ مَجَّاناً)، أي: إذا اتَّجر وليُّ اليتيمِ في مالِه كان الرِّبحُ كلُّه لليتيمِ؛ لأنَّه نماءُ مالِه، فلا يَستحِقُّهُ غيرُه إلا بعقدٍ، ولا يَعقِدُ الوليُّ لنفسِه.
(وَلَهُ دَفْعُ مَالِهِ) لمن يتَّجِرُ فيه (مُضَارَبةً بِجُزْءٍ) معلومٍ (مِنَ الرِّبْحِ) للعاملِ؛ لأنَّ عائشةَ أبضَعَتْ مالَ محمدِ بنِ أبي بكرٍ ﵃ (١)، ولأنَّ
стр. 919
الوليَ نائبٌ عنه فيما فيه مَصلحتُه.
وله البيعُ نَسَاءً، والقرضُ برهنٍ، وإيداعُه، وشراءُ العقارِ وبناؤه لمصلحةٍ، وشراءُ الأضحيةِ لموسرٍ، وتَركُهُ في المكتبِ بأُجرةٍ.
ولا يَبيعُ عقارَه إلا لضرورةٍ أو غبطةٍ.
(وَيَأْكُلُ الوَلِيُّ الفَقِيرُ مِنْ مَالِ مَوْلِيِّهِ)؛ لقولِه تعالى: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ٦]،
(الأَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ أَوْ أُجْرَتِهِ)، أي: أجرةِ عَملِه؛ لأنَّه يَستحِقُّ بالعملِ والحاجةِ جميعاً، فلم يَجزْ أن يأخُذَ إلا ما وُجِدَا فيه، (مَجَّاناً)، فلا يَلزَمُه عِوضُه إذا أيسر؛ لأنَّه عِوضٌ عن عَملِه، فهو فيه كالأجيرِ والمضارَبِ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُ الوَلِيِّ) بيمينِه، (وَالحَاكِمِ) بغيرِ يمينٍ، (بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ فِي النَّفَقَةِ) وقدرِها ما لم يخالِفْ عادةً وعرفاً.
ولو قال: أنفقتُ عليك منذُ سنتين، فقال: منذُ سنةٍ؛ قُدِّمَ قولُ الصبيِّ؛ لأنَّ الأصلَ موافقتُه (١).
(وَ) يُقبلُ قولُ الوليِّ أيضاً في وجودِ (الضَّرُورَةِ وَالغِبْطَةِ) إذا باع عقارَه وادَّعاهما ثم أنكرَهُ.
стр. 920
(وَ) يُقبلُ قولُ الوليِّ أيضاً في (التَّلَفِ) وعدمِ التَّفريطِ؛ لأنَّه أمينٌ، والأصلُ براءتُه.
(وَ) يُقبلُ قولُه أيضاً في (دَفْعِ المَالِ) إليه بعدَ رشدِه؛ لأنَّه أمينٌ، وإن كان بجُعْلٍ لم يُقبَلْ قولُه في دفعِ المالِ؛ لأنَّه قَبَضه لنفعِه؛ كالمرتهنِ.
ولوليِّ مميِّزٍ وسيِّدِه أن يأذنَ له في التجارةِ، فينفَكُّ عنه الحجرُ في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه.
(وَمَا اسْتَدَانَ العَبْدُ لَزِمَ سيِّدَهُ) أداؤه (إِنْ أَذِنَ لَهُ) في استدانتِه ببيعٍ أو قرضٍ؛ لأنَّه غرَّ الناسَ بمعاملتِه، (وَإِلَّا) يَكُن استدانَ بإذنِ سيدِه، (فَـ) ما استدانَه (فِي رَقَبَتِهِ)؛ يُخيَّرُ سيدُه بينَ بيعِه، وفدائِه بالأقلِّ مِن قيمتِه أو دَيْنِه، ولو أعتقه، وإن كانت العينُ باقيةً رُدَّت لربِها؛ (كَاسْتِيدَاعِهِ)، أي: أَخْذِه وديعةً فَيُتلِفُها، (وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ (١)، فيتعلَّقُ ذلك كلُّه برقبتِه، ويخيَّرُ سيِّدُه كما تقدَّم.
ولا يَتبرَّعُ المأذونُ (٢) بدراهِمَ ولا كِسوةٍ، بل بإهداءِ مأكولٍ، وإعارةِ دابةٍ، وعملِ دعوةٍ بلا إسرافٍ.
ولغيرِ المأذونِ له الصدقةُ مِن قُوتِه بنحوِ الرغيفٍ إذا لم يَضرَّه.
стр. 921
وللمرأةِ الصَّدَقةُ مِن بيتِ زوجِها بذلك، ما لم تَضطرِبْ العادةُ، أو يَكُن بخيلاً، أو تشكُّ (١) في رضاه.
стр. 922
(بَابُ الوَكَالَةِ)
بفتحِ الواوِ وكسرِها: التفويضُ، يقولُ (١): وكَلتُ أمري إلى اللهِ، أي: فوَّضتُه إليه.
واصطلاحاً: استنابةُ جائزِ التصرُّفِ مثلَه فيما تَدخلُه النيابةُ.
(تَصِحُّ) الوكالةُ (بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ)، كـ: افعل كذا، أو أذنت لك في فِعلِه، ونحوِه.
وتصحُّ مؤقتةً ومعلقةً بشرطٍ؛ كوصيةٍ، وإباحةِ أَكْلٍ، وولايةِ قضاءٍ، وإمارةٍ.
(وَيَصِحُّ القَبُولُ عَلَى الفَوْرِ وَالتَّرَاخِي)؛ بأن يوكِّلَه في بيعِ شيءٍ، فيبيعُه بعدَ سنةٍ، أو يبلِّغَه أنه وكَّلَه بعدَ شهرٍ، فيقولُ: قَبِلْتُ، (بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ دَالٍّ عَلَيْهِ)، أي: على القبولِ؛ لأنَّ قَبولَ وكلائِه ﵇ كان بفعلِهِم، وكان مُتراخياً عن توكيلِه إياهُم، قاله في المبدعِ (٢).
ويُعتبرُ تَعيينُ الوكيلِ.
(وَمَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ) لنفسِه (فَلَهُ التَّوْكِيلُ) فيه، (وَالتَّوَكُّلُ فِيهِ)، أي: جاز أن يَستَنِيبَ غيرَه، وأنْ يَنُوبَ عن غيرِه؛ لانتفاءِ
стр. 923
المفسدةِ، والمرادُ: فيما تَدخلُه النيابةُ، ويأتي.
ومَن لا يصحُّ تصرُّفُه بنفسِه فنائِبُه أَوْلَى، فلو وكَّلَه في بيعِ ما سَيملِكُه، أو طَلاقِ مَن يَتزوَّجُها؛ لم يصحَّ.
ويصحُّ توكيلُ امرأةٍ في طلاقِ نفسِها وغيرِها، وأن يَتوكَّلَ واجِدُ الطَّوْلِ في قَبولِ نكاحِ أمةٍ لمن تُباحُ له، وغنيٌّ لفقيرٍ في قَبولِ زكاةٍ، وفي قبولِ نكاحِ أختِه ونحوِها لأجنبيٍ.
(وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ مِنَ العُقُودِ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ وَكَّلَ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ فِي الشِّرَاءِ» (١)، وسائرُ العقودِ كالإجارةِ، والقرضِ، والمضاربةِ، والإبراءِ، ونحوِها في معناه، (وَالفُسُوخِ)؛ كالخلعِ، والإقالةِ، (وَالعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ)؛ لأنَّه يجوزُ التوكيلُ في الإنشاءِ، فجاز في الإزالةِ بطريق الأَوْلَى، (وَالرَّجْعَةِ، وَتَمَلُّكِ المُباحَاتِ؛ مِنَ الصَّيْدِ وَالحَشِيشِ وَنَحْوِهِ)؛ كإحياءِ المواتِ؛ لأنَّها تملُّكُ مالٍ بسببٍ لا يَتعيَّنُ عليه، فجاز كالابتياعِ.
(لَا الظِّهَارِ)؛ لأنَّه قولٌ منكرٌ وزورٌ، (وَاللِّعَانِ، وَالأَيْمَانِ)، والنذرِ، والقَسَامةِ، والقَسمِ بين الزوجات، والشهادةِ، والرَّضاعِ، والالتقاطِ، والاغتنامِ، والغصبِ، والجنايةِ، فلا تدخلها النيابة.
(وَ) تصحُّ الوكالة أيضاً (فِي كُلِّ حقٍّ للهَ تَدْخُلُه النِّيَابَةُ؛ مِنَ
стр. 924
العِبَادَاتِ)، كتفرقةِ صدقةٍ وزكاةٍ ونذرٍ وكفارةٍ؛ لأنَّه ﵇ كان يَبعثُ عمالَه لقبضِ الصدقاتِ وتَفريقِها، وكذا حجٌّ وعمرةٌ على ما سَبَق.
وأما العباداتُ البدنيةُ المحضةُ؛ كالصلاةِ، والصومِ، والطهارةِ مِن الحدثِ؛ فلا يجوزُ التوكيلُ فيها؛ لأنَّها تَتعلَّقُ ببدَنِ مَنْ هي عليه، لكن ركعتَا الطَّوافِ تَتْبَعُ الحجَّ (١).
(وَ) تصحُّ في (الحُدُودِ؛ في إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا)؛ لقولِه ﵇: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فاعترفَتْ فأَمَر بها فَرُجِمت. متفقٌ عليه (٢).
ويجوزُ الاستيفاءُ في حَضرةِ الموكِّلِ وغيبتِه.
(وَليْسَ لِلوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ) إذا كان يَتولاه مِثلُه ولم يُعجِزْهُ؛ لأنَّه لم يأذَنْ له في التوكيلِ، ولا تَضمَّنَه إذنُه؛ لكونِه يَتولى مِثلُه، (إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ إِلَيْهِ)؛ بأن يأذَنَ له في التوكيلِ، أو يقولَ: اصْنَع ما شِئتَ.
ويصحُّ توكيلُ عبدٍ بإذنِ سيِّدِه.
(وَالوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ)؛ لأنَّها مِن جهةِ الموكِّلِ إذنٌ، ومِن جهةِ الوكيلِ بذلُ نفعٍ، وكلاهُما غيرُ لازِمٍ، فلكلِّ واحدٍ منهما فَسخُها.
стр. 925
(وَتَبْطُلُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا، وَمَوْتِهِ)، وجنونِه المُطبِقِ؛ لأنَّ الوكالةَ تَعتمِدُ الحياةَ والعقلَ، فإذا انتفيا انتفت صحَّتُها.
وإذا وَكَّل في طلاقِ الزوجةِ ثم وَطِئها، أو في عِتْقِ العبدِ ثم كاتَبه أو دبَّره؛ بَطَلت.
(وَ) تبطُلُ أيضاً بـ (عَزْلِ الوَكِيلِ)، ولو قبلَ علمِه؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفتقِرُ إلى رضَا صاحبِه، فصحَّ بغيرِ علمِه؛ كالطلاقِ.
ولو باع أو تصرَّف فادَّعى أنه عَزَله قبلَه؛ لم يُقبَلْ إلا ببينةٍ.
(وَ) تبطُلُ أيضاً بـ (حَجْرِ السَّفَهِ (١)؛ لزوالِ أهليَّةِ التصرُّفِ، لا بالحجرِ لفَلَسٍ؛ لأنَّه لم يَخرُجْ عن أهليَّةِ التصرُّفِ، لكن إن حُجِرَ على الموكِّلِ وكانت في أعيانِ مالِه؛ بَطَلت؛ لانقطاعِ تَصرُّفِه فيها.
(وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ؛ لَم يَبِعْ وَلَمْ يَشْتَرِ مِنْ نَفْسِهِ)؛ لأنَّ العُرفَ في البيعِ بيعُ الرجلِ مِن غيرِه، فحُمِلَت الوكالةُ عليه، ولأنَّه تَلحَقُه تُهمةٌ.
(وَ) لا مِنْ (وَلَدِهِ)، ووالدِه، وزوجِه (٢)، ومكاتَبِه، وسائِرِ مَن لا تُقبَلُ شهادتُه له؛ لأنَّه مُتهمٌ في حقِّهِم، ويَميلُ إلى تَرْكِ الاستقصاءِ عليهم في الثمنِ؛ كتُهْمَتِه في حقِّ نفسِه.
стр. 926
وكذا حاكمٌ، وأمينُه، وناظرُ وقفٍ، ووصيٌّ، ومضارَبٌ، وشريكُ عنانٍ ووجوهٍ.
(وَلَا يَبِيعُ) الوكيلُ (بَعَرَضٍ، وَلَا نَسَاءٍ، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ البَلَدِ)؛ لأنَّ عقدَ الوكالةِ لم يَقتَضِهْ، فإن كان في البلدِ نَقدانِ باع بأغلبِهِما رَواجاً، فإن تساويَا خُيِّر.
(وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ) إنْ (١) لم يُقَدَّرْ له ثمنٌ، (أَوْ) باع بـ (دُونِ مَا قَدَّرَهُ لَهُ) الموكِّلُ؛ صحَّ، (أَوِ اشْتَرَى لَهُ بِأَكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ) وكان لم يُقدِّرْ له ثَمناً، (أَوْ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ؛ صَحَّ) الشراءُ؛ لأنَّ مَن صحَّ منه ذلك بثمنِ مثلِه صحَّ بغيرِه، (وَضَمِنَ النَّقْصَ) في مسألةِ البيعِ، (وَ) ضَمِن (الزِّيادَةَ) في مسألةِ الشراءِ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ.
والوصيُّ، وناظرُ الوقفِ؛ كالوكيلِ في ذلك، ذَكَره الشيخُ تقيُّ الدينِ (٢).
وإن قال: بِعْه بدرهَمٍ، فباعه بدينارٍ؛ صحَّ؛ لأنه زاده (٣) خيراً.
(وَإِنْ بَاعَ) الوكيلُ (بِأَزْيَدَ) مما قدَّرَه له الموكِّلُ؛ صحَّ.
(أَوْ قَالَ) الموكِّلُ: (بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلاً، فَبَاعَ) الوكيلُ (بِهِ حَالًّا)؛
стр. 927
صحَّ، (أَوْ) قال الموكِّلُ: (اشْتَرِ بِكَذَا حَالًّا، فَاشْتَرى بِهِ مُؤَجَّلاً، ولا ضَررَ فِيهِمَا)، أي: فيما إذا باع بالمؤجَّلِ حالًّا، أو اشترى بالحالِّ مؤجلاً؛ (صَحَّ)؛ لأنَّه زاده خيراً، فهو كما لو وكَّله في بيعِه بعشرةٍ، فباعه بأكثرَ منها، (وَإِلَّا فَلَا)، أي: وإن لم يَبعْ أو يَشتَرِ بمثلِ ما قدَّرَه له بلا ضررٍ، بأن قال: بِعْهُ بعشرةٍ مؤجلةٍ، فباعه بتسعةٍ حالَّةٍ، أو باعه بعشرةٍ حالةٍّ (١)، وعلى الموكِّلِ ضررٌ بحفظِ الثمنِ في الحالِ، أو قال: اشتره بعشرةٍ حالَّةٍ، فاشتراه بأحدَ عشرَ مؤجَّلةٍ، أو بعشرةٍ مؤجلةٍ مع ضررٍ؛ لم يَنفُذْ تصرفُه؛ لمخالفتِه موكلِه.
وقَدَّم في الفروعِ (٢): أنَّ الضَّررَ لا يَمنَعُ الصحَّةَ، وتَبِعه في المنتهى والتَّنقيحِ في مسألةِ البيعِ (٣)، وهو ظاهِرُ المنتهى أيضاً في مسألةِ الشراءِ، وقد سَبَق لك أن بَيْعَ الوكيلِ بأَنقصَ مما قُدِّر له، وشراءَه بأكثرَ منه؛ صحيحٌ، ويَضمَنُ.
стр. 928
(فَصْلٌ)
(وَإِنِ اشْتَرَى) الوكيلُ (مَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ؛ لَزِمَهُ)، أي: لزِمَ الشراءُ الوكيلَ، فليس له ردَّه؛ لدخولِه على بصيرةٍ، (إِنْ لَمْ يَرْضَ) به (مُوَكِّلُهُ)، فإن رَضِيَه كان له؛ لنيتِه بالشراءِ، وإن اشتراه بعينِ المالِ لم يصحَّ.
(فَإِنْ جَهِلَ) عيبَه (رَدَّهُ)؛ لأنَّه قائمٌ مَقامَ الموكِّلِ، وله أيضاً ردَّه؛ لأنَّه ملْكُه.
فإن حَضَر قبلَ ردِّ الوكيلِ، ورَضِيَ بالعيبِ؛ لم يَكُن للوكيلِ ردُّه؛ لأنَّ الحقَّ له، بخلافِ المضارَبِ؛ لأنَّ له حقاً، فلا يَسقُطُ برِضَى غيرِه.
فإن طَلَب البائعُ الإمهالَ حتى يَحضُرَ الموكِّلُ؛ لم يَلزَمْ الوكيلُ ذلك.
وحقوقُ العقدِ؛ كتسليمِ الثمنِ، وقبضِ المبيعِ، والردِّ بالعيبِ، وضمانِ الدَّرَكِ؛ تتعلَّقُ بالموكِّلِ.
(وَوَكِيلُ البَيْعِ يُسَلِّمُهُ)، أي: يسلِّمُ المبيعَ؛ لأنَّ إطلاقَ الوكالةِ في البيعِ يَقتضِيه؛ لأنَّه مِن تمامِه.
(وَلَا يَقْبِضُ) الوكيلُ في البيعِ (الثَّمنَ) بغيرِ إذنِ الموكِّلِ؛ لأنَّه قد يُوكِّلُ في البيعِ مَن لا يَأمنُه على قبضِ الثمنِ، (بِغَيْرِ قَرِينَةٍ)، فإن
стр. 929
دلَّت القرينةُ على قبضِه، مِثلَ توكيلِه في بيعِ شيءٍ في سوقٍ غائباً عن الموكِّلِ، أو موضِعٍ يَضيعُ الثمنُ بتركِ قَبضِ الوكيلِ له؛ كان إذْناً في قبضِه، فإن تَرَكه ضَمِنَه؛ لأنَّه يُعَدُّ مفرِّطاً، هذا المذهبُ عند الشَّيخينِ (١).
وقدَّم في التَّنقيحِ، وتَبِعَه في المنتهى (٢): لا يَقبِضُه إلا بإذنٍ، فإن تعذَّر لم يَلزَم الوكيلَ شيءٌ؛ لأنَّه ليس بمُفرِّطٍ؛ لكونِه لا يَملِكُ قَبضَه.
(وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ المُشْتَري الثَّمَنَ)؛ لأنَّه مِن تَتِمَّتِه وحقوقِه؛ كتسليمِ المبيعِ، (فَلَوْ أَخَّرَهُ)، أي: أخَّر تَسليمَ الثمنِ (بِلَا عُذْرٍ، وَتَلِفَ) الثمنُ؛ (ضَمِنَهُ)؛ لتعدِّيه بالتأخيرِ.
وليس لوكيلٍ في بيعٍ تقليبُه على مشترٍ إلا بحضرتِه، وإلا ضَمِن.
(وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ)؛ لم يصحَّ، ولم يَملِكْهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأذنْ فيه؛ ولأنَّ الموكِّلَ لا يَملِكُه، (فَـ) لو (بَاعَ) الوكيلُ إذاً بيعاً (صَحِيحاً)؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه لم يُوكِّلْهُ (٣) فيه.
(أَوْ وَكَّلَهُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ)؛ لم يصحَّ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شيءٍ، مِن هِبةِ مالِه، وطلاقِ نِسائِه، وإعتاقِ رقيقِه، فيَعظُمُ الغَررُ والضَّررُ.
стр. 930
(أَوْ) وكَّله في (شِرَاءِ مَا شَاءَ، أَوْ عَيْناً بِمَا شَاءَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ) نَوعاً وثَمناً؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأنَّه يَكثُرُ فيه الغَررُ.
وإن وكَّله في بيعِ مالِه كلِّه، أو ما شاء منه؛ صحَّ، قال في المبدعَ: (وظاهِرُ كلامِهِم في: بِعْ مِن مالي ما شِئتَ، له بَيْعُ مالِه كلِّه) (١).
(وَالوَكِيلُ فِي الخُصُومَةِ لَا يَقْبِضُ)؛ لأنَّ الإذنَ لم (٢) يَتناوَلْهُ (٣) نُطقاً ولا عُرفاً؛ لأنَّه قد يَرضَى للخُصومَةِ مَن لا يَرضاه للقبضِ.
(وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ)، فالوكيلُ في القبضِ له الخصومةُ؛ لأنَّه لا يَتوصَّلُ إليه إلا بها، فهو إذنٌ فيها عُرفاً.
(وَ) إن قال الموكِّلُ: (اقَبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ)؛ مَلَكه مِن وَكيلِهِ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه، و (لَا يَقْبِضُ مِنْ وَرَثَتِهِ)؛ لأنَّه لم يُؤمَرْ بذلك، ولا يَقتضِيه العُرفُ، (إِلَّا أَنْ يَقُولَ) الموكِّلُ للوكيلِ: اقْبِضْ حَقي (الَّذِي قِبَلَهُ)، أو عليه؛ فله القبضُ (٤) مِن وارِثِهِ؛ لأنَّ الوكالةَ اقتضت قبضَ حقِّه مُطلقاً.
وإن قال: اقبِضْهُ اليومَ؛ لم يَملِكْهُ غداً.
стр. 931
(وَلَا يَضْمنُ وَكيلٌ) في (الإِيدَاعِ إِذَا) أَودَعَ و (لَمْ يُشْهِدْ) وأنكرَ المودَعُ؛ لعدمِ الفائدةِ في الإشهادِ؛ لأنَّ المودَعَ يُقبَلُ قولُه في الرَّدِّ والتَّلفِ.
وأما الوكيلُ في قضاءِ الدَّينِ إذا كان بغيرِ حضورِ الموكِّلِ، ولم يُشْهِدْ؛ ضَمِن إذا أنكر ربُّ الدَّيْنِ، وتقدَّم في الضَّمانِ (١).
(فَصْلٌ)
(وَالوَكِيلُ أَمِينٌ، لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِيَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ)؛ لأنَّه نائِبُ المالِكِ في اليدِ والتَّصرُّفِ، فالهلاكُ في يدِه كالهلاكِ في يدِ المالِكِ، ولو بجُعْلٍ، فإن فرَّط أو تعدَّى، أو طُلِبَ منه المالُ فامتنع مِن دَفعِه لغيرِ عذرٍ؛ ضَمِن.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ)، أي: الوكيلِ (فِي نَفْيِهِ)، أي: نفي التفريطِ ونحوِه، (وَ) في (الهَلَاكِ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذمَّتِه، لكن إن ادَّعى التَّلفَ بأمرٍ ظاهرٍ؛ كحريقٍ عامٍّ، ونهبِ جيشٍ؛ كُلِّفَ إقامةَ البينةِ عليه، ثم يُقبَلُ قولُه فيه.
وإن وكَّله في شِراءِ شيءٍ، فاشتراه واختلفا في قدرِ ثمنِه؛ قُبِلَ قولُ الوكيلِ.
стр. 932
وإن اختلفا في ردِّ العينِ أو ثمنِها إلى الموكِّلِ؛ فقولُ وكيلٍ متطوِّعٍ، وإن كان بجُعْلٍ فقولُ موكِّلٍ.
وإذا قَبَض الوكيلُ الثمنَ حيثُ جاز فهو أمانةٌ في يدِه، لا يَلزَمُه تسليمُه قبلَ طَلبِه، ولا يَضمَنُ (١) بتأخيرِه.
ويُقْبَلُ قولُ الوكيلِ فيما وُكِّل فيه.
(وَمَنِ ادَّعى وَكَالَةَ زَيْدٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ مِنْ عَمْروٍ) بلا بيِّنة؛ (لَمْ يَلْزَمْهُ)، أي: عمراً (دَفْعُهُ إِنْ صَدَّقَهُ)؛ لجوازِ أنْ يُنكِرَ زيدٌ الوكالةَ، فيَستحِقَّ عليه الرجوعَ، (وَلَا) يَلزَمُه (اليَمِينُ إِنْ كَذَّبَهُ)؛ لأنَّه لا يُقْضَى عليه (٢) بالنُّكولِ، فلا فائدةَ في لُزومِ تحليفِه.
(فَإِنْ دَفَعَهُ) عمرٌو (فَأَنْكَرَ زَيْدٌ الوَكَالَةَ؛ حَلَفَ)؛ لاحتمالِ صِدْقِ الوكيلِ فيها، (وَضَمِنَهُ عَمْرٌو)، فيَرجِعُ عليه زيدٌ؛ لبقاءِ حقِّه في ذمَّتِه، ويَرجِعُ عمرٌو على الوكيلِ مع بقاءِ ما قَبَضه أو تَعدِّيهِ، لا إن صَدَّقه وتَلِف بيدِه بلا تفريطٍ.
(وَإِنْ كَانَ المَدْفُوعُ) لمدَّعي الوكالةِ بغيرِ بيِّنةٍ (وَدِيعَةً؛ أَخَذَهَا) حيثُ وَجَدها؛ لأنَّها عينُ حقِّهِ، (فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمَّنَ أَيُّهمَا شَاءَ)؛ لأنَّ الدافِعَ ضَمِنها بالدَّفعِ، والقابِضُ قَبَض ما لا يَستحِقُّهُ.
стр. 933
فإن ضَمَّن الدافعَ لم يَرجِعْ على القابِضِ إن صَدَّقه، وإن ضَمَّن القابِضَ لم يَرجِعْ على الدافِعِ.
وكدعوى الوكالةِ دعوى الحوالةِ والوصيةِ.
وإن ادَّعى أنه مات وأنا وارِثُهُ؛ لزِمَه الدَّفعُ إليه مع التَّصديقِ، واليمينُ مع الإنكارِ على نفي العلمِ.
стр. 934
(بَابُ الشَّرِكَةِ)
بوزنِ: سَرِقَةٍ، ونِعْمَةٍ، وتَمْرَةٍ.
(وَهِيَ) نوعان:
شركةُ أملاكٍ، وهي: (اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحْقَاقٍ)؛ كثبوتِ الملكِ في عقارٍ أو منفعةٍ لاثنين فأكثرَ.
(أَوْ) شركةُ عقودٍ، وهي: اجتماعٌ في (تَصَرُّفٍ)، مِن بيعٍ ونحوِه.
(وَهِيَ) أي: شركةُ العقودِ وهي - المقصودةُ (١) هنا - (أَنْوَاعٌ) خمسةٌ:
(فَـ) أحدُها: (شَرِكَةُ عِنَانٍ (٢)، سُمِّيت بذلك؛ لتساوي الشَّريكين في المالِ والتَّصرفِ، كالفارسَيْن إذا استويَا بين فرسَيْهِما وتساويَا في السَّيْرِ.
وهي: (أَنْ يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ)، أي: شخصان فأكثرَ، مُسْلِمَيْن أو أحدُهُما، ولا تُكرَه مشاركةُ كتابيٍّ لا يَلي التصرُّفَ، (بِمَالَيْهِمَا المَعْلُومِ) كلٌّ منهما، الحاضرَيْن، (وَلَوْ) كان مالُ كُلٍّ (٣) (مُتَفَاوِتاً)،
стр. 935
بأن لم يَتساوَ المالانِ قَدْراً أو جِنْساً أو صِفةً؛ (لِيَعْمَلَا فِيهِ بِبَدَنَيْهِمَا)، أو يَعمَلُ فيه أحدُهُما، ويكونُ له مِن الرِّبحِ أكثرَ مِن رِبحِ مالِه، فإن كان بدونِه لم يصحَّ، وبِقَدْرِه إبْضَاعٌ (١).
وإن اشتركا في مختلطٍ بينهما شائِعاً؛ صحَّ إنْ عَلِما قَدْرَ ما لكلٍّ منهما.
(فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِمَا)، أي: في المالَيْنِ (بِحُكْمِ المِلْكِ فِي نَصِيبِهِ، وَبِـ) حُكمِ (الوَكَالَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ)، ويُغني لفظُ: (الشركةِ) عن إذنٍ صريحٍ في التَّصرفِ.
(وَيُشْتَرطُ) لشركةِ العِنانِ والمضارَبَةِ: (أَنْ يَكُونَ رَأْسُ المَالِ مِنَ النَّقْدَيْنِ المَضْرُوبَيْنِ)؛ لأنَّهما قِيَمُ الأموالِ وأثمانُ البِياعاتِ، فلا تصحُّ بعُروضٍ، ولا فلوسٍ ولو نافِقَةً.
وتصحَّ بالنَّقدَينِ (وَلَوْ مَغْشُوشَيْنِ يَسِيراً)؛ كحبَّةِ فضةٍ في دينارٍ، ذَكَره في المغني والشَّرحِ (٢)؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه.
فإن كان الغَشُّ كثيراً لم تصحَّ؛ لعدمِ انضباطِه.
стр. 936
(وَ) يُشترطُ أيضاً (أَنْ يَشْتَرِطَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا جُزْءاً مِنَ الرِّبْحِ مُشَاعاً مَعْلُوماً)؛ كالثُّلُثِ والرُّبُعِ؛ لأنَّ الرِّبحَ مستحَقٌ لهما بحسبِ الاشتراطِ، فلم يَكُن بُدٌّ مِن اشتراطِهِ؛ كالمضارَبَةِ.
فإن قالا: والربحُ بيننا، فهو بينهما نِصفين.
(فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ)؛ لم تصحَّ؛ لأنَّه المقصودُ مِن الشَّركةِ، فلا يجوزُ الإخلالُ به.
(أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا جُزْءَاً مَجْهُولاً)؛ لم تصحَّ؛ لأنَّ الجهالةَ تَمنَعُ تَسليمَ الواجبِ.
(أَوْ) شَرَطَا (دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً)؛ لم تصحَّ؛ لاحتمالِ أنْ لا يَربَحَها، أو لا يَربَحَ غيرَها.
(أَوْ) شَرَطَا (رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ)، أو إحدى السَّفرَتين، أو رِبحَ تجارتِه في شهرٍ أو عامٍ بعينِه؛ (لَمْ تَصِحَّ)؛ لأنَّه قد يَربَحُ في ذلك المعيَّنِ دونَ غيرِه، أو بالعكسِ، فيَختَصُّ أحدُهُما بالرِّبحِ، وهو مخالِفٌ لموضوعِ الشَّركةِ.
(وَكَذَا مُسَاقَاةٌ، ومُزَارَعَةٌ، وَمُضَارَبَةٌ)، فيُعتَبرُ فيها تعيِينُ جزءٍ مشاعٍ معلومٍ للعامِلِ؛ لما تقدَّم.
стр. 937
(وَالوَضِيعَةُ)، أي: الخُسرانُ (عَلَى قَدْرِ المَالِ) بالحسابِ، سواءٌ كانت لتَلَفٍ أو نُقصانٍ في الثمنِ أو غيرِ ذلك.
(وَلَا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المَالَيْنِ)؛ لأنَّ القصدَ الرِّبحُ، وهو لا يَتوقَّفُ على الخلطِ.
(وَلَا) يُشترطُ أيضاً (كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ)، فتجوزُ (١) إن أَخْرَج أحدُهُما دنانيرَ والآخَرُ دراهِمَ، فإذا اقْتَسَما رَجَع كلٌّ بمالِه، ثم اقتسما الفَضْلَ.
وما يَشتريه كلٌّ منهما بعدَ عقدِ الشَّركةِ فهو بينهما.
وإن تَلِف أَحَدُ المالَينِ فهو مِن ضَمانِهِما.
ولكلٍّ منهما أن يَبيعَ، ويَشتريَ، ويَقبِضَ، ويُطالِبَ بالدَّيْنِ، ويُخاصِمَ فيه، ويُحِيلَ، ويَحتالَ، ويَردَّ بالعيبِ، ويَفعَلَ كلَّ ما هو مَن مَصلحةِ تجارتِهِما، لا (٢) أن يُكاتِبَ رَقيقاً، أو يُزوِّجَه، أو يَعتِقَه، أو يُحابيَ، أو يَقترِضَ على الشَّركةِ؛ إلا بإذنِ شريكِه.
وعلى كلٍّ منهما أن يَتولَّى ما جَرَت العادةُ بتولِّيه، مِن نَشرِ ثوبٍ، وطيِّهِ، وإحرازِهِ، وقَبضِ النَّقدِ ونحوِه، فإن استأجر له فالأُجرةُ عليه.
стр. 938
(فَصْلٌ)
النوعُ (الثَّانِي: المُضَارَبَةُ)، مِن الضَّرْب في الأرضِ، وهو السَّفرُ للتجارةِ، قال تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [المزمل: ٢٠]، وتُسمى: قِراضاً، ومُعاملة.
وهي: دفعُ مالٍ معلومٍ (لِمُتَّجِرٍ)، أي: لمن يَتَّجِرُ (بِهِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ)، أي: بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ (١) منه، كما تقدَّم، فلو قال: خُذْ هذا المالَ مُضاربةً، ولم يَذكُرْ سَهمَ العاملِ؛ فالرِّبحُ كلُّه لربِّ المالِ، والوضيعةُ عليه، وللعامِلِ أجرةُ مِثلِه.
وإن شَرَطَا جُزءاً (٢) مِن الرِّبحِ لعبدِ أحدِهِما، أو لعبدَيْهما؛ صحَّ وكان لسيِّدِه.
وإن شَرَطَاه للعامِلِ ولأجنبيٍّ معاً، ولو وَلَدِ أحدِهِما أو امرأتِه، وشَرَطَا عليه عَملاً مع العامِلِ؛ صحَّ وكانَا عامِلَين، وإلا لم تصحَّ المضاربةُ.
(فَإِنْ قَالَ) ربُّ المالِ للعامِلِ: اتَّجر به (وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا؛ فَنِصْفَانِ)؛ لأنَّه أضافَهُ إليهما إضافةً واحدةً ولا مرجِّحَ، فاقتضى التسويةَ.
стр. 939
(وَإِنْ قَالَ): اتَّجر به (وَلِي) ثلاثةُ أرباعِهِ أو ثُلُثُه، (أَوْ) قال: اتَّجر به و (لَكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ أَوْ ثُلُثَهُ؛ صَحَّ)؛ لأنَّه متى عُلِمَ نصيبُ أحدِهِما أَخَذَه، (وَالبَاقِي لِلآخَرِ)؛ لأنَّ الرَّبحَ مستحَقٌّ لهما، فإذا قُدِّرَ نصيبُ أحدِهِما منه فالباقي للآخَرِ بمفهومِ اللَّفظِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا لِمَن) الجزءُ (المَشْرُوطُ فَـ) هو (لِعَامِلٍ)، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّه يَستحِقُّه بالعملِ، وهو يِقلُّ ويَكثُرُ، وإنما تَتقدَّرُ حصَّتُه بالشرطِ، بخلافِ ربِّ المالِ فإنه يَستحِقُّهُ بمالِه ويَحلِفُ مدَّعيه.
وإن اختلفا في قَدْرِ الجزءِ (١) بعدَ الرِّبحِ؛ فقولُ مالكٍ بيمينِهِ.
(وَكَذَا مُسَاقَاةٌ وَمُزَارَعَةٌ) إذا اختلفا في الجزءِ المشروطِ أو قدرِه؛ لما تقدَّم.
ومضاربةٌ كشركةِ عِنانٍ فيما تقدَّم، وإن فَسَدت فالرِّبحُ لربِّ المالِ، وللعامِلِ أجرةُ مثلِه، وتصحُّ مؤقتةً ومُعلقةً.
(وَلَا يُضَارِبُ) العامِلُ (بِمَالٍ لِآخَرَ إِنْ أَضَرَّ الأَوَّلَ وَلَمْ يَرْضَ)؛ لأنَّها تَنعقِدُ على الحظِّ والنَّماءِ، فلم يَجزْ له أن يَفعَلَ ما يَمنَعُهُ، وإن لم يَكُن فيها ضررٌ على الأَوَّل، أو أَذِن؛ جاز.
(فَإِنْ فَعَلَ)؛ بأن ضارَب لآخَرٍ مع ضَررِ الأَوَّل بغيرِ إذنِه؛ (رَدَّ حِصَّتَهُ) مِن رِبحِ الثانيةِ (فِي الشَّرِكَةِ) الأُولى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ ذلك
стр. 940
بالمنفعةِ التي استُحِقَّت (١) بالعقدِ الأَوَّلِ.
ولا نفقةَ لعاملٍ إلا بشرطٍ.
(وَلَا يُقْسَمُ) الرِّبحُ (مَعْ بَقَاءِ العَقْدِ)، أي: المضاربةِ (إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا)؛ لأنَّ الحقَّ لا يَخرجُ عنهما، والرِّبحُ وِقايةٌ لرأسِ المالِ.
(وَإِنْ تَلِفَ رَأْسُ المَالِ، أَوْ) تَلِف (بَعْضُهُ) قبلَ التصرُّفِ؛ انفسخت فيه المضاربةُ؛ كالتالِفِ قبلَ القبضِ.
وإن تَلِف (بَعْدَ التَّصَرُّفِ) جُبِرَ مِن الرِّبحِ؛ لأنَّه دار في التجارةِ، وشَرَع فيما قَصَد بالعقدِ مِن التَّصرفاتِ المؤديةِ إلى الرِّبحِ، (أَوْ خَسِرَ) في إحدى سِلعتَيْن، أو سَفرتَيْن؛ (جُبِرَ) ذلك (مِنَ الرِّبْحِ)، أي: وَجَب جَبْرُ (٢) الخُسرانِ مِن الرِّبحِ، ولم يَستحِقَّ العامِلُ شيئاً إلا بعدَ كمالِ رأسِ المالِ؛ لأنها مضاربةٌ واحدةٌ، (قَبْلَ قِسْمَتِهِ) ناضًّا (٣)، (أَوْ تَنْضِيضِهِ) مع محاسبتِهِ، فإذا احتسبَا وعَلِمَا مالَهُما لم يُجبر الخسرانُ بعدَ ذلك مما قبلَهُ؛ تَنزيلاً للتَنْضِيضِ مع المحاسبةِ مَنزِلةَ المُقاسَمةِ.
стр. 941
وإن انفسخ العقدُ والمالُ عَرْضٌ أو دَيْن، فَطَلَب ربُّ المالِ تَنضيضُه؛ لَزِم العامِلُ.
وتَبطُلُ بموتِ أحدِهِما، فإن مات عامِلٌ، أو مودَعٌ، أو وصيٌّ ونحوُه، وجُهِل بقاءُ ما بيدِهِم؛ فهو دَيْنٌ في التَّركةِ؛ لأنَّ الإخفاءَ وعَدَمَ التعيينِ كالغصبِ.
ويُقبَلُ قولُ العامِلِ فيما يدَّعيه مِن هلاكٍ، وخُسرانٍ، وما يَذكُرُ أنَّه اشتراه لنفسِه أو للمضاربةِ؛ لأنَّه أمينٌ.
والقولُ قولُ ربِّ المالِ في عدمِ ردِّه إليه.
(فَصْلٌ)
(الثَّالِثُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ)، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّهما يَعاملان فيها بوجهِهِما، أي: جاهِهِما، والجاهُ والوجهُ (١) واحدٌ.
وهي: أن يَشتركَا على (أَنْ يَشْتَرِيَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا) مِن غيرِ أن يكونَ لهما مالٌ (بِجَاهِهِمَا، فَمَا رَبِحَاهُ فَـ) هو (بَيْنَهُمَا) على ما شَرَطاه، سواءٌ عَيَّنَ أحدُهُما لصاحبِه ما يَشتريه، أو جِنسَه، أو وَقتَه، أوْ لَا، فلو قال: ما اشترَيْتَ مِن شيءٍ فبيننا؛ صحَّ.
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلُ صَاحِبِهِ، وَكَفِيلٌ عَنْهُ بِالثَّمَنِ)؛ لأنَّ
стр. 942
مَبناها على الوكالةِ والكفالةِ.
(وَالمِلْكُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ)؛ لقولِه ﵇: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (١).
(وَالوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا)؛ كشركةِ العِنانِ؛ لأنَّها في مَعناها.
(وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا)؛ كالعنانِ، وهما في تصرُّفٍ كشريكَيْ عنانٍ.
(الرَّابِعُ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ)، وهي: (أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا)، أي: يَشترِكانِ في كَسبِهِما مِن صنائِعِهِما، فما رَزَق اللهُ فهو بَينهما، (فَمَا تَقبَّلَهُ أَحَدُهُمَا مِنْ عَمَلٍ يَلْزَمُهُمَا فِعْلُهُ)، ويُطالَبانِ به؛ لأنَّ شركةَ الأبدانِ لا تَنعقِدُ إلا على ذلك.
وتصحُّ مع اختلافِ الصنائِعِ؛ كقصَّارٍ مع خياطٍ.
ولكلِّ واحدٍ منهما طَلَبُ الأجرةِ، وللمستأجِرِ دَفْعُها إلى أحدِهِما.
ومَن تَلِفت بيدِه بغيرِ تفريطٍ؛ لم يَضمَنْ.
(وَتَصِحُّ) شركةُ الأبدانِ (فِي الاحْتِشَاشِ، وَالاحْتِطَابِ، وَسَائِرِ
стр. 943
المُبَاحَاتِ)؛ كالثِّمارِ المأخوذةِ مِن الجبالِ، والمعادِنِ، والتلصُّصِ على دارِ الحربِ؛ لما روى أبو داودَ بإسنادِه عن عبدِ اللهِ قال: «اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ أَجِئ أَنَا وَعَمِّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ» (١)، قال أحمدُ: (أَشْرَكَ بَينهم النبيُّ ﷺ (٢).
(وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَالكَسْبُ) الذي عَمِلَه أحدُهُما (بَيْنَهُمَا)، احتجَّ الإمامُ بحديثِ سعدٍ (٣)، وكذا لو تَرَك العملَ لغيرِ عذرٍ.
(وَإِنْ طَالَبَهُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ (٤)؛ لَزِمَه)؛ لأنَّهما دَخَلا
стр. 944
على أن يَعملا، فإذا تعذَّر عليه العملُ بنفسِه لزِمَه أن يُقيمَ مَقامَه؛ توفيةً للعقد بِما يَقتضيه، وللآخَرِ الفسخُ.
وإن اشتركَا على أن يَحمِلا على دابَّتَيْهِما والأجرةُ بينهما؛ صحَّ.
وإن آجَراهُما بأعيانِهِما؛ فلكلٍّ أُجرةُ دابَّتِه.
ويصحَّ دفعُ دابةٍ ونحوِها لمن يَعمَلُ عليها، وما رَزَقه اللهُ بينهما على ما شَرَطاه.
(الخَامِسُ: شَرِكَةُ المُفَاوَضَةِ)، وهي: (أَنْ يُفَوِّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ كُلَّ تَصَرُّفٍ مَاليٍّ وَبَدَنِيٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ)، بَيعاً، وشِراءً، ومُضاربةً، وتَوكيلاً، وابتِيَاعاً في الذمَّةِ، ومُسافرةً بالمالِ، وارتهاناً، وضَمانَ ما يَرى مِن الأعمالِ، أو يَشتركَا في كلِّ ما يَثبُتُ لهما وعليهما؛ فتصحَّ، (وَالرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالوَضِيعَةُ بِقَدْرِ المَالِ)؛ لما سَبَق في العنانِ.
(فَإِنْ أَدْخَلَا فِيهَا (١) كَسْباً، أَوْ غَرَامَةً نَادِرَيْنِ)؛ كوِجْدانِ (٢) لقطةٍ، أو رِكازٍ، أو مِيراثٍ، أو أرشِ جِنايةٍ، (أَوْ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ فَسَدَتْ)؛ لكثرةِ الغررِ فيها، ولأنَّها تَضمَّنت كفالةً وغيرَها مما لا يَقتضِيه العقدُ.
стр. 945
(بَابُ المُسَاقَاةِ)
مِن السَّقْي؛ لأنَّه أهمُّ أمرِها بالحجازِ.
وهي: دَفْعُ شَجرٍ له ثمرٌ مَأكولٌ - ولو غيرَ مَغروسٍ - إلى آخَرَ؛ ليَقومَ بسَقْيِه وما يَحتاجُ إليه، بجزءٍ معلومٍ له مِن ثمرِه.
(تَصِحُّ) المساقاةُ (عَلَى شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ)، مِن نخلٍ وغيرِه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» متفقٌ عليه (١)، وقال أبو جعفرٍ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ (٢)، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى اليَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ» (٣).
ولا تصحُّ على ما لا ثَمرَ (٤) له؛ كالحورِ (٥)، أو له ثمرٌ غيرُ
стр. 946
مأكولٍ؛ كالصُّنُوبَرِ (١)، والقَرَظِ (٢).
(وَ) تصحُّ المساقاةُ أيضاً (عَلَى) شجرٍ ذي (ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ) لم تَكمُلْ تُنَمَّى بالعملِ؛ كالمزارعةِ على زرعٍ نابِتٍ؛ لأنَّها إذا جازت في المعدومِ مع كثرةِ الغررِ؛ ففي الموجودِ وقلَّةِ الغررِ أَوْلَى.
(وَ) تصحُّ أيضاً (عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ) في أرضِ ربِّ الشجرِ، (وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ)؛ احتجَّ الإمامُ بحديثِ خيبرَ (٣)؛ ولأنَّ العِوَضَ والعملَ مَعلومان؛ فصحَّت؛ كالمساقاةِ على شَجرٍ مغروسٍ.
(بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ) مُشاعٍ معلومٍ، وهو مُتعلِّقٌ بقوله: (تَصِحُّ)، فلو شَرَطَا في المساقاةِ الكلَّ لأحدِهِما، أو آصُعاً مَعلومةً، أو ثَمرةَ شجرةٍ معينةٍ؛ لم تصحَّ.
وتصحُّ المناصَبَةُ والمغارَسَةُ، وهي: دَفعُ أرضٍ وشجرٍ لمن يَغرِسُه -كما تقدَّم- بجزءٍ مشاعٍ معلومٍ مِن الشجرِ.
стр. 947
(وَهُوَ)، أي: عَقدُ المساقاةِ والمغارسةِ والمزارعةِ؛ (عَقْدٌ جَائِزٌ) مِن الطرفين؛ قِياساً على المضاربةِ؛ لأنَّها عقدٌ على جزءٍ مِن النماءِ في المالِ، فلا تَفتقِرُ (١) إلى ذِكْرِ مدَّةٍ، ولكلٍّ منهما فَسخُها متى شاء.
(فَإِنْ فَسَخَ المَالِكُ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ فلِلعَامِلِ الأُجْرَةُ)، أي: أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه مَنعَه مِن إتمامِ عملِه الذي يَستحِقُّ به العِوضَ.
(وَإِنْ فَسَخَهَا هُوَ)، أي: فَسَخ العامِلُ المساقاةَ قبلَ ظهورِ الثمرةِ؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنَّه رَضِيَ بإسقاطِ حقِّه.
وإن انفسخت بعدَ ظُهورِ الثمرةِ فهي بينهما على ما شَرَطَا، ويَلزَمُ العامِلَ تمامُ العملِ؛ كالمضارَبِ.
(وَيَلْزَمُ العَامِلَ كُلُّ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ؛ مِنْ حَرْثٍ، وَسَقْيٍ، وَزِبَارٍ) - بكسرِ الزايِ، وهو: قَطعُ الأغصانِ الرديئةِ مِن الكَرْمِ-، (وَتَلْقِيحٍ، وَتشْمِيسٍ، وَإِصْلَاحِ مَوْضِعِهِ، وَ) إصلاحِ (طُرُقِ المَاءِ، وَحَصَادٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كآلةِ (٢) حرثٍ، وبَقَرِه، وتفريقِ زِبْلٍ (٣)، وقطعِ حشيشٍ مضرٍّ، وشجرٍ يابسٍ، وحفظِ ثمرٍ على شجرٍ إلى أنْ يُقسَمَ.
(وَعَلَى رَبِّ المَالِ مَا يُصْلِحُهُ)، أي: ما يحفَظُ الأصلَ؛ (كَسَدِّ
стр. 948
حَائِطٍ، وَإِجْرَاءِ الأَنْهَارِ)، وحفرِ البئرِ، (وَالدُّولَابِ، وَنَحْوِهِ)؛ كآلتِهِ التي تُديرُه، ودَوابِّه، وشِراءِ ما يُلقَّحُ به، وتحصيلِ ماءٍ، وزِبْلٍ.
والجذاذُ عليهما بقَدْرِ حِصَّتيهِما، إلا أنْ يَشترِطَه على العامِلِ.
والعامِلُ فيها كالمضاربِ فيما يَقبَلُ ويَردُّ وغيرِ ذلك.
(فَصْلٌ)
(وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ)؛ لحديثِ خيبرَ السابِقِ (١)، وهي: دَفْعُ أرضٍ وحبٍّ لمن يَزرعُه ويَقومُ عليه، أو حبٍّ مَزروعٍ يُنَمَّى بالعملِ لمن يَقومُ عليه، (بِجُزْءٍ) مشاعٍ (مَعْلُومِ النِّسْبَةِ)؛ كالثُّلُثِ أو الرُّبُعِ ونحوِه، (مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ لِرَبِّهَا)، أي: لربِّ الأرضِ، (أَوْ لِلعَامِلِ وَالبَاقِي لِلآخَرِ)، أي: إن شَرَط الجزءَ المسمَّى لربِّ الأرضِ فالباقي للعامِلِ، وإن شَرَط للعامِلِ فالباقي لربِّ الأرضِ؛ لأنَّهما يَستحقَّانِ ذلك، فإذا عُيِّنَ نَصيبُ أحدِهِما منه؛ لَزِم أن يكونَ الباقي للآخَرِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) في المزارعةِ والمغارَسةِ (كَوْنُ البَذْرِ وَالغِرَاسِ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ)، فيجوزُ (٢) أن يُخرِجَه العامِلُ في قولِ عمرَ (٣)،
وابنِ
стр. 949
مسعودٍ (١)، وغيرِهِما (٢)، ونصَّ عليه في روايةِ مُهنَّا (٣)، وصحَّحه في المغني، والشَّرحِ، واختاره أبو محمدٍ الجوزي، والشيخُ تقيُّ الدينِ (٤)، (وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ)؛ لأنَّ الأصلَ المعوَّلَ عليه في المزارعةِ قصةُ خَيبرَ، ولم يَذكُر النبيُّ ﷺ أنَّ البذرَ على المسلمين.
وظاهِرُ المذهبِ: اشتراطُه، نصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ،
стр. 950
واختاره عامَّةُ الأصحابِ (١)، وقدَّمه في التَّنقيحَ، وتَبِعه المصنِّفُ في الإقناعِ، وقَطَع به في المنتهى (٢).
وإن شَرَط ربُّ الأرضِ أنْ يَأخُذَ مِثلَ بَذرِه ويَقتسِما الباقي؛ لم يصحَّ.
وإن كان في الأرضِ شجرٌ فزارَعَه على الأرضِ وساقاهُ على الشجرِ؛ صحَّ، وكذا لو أجَّرَه الأرضَ وساقاهُ على شجرِها، فيصحُّ ما لم يُتَّخَذْ حيلةً على بيعِ الثمرةِ قبلَ بُدوِّ صلاحِها.
وتصحُّ مساقاةٌ ومزارعةٌ بلفظِهِما، ولفظِ: المعاملةِ، وما في معنى ذلك، ولفظِ: إجارةٍ؛ لأنَّه مُؤدٍّ للمعنى.
وتصحُّ إجارةُ أرضٍ بجزءٍ مشاعٍ مما يخرُجُ منها، فإن لم تُزرَعْ نُظِرَ إلى مُعدَّلِ المُغَلِّ (٣)، فيجبُ القِسطُ (٤) المسمَّى.