(وَ) الرُّكن الثَّالث: (قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ)، وهي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ للإمام والمنفرد؛ لحديث عبادةَ ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]،
(وَ) الرُّكن الرَّابع: (رُكُوعٌ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
إلَّا ما بعد الرُّكوع الأوَّل في صلاة الكسوف فسنَّةٌ، وكذا الرَّفع منه، والاعتدال بعده.
(وَ) الرُّكن الخامس: (رَفْعٌ مِنْهُ)، أي: من الرُّكوع؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الرُّكن السَّادس: (اعْتِدَالٌ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الرُّكن السَّابع: (سُجُودٌ) إجماعًا؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا»، فيسجد على الأعضاء السَّبعة وجوبًا، ومنها الأنف؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» [البخاري ٨١٢، ومسلم ٤٩٠].
(وَ) الرُّكن الثَّامن: (رَفْعٌ مِنْهُ) أي: من السُّجود؛ لما يأتي، ويغني عنه
стр. 107
ما بعده.
(وَ) الرُّكن التَّاسع: (جُلُوسٌ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» [أبو داود ٨٥٦].
(وَ) الرُّكن العاشر: (وَطُمَأْنِينَةٌ فِي) كلِّ (فِعْلٍ) من الأفعال المذكورة؛ للأمر بها في حديث المسيء في صلاته، وقال شيخ الإسلام: (الرُّكوع والسُّجود في لغة العرب لا يكون إلَّا إذا سكن حين انحنائه).
- فرعٌ: (وَهِيَ) أي: الطُّمأنينة: حصول (السُّكُونِ وَإِنْ قَلَّ).
واختار المجد: أنَّها بقدر الذِّكْر الواجب.
(وَ) الرُّكن الحاديَ عشرَ: (تَشَهُّدٌ أَخِيرٌ)؛ لحديث ابن مسعودٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلهِ ... » [مسلم ٥٨٠].
(وَ) الرُّكن الثَّانيَ عشرَ: (جُلُوسٌ لَهُ) أي: للتَّشهُّد الأخير (وَلِلتَّسْلِيمَتَيْنِ)؛ لمداومته ﷺ على الجلوس لذلك، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١]، وأمَّا عدم ذكره في حديث المسيء في صلاته؛ فلأنَّه ﷺ علَّمَه ما أساء فيه.
- فرعٌ: (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أي: من التَّشهُّد الأخير قول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى
стр. 108
مُحَمَّدٍ)؛ لظاهر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: ٥٦]، (بَعْدَ مَا يُجْزِئُ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، وَالمُجْزِئُ مِنْهُ) أي: من التَّشهُّد الأوَّل: (التَّحِيَّاتُ لله، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ الله، سَلَامٌ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)، وما زاد عليه سنَّةٌ؛ لاتِّفاق جميع الرِّوايات على ذلك، بخلاف ما عداه فإنَّه أُثْبِتَ في بعضها، وتُرِكَ في بعضها.
قال الشَّارح: (وفي هذا القول نظرٌ، فإنَّه يجوز أن يجزئَ بعضها عن بعض على سبيل البدل؛ كقولنا في القراءات، ولا يجوز أن يسقط ما في بعض الأحاديث إلَّا أن يأتيَ بما في غيره من الأحاديث).
(وَ) الرُّكن الثَّالثَ عشرَ: (التَّسْلِيمَتَانِ) وهو من المفردات؛ لحديث عليٍّ ﵁: قال ﷺ : «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجهْ ٢٧٥]، قال القرافيُّ: (فحصر التَّحليل بالتَّسليم، وهذا يدلُّ على الوجوب).
وعنه، واختاره الموفَّق والشَّارح: أنَّ التَّسليمة الأُولى ركنٌ، والثَّانية سُنَّةٌ؛ لحديث عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ
стр. 109
وَجْهِهِ» [الترمذي ٢٩٦، ابن ماجهْ ٩١٨]، وفي روايةٍ: أنَّ ذلك في صلاة الوتر [أحمد ٢٥٩٨٧، وأبو داود ١٣٤٦]، والقاعدة: أنَّ ما ثبت في النَّفل ثبت في الفرض إلَّا لدليلٍ، ورُويت التَّسليمة الواحدة: عن ابن عمرَ، وعائشةَ وأنسٍ ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٣٠١].
(وَ) الرُّكن الرَّابعَ عشرَ: (التَّرْتِيبُ) بين الأركان؛ لأنَّه ﷺ كان يصلِّيها مُرَتَّبةً، وعلَّمها للمسيء في صلاته مُرَتَّبة بـ (ثمَّ).
- مسألةٌ: (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: الصَّلاة (ثَمَانِيَةٌ):
الأوَّل: (تَكْبِيرٌ) للانتقال؛ لحديث أنسٍ ﵁: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، ولورده في بعض ألفاظ المسيء في صلاته [أبو داود ٨٥٧].
- فرعٌ: التَّكبير في الصَّلاة واجبٌ (لِغَيْرِ):
١ - (الإِحْرَامِ)، أي: تكبيرة الإحرام فركنٌ، لما سبق.
٢ - تكبيرة المسبوق لمن أدرك الإمام راكعًا، فإنَّها سُنَّةٌ.
٣ - التَّكبيرات الزَّوائد في العيدين والاستسقاء، فإنَّها سُنَّةٌ.
٤ - تكبيرات الجنازة، فإنَّها ركنٌ.
(وَ) الثَّاني: (تَسْمِيعٌ)، أي: قول: «سمع الله لمن حمده»، (لإِمَامٍ
стр. 110
وَمُنْفَرِدٍ) دون مأمومٍ، لحديث المسيء صلاته السَّابق: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا»، وتقدَّم في صفة الصَّلاة.
(وَ) الثَّالث: (تَحْمِيدٌ)، أي: قول: «ربَّنا ولك الحمد»، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ، لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» [البخاري ٧٦٩، ومسلم ٤٠٩].
(وَ) الرَّابع: (تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي رُكُوعٍ)، بأن يقول: «سبحان ربِّيَ الأعلى»، مرَّةً واحدةً، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁، قال: لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، أبو داواد ٨٦٩، وابن ماجهْ ٨٨٧].
(وَ) الخامس: تسبيحةٌ أُولى في (سُجُودٍ)، بأن يقول: «سبحان ربِّيَ الأعلى»، مرَّةً واحدةً، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁، قال: لما نزلت: (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: ١]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، أبو داود ٨٦٩، وابن ماجهْ ٨٨٧].
(وَ) السَّادس: قَوْلُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، إذا جلس (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)، مرَّةً واحدةً؛ لما روى حذيفةُ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:
стр. 111
رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» [أبو داود ١٥١، والنسائي ١١٤٤، وابن ماجهْ ٨٩٧]، (لِلكُلِّ) أي: للإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١].
(وَ) السَّابع: (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ)، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سجد للسَّهو لما نسيه، كما في حديث عبد الله ابن بحينةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ» [البخاري ١٢٢٥، ومسلم ٥٧٠].
(وَ) الثَّامن: (جُلُوسٌ لَهُ)، لما تقدَّم في حديث عبد الله ابن بحينةَ ﵁.
- مسألةٌ: (وَسُنَنُهَا): أي: الصَّلاة ضربان: الأوَّل: (أَقْوَالٌ، وَ) الثَّاني: (أَفْعَالٌ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا) أي: السُّنن (مُطْلَقًا)، أي: سواءً تركه عمدًا، أو جهلًا، أو سهوًا .
- مسألةٌ: (فَسُنَنُ الأَقْوَالِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَهِيَ):
١ - (اسْتِفْتَاحٌ)؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من اللَّيل كبَّر، ثمَّ يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» [أحمد ١١٦٥٧، وأبو داود ٧٧٥، والترمذي ٢٤٢، ابن ماجهْ ٨٠٤].
стр. 112
٢ - (وَتَعَوُّذٌ) قبل القراءة، فيقول: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم؛ لقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله) الآية [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت القراءة، وكان النَّبيُّ ﷺ يقولها قبل القراءة، كما في حديث جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ [أبو داود ٧٦٤، وابن ماجهْ ٧٠٤]، وكيفما تعوَّذ به من الوارد فحسنٌ
٣ - (وَبَسْمَلَةٌ) قبل الفاتحة، فيقول: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم»، لخبر نُعَيْمٍ المجمِّر قال: صلَّيتُ وراء أبي هريرةَ فقرأ: ﴿بسم الله الرَّحمن الرَّحيم﴾، ثمَّ قرأ بأمِّ القرآن، وقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ » [أحمد ١٠٤٤٩، والنسائي ٩٠٥].
٤ - (وَقَوْلُ: آمِينَ) إذا فرغ من الفاتحة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الإِمَامَ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أحمد ٧١٨٧، والنسائي ٩٢٧].
٥ - (وَقِرَاءَةُ سُورَةٍ) بعد الفاتحة (فِي فَجْرٍ، وَجُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، وَتَطَوُّعٍ، وَأَوَّلَتَيْ مَغْرَبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ)؛ لوروده عن النَّبيِّ ﷺ .
٦ - (وَجَهْرُ إِمامٍ بِقِرَاءَةٍ) فيما يُجْهَرُ به، فيجهر إمامٌ بقراءة صلاة صبحٍ إجماعًا، وقراءة صلاة جمعةٍ، وعيدٍ، وكسوفٍ، واستسقاءٍ، ويأتي في بابه،
стр. 113
وقراءة أولييْ صلاة مغربٍ وعشاءٍ إجماعًا.
٧ - (وَقَوْلُ غَيْرِ مَأْمُومٍ) وهو الإمام والمنفرد، (بَعْدَ التَّحْمِيدِ: مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)؛ لقول ابن أبي أوفي ﵁: كان النَّبيُّ ﷺ كان إذا رفع ظهره من الرُّكوع، قال: «اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» [مسلم ٤٧٨]، وإن شاء زاد: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»؛ لحديث ابن عبَّاسٍ [مسلم ٤٧٨].
ولا يزيد ذلك المأموم؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» [البخاري ٧٦٩، ومسلم ٤٠٩].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يزيد (مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) وما بعده؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ في الصَّلاة، أشبه سائر الأذكار.
٨ - (وَمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فِي تَسْبِيحِ) ركوعٍ وسجودٍ؛ لحديث ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» [أبو داود ٨٨٦، والترمذي ٢٦١، وابن ماجهْ ٨٩٠]، قال
стр. 114
التِّرمذيُّ: (والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبُّون أن لا ينقص الرَّجُل في الرُّكوع والسُّجود من ثلاث تسبيحاتٍ).
٩ - (وَ) ما زاد على مرَّةٍ في (سُؤَال المَغْفِرَةِ) بين السَّجدتين، ؛ لما روى حذيفةُ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» [أبو داود ١٥١، والنسائي ١١٤٤، وابن ماجهْ ٨٩٧]، والسُّنَّة أن يقول ذلك ثلاثًا، وهو أكمله، على ما سبق في الرُّكوع، لرواية النَّسائيِّ في «الكبرى» [٦٦٠] قال حذيفةُ: (وَكَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ).
١٠ - (وَدُعَاءٌ فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» [البخاري ١٣٧٧، ومسلم ٥٨٨].
١١ - (وَقُنُوتٌ فِي وِتْرٍ)، ويأتي.
- مسألةٌ: (وَسُنَنُ الأَفْعَالِ) كرفع اليدين في مواضعه، ووضع اليمنى على اليسرى ونحو ذلك، (مَعَ الهَيْئَاتِ) سُمِّيَتْ: «هيئةً»؛ لأنَّها صفةٌ في غيرها، كجهر الإمام في القراءة، وترتيل القراءة، ونحو ذلك: (خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ)، مذكورةٌ في المطوَّلات .
стр. 115
فَصْلٌ
- مسألةٌ: (وَيُكْرَهُ لِلمُصَلِّي) أمورٌ، منها:
١ - (الْتِفَاتٌ) في الصَّلاة بالرَّأس أو بالعين؛ لحديث عائشةَ ﵂، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصَّلاة؟ فقال: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ» [البخاري ٧٥١].
ويجوز للحاجة، لحديث سهل بن الحنظليَّة ﵁: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ -يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ-، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ»، قال أبو داودَ: «وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من اللَّيل يحرس» [أبو داود ٩١٦].
٢ - (وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ)؛ لأنَّه فعل اليهود.
وقال ابن القيَّم: الصَّواب أن يُقَال: إن كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع، فهو أفضلُ، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزَّخرفة، والتَّزويق، أو غيره ممَّا يشوِّش عليه قلبه، فهنالك لا يُكْرَهُ التَّغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشَّرع ومقاصده من القول بالكراهة.
٣ - (وَمَسُّ الحَصَى، وَنَحْوُ ذَلِكَ)، كالعبث، وفرقعة أصابعه؛ لأنَّه ينافي الخشوع في الصَّلاة.
стр. 116
(فَصْلٌ) في أحكام سجود السَّهو
السَّهو في الصَّلاة: النِّسيان فيها، والمراد: السُّجود الَّذي سببه السَّهو.
- مسألةٌ: سجود السَّهو، بالنِّسبة إلى حكمه ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:
الأوَّل: (يُسَنُّ سُجُودُ السَّهْوِ لِلمُصَلِّي): وذلك (إِذَا أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ)؛ كالتَّسبيح ونحوه، (فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ) كقراءة قرآنٍ في ركوعٍ أو سجودٍ، أو تسبيحٍ في قيامٍ، إذا كان ذلك (سَهْوًا)؛ لعموم حديث ابن مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» [مسلم: ٥٧٢].
- فرعٌ: يُسْتَثْنَى من ذلك السَّلام، فإنَّه إذا أتى به سهوًا في غير محلِّه وجب له سجود السَّهو؛ لأنَّ عمده يُبْطِلُ الصَّلاة فكان سهوه يُوجِبُ سجود السَّهو.
(وَ) الثَّاني: (يُبَاحُ) سجود السَّهو: (إِذَا تَرَكَ مَسْنُونًا)، سواءً كانت سنن أقوالٍ: كالاستفتاح والتَّعوذ، أو سنن أفعالٍ: كرفع اليدين في مواضعه، ووضع اليمنى على اليسرى، فإن سجد فلا بأسَ؛ لعموم حديث ثوبانَ رضي الله عنه
стр. 117
مرفوعًا: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ» [أحمد: ٢٢٤١٧، وأبو داود: ١٠٣٨، وابن ماجهْ: ١٢١٩]. وإنَّما لم يُسْتَحَبُّ لها سجود السَّهو؛ لعدم إمكان التَّحرُّز من تركه.
واختار ابن عثيمينَ: إن كان من عادته فعل المسنون فإنَّه يُشْرَعُ له السُّجود، وإلَّا فلا.
(وَ) الثَّالث: (يَجِبُ) سجود السَّهو: وذلك لما كان فعله أو تركه تَبْطُل الصَّلاةُ بتعمُّدِه، إن كان من جنس الصَّلاة، كما (إِذَا زَادَ رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا، أَوْ قِيَامًا، أَوْ قُعُودًا)، أو كان نقصًا كترك واجبٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر به في حديث ابن مسعودٍ السَّابق، فقال: «فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
- مسألةٌ: (وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ الوَاجِبِ الَّذِي مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ)؛ لأنَّه تعمّد ترك واجبٍ من واجبات الصَّلاة .
ولا تبطل بتعمُّد ترك سجود السَّهو الواجب الَّذي محلُّه بعد السَّلام؛ لأنَّه خارجٌ عنها فلم يؤثر في إبطالها.
- مسألةٌ: محل سجود السَّهو قبل السَّلام في جميع الأحوال الَّتي يُشْرَعُ لها سجود السَّهو؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ في حديث عبد الله بن بحينةَ ﵁ لما ترك التَّشهُّد الأوَّل ناسيًا. [البخاري: ١٢٢٤، ومسلم: ٥٧٠] .
стр. 118
إلَّا في حالةٍ واحدةٍ وهي: إذا سلَّم عن نقصِ ركعةٍ فأكثرَ، فيُسْتَحَبُّ أن يكون السُّجود بعد السَّلام؛ لما رَوى عمرانُ بن حُصَيْنٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى العصر، فسلَّم في ثلاث ركعاتٍ، ثمَّ دخل منزله، وفيه: «فَصَلَّى رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ» [مسلم: ٥٧٤].
- فرعٌ: كونه قبل السَّلام أو بعده إنَّما هو على سبيل الأفضليَّة، لا الوجوب؛ لورود الأحاديث بكلِّ من الأمرين.
وعنه، واختارها شيخ الإسلام: أنَّه لا يخلو من أمرين:
١ - يجب قبل السَّلام في موضعين:
أ) إذا نقص في الصَّلاة. ب) إذا شكَّ في الصَّلاة ثمَّ بنى على اليقين.
٢ - يجب بعد السَّلام في موضعين:
أ) إذا زاد في الصَّلاة. ب) إذا شكَّ في الصَّلاة ثمَّ عمل بغلبة الظَّنِّ.
جمعًا بين الأدلَّة الواردة في الباب، ولأنَّ الأحاديث وردت بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب.
- مسألةٌ: إن ترك المصلِّي التَّشهُّد الأوَّل ناسيًا لم يَخْلُ من أربعة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: أن يذكر التَّشهُّد الأوَّل قبل أن ينهض من مكانه: فإنَّه يأتي به، ولا سجودَ عليه؛ لأنَّها لا تُسَمَّى: «سهوًا عن الواجب».
стр. 119
(وَ) القسم الثَّاني: (إِنْ نَهَضَ المُصَلِّي عَنْ تَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلَ نَاسِيًا) لا عامدًا؛ (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) إلى التَّشهُّد (لِيَتَشَهَّدَ)؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» [أحمد: ١٨٢٢٣، وأبو داود: ١٠٣٦، وابن ماجهْ: ١٢٠٨].
(وَ) القسم الثَّالث: أن يتذكَّر التَّشهُّد بعد أن يستتمَّ قائمًا وقبل الشُّروع في القراءة: (كُرِهَ) له الرُّجوع ولم يحرم (إِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا)، وإنَّما جاز رجوعه قبل الشُّروع في القراءة مع الكراهة؛ لأنَّه لم يَتَلَبَّس بركنٍ مقصودٍ؛ والقيام ليس بمقصودٍ في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز، بخلاف غيره من الأركان، ووجه الكراهة: الخروج من خلاف من حرَّم الرُّجوع.
(وَ) القسم الرَّابع: أن يتذكَّر التَّشهُّد بعد الشُّروع في القراءة: (حَرُمَ) الرُّجوع؛ لحديث المغيرة السَّابق، (إِنْ شَرَعَ فِي القِرَاءَةِ)؛ لأنَّ القراءة ركنٌ مقصودٌ في نفسه، بخلاف القيام، (وَبَطَلَتْ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي القِرَاءَةِ صَلَاةُ غَيْرِ نَاسٍ وَجَاهِلٍ) أي: بأن كان عالمًا عمدًا؛ فإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل بالرُّجوع؛ للعذر.
وعنه، واختاره ابن قدامةَ: إذا استتمَّ قائمًا حَرُمَ رجوعه، سواءً شرع في
стр. 120
القراءة أو لم يشرع؛ لظاهر حديث المغيرة السَّابق، ولا فرق بين ركن القيام وركن القراءة، فكلاهما ركنٌ مقصودٌ في نفسه.
- مسألةٌ: من سلَّم قبل إتمام صلاته لم يَخْلُ من حالتين:
الأُولى: أن يكون ذلك عمدًا: فتبطل صلاته؛ لأنَّه تكلَّم فيها قبل إتمامها.
الثَّانية: أن يكون ذلك سهوًا: فإن ذكر أنَّه سلَّم قبل إتمام صلاته قريبًا عُرْفًا أتمَّها، فيأتي بما بقي من صلاته، ثمَّ يسجد سجود السَّهو، ولم تبطل صلاته؛ لقصَّة ذي اليدين، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ سلَّم قبل إتمام الصَّلاة، ثمَّ بنى ولم يستأنفْ.
وتبطل في أحوالٍ:
١ - إذا ذكر بعد طول الفصل عُرْفًا: فيستأنف الصَّلاة؛ لإخلاله بالموالاة بين أركان الصَّلاة.
٢ - (وَإِنْ أَحْدَثَ (١) بعد أن سلَّم قبل إتمام الصَّلاة؛ بطلت صلاته، ولزمه استئنافها؛ لأنَّه في حكم المصلِّي، واستمرار الطَّهارة شرطٌ، وقد فات.
стр. 121
٣ - (أَوْ تَكَلَّمَ)، سواءً لمصلحة الصَّلاة، أو لغير مصلحتها، (وَلَوْ) كان كلامه (سَهْوًا).
وعنه: لا تبطل بيسيرٍ لمصلحتها، ومشى عليه في «الإقناع» وغيره، لقصَّة ذي اليدين، ويأتي.
- مسألةٌ: الكلام في الصَّلاة لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون عن عمدٍ: فتبطل الصَّلاة به إجماعًا؛ لحديث معاويةَ بن الحكم ﵁: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» [مسلم: ٥٣٧].
٢ - أن يكون عن سهوٍ، أو جهلٍ، أو يظنُّ أن صلاته تمَّت: فتبطل به أيضًا؛ لعموم الحديث السَّابق.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تبطل؛ لقصَّة ذي اليدين، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ تكلَّم ولم يُعِدِ الصَّلاة، والسَّاهي مثلُه؛ لأنَّ ما عُذِرَ فيه بالجهل عُذِرَ فيه بالنِّسيان.
٣ - (أَوْ قَهْقَهَ) أي: ضحك، ولو لم يَبِنْ حرفان؛ بطلت الصَّلاة، ولزمه استئنافها؛ لأنَّه في حكم المصلِّي، وقد فعل ما يُبْطِلُها، والقهقهة تُبْطِلُ الصَّلاة؛ لما فيها من الاستخفاف والتَّلاعب المناقض لمقصود الصَّلاة، وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك.
٤ - النَّحنحة كالكلام في الحكم، وأشار إليه المصنِّف بقوله:
стр. 122
(أَوْ تَنَحْنَحَ) في الصَّلاة (بِلَا حَاجَةٍ) إلى النَّحنحة (فَبَانَ حَرْفَانِ) منها: (بَطَلَتْ) صلاته؛ لأنَّه من جنس كلام الآدميِّين، فإن كانت لحاجةٍ لم تبطل؛ لقول عليٍّ ﵁: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَدْخَلانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ» [أحمد: ٦٠٨، والنسائي: ١٢١٢].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا تبطل الصَّلاة بالنَّحنحة ولو من غير خشية الله؛ لأنَّها ليست كلامًا.
- فرعٌ: (لَا) تبطل صلاته:
١ - (إِنْ نَامَ) مصلٍّ نومًا يسيرًا قائمًا، أو جالسًا (فَتَكَلَّمَ)؛ لأنَّ النَّائم مرفوعٌ عنه القلم.
٢ - (أَوِ انْتَحَبَ) مصلٍّ؛ بأن رفع صوته بالبكاء، فلا يخلو من أمرين:
١. أن يكون من (خَشْيَةِ) الله تعالى: فلا تبطل؛ لحديث مُطَرِّف بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ» يعني: من البكاء [أحمد: ١٦٣١٢، والنسائي: ١٢١٤].
٢. أن يكون من غير خشية الله، فبان حرفان: بطلت الصَّلاة؛ لأنَّه يدلُّ بنفسه على المعنى، فكان من جنس كلام الآدميِّين، وإن لم يبن حرفان لم تبطل.
стр. 123
واختار شيخ الإسلام: لا تبطل الصَّلاة بالنَّحيب؛ لأنَّه ليس بكلامٍ، ودلالته على المعنى إنَّما هي بالطَّبع لا بالوضع ففارق الكلام.
٣ - (أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ، أَوْ عُطَاسٌ، أَوْ تَثَاؤُبٌ، وَنَحْوُهُ) كبكاءٍ: فلا تبطل، ولو بان حرفان؛ لأنَّه لا يمكنه التَّحرُّز منه.
- ضابطٌ: ذكر شيخ الإسلام أنَّ الألفاظ على ثلاثة أقسامٍ:
الأوَّل: ما دلَّ على معنًى بالوضع؛ إمَّا بنفسه، أو مع لفظٍ غيره: فهذا كلامٌ، وهو الَّذي يُبْطِل الصَّلاةَ، مثل: في، ويد.
الثَّاني: ما دلَّ على معنًى بالطَّبع كالتَّأوُّه، والأنين، والبكاء: فلا يُبْطِلُ الصَّلاة ولو بان حرفان؛ لأنَّه ليس كلامًا.
الثَّالث: ما دلَّ على معنًى لا بالطَّبع ولا بالوضع؛ كالنَّحنحة: فلا تَبْطُل؛ لأنَّها ليست كلامًا.
- مسألةٌ: (وَ) من شكَّ في الصَّلاة هل زاد فيها أو نقص؛ فإنَّه (يَبْنِي عَلَى اليَقِينِ -وَهُوَ الأَقَلُّ-)؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» [مسلم: ٥٧١] .
стр. 124
فـ (ـمَنْ شَكَّ فِي) ترك (رُكْنٍ) فلم يدر هل أتى به أو لا: فهو كمن تركه؛ لأنَّ الأصل عدمه، فيأتي به وبما بعده، ويسجد للسَّهو، (أَوْ) شكَّ في (عَدَدِ رَكَعَاتٍ)، بأن تردَّد أصلى اثنتين أم ثلاثًا: فيبني على الأقلِّ، ويسجد للسَّهو؛ لوقوع موجب السُّجود وهو الشَّكُّ.
- فرعٌ: لا فرقَ بين من غلب على ظنِّه شيءٌ، أو لم يغلب على ظنِّه، فيبني على اليقين مطلقًا، وذلك في جميع حالات الشَّكِّ.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّ الشَّكَّ في جميع أقسامه لا يخلو من أمرين:
١ - إن لم يغلب على ظنِّه شيءٌ: بنى على الأقلِّ؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق، وفيه: «فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ».
٢ - إن غلب على ظنِّه شيءٌ بنى عليه؛ لحديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» [البخاري: ٤٠١، ومسلم: ٥٧٢].
- فرعٌ: (وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ) في ثلاثة مواضعَ:
١ - أن يكون الشَّكُّ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) أي: بعد انتهاء العبادة؛ لأنَّ الأصل صحَّة العبادة.
٢ - أن يكون لا حقيقةَ له، وإنَّما هو مجردُ وهمٍ عارضٍ؛ لأنَّ الوهم لا
стр. 125
عبرةَ به شرعًا.
٣ - أن يكثر الشَّكُّ مع الإنسان؛ لأنَّه يُوَلِّد الوسواس.
(فَصْلٌ) في صلاة التَّطوُّع
- مسألةٌ: (أَفْضَلُ تَطَوُّعِ البَدَنِ) الجهاد، قال أحمدُ: (لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضلَ من الجهاد)، ثمَّ العلم، تعلُّمه وتعليمه؛ لما جاء في فضله، ثمَّ (بَعْدَ الجِهَادِ وَالعِلْمِ: صَلَاةُ التَّطَوُّعِ)؛ لأنَّ فرضها آكد الفروض، فتطوُّعها آكد التَّطوُّعات .
وقال شيخ الإسلام: (والتَّحقيق: أنَّه لا بدَّ لكلٍّ من الآخرين، وقد يكون كلُّ واحدٍ أفضلَ في حال كفعل النَّبيِّ ﷺ وخلفائه بحسب الحاجة والمصلحة).
- مسألةٌ: (وَآكَدُهَا) أي: صلاة التطوُّع: (كُسُوفٌ)؛ لأنَّه ﷺ أمر بها في حديث عائشةَ ﵂ وغيره [البخاري ١٠٥٨، ومسلم ٩٠١]، ولم يتركها عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنَّه كان يستسقي تارةً، ويترك أخرى .
(فَاسْتِسْقَاءٌ)؛ لأنَّه يُشْرَعُ لها الجماعة مطلقًا، أشبهت الفرائض.
стр. 126
(فَتَرَاوِيحٌ)؛ لأنَّه لم يداوم عليها ﷺ خشية أن تُفْرَضَ، لكنَّها أشبهت الفرائض من حيث مشروعيَّةُ الجماعة لها.
(فَوِتْرٌ)؛ لأنَّ الجماعة شُرِعَتْ للتَّراويح مطلقًا بخلاف الوتر، فإنَّه إنَّما تُشْرَعُ له الجماعة تبعًا للتَّراويح.
ثمَّ السُّنن الرَّواتب؛ لأنَّها لا تُفْعَل جماعةً.
واختار ابن عثيمينَ: أنَّ ما تُنُوزِعَ في وجوبه فهو آكدٌ، وعلى هذا فالأفضل: الكسوف؛ لأنَّه قيل بوجوبها، وتُشْرَعُ لها الجماعة مطلقًا، ثمَّ الوتر؛ لأنَّه قيل بوجوبه أيضًا، ثمَّ الاستسقاء؛ لأنَّه لدفع حاجةٍ، ثمَّ التَّراويح.
- مسألةٌ: حكم الوتر: سنَّةٌ مؤكَّدةٌ؛ لمداومة النَّبيِّ ﷺ عليها حضرًا وسفرًا، وليس بواجبٍ؛ لقول عليٍّ ﵁: «الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلَاتِكُمُ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ الله ﷺ » [أحمد ١٢٦١، والترمذي ٤٥٣، والنسائي ١٦٧٥، وابن ماجهْ ١١٦٩] .
واختار شيخ الإسلام: أنَّه واجبٌ على من يتهجَّد من اللَّيل؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» [البخاري ٩٩٨، ومسلم ٧٥١].
- مسألةٌ: عدد ركعات الوتر:
стр. 127
أ (وَأَقَلُّهُ) أي: الوتر: (رَكْعَةٌ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن صلاة اللَّيل فقال: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» [البخاري ٩٩٠، ومسلم ٧٣٩]، ولا يُكْرَهُ الإيتار بها مفردةً؛ لثبوته عن بعض الصَّحابة، كسعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ [ابن أبي شيبة ٦٨٠٩].
ب (وَأَكْثَرُهُ) أي: أكثر الوتر: (إِحْدَى عَشْرَةَ) ركعةً؛ لحديث عائشةَ ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى الفَجْرِ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» [مسلم ٧٣٦].
ت (وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلَاثُ) ركعاتٍ، ولها صفتان:
١ - أن يصلِّيَها (بِسَلَامَيْنِ)، فيصلِّي ركعتين ويسلِّم، ثمَّ الثَّالثة ويسلِّم؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالوِتْرِ بِتَسْلِيمٍ يُسْمِعُنَاهُ» [أحمد ٥٤٦١، وابن حبان ٢٤٣٥]،
٢ - (وَيَجُوزُ بِـ) سلامٍ (وَاحِدٍ سَرْدًا)، لا يجلس إلَّا في آخرهنَّ؛ لحديث أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» [النسائي ١٧٠١].
стр. 128
والصِّفة الأُولى أفضلُ؛ لأنَّها أكثرُ عملًا، قال أحمدُ: (لأنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثرُ).
وخَيَّرَ شيخ الإسلام بين الصُّورتين؛ لورود السُّنَّة بهما جميعًا، والقاعدة: (أنَّ العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعةٍ الأفضل فيها أن يُفْعَلَ بهذا تارةً، وبهذا تارةً).
- مسألةٌ: (وَوَقْتُهُ) أي: الوتر، لا يخلو من أمرين:
الأوَّل: وقت الجواز: وهو (مَا بَيْنِ) صلاة (العِشَاءِ)، ولو مجموعةً مع المغرب تقديمًا، (وَ) بين طلوع (الفَجْرِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى الفَجْرِ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» [مسلم ٧٣٦].
الثَّاني: وقت الاستحباب: وهو آخر اللَّيل لمن يثق من نفسه أن يقوم فيه، وإلَّا أوتَرَ قبل أن ينام؛ لحديث جابرٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» [مسلم ٧٥٥].
- مسألةٌ: (وَيَقْنُتُ فِيهِ) أي: في الوتر، (بَعْدَ الرُّكُوعِ نَدْبًا)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ
стр. 129
يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» [البخاري ٤٥٦٠، ومسلم ٦٧٥]، وعن أبي عثمانَ النَّهديِّ أنَّه سُئِلَ عن القنوت، فقال: (بَعْدَ الرُّكُوعِ)، فقيل: عَمَّنْ؟ فقال: (عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمرَ وَعُثْمَانَ) [ابن أبي شيبة ٧٠٨٥].
فإن قنت قبل الرُّكوع بعد القراءة جاز، ولم يُسَنَّ.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: يُسَنُّ ذلك؛ لحديث أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَتَ فِي الوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) [أبو داود ١٤٢٧]؛ وثبت عن ابن مسعودٍ ﵁ ذلك [ابن أبي شيبة ٦٩٨٣].
وعلى ذلك فيكون من السُّنن المتنوِّعة.
- مسألةٌ: يُسَنُّ أن يدعوَ في قنوته بما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ وأصحابه، (فَيَقُولُ) الإمام، والمنفرد نصًّا (جَهْرًا)، -وقياس المذهب: يخيَّر المنفرد بين الجهر بالقنوت وعدمه، وظاهر كلام جماعةٍ: يختصُّ الجهر بالإمام فقط:
١ - ما ورد عن عمرَ ﵁، وهو: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ، وَنَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي
стр. 130
وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلْحِقٌ) [عبدالرزاق ٤٩٦٨، ٤٩٦٩ بنحوه].
٢ - ما رواه الحسن بن عليٍّ رضي عنهما قال: علَّمَنِي رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في الوتر: (اللَّهُمَّ اهْدِنا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) [أحمد ١٧١٨، وأبو داود ١٤٢٥، والنسائي ١٧٤٥، والترمذي ٤٦٤، وابن ماجه ١١٧٨].
٣ - ما ثبت في حديث عليٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول في آخر وتره: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) [أحمد ٧٥١، وأبوداود ١٤٢٧، والترمذي ٣٥٦٦، والنسائي ١٧٤٦، وابن ماجهْ ١١٧٩].
стр. 131
٤ - (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لوروده في حديث الحسن في آخر دعاء القنوت [النسائي ١٧٤٥، وضعفه الحافظ]، ولفظه: «وَصَلَّى الله عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ»، وثبت عن أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁ [ابن خزيمة ١١٠٠].
- مسألةٌ: (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) إن سمعه؛ فيقول: آمين، قال ابن قدامةَ: لا نعلم فيه خلافًا، لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في قنوت النَّبيِّ ﷺ في النَّوازل: «وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» [أحمد ٢٧٤٦، وأبو داودَ ١٤٤٣] .
- مسألةٌ: ويجمع الإمام الضَّمير؛ لأنَّه يُؤَمَّن على دعائه، (وَيُفْرِدُ مُنْفَرِدٌ الضَّمِيرَ)؛ لأنَّ المحفوظ من أدعيته ﷺ في الصَّلاة أنَّها بلفظ الإفراد .
واختار شيخ الإسلام: أنَّه يدعو بلفظ الجمع وإن كان منفردًا؛ لأنَّه يدعو لنفسه وللمسلمين.
- مسألةٌ: (ثُمَّ يَمْسَحُ) الدَّاعي (وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا) أي: عقب القنوت، (وَخَارِجَ الصَّلَاةِ) إذا دعا؛ لما روى السَّائب عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ، مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ» [أحمدُ ١٧٩٤٣، وأبو داودَ ١٤٩٢] .
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يُسْتَحَبُّ المسح، وسُئِلَ الإمام أحمدُ عن الرَّجُل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر، فقال: (لم أسمع فيه بشيءٍ)، وقال شيخ الإسلام: (ليس فيه إلَّا حديثٌ أو حديثان لا تقوم بهما حجَّةٌ).
стр. 132
ثانيًا: السُّنن الرَّواتب:
- مسألةٌ: (وَ) السُّنن (الرَّوَاتِبُ المُؤَكَّدَةُ) تُفْعَلُ مع الفرائض، ويُكْرَهُ تركها في الحضر؛ لمداومة النَّبيِّ ﷺ عليها في الحضر، قال شيخ الإسلام: (من أصرَّ على تركها - أي السُّنن - دلَّ ذلك على قلَّة دينه، وَرُدَّتْ شهادته في مذهب أحمدَ والشَّافعيِّ وغيرِهما) .
- مسألةٌ: السُّنن الرَّواتب: ) عَشْرُ (ركعاتٍ: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَها، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» [البخاري ١١٨٠، ومسلم ٧٢٩] .
واختار شيخ الإسلام: أنَّها ثنتا عشرَةَ ركعةً، كالمذهب؛ لكن قبل الظُّهر أربعًا؛ لحديث أمِّ حبيبةَ ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» [مسلم ٧٢٨]، وزاد التِّرمذيُّ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ» [الترمذي ٤١٥].
- مسألةٌ: (وَآكَدُهَا) أي: أفضل الرَّواتب (الفَجْرُ)؛ لقول عائشةَ ﵂:
стр. 133
«لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ» [البخاري ١١٨٠، ومسلم ٧٢٤]، (ثُمَّ) سنَّة (المَغْرِبِ)؛ لحديث عُبَيْدٍ مَوْلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ: أكان رسول الله ﷺ يأمر بصلاةٍ بعد المكتوبة، أو سوى المكتوبة؟ قال: «نَعَمْ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ» [أحمد ٢٣٦٥٢]، (ثُمَّ) باقي الرَّواتب (سَوَاءٌ) في الفضيلة.
- مسألةٌ: (وَالتَّرَاوِيحُ) سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، فَعَلَها النَّبيُّ ﷺ بأصحابه، فعن عائشةَ ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى ذات ليلةٍ في المسجد، فصلَّى بصلاته ناسٌ، ثمَّ صلَّى من القابلة، فكثر النَّاس، ثمَّ اجتمعوا من اللَّيلة الثَّالثة أو الرَّابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلمَّا أصبح قال: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» وذلك في رمضانَ [البخاري ١١٢٩، ومسلم ٧٦١]، وجمع عمرُ النَّاس على أُبَيِّ بن كعبٍ ﵃ [البخاري ٢٠١٠]، واتَّفق عليها الصَّحابة .
- مسألةٌ: عدد ركعات التَّراويح (عِشْرُونَ رَكْعَةً بِرَمَضَانَ)؛ لما روى السَّائب بن يزيدَ قال: (كانوا يقومون على عهد عمرَ بن الخطَّاب ﵁ في شهر رمضانَ بعشرين ركعةً) [البيهقي في الكبرى ٤٣٩٣]، ولا بأسَ بالزِّيادة عليها .
стр. 134
وقال شيخ الإسلام: (لا يتوقَّت في قيام رمضانَ عددٌ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يوقِّت فيها عددًا)؛ للإطلاق في حديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» [البخاري ٩٩٠، ومسلم ٧٣٩].
- مسألةٌ: تُسَنُّ التَّراويح (جَمَاعَةً) قال أحمدُ: (كان عليٌّ وجابرٌ وعبدالله يصلُّونها في الجماعة)، (يُسَلِّمُ مِنْهُ كُلَّ ثِنْتَينِ)؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، (بِنِيَّةٍ أَوَّلَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ)، فينوي أنَّهما من التَّراويح أو من قيام رمضانَ .
- مسألةٌ: (وَوَقْتُهَا) أي: التَّراويح، على قسمين:
الأوَّل: وقت الجواز: بأن تُصَلَّى (بَيْنَ) صلاة العشاء -ولو صُلِّيَتْ جمع تقديمٍ- إلى طلوع الفجر؛ لما تقدَّم من أنَّ الوتر يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر، والأفضل بعد (سُنَّةِ عِشَاءٍ)؛ لتأكُّد سنَّتِهَا بعدها، (وَ) بين صلاة (وِتْرٍ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ المتقدَّم: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
- فرعٌ: يُسَنُّ كون التَّراويح (فِي مَسْجَدٍ)؛ لجمع عمرَ ﵁ النَّاس عليها.
(وَ) الثَّاني: وقت الاستحباب: (أَوَّلُ اللَّيْلِ) بعد سنَّة العشاء، وهو
стр. 135
(أَفْضَلُ)؛ لما ورد أنَّ النَّاس في زمن عمرَ ﵄ كانوا يقومون أوَّله [البخاري ٢٠١٠].
وقيل: آخر اللَّيل أفضلُ؛ لقول عمرَ ﵁ لما اجتمع النَّاس للتَّراويح: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ» يريد آخر اللَّيل، وكان النَّاس يقومون أوَّله.
- فرعٌ: (وَيُوتِرُ بَعْدَهَا) أي: التَّراويح (فِي جَمَاعَةٍ)؛ لحديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» [أحمد ٢١٤١٩، وأبوداود ١٣٧٥، والترمذي ٨٠٦، والنسائي ١٣٦٤، ١٣٢٧].
(فَصْلٌ) في صلاة الليل وغيرها
- مسألةٌ: صلاة التَّطوُّع نوعان:
الأوَّل: تطوُّعٌ مُقَيَّدٌ: وهو أفضلُ من التَّطوُّع المطلَق، سواءً قُيِّدَ في الوقت، أو في الحال، فركعَتَيِ الفجر أفضلُ من ركعتين تطوُّعًا مطلقًا باللَّيل.
(وَ) الثَّاني: تطوُّعٌ مُطْلَقٌ، فـ (صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ) منه في النَّهار؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ
стр. 136
الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» [مسلم ١١٦٣]، ولأنَّ اللَّيل محلُّ الغفلة، وعمل السِّرِّ أفضلُ من عمل العلانية.
- فرعٌ: (وَالنِّصْفُ الأَخِيرُ) من اللَّيل (أَفْضَلُ مِنَ) نصفه (الأَوَّلِ)، والثُّلث الَّذي يلي النِّصف الأوَّل أفضلُ مطلقًا؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵄: قال رسول الله ﷺ : «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» [البخاري ٣٤٢٠، ومسلم ١١٥٩].
- مسألةٌ: (ويُسَنُّ):
١ - (قِيَامُ اللَّيْلِ)؛ لحديث أبي أمامةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ» [الترمذي ٣٥٤٩].
٢ - (وَافْتِتَاحُهُ) أي: قيام اللَّيل: (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» [مسلم ٧٦٨].
٣ - (وَنِيَّتُهُ) أي: قيام اللَّيل (عِنْدَ) إرادة (النَّوْمِ)؛ لحديث أبي الدَّرداء رضي الله مرفوعًا: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ» [النسائي ١٧٨٤، وابن ماجه ١٣٤٤].
стр. 137
- مسألةٌ: (وَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ القِيَامِ) في غير ما ورد عن النَّبيِّ ﷺ تطويله، كصلاة الكسوف؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ» [مسلم ٤٨٢] .
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: التَّساوي، وقال شيخ الإسلام: التَّحقيق أنَّ الذِّكر الَّذي في القيام وهو القراءة أفضلُ من ذِكْر الرُّكوع والسُّجود، وأمَّا نفس الرُّكوع والسُّجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا، ولهذا كانت صلاته ﷺ معتدلةً.
- مسألةٌ: (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» [البخاري ١٩٨١، ومسلم ٧٢١] .
- فرعٌ: سُنَّ أن يصلِّيَ الضُّحى (غِبًّا)، بأن يُصَلِّيَ في بعض الأيَّام دون بعضٍ؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» [أحمد ١١١٥٥، والترمذي ٤٧٧].
واختار شيخ الإسلام: استحباب المداومة عليها لمن لم يقم من اللَّيل، حتَّى لا يفوته كلُّ منهما، لحديث أبي سعيدٍ السَّابق، وله قاعدةٌ في ذلك؛ وهي: ما ليس براتبٍ لا يُدَاوِمَ عليه كالرَّاتب.
стр. 138
واختار ابن عثيمينَ: تُسَنُّ مطلقًا لحديث أبي هريرةَ ﵁ السَّابق.
- فرعٌ: (وَأَقَلُّهَا) أي: صلاة الضُّحى (رَكْعَتَانِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ السَّابق، (وَأَكْثرُهَا: ثَمَانِ) ركعاتٍ؛ لحديث أمِّ هانئٍ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» [البخاري ٣١٧١، ومسلم ٣٣٦].
واختار ابن عثيمينَ: لا حدَّ لأكثرِها؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ» [مسلم ٧١٩].
- فرعٌ: (وَوَقْتُهَا) أي: صلاة الضُّحى ينقسم إلى قسمين:
الأوَّل: وقت الجواز: وهو (مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ) أي: من ارتفاع الشَّمس قِيد رمحٍ؛ لقول رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ : يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» [أحمد ٢٢٤٦٩، وأبوداود ١٢٨٩، والترمذي ٤٧٥]، (إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ)، أي: إلى دخول وقت النَّهي بقيام الشَّمس، ويأتي في أوقات النَّهي.
الوقت الثَّاني: وقت الاستحباب: إذا اشتدَّ الحرِّ؛ لحديث زيد بن أرقمَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» [مسلم ٧٤٨]، ومعناه: أن تحمى الرَّمضاء، وهي الرَّمل، فتبرك الفصال من شدَّة الحرِّ.
стр. 139
- مسألةٌ: (وَتُسَنُّ):
١ - (تَحِيَّةُ المَسْجِدِ)، ركعتان فأكثرَ، لكلِّ من دخله، قصد الجلوس به أو لا؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» [البخاري ٤٤٤، ومسلم ٧١٤] (١).
ونصَّ أحمدُ: لا يجلس فيه حتَّى يصلِّيَ، وأمَّا إذا مرَّ فلا بأسَ؛ لظاهر التَّقييد في الحديث، ولما ورد عن نافعٍ: «أنَّ ابن عمرَ كان يمرُّ في المسجد ولا يصلِّي فيه» [ابن أبي شيبة: ٣٤٢٩]، وعن زيد بن أسلمَ أنَّه قال: «كان أصحاب النَّبيِّ ﷺ يدخلون المسجد، ثمَّ يخرجون ولا يصلُّون، ورأيت ابن عمرَ يفعله». [ابن أبي شيبة: ٣٤٢٨].
٢ - (وَسُنَّةُ الوُضُوءِ) عقبه؛ لحديث عثمانَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [البخاري ١٥٩، ومسلم ٢٢٦].
٣ - (وَإِحْيَاءُ مَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ)، أي: التَّنفُّل بين العشاءين؛ لقول أنس بن مالكٍ ﵁ في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الآية [السجدة: ١٦]، قال: «كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا
стр. 140
بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ يُصَلُّونَ» [أبوداود ١٣٢١] (وَهُوَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ)؛ لأنَّه من اللَّيل.
٤ - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ وَلَوْ فِي خَيْرٍ)؛ كحجٍّ وعُمرةٍ إن كان نفلًا، والمراد في ذلك الوقت، فتكون الاستخارة في المباحات والمندوبات، لا في الواجبات والمحرَّمات والمكروهات، (وَيُبَادِرُ بِهِ) أي: بالخير (بَعْدَهَا)؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلِّها، كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن، يقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي» [البخاري ٦٣٨٢].
٥ - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الحَاجَةِ إِلَى الله تَعَالَى، أَوْ إِلَى آدَمِيٍّ)، لحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ مرفوعًا: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللهِ حَاجَةٌ، أَوْ إِلَى
стр. 141
أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» [الترمذي ٤٧٩، وابن ماجهْ ١٣٨٤، وهو ضعيفٌ جدًّا].
وفي فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: أنَّ صلاة الحاجة جاءت بأحاديثَ ضعيفةٍ ومنكرةٍ فيما نعلم، لا تقوم بها حجَّةٌ، ولا تصلح لبناء العمل عليها.
٦ - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّوْبَةِ) إذا أذنب ذنبًا، يتطهَّر، ثمَّ يصلِّي ركعتين، ثمَّ يستغفر الله تعالى؛ لحديث عليٍّ عن أبي بكرٍ ﵃ قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ إِلَّا غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ»، ثمَّ قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [أحمدُ ٢، وأبوداودَ ١٥٢١، والترمذي ٤٠٦، وابن ماجهْ ١٣٩٥].
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ سُجُودُ تِلَاوَةٍ) واختاره ابن عثيمينَ؛ للأوامر الواردة فيه، ولا يجب؛ لما روى زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» [البخاري ١٠٧٣، ومسلم ٥٧٧] .
стр. 142
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه واجبٌ مطلقًا في الصَّلاة وغيرها؛ للأمر به، كقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١].
وأجيب: بأنَّ الأمر صُرِفَ للاستحباب عن الوجوب للأدلَّة السَّابقة، وبأنَّ الذَّمَّ لمن تركه تكذيبًا واستكبارًا؛ ولهذا قال تعالى قبلها: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
- فرعٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بين السُّجود وسببه، فإن طال الفصل لم يسجد؛ لفوات محلِّه.
- مسألةٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) وهو الَّذي يقصد الاستماع؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لجَبْهَتِهِ»، ولمسلمٍ: «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» [البخاري ١٠٧٩، ومسلم ٥٧٥] .
ولا يُسَنُّ السُّجود للسَّامع، وهو من لم يقصد الاستماع؛ لما ثبت عن عثمانَ ﵁: «إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ» [مصنف عبد الرزاق ٥٩٠٦].
- فرعٌ: إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لما روى سليمانُ بن حنظلةَ قال: قرأت عند ابن مسعودٍ السَّجدة فنظرتُ إليه، فقال: «مَا تَنْظُرُ أَنْتَ قَرَأْتَهَا، فَإِنْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» [عبدالرزاق ٥٩٠٧].
стр. 143
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) في غير صلاةٍ (سُجُودُ شُكْرٍ) لله تعالى، (عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) مطلقًا، سواءً كانت النِّعمة عامَّةً أو خاصَّةً، دينيَّةً أو دنيويَّةً؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلهِ ﵎» [أحمد ٢٠٤٥٥، وأبوداود ٢٧٧٤، والترمذي ١٥٧٨، وابن ماجهْ ١٣٩٤] .
- مسألةٌ: (وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ):
الأوَّل: (مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» [أحمد ٤٧٥٦، والترمذي ٤١٩].
وعنه: أنَّ ابتداء النَّهي من بعد صلاة الفجر؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [البخاري ٥٨٦، ومسلم ٨٢٧]، وحديث ابن عمرَ ضعَّفه التِّرمذيُّ.
قال شيخ الإسلام: (ما بعد طلوع الفجر إنَّما سُنَّ للمسلمين السُّنَّة الرَّاتبة وفرضها الفجر، وما سوى ذلك لم يُسَنَّ، ولم يكن منهيًّا عنه إذا لم
стр. 144
يُتَّخَذ سُنَّةً، كما في الحديث الصَّحيح: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» [البخاري ٦٢٤، ومسلم ٨٣٨]).
ويمتدُّ النَّهي (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ لما تقدَّم من حديث أبي سعيدٍ ﵁.
(وَ) الثَّاني: (مِنْ صَلَاة العَصْرِ) ولو مجموعةً في وقت الظُّهر، فيتعلَّق النَّهي في العصر بفِعْلِها لا بالوقت، قال في «المبدع»: بغير خلاف نعلمه، ويمتدُّ النَّهي (إِلَى الغُرُوبِ)؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق.
(وَ) الثَّالث: (عِنْدَ طُلُوعِهَا) أي: الشَّمس، (إِلَى ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ) في رأي العين؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» [مسلم ٨٣١].
(وَ) الرَّابع: (عِنْدَ قِيَامِهَا) أي: الشَّمس (حَتَّى تَزُولَ)، حتَّى يوم الجمعة، لعموم النَّهي في حديث عقبةَ السَّابق.
واختار شيخ الإسلام: أنَّه يُسْتَثْنَى من هذا الوقت يوم الجمعة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [مسلم ٨٥٧].
стр. 145
(وَ) الخامس: (عِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَتِمَّ) الغروب، لحديث عقبةَ بن عامرٍ السَّابق.
- مسألةٌ: (فَيَحْرُمُ فِيهَا ابْتِدَاءُ) صلاة (نَفْلٍ) في هذه الأوقات، ولا تنعقد، (مُطْلَقًا) أي: سواءً كان عالمًا أو ناسيًا أو جاهلًا، حتَّى ما له سببٌ؛ كسنَّةٍ راتبةٍ، وسنَّة وضوءٍ، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (لَا):
١ - (قَضَاءُ فَرْضٍ)؛ لحديث أنسٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» [البخاري ٥٩٧، ومسلم ٦٨٤ واللفظ له].
٢ - (وَفِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ)؛ لحديث جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» [أبوداود ١٨٩٤، والترمذي ٨٦٨، والنسائي ٥٨٤ وابن ماجهْ ١٢٥٤].
٣ - (وَ) فعل صلاة (نَذْرٍ)، بأن نذر أن يصلِّيَ وأطلق، ويجوز نذر الصَّلاة فيها، بأن نذر أن يصلِّيَ وقت النَّهي؛ لأنَّها واجبةٌ، أشبهت الفرائض.