١ - أن يكون من جنس الأرض: فيصحُّ التَّيمُّم عليه مطلقًا، سواءً كان عليه غبارٌ أو لا.
٢ - أن يكون من غير جنس الأرض: فلا يصحُّ التَّيمُّم عليه إلَّا بشرط أن يكون عليه غبارٌ؛ لكي يكونَ التَّيمُّم على الغبار الَّذي من جنس الأرض.
- مسألةٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ) أي: الماء والتُّراب؛ كمن حُبِسَ بمحلٍّ لا ماءَ فيه، ولا ترابَ، أو لم يمكنه استعمالهما؛ كمن به جراحاتٌ لا يمكن مسُّها:
١ - (صَلَّى الفَرْضَ فَقَطْ) دون النَّوافل (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) ولا يؤخِّرها؛ لأنَّ الطَّهارة شرطٌ فلم تُؤَخَّر الصَّلاة عند عدمها كالسُّترة.
٢ - (وَلَا يَزِيدُ) عادم الماء والتُّراب (فِي صَلَاتِهِ عَلَى مُجْزِئٍ)، فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يُسَبِّح أكثر من مرَّةٍ، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوعٍ، وسجودٍ، ونحو ذلك، ولا يتنفَّل؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له الفرض لحاجته إليه؛ لأنَّها صلاةُ ضرورةٍ، فتقيَّدت بالواجب، إذ لا ضرورةَ للزَّائد.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ له فعلَ ما شاء؛ لأنَّ التَّحريم إنَّما ثبت مع إمكان الطَّهارة، ولا تحريم مع العجز.
٣ - (وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂: (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ
стр. 72
الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) [البخاري ٣٣٤، ومسلم ٣٦٧].
- مسألةٌ: (وَفُرُوضُهُ) أي: فروض التَّيمُّم أربعةٌ:
الفرض الأوَّل: (مَسْحُ) جميع (وَجْهِهِ)؛ لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) [المائدة: ٦]، ومنه اللِّحية؛ لأنَّها من الوجه، سوى:
١ - ما تحت الشَّعَر ولو خفيفًا.
٢ - داخل فمٍ وأنفٍ.
(وَ) الفرض الثَّاني: مسح (يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ)، والكوع: مفصل الكفِّ؛ لحديث عمَّارٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» [البخاري ٣٤٧، ومسلم ٣٦٨]، قال ابن القيَّم: (ولم يصحَّ عنه أنَّه تيمَّمَ إلى المرفقين).
(وَ) الفرض الثَّالث: (تَرْتِيبٌ) لحدثٍ أصغرَ دون الحدث الأكبر، فيبدأ بمسح الوجه، ثمَّ اليدين؛ لأنَّ التَّرتيب فرضٌ في الوضوء، والتَّيمُّم بدلٌ عنه.
والوجه الثَّاني، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب التَّرتيب؛ لرواية البخاريِّ في حديث عمَّارٍ ﵁ [٣٤٧]: «ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ
стр. 73
ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»، فعطف الوجه على الكفَّيْن بـ (ثمَّ) الدَّالَّةِ على التَّرتيب، وسائر الرِّوايات مجملةٌ، وفيها عطف الكفَّيْن على الوجه بـ (الواو)، فدلَّ على عدم وجوب التَّرتيب.
(وَ) الفرض الرَّابع: (مُوَالَاةٌ لِحَدَثٍ أَصْغَرَ)، دون الحدث الأكبر، (وَهِيَ) أي: الموالاة في التَّيمُّم (بِقَدْرِهَا) زمنًا (فِي وُضُوءٍ)، بأن لا يُؤَخَّر مسح اليدين بحيث يجفُّ الوجه لو كان مغسولًا؛ لأنَّ الموالاة فرضٌ في الوضوء دون الغسل، والتَّيمُّم بدلٌ عنهما.
والقول الثَّاني في المذهب: اشتراط الموالاة في الحدث الأكبر كذلك؛ بناءً على الرِّواية الثَّانية في المذهب من اشتراط الموالاة في الغسل، فَتُشْتَرَط هنا؛ لأنَّ البدل له حكم المبدَل منه.
(وَ) الفرض الخامس: (تَعِيينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبَرَ، (أَوْ نَجَاسَةٍ) على بدنه -على المذهب -، (فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ)؛ لأنَّها أسبابٌ مختلفةٌ، (وَ) لا يخلو ذلك من أربعة أحوالٍ:
١ - (إِنْ نَوَاهُمَا) أي: الحدث -أصغرَ كان أو أكبرَ- والنَّجاسة على بدنه (أَجْزَأَ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يدخل في العموم فيكون منويًّا.
٢ - إن نوى رفع الحدث الأصغر فقط: لم يرتفع الأكبر؛ لأنَّها أسبابٌ مختلفةٌ.
стр. 74
٣ - إن نوى رفع الحدث الأكبر فقط: لم يرتفع الأصغر؛ لما تقدَّم.
وعند شيخ الإسلام: يرتفع الأصغر أيضًا؛ لدخول الأصغر في الأكبر؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطَّهَّروا)، ولم يأمر بالوضوء.
٤ - إن نوى إزالة النَّجاسة عن بدنه - على المذهب-: لم يرتفع حدثه الأكبر ولا الأصغر.
- مسألةٌ: (وَيُبْطِلُهُ) أي: التَّيمُّم بخمسة أمورٍ:
الأوَّل: (مَا يُبْطِلُ الوُضُوءَ) إن كان تيمُّمُه عن حدثٍ أصغرَ؛ لأنَّه بدلٌ عن الوضوء فحكمه حكمه، ويبطل التَّيمُّم عن حدثٍ أكبرَ بموجباته، إلَّا غسل حيضٍ ونفاسٍ إذا تيمَّمَتْ له، فلا يبطل بمبطلات غسلٍ ووضوءٍ، بل بوجود حيضٍ ونفاسٍ.
(وَ) الثَّاني: (خُرُوجُ الوَقْتِ)؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» [البيهقي ٧٠٩]، ولأنَّه طهارةٌ ضرورةٌ فَتُقَيَّدُ بالوقت.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يبطل بخروج الوقت؛ لأنَّ البدل يقوم مقام المبدَل منه، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄. [رواه حرب الكرماني، ذكره ابن عبدالهادي في التنقيح (١/ ٣٨٢)]، قال ابن القيَّم: (لم يصحَّ عنه التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ، ولا أمرَ به).
(وَ) الثَّالث: (وُجُودُ المَاءِ) المقدور على استعماله بلا ضررٍ؛ إجماعًا
стр. 75
(إِنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِهِ)؛ لحديث أبي ذرٍّ السَّابق: «وَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ».
(وَ) الرَّابع: (زَوَالُ المُبِيحِ لَهُ) أي: للتَّيمُّم، كبُرْء مرضٍ أو جرحٍ تَيَمَّمَ له؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فيزول بزوالها.
(وَ) الخامس: (خَلْعُ مَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ)؛ كخفٍّ، وعمامةٍ، وجبيرةٍ لُبِسَتْ على طهارةِ ماءٍ إن تيمَّم بعد حدثه وهو عليه، سواءً مسحه قبل ذلك أو لا، لقيام تيمُّمه مقام وضوئه، وهو يبطل بخلع ذلك، فكذا ما قام مقامه، والتَّيمُّم وإن اختصَّ بعضوين صورةً فهو متعلِّقٌ بالأربعة حكمًا، وكذا لو انقضت مدَّة مسحٍ.
واختار شيخ الإسلام: لا يبطل تيمُّمه؛ بناءً على عدم بطلان الطَّهارة بخلع الخفِّ، وانقضاء المدَّة، وتقدَّم في المسح على الخفَّيْنِ.
стр. 76
(فَصْلٌ) في النَّجاسات وكيفيَّة تطهيرها
- مسألةٌ: تطهير النَّجاسات على قسمين:
القسم الأوَّل: أن تكون النَّجاسة على غير الأرض، كالثِّياب، والفُرُش، والأواني، ونحوها، فلا تخلو من ثلاثة أنواعٍ:
النَّوع الأوَّل: نجاسةٌ متوسِّطةٌ: وأشار إليها بقوله: (يُشْتَرَطُ لِـ) تطهيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ سَبْعُ غَسَلاتٍ إِنْ أَنْقَتْ) السَّبع؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الأَنْجَاسِ سَبْعًا» [ذكره في المغني ولم نجد من خرَّجه]، (وَإِلَّا) بأن لم تُنقِ بها (فَـ) ـيزيد على السَّبع (حَتَّى تُنْقِيَ) النَّجاسة.
وعنه، واختارها ابن قدامةَ وشيخ الإسلام: لا يُشْتَرَط العدد، ويكفي المكاثرة بالماء؛ لأنَّ الحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا، والحديث المذكور لا أصلَ له بهذا اللَّفظ.
- مسألةٌ: يُشْتَرَط في إزالة النَّجاسة الحكميَّة: أن تكون الإزالة (بِمَاءٍ طَهُورٍ)، فلا تطهر أرضٌ متنجِّسةٌ بغير الماء من المائعات، ولا بالشَّمس، ولا بالرِّيح، ولا بالجفاف؛ لحديث أنسٍ ﵁ في بول الأعرابيِّ السَّابق ،
стр. 77
وفيه: «ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ»، فوجب التَّقيُّد به.
ويُشْتَرَطُ أن تكون (مَعَ حَتٍّ) وهو: فرك الشَّيء اليابس عن الثَّوب، (وَقَرْصٍ) لمحلِّ النَّجاسة، وهو بالصَّاد المهملة: الدَّلك بأطراف الأصابع والأظفار، مع صبِّ الماء عليه، (لِحَاجَةٍ) إلى ذلك، ولو في كلِّ مرَّةٍ (إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرِ المَحَلُّ)، بالحتِّ أو القرص فيسقط.
(وَ) أن يكون ذلك مع (عَصْرٍ مَعَ إِمْكَانِ) العَصْر (فِيمَا تَشَرَّبَ) النَّجاسة بحسب الإمكان، بحيث لا يخاف فساده، (كُلَّ مَرَّةٍ) من السَّبع (خَارِجَ المَاءِ)؛ ليحصل انفصال الماء عنه.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ النَّجاسة تزول بأيِّ مزيلٍ، ولا يُشْتَرَط الماء؛ لسائر أدلَّة الاستجمار، ولأنَّ الحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا، وأمَّا حديث الأعرابيِّ: فلأنَّ الماء أسرعُ في التَّطهير من غيره، لا أنَّ غيره لا يُطهِّر.
النَّوع الثَّاني: النَّجاسة المغلَّظة: وأشار إليها بقوله: (وَكَوْنُ إِحْدَاهَا) والأُولى أَوْلى؛ للحديث الآتي (فِي مُتَنَجِّسٍ بِكَلْبٍ) بجميع أجزائه وفضلاته، (أَوْ) متنجِّسٍ بـ (خِنْزِيرٍ) بجميع أجزائه وفضلاته، أو ما تولَّد منهما أو من أحدهما؛ (بِتُرَابٍ طَهُورٍ) أو نحوه؛ كأُشْنَان وصابون وغيرهما
стр. 78
مع الغسلات السَّبع؛ لأنَّها أبلغ من التُّراب في الإزالة، فيجب ذلك في هذه الثَّلاث فقط دون غيرهما من النَّجاسات؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» [مسلم: ٢٧٩]، والخنزير شرٌّ منه؛ لنصِّ الشَّارع على تحريمه وحرمة اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التَّنبيه، وإنَّما لم ينصَّ الشَّارع عليه؛ لأنَّهم لم يكونوا يعتادونه.
وعند الحنفيَّة واختاره ابن عثيمينَ: أنَّ نجاسة الخنزير ليست نجاسةً مغلَّظةً، بل نجاسةً متوسِّطةً؛ اقتصارًا على مورد النَّصِّ.
- مسألةٌ: (وَيَضُرُّ بَقَاءُ طَعْمٍ) مطلقًا؛ لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته .
و(لَا) يضرُّ بقاء (لَوْنِ) النَّجاسة فقط، (أَوْ رِيحِ) النَّجاسة فقط، (أَوْ هُمَا) أي: اللَّون والرِّيح معًا، (عَجْزًا) أي: عند عدم القدرة على إزالته؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ خولةَ بنت يسارٍ أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إنَّه ليس لي إلَّا ثوبٌ واحدٌ، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ». فقالت: فإن لم يخرج الدَّم؟ قال: «يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُه» [أحمد: ٨٧٦٧، أبو داود: ٣٦٥]، فإن بقي اللَّون أو الرِّيح أو هما معًا مع القدرة على إزالتهما؛ فإنَّه يضرُّ؛ لبقاء عين النَّجاسة.
стр. 79
النَّوع الثَّالث: نجاسةٌ مخفَّفةٌ: وهي شيئان:
١ - (وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ غُلَامٍ) لا غائطه، ولا بول جاريةٍ وغائطها، فإنَّها من النَّجاسة المتوسِّطة، إذا كان الغلام (لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وإن لم يقطر منه شيءٌ؛ لحديث أمِّ قيسٍ بنت محصنٍ ﵂: «أنها أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» [البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧]، وقولها: «لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ» أي: بشهوةٍ واختيارٍ، لا عدم أكله بالكليَّة؛ لأنَّه يُسْقَى الأدوية والسُّكَّر حين الولادة، والتَّفريق بين الغلام والجارية؛ لحديث أبي السَّمح ﵁ مرفوعًا: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ» [أبوداود: ٣٧٦، النسائي: ٣٠٤، ابن ماجهْ: ٥٢٦].
فإن كان الغلام يأكل الطَّعام بشهوةٍ، بحيث يتتَّبع الطَّعام ويشتهيه؛ فإنَّ بوله من النَّجاسة المتوسِّطة.
٢ - قيء الغلام الَّذي لم يأكل الطَّعام لشهوةٍ، فيكفي فيه النَّضح أيضًا؛ لأنَّه أخفُّ من بوله فيكفي نضحه بطريق الأَوْلى.
стр. 80
القسم الثَّاني: أن تكون النَّجاسة على الأرض ونحوها: وأشار إليه بقوله: (وَفِي نَحْوِ صَخْرٍ، وَأَحْوَاضٍ، وأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ -وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ- مُكَاثَرَتُها بِمَاءٍ) من غير اعتبار عددٍ، (حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا)؛ لحديث أنسٍ ﵁: أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : «لَا تُزْرِمُوهُ»، ثمَّ دعا بدلوٍ من ماءٍ فصبَّ عليه. [البخاري: ٦٠٢٥، مسلم: ٢٨٤]، وليس فيه ذكر عددٍ معيَّنٍ، ودفعًا للحرج والمشقَّة، فإن بقي لون النَّجاسة أو ريحها لم تطهر؛ لأنَّه دليل بقائها، (مَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ إِذْهَابِهِمَا أَوْ إِذْهَابِ أَحَدِهِمَا)؛ فتطهر كغير الأرض، (وَلَوْ لَمْ يَزَلِ المَاءُ فِيهِمَا أَيْ: فِي) المنضوح من (بَوْلِ الغُلَامِ، وَفِي الأَرْضِ وَنَحْوِهَا، فَيَطْهُرَانِ مَعَ بَقَاءِ المَاءِ عَلَيْهِمَا)؛ لظاهر ما تقدَّم من الأدلَّة.
- مسألةٌ: (وَلَا تَطْهُرُ أَرْضٌ) متنجِّسةٌ ولا غيرها (بِشَمْسٍ، وَ) لا (رِيحٍ، وَ) لا (جَفَافٍ)؛ لأنَّه ﷺ أمر بغسل بول الأعرابيِّ، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به .
стр. 81
واختار شيخ الإسلام: تطهر بذلك؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «كَانَتِ الكِلابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» [البخاري ١٧٤]، ولو كانت النَّجاسة باقيةً لوجب غسل ذلك، وأمَّا حديث الأعرابيِّ فإنَّ هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض.
- مسألةٌ: (وَلَا) تطهر (نَجَاسَةٌ) عينيَّةٌ بالاستحالة، فلا تطهر (بِنَارٍ، فَرَمَادُهَا) أي: النَّجاسة، وغبارها، وبخارها، (نَجِسٌ)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أَكْلِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» [أبو داود: ٣٧٨٥، والترمذي: ١٨٢٤]، لأنَّها تأكل النَّجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم يَنْهَ عنه .
(وَ) يُسْتَثْنَى أمران:
الأمر الأوَّل: الخمرة، ولا تخلو من قسمين:
الأوَّل: (تَطْهُرُ خَمْرَةٌ) بالاستحالة، وذلك في حالتين أيضًا:
١ - إذا (انْقَلَبَتِ) الخمرة (خَلًّا بِنَفْسِهَا): فتطهر بالإجماع؛ لأنَّ نجاستها لشدَّتها المسكرة وقد زالت، كالماء الكثير إذا زال تغيُّره بنفسه.
٢ - (أَوْ بِنَقْلٍ لَا لِقَصْدِ التَّخْلِيلِ) إذا تخلَّلت: فتطهر؛ لعدم وجود الفعل المحرَّم ممن نقلها.
стр. 82
(وَدَنُّهَا) أي: وعاؤها (مِثْلُهَا)، فيطهر بطهارتها تبعًا لها.
الثَّاني: لا تطهر الخمرة بالاستحالة إذا خلَّلها آدميٌّ قصدًا أو نقلها بقصد التَّخليل؛ لحديث أنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: «لَا» [مسلم: ١٩٨٣]، فدلَّ على أنَّ الخمرة لا تطهر إذا خُلِّلت، ولقاعدة: (من استعجل بشيءٍ قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه).
الأمر الثَّاني: العلقة، الَّتي خُلِقَ منها الآدميُّ أو الحيوان الطَّاهر؛ لأنَّ نجاستها بصيرورتها علقةً فإذا زال ذلك عادت إلى أصلها؛ كالماء الكثير المتغيِّر بالنَّجاسة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تطهر النَّجاسة بالاستحالة؛ قياسًا على الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلًّا، ولأنَّ النَّجاسة استحالت إلى عينٍ أخرى لم يتناولها النَّصُّ لا لفظًا ولا معنًى.
- مسألةٌ: (وَإِنْ خَفِيَتْ نَجَاسَةٌ) في بدنٍ أو ثوبٍ (غَسَلَ) ما احتمل أنَّ النَّجاسة أصابته (حَتَّى يَتَيَقَّنَ غَسْلَهَا)؛ ليخرج من العهدة بيقينٍ، فإن جهل جهتها من بدنٍ أو ثوبٍ، غسله كلَّه .
стр. 83
(فَصْلٌ) في بيان النجاسات
- مسألةٌ: (المُسْكِرُ المَائِعُ) نجسٌ، خمرًا كان أو غيره؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، واختاره شيخ الإسلام .
- مسألةٌ: (وَ) كلُّ (مَا لَا يُؤْكَلُ) لحمه (مِنَ الطَّيْرِ) كصقرٍ، (وَالبَهَائِمِ) كأسدٍ، (مِمَّا) هو (فَوْقَ الهِرِّ خِلْقَةً نَجِسٌ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدَّوابِّ والسِّباع؟ فقال: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ» [أحمد: ٤٦٠٥، وأبو داود: ٦٣، والترمذي: ٦٧، والنسائي: ٥٢، وابن ماجهْ: ٥١٧]، فمفهومه أنَّه ينجس إذا لم يبلغهما .
وعنه، واختارها شيخ الإسلام: أنَّ الحمار والبغل طاهران؛ لأنَّها كانت تُرْكَب في زمنه ﵇، فلو كانا نجسين لبَيَّن النَّبيُّ ﷺ ذلك.
- مسألةٌ: (وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ)؛ لقول الله : (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ
стр. 84
إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥]، (غَيْرَ):
١ - (مَيْتَةِ الآدَمِيِّ)، أمَّا المسلم فلحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» [البخاري ٢٨٥، ومسلم: ٣٧١]، وأمَّا الكافر فلقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، فيلزم من حلِّ طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارةُ أبدانهم.
٢ - (وَالسَّمَكِ)، وسائر ما لا يعيش إلَّا في الماء؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» [أحمد: ٥٧٢٣، وابن ماجهْ: ٣٣٤١].
٣ - (وَالجَرَادِ)؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق.
٤ - ما لا نفسَ له سائلةً: أي: دمٌ يسيل، كعنكبوتٍ، وخنفساءَ، وبعوضٍ، ونحوها، ولا يخلو من أمرين:
١ - إذا كان متولَّدًا من طاهرٍ، لا من نجسٍ: فطاهرٌ مطلقًا، في حال الحياة وفي حال الموت؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» [البخاري: ٣٣٢٠]، والظَّاهر موته بالغمس، لا سيِّما إذا كان الطَّعام حارًّا، ولو نجَّس الطَّعام لأفسده.
٢ - إذا كان ما لا نفس له سائلةً متولَّدًا من نجسٍ؛ كصراصير الكنف ونحوها: فهي نجسةٌ،
стр. 85
وهذا مبنيٌّ على عدم الطَّهارة بالاستحالة، وتقدَّم الكلام عليها.
- مسألةٌ: (وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ عُرْفًا إِنْ عُلِمَتْ نَجَاسَتُهُ)؛ لمشقَّة التَّحرُّز منه، (وَإِلَّا) تتحقَّق نجاسته، بأن عُلِمَ طهارتُه أو شكَّ في نجاسته (فَهُوَ طَاهِرٌ)؛ لأنَّ الأصل فيه الطَّهارة .
- مسألةٌ: (وَلَا يُكْرَهُ) استعمال (سُؤْرُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَهُوَ فَضْلَةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ)؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁ السَّابق: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»، (غَيْرَ):
١ - (دَجَاجَةٍ مُخَلَّاةٍ): أي: متروكة في الخلاء، فَيُكْرَه احتياطًا؛ لأنَّ الظَّاهر نجاسته.
٢ - (وَفَأْرٍ)، فَيُكْرَهُ، قيل: لأنَّه يُورِث النِّسيان، ذكره في «المستوعب» وغيره.
والمنصوص عن أحمدَ: لا يُكْرَهُ، قال في «الفروع»: (وجزم به الأكثر)؛ لأنَّها تطوف، ولعدم إمكان التَّحرُّز منها؛ كحشرات الأرض.
- مسألةٌ: (وَلَوْ أَكَلَ هِرٌّ وَنَحْوُهُ) كفأرٍ، (أَوْ) أكل (طِفْلٌ نَجَاسَةً ثُمَّ
стр. 86
شَرِبَ) الهرُّ ونحوه، أو الطَّفل (وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ) بعد أكل النَّجاسة (مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ) أو مائعٍ، (فَطَهُورٌ)؛ لمشقَّة التَّحرُّز منه، واختاره شيخ الإسلام.
(فَصْلٌ) فِي الحَيْضِ، والنَّفاسِ
- مسألةٌ: (وَأَقلُّ سِنِّ حَيْضٍ) يمكن أن تحيض فيه المرأة: (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ)؛ لأنَّه لم يثبت في الوجود والعادة لأنثى حيضٌ قبل استكمالها، (وَأَكْثَرُهُ: خَمْسُونَ سَنَةً)؛ لقول عائشةَ ﵂: (إِذَا بَلَغَتِ المرَأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الحَيْضِ) [ذكره أحمد، ولم نجد من خرجه (١)].
واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا حدَّ لأكثر سنِّ الحيض، ولا لأقلِّه؛ لإطلاق الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]، فعُلِّقَ الحيض على مجرد وجود الأذى، وما أطلقه الشَّارع عُمِل بمطلق مسمَّاه ووجوده، وأمَّا حديث عائشةَ ﵂ فلم يُرْوَ مسندًا، ولو صحَّ لحُمِل على الغالب.
стр. 87
- مسألةٌ: (وَالحَامِلُ لَا تَحِيضُ)، فإذا رأت الحامل دمًا فهو دمُ فسادٍ، تغتسل عند انقطاعه استحبابًا، إلَّا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثةٍ مع أمارةٍ فنفاسٌ؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايَا أوطاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» [أحمد ١١٥٩٦، وأبو داود ٢١٥٧]، فجعل الحيض علَمًا على براءة الرَّحم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمع معه .
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّ الحامل تحيض؛ لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فعلَّق الحيض على مجرد وجود الأذى، وورد عن عائشةَ ﵂ [الدارمي ٩٦٨].
- مسألةٌ: (وَأَقَلُّهُ) أي: أقلُّ زمنٍ يصلح أن يكون الدَّم فيه دم حيضٍ: (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)؛ لقول عليٍّ ﵁: (أَقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) [ذكره الأصحاب، ولم نجده مسندًا، قال ابن حجرٍ: كأنَّه يشير إلى ما ذكره البخاريُّ تعليقًا عن عليٍّ وشريحٍ وسيأتي قريبًا]، ولأنَّ الشَّرع علَّق على الحيض أحكامًا ولم يبيِّنْه، فعُلِم أنَّه ردَّه إلى العُرْف، كالقبض والحرز، وقد وُجِد حيض معتادٌ يومًا، ولم يُوجَد أقلّ منه، (وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بلياليها؛ لما روي عن ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ»، قيل: وما نقصان دينهنَّ؟ قال: «تَمْكُثُ إِحْداهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تُصُلِّي» [ذكره الأصحاب، ولم نجده مسندًا] .
стр. 88
واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأكثرِه؛ لإطلاق الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)، فعلَّق الحيض على مجرد وجود الأذى، ولم يَرِدْ عن الله ولا عن رسوله، ولا عن الصَّحابة تحديدُ أقلِّ الحيض وأكثره.
- مسألةٌ: (وَغَالِبُهُ) أي: غالب الحيض: (سِتٌّ أَوْ سَبْعُ) ليالٍ بأيَّامها، اتِّفاقًا؛ لقوله ﷺ لحمنةَ بنت جحشٍ لما سألته: «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ الله، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ» [أحمد ٢٧٤٧٤، وأبوداود ٢٨٧، والترمذي ١٢٨، وابن ماجهْ ٦٢٧]
- مسألةٌ: (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَغَالِبُهُ) أي: الطُّهر بين الحيضتين: (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ) أي: أربعةٌ وعشرون يومًا، أو ثلاثةٌ وعشرون يومًا؛ لما روى أحمدُ واحتجَّ به، عن عليٍّ ﵁: أنَّ امرأةً جاءته وقد طلَّقها زوجها، فزعمت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ، فقال عليٌّ لشريحٍ: «قُلْ فِيها»، فقال شريحٌ: إن جاءت ببيِّنةٍ من بطانة أهلها ممَّن يُرْجَى دينه وأمانته فشهدت بذلك، وإلَّا فهي كاذبةٌ، فقال عليٌّ: «قَالُونْ». أي: جيِّدٌ، بالرُّوميَّة. [ابن أبي شيبة ١٩٦٤١]، ووجود ثلاث حيضٍ في شهرٍ، دليلٌ على أنَّ الثَّلاثة عشرَ طهرٌ صحيحٌ يقينًا .
стр. 89
واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا حدَّ لأقلِّه، لإطلاق الأدلَّة كما سبق، وأمَّا أثر عليٍّ ﵁ فلا يدلُّ على التَّحديد.
- مسألةٌ: (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أي: أكثر الطُّهر بين الحيضتين، اتِّفاقًا؛ لأنَّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وقد تحيض في السَّنة مرَّةً واحدةً .
- ضابطٌ عند شيخ الإسلام: (لا حدَّ لأقلِّ سنِّ الحيض، ولا لأكثرِه، ولا لأقلِّ الحيض، ولا لأكثرِه، ولا لأقلِّ الطُّهر، ولا لأكثرِه).
- مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) أي: الحائض، وكذا النُّفساء: (فِعْلُ صَلَاةٍ، وَلَا تَقْضِيهَا، وَ) يحرم (فِعْلُ صَوْمٍ، وَتَقْضِيهِ) إجماعًا؛ لقول عائشةَ ﵂: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» [البخاري ٣٢١، ومسلم ٣٣٥] .
- مسألةٌ: (وَ) الاستمتاع بالحائض لا يخلو من ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: (وَطْؤُهَا فِي فَرْجٍ)، فيحرم إجماعًا، إلَّا لمن به شَبَقٌ؛ لحديث أنسٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» [مسلم ٣٠٢].
- فرعٌ: (وَيَجِبُ فِيهِ) أي: بوَطْء الحائض في الفرج قبل انقطاع الدَّم: (دِينَارٌ) أي: مثقالٌ من الذَّهب = (٤.٢٥٠) غرام، (أَوْ نِصْفُهُ) على التَّخيير
стр. 90
(كَفَّارَةً)، وهو من المفردات؛ لما روى ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ في الَّذي يأتي امرأته وهي حائضٌ قال: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» [أحمد ٢٠٣٢، وأبو داود ١٠٦، والترمذي ١٣٦].
فإن جامع بعد انقطاع الدَّم وقبل الغسل حَرُمَ، ولم تجب الكفَّارة؛ لقوله في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: (وهي حائضٌ).
القسم الثَّاني: الاستمتاع بها بما فوق السُّرَّة وتحت الرُّكبة: جائزٌ بالإجماع؛ لحديث حرام بن حكيمٍ، عن عمِّه، أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ قال: «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» [أبوداود ٢١٢].
القسم الثَّالث: الاستمتاع بها بما تحت السُّرَّة وفوق الرُّكبة بغير الجماع: فجائزٌ؛ لحديث أنسٍ السَّابق، وأمَّا حديث: «لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»، فيحمل على الاستحباب جمعًا بين الأدلَّة.
وأشار إلى هذين القسمين بقوله: (وَتُبَاحُ المُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَهُ) أي: دون الفرج.
- مسألةٌ: (وَالنِّفَاسُ) وهو: دمٌ ترخيه الرَّحِم للولادة وبعدها، وهو بقيَّة الدَّم الَّذي احْتُبِسَ في الرَّحِم مدَّة الحمل لأجله .
- مسألةٌ: النِّفاس (لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ)؛ لأنَّه لم يرد تحديده، فَرُجِعَ فيه إلى الوجود، وقد وُجِدَ قليلًا وكثيرًا ،
стр. 91
(وَأَكْثرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) من ابتداء خروج بعض الولد؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا» [أبوداود ٣١١، الترمذي ١٣٩، ابن ماجهْ ٦٤٨]، وحكاه أحمدُ عن بعض الصَّحابة: كعمرَ [عبدالرزاق ١١٩٧]، وابن عبَّاسٍ [الدارمي ٩٦٢] ﵃، ولا يُعْرَفُ لهم مخالفٌ في عصرهم.
واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا حدَّ لأقلِّ النِّفاس ولا لأكثره؛ لأنَّه لم يرد ما يدلُّ على التَّحديد، والأصل: (أنَّ ما يخرج بسبب الولادة أنَّه نفاسٌ)، ولكن إن اتَّصل فهو دمُ فسادٍ، وأمَّا الآثار فهي مبنيَّةٌ على غالب النِّفاس.
- مسألةٌ: (وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أي: النِّفاس (بِوَضْعِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إِنْسَانٍ)، ولو خفيًّا فلو وضعت علقةً، أو مضغةً لا تخطيطَ فيها، لم يثبت لها بذلك حكم النِّفاس، وأقلُّ ما يتبيَّن فيه خلق الإنسان: واحدٌ وثمانون يومًا، وغالبها: ثلاثة أشهرٍ .
- مسألةٌ: (وَالنَّقَاءُ زَمَنُهُ) أي: زمن النِّفاس (طُهْرٌ)؛ لأنَّ الله تعالى وصف الحيض بكونه أذًى، فإذا ذهب الأذى زال حكمه، والنِّفاس مثله .
- مسألةٌ: (وَيُكرَهُ الوَطْءُ فِيهِ) أي: في النَّقاء من النِّفاس قبل الأربعين بعد الغسل، وهو من المفردات؛ لأنَّ عثمانَ بن أبي العاص ﵁ كان يقول
стр. 92
للمرأة من نسائه إذا نفست: (لا تقربيني أربعين ليلةً) [عبدالرزاق ١٢٠٢].
وعنه، وفاقًا للثَّلاثة: لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ علَّة تحريم الوطء وجود الأذى، فإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه، وما ورد عن عثمانَ ﵁ لا يصحُّ، ولو صحَّ فهو على سبيل الاحتياط.
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: النِّفاس (كَحَيْضٍ فِي) جميع (أَحْكَامِهِ)، فهو كالحيض:
- فيما يحلُّ: كالاستمتاع بما دون الفرج.
- وفيما يحرم به: كالصَّلاة والصَّوم والوطء في الفرج.
- وفيما يجب به: كالغسل، والكفَّارة بالوطء.
- وفيما يسقط به: كسقوط قضاء الصَّلاة، ووجوب الصَّوم.
ويختلف النِّفاس عن الحيض في مسائلَ، أشار المصنِّف إلى بعضها بقوله: (غَيْرَ):
١ - (عِدَّةٍ): فإنَّ المفارَقَة في الحياة تعتدُّ بالحيض، وكلُّ حيضة تحسب من العدَّة، ولو طُلِّقَتْ في نفاسها اعتدَّت بثلاث حيضٍ، ولا يُحْسَبُ دم النِّفاس من العدَّة.
٢ - (وَبُلُوغٍ)، فيثبت البلوغ بالحيض دون النِّفاس؛ لحصول البلوغ بالإنزال السَّابق للحمل.
стр. 93
(كِتَابُ الصَّلَاةِ)
الصَّلاة في اللُّغة: الدُّعاء ، قال الله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم.
وفي الشَّرع: التَّعبُّد لله تعالى بأقوالٍ وأفعالٍ مخصوصةٍ، مفتتحةٍ بالتَّكبير مختتمةٍ بالتَّسليم.
- مسألةٌ: (تَجِبُ) الصَّلوات (الخَمْسُ) في اليوم واللَّيلة (عَلَى كُلِّ):
١ - (مُسْلِمٍ)، فلا تجب على كافرٍ وجوب أداءٍ، بلا خلافٍ، لحديث ابن عبَّاسٍ لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الصَّلاة بعد الإسلام لا قبله.
لكنَّ الكافر يتوجَّه إليه خطاب وجوب التَّكليف؛ لأنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة.
٢ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ
стр. 94
الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجهْ ٢٠٤١].
٣ - (إِلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ)، فلا تجب عليهما ولا تقضيانها بالإجماع؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ مرفوعًا: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» [البخاري ٣٠٤].
- مسألةٌ: (وَمَنْ تَرَكَها) أي: الصَّلاة لم يَخْلُ من أمرين:
الأوَّل: أن يترك الصَّلاة (جُحُودًا)، أي: جاحدَ وجوبِ صلاةٍ من الخمس (فَقَد ارْتَدَّ) بغير خلافٍ، (وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ المُرْتَدِّينَ) إن كان ممَّن لا يجهله، كمن نشأ بدار الإسلام؛ لأنَّه مكذِّبٌ لله ولرسوله ولإجماع الأمَّة.
وإن ادَّعى الجهل كحديث الإسلام، عُرِّف وجوبها ولم يُحْكَم بكفره؛ لأنَّه معذورٌ، فإن أصرَّ كَفَرَ.
الثَّاني: أن يترك الصَّلاة تهاونًا أو كسلًا، لا جحودًا، فيكفر كذلك، وهو من المفردات؛ لما روى جابرٌ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» [مسلم ١٣٤]، ولإجماع الصَّحابة على ذلك.
стр. 95
(فَصْلٌ) في الأذان والإقامة
- مسألةٌ: (الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ فَرْضَا كِفَايةٍ)؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁: قال ﷺ : «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [البخاري: ٦٢٨، ومسلم: ٦٧٤]، وهذا أمرٌ يفيد الوجوب، وقوله (أَحَدُكُمْ) يدلُّ على أنَّه على الكفاية، وهو من المفردات .
- مسألةٌ: يجب الأذان والإقامة (عَلَى) من اجتمعت فيه ثلاثة شروطٍ:
الشَّرط الأوَّل: أن يكونوا جماعةً، اثنين فأكثرَ؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ السَّابق.
الشَّرط الثَّاني: أن يكونوا من (الرِّجَالِ) دون الخناثى والنِّساء، ويُكْرَهَان لهما، ولو بلا رفع صوتٍ؛ لقول عائشةَ ﵂: «كُنَّا نُصَلِّي بِغَيْرِ إِقَامَةٍ» [البيهقي في الكبرى: ١٩٢٣].
стр. 96
الشَّرط الثَّالث: أن يكون الرِّجال من (الأَحْرَارِ) دون الأرقَّاء؛ لأنَّ فرض الكفاية لا يلزم رقيقًا في الجملة.
واختار السِّعدي: أنَّه لا فرقَ بين الأحرار والأرقَّاء؛ لعموم الأدلَّة، وللقاعدة الشَّرعيَّة: «أنَّ الأصل تساوي الأرقَّاء والأحرار في العبادات البدنيَّة المحضة إلَّا بدليلٍ».
- مسألةٌ: (ويُسَنَّانِ) أي: الأذان والإقامة، (لِمُنْفَرَدٍ)، ولا يجبان، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁ مرفوعًا: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ الله : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» [أحمد: ١٧٤٤٢، وأبو داود: ١٢٠٣ والنسائي: ٦٦٦] .
- مسألةٌ: (وَ) يسنان، أي: الأذان والإقامة (سَفَرًا)، ولا يجبان عليه؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه كان لا يؤذِّن في السَّفر ويقول: «إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ» [مالك: ٢٣٧] .
وعنه: أنَّ حكم السَّفر حكم الحضر، فيجبان؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁، وفي بعض ألفاظه: «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [النسائي: ٦٣٤].
стр. 97
- مسألةٌ: (وَلَا يَصِحَّانِ) أي: الأذان والإقامة (إِلَّا) بأحدَ عشرَ شرطًا:
الشَّرط الأوَّل: أن يكون الأذان والإقامة (مُرَتَّبَيْنِ) فإن نكسهما لم يصحَّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُتَعَبَّدٌ به فلا يجوز الإخلال بنظمه كأركان الصَّلاة.
والشَّرط الثَّاني: أن يكون الأذان والإقامة (مُتَوَالِيَيْنِ عُرْفًا)؛ ليحصل الإعلام، فإن حصل فصلٌ طويلٌ عُرْفًا بطل؛ الأذان؛ للقاعدة الشَّرعيَّة: (أنَّ كلَّ عبادةٍ مركَّبةٍ من أجزاء يُشْتَرَطُ فيها التَّرتيب والموالاة إلَّا لدليلٍ).
والشَّرط الثَّالث: أن يكون الأذان (بِنِيَّةٍ)؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
والشَّرط الرَّابع: أن يكون الأذان من واحدٍ، فلو أذَّن واحدٌ بعضَه وكمَّله آخرُ لم يُعْتَدَّ به، قال في «الإنصاف»: (بلا خلافٍ أعلمه).
والشَّرط الخامس: أن يكون الأذان (مِنْ ذَكَرٍ)؛ لأنَّ الَّذي كان يتولَّى الأذانَ على عهد رسول الله ﷺ هم الرِّجال، فلا يعتدُّ بأذان خنثى أو أنثى؛ لعدم مشروعيَّته في حقِّهنَّ.
والشَّرط السَّادس: أن يكون من (مُسْلِمٍ)؛ فلا يعتدُّ بأذان كافرٍ؛ لعدم النِّيَّة.
والشَّرط السَّابع: أن يكون الأذان من (عَاقِلٍ)؛ فلا يصحُّ من مجنونٍ؛ كسائر العبادات.
стр. 98
والشَّرط الثَّامن: أن يكون الأذان من (مُمَيِّزٍ) فلا يعتدُّ بأذان غير المميِّز؛ لأنَّه ليس من أهل العبادات، ولا يُشْتَرَطُ أن يكون بالغًا بل يصحُّ من المميِّز للبالغين؛ لقول عبد الله بن أبي بكرٍ: (كان عمومتي يأمروني أن أؤذِّن لهم وأنا غلامٌ لم أحتلم، وأنسٌ شاهدٌ فلم ينكر ذلك) [الأوسط ٣/ ٤١]، ولصحَّة صلاته كالبالغ.
وعنه، واختارها شيخ الإسلام: أنَّ الأذان الَّذي يسقط به الفرض لا يجوز أن يباشره الصَّبيُّ، ولا يسقط به، ولا يُعْتَمَد عليه في العبادات، وأمَّا الأذان الَّذي يكون سنَّةً مؤكَّدةً؛ كالمساجد الَّتي في المصر الواحد فيجوز.
والشَّرط التَّاسع: أن يكون الأذان من (نَاطِقٍ)؛ ليحصل الإعلام به.
والشَّرط العاشر: أن يكون الأذان من (عَدْلٍ) فلا يُعْتَدُّ بأذان فاسقٍ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ خبرُه، (وَلَوْ ظَاهِرًا) أي: ولو كانت العدالة في الظَّاهر فقط، فيصحُّ الأذان من مستور الحال، قال في «الشَّرح»: (بغير خلافٍ علمناه).
وعنه: لا تُشْتَرَطُ العدالة، فيعتدُّ بأذان الفاسق؛ لأنَّ الأذان مشروعٌ لصلاته، وهو من أهل العبادة.
الشَّرط الحاديَ عشرَ: أن يكون الأذان (بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ) الصَّلاة؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال ﷺ : «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» [البخاري: ٦٢٨، ومسلم: ٦٧٤]، وذلك
стр. 99
إذا كان الأذان (لِغَيْرِ) صلاة (فَجْرٍ).
- فرعٌ: (وَيَصِحُّ لَهُ) أي: للفجر (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» [البخاري: ٦١٧، ومسلم: ١٠٩٢]، وعُلِّقَ بنصف اللَّيل؛ لتعلَّق كثيرٍ من الأحكام الشَّرعيَّة عليه؛ كخروج وقت العشاء المختار، والدَّفع من مزدلفةَ، ونحوها.
وفي روايةٍ: لا يصحُّ للفجر قبل وقته إلَّا أن يعاود بعده؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» [البخاري: ٦١٧]، وأمَّا حديث بلالٍ فليس بأذانٍ للفجر؛ بل «لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ» كما في حديث ابن مسعودٍ ﵁ [البخاري: ٦٢١، مسلم: ١٠٩٣].
وقال شيخ الإسلام: لا يُسْتَحَبُّ تقديم الأذان الَّذي قبل الفجر قبل الوقت كثيرًا؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: كان لرسول الله ﷺ مؤذِّنانِ: بلالٌ، وابنُ أمِّ مكتومٍ الأعمى، فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ: ولم يكن بينهما إلَّا أن ينزل هذا ويرقى هذا. [مسلم: ١٠٩٢].
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الأذان المختار أذان بلالٍ، وهو: (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، بِلَا تَرْجِيعٍ، وَهِيَ) أي: الإقامة المختارة هي إقامة بلالٍ:
стр. 100
(إِحْدَى عَشْرَةَ) جملةً (بِلَا تَثْنِيَةٍ)؛ لحديث عبدالله بن زيدٍ ﵁ [أحمد ١٦٤٧٧، وأبوداود: ٤٩٩، والترمذي ١٨٩، وابن ماجهْ ٧٠٦].
(وَيُبَاحُ تَرْجِيعُهُ) أي: الأذان، والتَّرجيع: أن يأتَي المؤذِّن بالشَّهادتين مرَّتين، يخفض بهما صوته، ثمَّ يُرَجِّعَ؛ فيأتيَ بهما مرَّتين أُخْرَيَيْنِ يرفع بهما صوته؛ لحديث أبي محذورةَ رضي الله: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» [مسلم ٣٧٩].
(وَ) يُبَاحُ أيضًا (تَثْنِيَتُهَا) أي: الإقامة؛ لحديث أبي محذورةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» [أحمد ١٥٣٧٩، وأبوداود: ٥٠٠، والنسائي ٦٢٧، وابن ماجهْ ٧٠٦].
واختار شيخ الإسلام: أنَّ الكلَّ سنَّةٌ، والقاعدة: «أنَّ العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعةٍ ينبغي للإنسان أن يفعلَها على هذه الوجوه».
- مسألةٌ: (وَحَرُمَ) على من وجبت عليه الصَّلاة (خُرُوجٌ مِنْ مَسْجِدٍ بَعْدَهُ) أي: بعد الأذان؛ لحديث أبي الشَّعثاء قال: كنَّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرةَ ﵁، فأذَّن المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتبعه
стр. 101
أبو هريرةَ بصره حتَّى خرج من المسجد، فقال أبو هريرةَ: «أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » [مسلم: ٦٥٥] ويُسْتَثْنَى من ذلك:
١ - إذا خرج لعذرٍ، أمَّا إذا كان (بِلَا عُذْرٍ) فلا يجوز.
٢ - (أَوْ) كان خروجه بـ (نِيَّةِ رُجُوعٍ): فإن لم يَنْوِ الرُّجوع بخروجه لم يَجُزْ.
٣ - إذا كان قد صلَّى الفرض.
٤ - إذا كان الأذان للفجر قبل الوقت.
٥ - زاد بعض الأصحاب: إذا أراد أن يُصلِّيَ في مسجدٍ آخرَ.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ أَذَانٌ فِي يُمْنَى أُذُنَيْ مَوْلُودٍ) ذكرًا كان أو أنثى (حِينَ يُولَدُ)؛ لحديث أبي رافعٍ ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ» [أحمد ٢٧١٨٦، وأبوداود: ٥١٠٥] .
(وَ) سُنَّ (إِقَامَةٌ فِي) أذنه (اليُسْرَى)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَوْمَ وُلِدَ، فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي
стр. 102
أُذُنِهِ الْيُسْرَى» [البيهقي في شعب الإيمان ٨٢٥٥، وضعفه].
واختار ابن عثيمينَ: التَّأذين فقط؛ لضعف الحديث الوارد في الإقامة.
وقال ابن بازٍ: ورد في التَّأذين بعض الأحاديث، وفي سندها مقالٌ، وله شواهدُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ولم يفعله النَّبيُّ ﷺ لما وُلِدَ له إبراهيمُ، ولا مع أولاد الأنصار لما كانوا يأتون إليه بأولادهم للتَّحنيك، فإذا فعله المؤمن فحسنٌ، وإن تركه فلا بأسَ.
(فَصْلٌ) في شروط صحَّة الصَّلاة
- مسألةٌ: (وَشُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ سِتَّةٌ):
الشَّرط الأوَّل: الـ (طَهَارَةُ) من (الحَدَثِ) الأكبر والأصغر؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لا يَقْبَلُ الله صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» [البخاري: ٦٩٥٤، ومسلم: ٢٢٥].
(وَ) الشَّرط الثَّاني: (دُخُولُ الوَقْتِ): وهو شرطٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى ﴿? ? ? ? ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقال عمرُ: (الصَّلاة لها وقتٌ شرطه الله لها
стр. 103
لا تصحُّ إلَّا به) [المحلى ٢/ ٢٣٩].
(وَ) الشَّرط الثَّالث: (سَتْرُ العَوْرَةِ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١]، ولحديث عائشةَ مرفوعًا: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» [أحمد: ٢٥١٦٧، وأبوداود: ٦٤١، والترمذي: ٣٧٧، وابن ماجهْ: ٦٥٥]. قال ابن عبد البرِّ: (أجمعوا على فساد صلاة مَنْ ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلَّى عريانًا).
(وَ) الشَّرط الرَّابع: (اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ)؛ كبولٍ، وغائطٍ، ونحوهما؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ولحديث أنسٍ ﵁ مرفوعًا: «تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ» [الدارقطني: ٤٥٩].
(وَ) الشَّرط الخامس: (اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ) أي: الكعبة أو جهتها لمن بَعُدَ؛ لقوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وحكى ابن حزمٍ وغيرُه الإجماعَ عليه.
(وَ) الشَّرط السَّادس: (النِّيَّةُ)، وهي لغةً: القصد، (وَمَحَلُّهَا القَلْبُ، وَحَقِيقَتُهَا: العَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ)، فلا تصحُّ الصَّلاة بدون النِّيَّة؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]، (وَلَا تَسْقُطُ) النِّيَّة (بِحَالٍ)؛ لأنَّ محلَّها القلب، فلا يتأتَّى العجز عنها.
стр. 104
- مسألةٌ: (وَشَرْطُهَا) أي: النِّيَّة:
١ - (الإِسْلَامُ)، لأنَّ العبادات لا تصحُّ من الكافر.
٢ - (وَالعَقْلُ)؛ لعدم تصوُّر النِّيَّة بدون العقل.
٣ - (وَالتَّمْيِيزُ)؛ لأنَّ غير المميِّز لا قصدَ له.
- مسألةٌ: (وَزَمَنُهَا) أي: النِّيَّة على أقسامٍ:
القسم الأوَّل: أن تكون (أَوَّلَ العِبَادَةِ)، فهذا مسنونٌ، بأن يأتي بالتَّكبير للصَّلاة عقب النِّيَّة؛ لتكون النِّيَّة مقارنةً للعبادة.
القسم الثَّاني: (أَوْ) أن تكون النِّيَّة (قُبَيْلَهَا) أي: قبيل العبادة (بِـ) زمنٍ (يَسِيرٍ) على تكبيرة الإحرام، فتصحُّ إن كان في الوقت؛ لأنَّ تقدُّم النِّيَّة على التَّكبير بالزَّمن اليسير لا يُخْرِجُ الصَّلاة عن كونها منويَّةً، ولأنَّ في اعتبار المقارنة حرجًا ومشقَّةً، فوجب سقوطه.
وقيل: يُعتدُّ بالنِّيَّة ولو قبل الوقت؛ لأنَّ النِّيَّة شرطٌ، والشَّرط يجوز تقديمه على الوقت كالطَّهارة.
القسم الثَّالث: أن تتقدَّم بزمنٍ طويلٍ عُرْفًا: فلا تصحُّ الصَّلاة؛ لأنَّه يُخْرِج الصَّلاة عن كونها منويَّةً.
وفي وجهٍ اختاره شيخ الإسلام: يجوز بزمنٍ طويلٍ ما لم يفسخها؛
стр. 105
قياسًا على الصَّوم؛ فإنَّ النِّيَّة تصحُّ من غروب الشَّمس.
فَصْلٌ
تنقسم أقوال الصَّلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسامٍ:
الأوَّل: الرُّكن: وهو ما لا يسقط عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا، وأطلقوا عليه: الرُّكن، تشبيهًا له بركن البيت الَّذي لا يقوم إلَّا به؛ لأنَّ الصَّلاة لا تتمُّ إلَّا به، وبعضهم يُسَمِّيهِ: «فرضًا»، والخلاف لفظيٌّ.
الثَّاني: الواجب: وهو ما تبطل الصَّلاة بتركه عمدًا، لا سهوًا أو جهلًا، ويُجْبَرُ بسجود السَّهْو.
الثَّالث: السُّنَّة: وهي ما لا تبطل بتركه؛ ولو عمدًا.
- مسألةٌ: (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) بالاستقراء، وهي:
الأوَّل: (قِيَامٌ فِي فَرْضٍ) لقادرٍ؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، ولحديث عمرانَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧].
(وَ) الرُّكن الثَّاني: (تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
стр. 106
(وَ) الرُّكن الثَّالث: (قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ)، وهي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ للإمام والمنفرد؛ لحديث عبادةَ ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]،
(وَ) الرُّكن الرَّابع: (رُكُوعٌ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» [البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧].
إلَّا ما بعد الرُّكوع الأوَّل في صلاة الكسوف فسنَّةٌ، وكذا الرَّفع منه، والاعتدال بعده.
(وَ) الرُّكن الخامس: (رَفْعٌ مِنْهُ)، أي: من الرُّكوع؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الرُّكن السَّادس: (اعْتِدَالٌ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا».
(وَ) الرُّكن السَّابع: (سُجُودٌ) إجماعًا؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا»، فيسجد على الأعضاء السَّبعة وجوبًا، ومنها الأنف؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» [البخاري ٨١٢، ومسلم ٤٩٠].
(وَ) الرُّكن الثَّامن: (رَفْعٌ مِنْهُ) أي: من السُّجود؛ لما يأتي، ويغني عنه
стр. 107
ما بعده.
(وَ) الرُّكن التَّاسع: (جُلُوسٌ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ)؛ لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» [أبو داود ٨٥٦].
(وَ) الرُّكن العاشر: (وَطُمَأْنِينَةٌ فِي) كلِّ (فِعْلٍ) من الأفعال المذكورة؛ للأمر بها في حديث المسيء في صلاته، وقال شيخ الإسلام: (الرُّكوع والسُّجود في لغة العرب لا يكون إلَّا إذا سكن حين انحنائه).
- فرعٌ: (وَهِيَ) أي: الطُّمأنينة: حصول (السُّكُونِ وَإِنْ قَلَّ).
واختار المجد: أنَّها بقدر الذِّكْر الواجب.
(وَ) الرُّكن الحاديَ عشرَ: (تَشَهُّدٌ أَخِيرٌ)؛ لحديث ابن مسعودٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلهِ ... » [مسلم ٥٨٠].
(وَ) الرُّكن الثَّانيَ عشرَ: (جُلُوسٌ لَهُ) أي: للتَّشهُّد الأخير (وَلِلتَّسْلِيمَتَيْنِ)؛ لمداومته ﷺ على الجلوس لذلك، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري ٦٣١]، وأمَّا عدم ذكره في حديث المسيء في صلاته؛ فلأنَّه ﷺ علَّمَه ما أساء فيه.
- فرعٌ: (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أي: من التَّشهُّد الأخير قول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى
стр. 108
مُحَمَّدٍ)؛ لظاهر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: ٥٦]، (بَعْدَ مَا يُجْزِئُ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، وَالمُجْزِئُ مِنْهُ) أي: من التَّشهُّد الأوَّل: (التَّحِيَّاتُ لله، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ الله، سَلَامٌ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)، وما زاد عليه سنَّةٌ؛ لاتِّفاق جميع الرِّوايات على ذلك، بخلاف ما عداه فإنَّه أُثْبِتَ في بعضها، وتُرِكَ في بعضها.
قال الشَّارح: (وفي هذا القول نظرٌ، فإنَّه يجوز أن يجزئَ بعضها عن بعض على سبيل البدل؛ كقولنا في القراءات، ولا يجوز أن يسقط ما في بعض الأحاديث إلَّا أن يأتيَ بما في غيره من الأحاديث).
(وَ) الرُّكن الثَّالثَ عشرَ: (التَّسْلِيمَتَانِ) وهو من المفردات؛ لحديث عليٍّ ﵁: قال ﷺ : «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجهْ ٢٧٥]، قال القرافيُّ: (فحصر التَّحليل بالتَّسليم، وهذا يدلُّ على الوجوب).
وعنه، واختاره الموفَّق والشَّارح: أنَّ التَّسليمة الأُولى ركنٌ، والثَّانية سُنَّةٌ؛ لحديث عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ
стр. 109
وَجْهِهِ» [الترمذي ٢٩٦، ابن ماجهْ ٩١٨]، وفي روايةٍ: أنَّ ذلك في صلاة الوتر [أحمد ٢٥٩٨٧، وأبو داود ١٣٤٦]، والقاعدة: أنَّ ما ثبت في النَّفل ثبت في الفرض إلَّا لدليلٍ، ورُويت التَّسليمة الواحدة: عن ابن عمرَ، وعائشةَ وأنسٍ ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٣٠١].
(وَ) الرُّكن الرَّابعَ عشرَ: (التَّرْتِيبُ) بين الأركان؛ لأنَّه ﷺ كان يصلِّيها مُرَتَّبةً، وعلَّمها للمسيء في صلاته مُرَتَّبة بـ (ثمَّ).
- مسألةٌ: (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: الصَّلاة (ثَمَانِيَةٌ):
الأوَّل: (تَكْبِيرٌ) للانتقال؛ لحديث أنسٍ ﵁: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، ولورده في بعض ألفاظ المسيء في صلاته [أبو داود ٨٥٧].
- فرعٌ: التَّكبير في الصَّلاة واجبٌ (لِغَيْرِ):
١ - (الإِحْرَامِ)، أي: تكبيرة الإحرام فركنٌ، لما سبق.
٢ - تكبيرة المسبوق لمن أدرك الإمام راكعًا، فإنَّها سُنَّةٌ.
٣ - التَّكبيرات الزَّوائد في العيدين والاستسقاء، فإنَّها سُنَّةٌ.
٤ - تكبيرات الجنازة، فإنَّها ركنٌ.
(وَ) الثَّاني: (تَسْمِيعٌ)، أي: قول: «سمع الله لمن حمده»، (لإِمَامٍ
стр. 110
وَمُنْفَرِدٍ) دون مأمومٍ، لحديث المسيء صلاته السَّابق: «ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا»، وتقدَّم في صفة الصَّلاة.
(وَ) الثَّالث: (تَحْمِيدٌ)، أي: قول: «ربَّنا ولك الحمد»، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ، لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» [البخاري ٧٦٩، ومسلم ٤٠٩].
(وَ) الرَّابع: (تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي رُكُوعٍ)، بأن يقول: «سبحان ربِّيَ الأعلى»، مرَّةً واحدةً، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁، قال: لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، أبو داواد ٨٦٩، وابن ماجهْ ٨٨٧].
(وَ) الخامس: تسبيحةٌ أُولى في (سُجُودٍ)، بأن يقول: «سبحان ربِّيَ الأعلى»، مرَّةً واحدةً، لإمامٍ، ومأمومٍ، ومنفردٍ؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁، قال: لما نزلت: (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: ١]، قال رسول الله ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» [أحمد ١٧٤١٤، أبو داود ٨٦٩، وابن ماجهْ ٨٨٧].
(وَ) السَّادس: قَوْلُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، إذا جلس (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)، مرَّةً واحدةً؛ لما روى حذيفةُ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: