أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» [الترمذي ٤٧٩، وابن ماجهْ ١٣٨٤، وهو ضعيفٌ جدًّا].
وفي فتاوى اللَّجنة الدَّائمة: أنَّ صلاة الحاجة جاءت بأحاديثَ ضعيفةٍ ومنكرةٍ فيما نعلم، لا تقوم بها حجَّةٌ، ولا تصلح لبناء العمل عليها.
٦ - (وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّوْبَةِ) إذا أذنب ذنبًا، يتطهَّر، ثمَّ يصلِّي ركعتين، ثمَّ يستغفر الله تعالى؛ لحديث عليٍّ عن أبي بكرٍ ﵃ قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ إِلَّا غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ»، ثمَّ قرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] [أحمدُ ٢، وأبوداودَ ١٥٢١، والترمذي ٤٠٦، وابن ماجهْ ١٣٩٥].
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ سُجُودُ تِلَاوَةٍ) واختاره ابن عثيمينَ؛ للأوامر الواردة فيه، ولا يجب؛ لما روى زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» [البخاري ١٠٧٣، ومسلم ٥٧٧] .
стр. 142
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه واجبٌ مطلقًا في الصَّلاة وغيرها؛ للأمر به، كقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١].
وأجيب: بأنَّ الأمر صُرِفَ للاستحباب عن الوجوب للأدلَّة السَّابقة، وبأنَّ الذَّمَّ لمن تركه تكذيبًا واستكبارًا؛ ولهذا قال تعالى قبلها: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
- فرعٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بين السُّجود وسببه، فإن طال الفصل لم يسجد؛ لفوات محلِّه.
- مسألةٌ: يُسَنُّ سجود التِّلاوة (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) وهو الَّذي يقصد الاستماع؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لجَبْهَتِهِ»، ولمسلمٍ: «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» [البخاري ١٠٧٩، ومسلم ٥٧٥] .
ولا يُسَنُّ السُّجود للسَّامع، وهو من لم يقصد الاستماع؛ لما ثبت عن عثمانَ ﵁: «إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ» [مصنف عبد الرزاق ٥٩٠٦].
- فرعٌ: إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لما روى سليمانُ بن حنظلةَ قال: قرأت عند ابن مسعودٍ السَّجدة فنظرتُ إليه، فقال: «مَا تَنْظُرُ أَنْتَ قَرَأْتَهَا، فَإِنْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» [عبدالرزاق ٥٩٠٧].
стр. 143
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) في غير صلاةٍ (سُجُودُ شُكْرٍ) لله تعالى، (عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) مطلقًا، سواءً كانت النِّعمة عامَّةً أو خاصَّةً، دينيَّةً أو دنيويَّةً؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لِلهِ ﵎» [أحمد ٢٠٤٥٥، وأبوداود ٢٧٧٤، والترمذي ١٥٧٨، وابن ماجهْ ١٣٩٤] .
- مسألةٌ: (وَأَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ):
الأوَّل: (مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ» [أحمد ٤٧٥٦، والترمذي ٤١٩].
وعنه: أنَّ ابتداء النَّهي من بعد صلاة الفجر؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [البخاري ٥٨٦، ومسلم ٨٢٧]، وحديث ابن عمرَ ضعَّفه التِّرمذيُّ.
قال شيخ الإسلام: (ما بعد طلوع الفجر إنَّما سُنَّ للمسلمين السُّنَّة الرَّاتبة وفرضها الفجر، وما سوى ذلك لم يُسَنَّ، ولم يكن منهيًّا عنه إذا لم
стр. 144
يُتَّخَذ سُنَّةً، كما في الحديث الصَّحيح: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» [البخاري ٦٢٤، ومسلم ٨٣٨]).
ويمتدُّ النَّهي (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ لما تقدَّم من حديث أبي سعيدٍ ﵁.
(وَ) الثَّاني: (مِنْ صَلَاة العَصْرِ) ولو مجموعةً في وقت الظُّهر، فيتعلَّق النَّهي في العصر بفِعْلِها لا بالوقت، قال في «المبدع»: بغير خلاف نعلمه، ويمتدُّ النَّهي (إِلَى الغُرُوبِ)؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق.
(وَ) الثَّالث: (عِنْدَ طُلُوعِهَا) أي: الشَّمس، (إِلَى ارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ) في رأي العين؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» [مسلم ٨٣١].
(وَ) الرَّابع: (عِنْدَ قِيَامِهَا) أي: الشَّمس (حَتَّى تَزُولَ)، حتَّى يوم الجمعة، لعموم النَّهي في حديث عقبةَ السَّابق.
واختار شيخ الإسلام: أنَّه يُسْتَثْنَى من هذا الوقت يوم الجمعة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [مسلم ٨٥٧].
стр. 145
(وَ) الخامس: (عِنْدَ غُرُوبِهَا حَتَّى يَتِمَّ) الغروب، لحديث عقبةَ بن عامرٍ السَّابق.
- مسألةٌ: (فَيَحْرُمُ فِيهَا ابْتِدَاءُ) صلاة (نَفْلٍ) في هذه الأوقات، ولا تنعقد، (مُطْلَقًا) أي: سواءً كان عالمًا أو ناسيًا أو جاهلًا، حتَّى ما له سببٌ؛ كسنَّةٍ راتبةٍ، وسنَّة وضوءٍ، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما أشار إليه بقوله: (لَا):
١ - (قَضَاءُ فَرْضٍ)؛ لحديث أنسٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» [البخاري ٥٩٧، ومسلم ٦٨٤ واللفظ له].
٢ - (وَفِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ)؛ لحديث جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» [أبوداود ١٨٩٤، والترمذي ٨٦٨، والنسائي ٥٨٤ وابن ماجهْ ١٢٥٤].
٣ - (وَ) فعل صلاة (نَذْرٍ)، بأن نذر أن يصلِّيَ وأطلق، ويجوز نذر الصَّلاة فيها، بأن نذر أن يصلِّيَ وقت النَّهي؛ لأنَّها واجبةٌ، أشبهت الفرائض.
стр. 146
٤ - (وَ) فعل (سُنَّةِ فَجْرٍ) بعد طلوع الفجر، فيجوز فعلها قبل الصَّلاة، وتكون (أَدَاءً) لا قضاءً، إذا كانت قبل صلاة الفجر؛ لما تقدَّم من حديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ».
وتقدَّم: أنَّ وقت النَّهي يبدأ من فعل صلاة الفجر لا من دخول الوقت.
٥ - (وَ) صلاة (جَنَازَةٍ) في الوقتين الموسَّعَيْنِ فقط، وهما: (بَعْدَ) طلوع (فَجْرٍ، وَ) بعد صلاة (عَصْرٍ)؛ لطول مدَّتهما، فالانتظار فيهما يُخَاف منه عليها، فأمَّا في الأوقات الثَّلاثة المضيَّقة فلا تجوز فيها صلاة الجنازة؛ لحديث عقبةَ السَّابق، إلَّا أن يُخاف على الجنازة، فيجوز للضَّرورة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز فعل كلِّ ماله سببٌ؛ لعموم حديث أبي قتادةَ ﵁: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» [البخاري ١١٧١، ومسلم ٧١٤]، ولسائر أدلَّة ما اسْتُثْنِيَ في المذهب، فيخصَّص عموم النَّهي الوارد في حديث أبي سعيدٍ السَّابق بهذه الأحاديث.
- فرعٌ: ضابط ما له سببٌ: ما وُجِدَ فيه سبب الصَّلاة، وتفوت المصلحة في تأخيرها عنه.
стр. 147
(فَصْلٌ) في صلاة الجماعة
شُرِعَتْ لأجل التَّواصل، والتَّوادد، وعدم التَّقاطع.
- مسألةٌ: (صَلَاةُ الجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ لِلْـ) ـصلوات الـ (ـخَمْسِ) المكتوبة وجوبًا عينيًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيره أَوْلى .
- مسألةٌ: يُشْتَرَطُ لوجوب صلاة الجماعة شروطٌ:
١ - أن تكون من الصَّلوات الخمس المفروضة، فلا تجب للصَّلاة المنذورة، والكسوف، والوتر، وغيرها.
٢ - أن تكون الجماعة للصَّلاة (المُؤَدَّاةِ): فلا تجب للصَّلاة المقضيَّة؛ لأنَّ من فاتته الحاضرة لا يجب أن يطلبَها في مسجدٍ آخرَ، ففي الفائتة من باب أَوْلَى.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: تجب للمقضيَّة؛ لعموم الأدلَّة.
٣ - تجب (عَلَى الرِّجَالِ): فلا تجب على الصِّبيان المميِّزين؛ لعدم تكليفهم، ولا على النِّساء؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» [أحمدُ: ٥٤٦٨، وأبو داودَ: ٥٦٧].
стр. 148
٤ - أن يكون الرِّجال من (الأَحْرَارِ): فلا تجب على العبيد؛ لأنَّ العبد مشغولٌ بخدمة سيِّده.
وعنه: تجب على العبيد؛ لعموم الأدلَّة، وللقاعدة: (أنَّ العبادات البدنيَّة المحضة يستوي فيها الأحرار والأرقَّاء إلَّا لدليلٍ).
واختار ابن عثيمينَ: تجب بإذن سيِّده.
٥ - أن يكونوا من (القَادِرِينَ): فلا تجب على غير القادر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
- فرعٌ: تجب صلاة الجماعة (وَلَوْ سَفَرًا)؛ لعموم أدلَّة وجوب الجماعة، ولقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصَّلاة فلتقم طائفةٌ منهم معك﴾، والآية نزلت في صلاة الخوف، والغالب كون الخوف في السَّفر.
- فرعٌ: صلاة الجماعة واجبةٌ (وَلَيْسَتْ شَرْطًا) لصحَّة الصَّلاة، (فَتَصِحُّ) الصَّلاة (مِنْ مُنْفَرِدٍ) بلا عذرٍ مع الإثم؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» [البخاري: ٦٤٥، ومسلم: ٦٥٠]، فدلَّت المفاضلة على صحَّة صلاة المنفرد، (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) أي: المنفرد (مَعَ) تركه للجماعة بسبب (عُذْرٍ)؛ لحديث أبي موسى ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ
стр. 149
مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [البخاري ٢٩٩٦].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام (١): صلاة الجماعة شرط لصحَّة الصَّلاة؛ لخبر ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [أبو داود: ٥٥١، وابن ماجه: ٧٩٣، ولا يصحُّ مرفوعًا].
- فرعٌ: يُسْتَثْنَى على المذهب: صلاة الجمعة، وصلاة العيد، فالجماعة شرطٌ فيهما على ما يأتي.
- مسألةٌ: (وَتَنْعَقِدُ) صلاة الجماعة (بِاثْنَيْنِ)، قال في «الشَّر» ح: (بغير خلافٍ علمناه)؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [البخاري ٢٨٤٨، ومسلم ٦٧٤]، (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ)؛ لاشتراط العدد فيهما، ويأتي في موضعه .
- مسألةٌ: تصحُّ الجماعة في فرضٍ ونفلٍ (وَلَوْ بِأُنْثَى) والإمام رجلٌ، أو خنثى، أو أنثى، (أَوْ) كانت بـ (عَبْدٍ) والإمام حرٌّ، أو عبدٌ؛ لعموم ماسبق .
стр. 150
- فرعٌ: (لَا) تنعقد الجماعة (بِصَبِيٍّ) والإمام بالغٌ (فِي فَرْضٍ)؛ لأنَّه لا يصلح إمامًا في الفرض (١)، ويصحُّ في النَّفل؛ لأنَّه ﷺ أمَّ ابن عبَّاسٍ وهو صبيٌّ في التَّهجُّد [البخاري: ١١٧، ومسلم: ٧٦٣]، ويصحُّ أن يؤمَّ رجلًا متنفِّلًا.
وعنه: تصحُّ إمامة البالغ لصبيٍّ في الفرض كالنَّفل؛ لأنَّ الصَّبيَّ يصلح أن يكون إمامًا لبالغٍ في فرضٍ ونفلٍ؛ لحديث عمرو بن سلمةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثرَ قرآنًا، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ستِّ سنين، أو سبع سنين. [البخاري ٤٣٠٢].
- مسألةٌ: (وَحَرُمَ أَنْ يَؤُمَّ بِمَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ) قبله بغير إذنه؛ لقوله ﷺ : «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [مسلم: ٦٧٣]، وإمام المسجد سلطانٌ في مسجده .
- فرعٌ: (فَلَا تَصِحُّ) إن صلَّت الجماعة قبل إمامهم الرَّاتب؛ لأنَّ النَّهي في الحديث السَّابق يقتضي الفساد.
стр. 151
وقيل: تصحُّ الصَّلاة؛ لأنَّ النَّهي يعود إلى أمرٍ خارجٍ؛ وهو الافتيات على الإمام.
- فرعٌ: يحرم أن يؤمَّ في مسجدٍ قبل إمامه الرَّاتب (إِلَّا) في ثلاثة أحوالٍ:
١ - (مَعَ إِذْنِهِ) أي: إذن الإمام الرَّاتب؛ لما تقدَّم من الحديث وفيه: «إلَّا بإذنه».
٢ - (أَوْ عَدَمِ كَرَاهَتِهِ) لإمامة غيره مكانه؛ لأنَّ الحقَّ له فَاعْتُبِرَ رضاه.
٣ - (أَوْ تَأَخُّرِهِ) أي: تأخُّر الإمام الرَّاتب؛ (وَضِيقِ الوَقْتِ) أي: وقت الصَّلاة؛ فيصلُّون؛ لوجوب فعل الصَّلاة في وقتها.
- مسألةٌ: (وَمَنْ كَبَّرَ) مأمومًا (قَبْلَ تَسْلِيمَةِ الإِمَامِ) التَّسليمة (الأُولَى؛ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ) ولو لم يجلس؛ لحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا» [مسلم: ٦٠٨] .
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تُدْرَكُ الجماعة بإدراك ركعةٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاري: ٥٨٠، ومسلم: ٦٠٧].
стр. 152
- مسألةٌ: (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ) مع الإمام فقد (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) اتِّفاقًا؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁: أنَّه انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ وهو راكعٌ، فركع قبل أن يصل إلى الصَّفِّ، فذكر ذلك للنَّبيَّ ﷺ فقال: «زَادَكَ الله حِرْصًا وَلا تَعُدْ» [البخاري: ٧٨٣]، وإنَّما فعل ذلك ليدرك الرَّكعة، ولم يأمره النَّبيَّ ﷺ بقضاء الرَّكعة، ولثبوته عن ابن مسعودٍ [البيهقي: ٢٥٧٨]، وابن عمرَ [ابن أبي شيبة: ٢٥٢٠] .
- مسألةٌ: (وَسُنَّ دُخُولُهُ) أي: المأموم (مَعَ إِمَامِهِ كَيْفَ أَدْرَكَهُ)، وإن لم يعتد بما أدركه فيه، لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [أبوداود ٨٩٣] .
- مسألةٌ: (وَمَا أَدْرَكَ) المسبوق (مَعَهُ) أي: مع إمامه فهو (آخِرُهَا) أي: آخر صلاته، (وَمَا يَقْضِيهِ) بعد سلام إمامه فهو (أَوَّلُهَا) أي: أوَّل صلاته، فلو أدرك ركعةً من الصُّبح -مثلًا-أطال قراءةَ ما لم يُدْرِكْ على الَّتي أدركها، وراعى ترتيب السُّور؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» [أحمد: ٧٦٦٤]، والمقضيُّ هو الفائت فيكون على صفته .
стр. 153
وعنه: أنَّ ما أدركه المسبوق أوَّل صلاته، وما يقضيه آخرها؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» [البخاري: ٦٣٦، ومسلم: ٦٠٢]، وإتمام الشَّيء لا يكون إَّلا بعد انقضاء أوَّله، وأمَّا القضاء الوارد في الأحاديث السَّابقة فالمراد به الإتمام كقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصَّلاة فاذكروا الله﴾ [فصلت: ١٢]، ولإجماعهم أنَّ تكبيرة الافتتاح لا تكون إلَّا في الرَّكعة الأُولى.
- مسألةٌ: (وَيَتَحَمَّلُ) إمامٌ (عَنْ مَأْمُومٍ) أشياءَ، بحيث تسقط عن المأموم لإتيان الإمام بها، منها:
١ - (قِرَاءَةُ) الفاتحة، فلا تجب قراءة الفاتحة على المأموم في سرِّيَّةٍ ولا جهريَّةٍ؛ لقوله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال أحمدُ: أجمع النَّاس على أنَّ هذه الآية في الصَّلاة، ولحديث جابرٍ ﵄ قال: قال ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» [أحمد: ١٤٦٤٣، وابن ماجهْ: ٨٥٠]، وصحَّ عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الإِمَامَ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ». [الموطأ: ٢٨٣]، وهو اختيار شيخ الإسلام (١).
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: تجب على المأموم في السِّرِّيَّة والجهريَّة؛
стр. 154
لعموم حديث عبادةَ بن الصَّامت مرفوعًا: «لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤]، وفي لفظ: «إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله؛ إِي وَالله، قَالَ: لا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» [أحمد: ٢٢٧٤٥، والترمذي: ٣١١]، وهذا نصٌّ صريحٌ في الصَّلاة الجهريَّة.
وعنه: تجب في السِّرِّيَّة دون الجهريَّة، جمعًا بين الأحاديث السَّابقة.
٢ - (وَسُجُودُ سَهْوٍ) إذا دخل معه أوَّل الصَّلاة؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ يرفعه: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ
стр. 155
خَلْفَهُ السَّهْوُ» [الدارقطني: ١٤١٣ وفيه ضعفٌ]، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» [البخاري: ٣٧٨، ومسلم: ٤١١].
أمَّا المسبوق فلا يتحمَّل عنه الإمامُ سجود السَّهو، فيسجد آخر صلاته، سواءً سها مع إمامه، أو فيما انفرد به.
٣ - (وَ) سجودُ (تِلَاوَةٍ)، إذا أتى بها المأموم في الصَّلاة خلف إمامه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
٤ - (وَسُتْرَةٌ)؛ لأنَّ سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» [البخاري: ٧٦، ومسلم: ٥٠٤].
٥ - (وَدُعَاءُ قُنُوتٍ)، حيث يسمعه مأمومٌ، فَيُؤَمِّنُ فقط، قال في «المغني»: (لا نعلم فيه خلافًا)، فإن لم يسمع قَنَتَ مأمومٌ؛ لعدم سماعه.
٦ - (وَتَشَهُّدٌ أَوَّلٌ إِذَا سُبِقَ) المأموم (بِرَكْعَةٍ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
- مسألةٌ: أحوال المأموم مع الإمام من حيث الاقتداء ثلاثة أحوالٍ:
الأُولى: المتابعة: وأشار إليها بقوله: (وَالأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ) المأموم
стр. 156
(فِي أَفْعَالِهَا) أي: الصَّلاة (بَعْدَ) شروع (إِمَامٍ)؛ لحديث عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» [البخاري ٦٨٨، ومسلم ٤١٢]، والفاء للتَّعقيب.
الثَّانية: الموافقة، وأشار إليها بقوله: (فَإِنْ وَافَقَهُ فِيهَا) أي: في أفعال الصَّلاة وأقوالها لم يَخْلُ من أحوالٍ:
١ - الموافقة في تكبيرة الإحرام: فلا تنعقد صلاته؛ عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّه ائتمَّ بمن لم تنعقد صلاته؛ إذ من شرط الائتمام أن يأتيَ بتكبيرة الإحرام بعد تكبيرة إمامه.
٢ - (أَوْ سَلَامٍ) بأن يسلِّمَ مع الإمام: (كُرِهَ)؛ لمخالفته السُّنَّة، وصحَّت؛ لأنَّه اجتمع معه في الرُّكن.
وإن سلَّم الأُولى عقب فراغ الإمام من الأولى، والثَّانية كذلك جاز؛ لأنه لا يخرج بذلك عن متابعة إمامه، والأَوْلى أن يسلِّم عقب فراغه من التَّسليمَتَيْنِ؛ لأنه أبلغ في المتابعة.
٣ - الموافقة في بقيَّة الأذكار: كما لو وافقه في تسبيح الرُّكوع، أو الدُّعاء بين السَّجدتين، أو التَّشهُّد؛ فلا كراهةَ.
٤ - الموافقة في الأفعال: بأن يركعَ أو يسجدَ مع الإمام، فَيُكْرَهُ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ
стр. 157
فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ» [أحمد: ٨٥٠٢، وأبوداود: ٦٠٣].
الثَّالثة: المسابقة، وأشار إليها بقوله: (وَإِنْ سَبَقَهُ حَرُمَ)، ولا تخلو المسابقة من أحوالٍ:
١ - أن يسبقَه بتكبيرة الإحرام، فقال ﵀: (وَإِنْ كَبَّرَ لِإِحْرَامٍ مَعَهُ) أي: مع الإمام، وسبق في الموافقة، (أَوْ) كبَّر (قَبْلَ إِتْمَامِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ) صلاته.
٢ - (وَإِنْ سَلَّمَ) مأمومٌ (قَبْلَهُ) أي: قبل إمامه (عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ) للمأموم بطلت صلاته؛ لأنَّه ترك فرضَ المتابعة متعمِّدًا، (أَوْ) سلَّم مأمومٌ قبل إمامه (سَهْوًا وَلَمْ يُعِدْهُ) أي: السَّلام (بَعْدَهُ) أي: بعد سلام إمامه (بَطَلَتْ) صلاتُه؛ لأنَّه لا يخرج من صلاته قبل إمامه، وإن لم يُعِدْهُ بعده فقد ترك فرض المتابعة.
فأمَّا إن سلَّم قبل سلام إمامه لعذرٍ، كمرضٍ، وغلبة نعاسٍ، وتطويل إمامٍ؛ لم تَبْطُلْ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: أنَّ معاذًا ﵁ صلَّى فقرأ سورة البقرة، فتأخَّر رجلٌ فصلَّى وحده، فقيل له: نافقتَ، قال: ما نافقتُ، ولكن لآتينَّ رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا» [البخاري ٦١٠٦، ومسلم ٤٦٥].
٣ - وإن سبقه ببقيَّة الأقوال؛ فلا يُكْرَهُ.
стр. 158
٤ - أن يسبقه في الأفعال، كأن يركع قبل إمامه؛ فيحرم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أَمَا يَخْشَى الَّذي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ الله رَأْسَه رَأْسَ حِمَارٍ" [البخاري ٦٩١، ومسلم ٤٢٧].
- مسألةٌ: (وَسُنَّ لإِمَامٍ التَّخْفِيفُ) في الصَّلاة (مَعَ الإِتْمَامِ)، لحديث أنسٍ ﵁ مرفوعًا: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ» [مسلم: ٤٦٩]، قال في «المبدع»: (ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التَّسبيح وسائر أجزاء الصَّلاة، إلَّا أن يُؤْثِرَ المأمومُ التَّطويل وعددهم ينحصر) .
- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ للإمام (تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) الرَّكعة (الأُولَى عَنِ) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ)؛ لقول أبي قتادةَ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» [البخاري: ٧٥٩، ومسلم: ٤٥١]، ويُسْتَثْنَى من ذلك:
١ - صلاة الخوف في بعض صورها؛ حين ينتظر الإمام في الرَّكعة الثَّانية فراغَ الطَّائفة الأُولى ودخول الطَّائفة الثَّانية. [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢].
٢ - أن تكون الثَّانية أطولَ بمقدارٍ يسيرٍ، كما في حديث النُّعمان بن بشيرٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ، وَفِي الجُمُعَةِ بِـ: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، وَ "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"» [مسلم: ٨٧٨].
стр. 159
- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ للإمام (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) في ركوعٍ وغيره؛ لأنَّ الانتظار ثبت عن النَّبيِّ ﷺ في صلاة الخوف لإدراك الجماعة [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢]، وذلك موجودٌ هنا، (إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ) فَيُكْرَهُ؛ لأنَّ حرمة الَّذي معه أعظمُ من حرمة الَّذي لم يدخل معه .
(فَصْلٌ) في الإمامة
- مسألةٌ: الأُولى بالإمامة: لا يخلو من أمرين:
الأمر الأوَّل: أن لا يكون لأحدهما ولايةٌ: فـ (الأَوْلَى بِالإِمَامَةِ) على تسع مراتبَ:
المرتبة الأُولى: يُقَدَّمُ (الأَجْوَدُ قِرَاءَةً الأَفْقَهُ)؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا [مسلم ٦٧٣]، ويُقَدَّمُ على الأكثر قرآنًا؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا.
المرتبة الثَّانية: إن استووا في الجودة: يُقَدَّمُ الأكثر قرآنًا، (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ
стр. 160
لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ) بل يأتي بها عادةً (عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ)؛ للحديث السَّابق، ويأتي تعريف الأمِّيِّ.
وقيل: يُقَدَّمُ الأكثر قرآنًا على الأجود قراءةً؛ لحديث عمرو بن سلمةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» [البخاري ٤٤٣٠٢].
المرتبة الثَّالثة: إن استووا في القراءة وعدمها: يُقَدَّمُ الأفقه والأعلم بأحكام الصَّلاة؛ لمزيَّة الفقه.
(ثُمَّ) المرتبة الرَّابعة: إن استووا في القراءة والفقه، فَيُقَدَّمُ: (الأَسَنُّ)، أي: الأكبر؛ لحديث مالك بن الحويرث مرفوعًا: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» [البخاري ٢٨٤٨، ومسلم ٦٧٤].
وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يُقَدَّمُ الأقدمُ هجرةً على الأسَنِّ؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ ﵁ السَّابق، وأمَّا حديث مالك بن الحويرث فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّم الأكبر؛ لأنَّهما متساويان في الهجرة والإسلام، ففي روايةِ أبي داودَ [٥٨٩]: «وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ فِي العِلْمِ».
(ثُمَّ) المرتبة الخامسة: إن استووا في السُّنِّ: يُقَدَّمُ (الأَشْرفُ)، وهو القرشيُّ؛ إلحاقا للإمامة الصُّغرى بالكبرى؛ لحديث أنسٍ ﵁ مرفوعًا: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» [أحمد ١٢٣٠٧].
المرتبة السَّادسة: إن استووا في الشَّرف: يُقَدَّمُ الأقدم هجرةً بنفسه لا
стр. 161
بآبائه؛ لحديث أبي مسعودٍ السَّابق.
المرتبة السَّابعة: إن استووا في الهجرة: يُقَدَّمُ الأسبق في الإسلام؛ لأنَّ في بعض ألفاظ حديث أبي مسعودٍ ﵁: «فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» [مسلم ٦٧٣].
وفي وجهٍ، واختاره شيخ الإسلام: يُقَدَّمُ أقدمُهم هجرةً، ثمَّ أشرفُهم؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ ﵁ السَّابق.
(ثُمَّ) المرتبة الثَّامنة: إن استووا فيما سبق: (الأَتْقَى وَالأَوْرَعُ)؛ لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].
واختار شيخ الإسلام: تقديم الأتقى على الأشرف؛ لأنَّ شرف الدِّين خيرٌ من شرف الدُّنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
(ثُم) المرتبة التَّاسعة: إن استووا في كلِّ ما تقدَّم وتشاحُّوا: (يُقْرعُ) (١)، فمن قَرَع صاحبَه فهو أحقُّ؛ قياسًا على الأذان؛ لأنَّ سعدًا ﵁ أقرع بين النَّاس في القادسيَّة [البيهقي ٢٠١٣].
وعنه: يُقَدَّمُ من يختاره الجيران، ثمَّ يُقْرَعُ؛ لما يحصل من الائتلاف والاجتماع على الإمام.
стр. 162
(وَ) الأمر الثَّاني: أن يكون له ولايةٌ: فـ (صَاحِبُ البَيْتِ وَإِمَامُ المَسْجِدِ، وَلَوْ عَبْدًا؛ أَحَقُّ) بالإمامة من غيره إذا كان ممن تصحُّ إمامتُه، وإن كان غيرُهما أفضلَ منهما؛ لحديث أبي مسعودٍ البدريِّ ﵁: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» [مسلم ٦٧٣]، ولقول أبي سعدٍ مولى بني أسيدٍ: «تزوَّجتُ وأنا مملوكٌ، فدعوتُ أصحاب النَّبيِّ ﷺ أبا ذرٍّ، وابن مسعودٍ، وحذيفةَ ﵃، فحضرتِ الصَّلاة، فتقدَّم حذيفةُ ليصلِّيَ بنا، فقال له أبو ذرٍّ أو غيرُه: ليس ذلك لك، فقدَّموني وأنا مملوكٌ فأممتُهم» [عبدالرزاق ٣٨٢٢]
(إِلَّا مِنْ ذِي سُلْطَانٍ فِيهَا)، فيُقَدَّم ذو سلطانٍ على صاحب بيتٍ وإمام المسجد؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَّ عتبانَ بن مالكٍ ﵁ في بيته [البخاري ٤٢٥، ومسلم ٣٣].
- مسألةٌ: (وَحُرٌّ أَوْلَى) بالإمامة (مِنْ عَبْدٍ وَ) من (مُبَعَّضٍ)؛ لأنَّه أكملُ وأشرفُ، (وَمُبَعَّضٌ أَوْلَى) بالإمامة (مِنْ عَبْدٍ)؛ لحصول بعض الأكمليَّة والأشرفيَّة فيه .
وعنه: لا يُقَدَّمُ عليه إلَّا إذا تساويا.
стр. 163
(وَحَاضِرٌ) أي: مقيمٌ أَوْلَى من مسافرٍ سفرَ قَصْرٍ؛ لأنَّه ربَّما قصر ففات المأمومين بعض الصَّلاة جماعةً، (وَبَصِيرٌ) أَوْلَى من أعمى؛ لأنَّه أقدر على توقِّي النَّجاسات، واستقبال القبلة.
(وَحَضَرِيٌّ) وهو النَّاشئ بالمدن والقرى أَوْلى من بدويٍّ؛ وهو النَّاشئ بالبادية؛ لأنَّ الغالب على أهل البادية الجفاء، وقلَّة المعرفة بأحكام الصَّلاة، قال تعالى في حقِّ الأعراب: ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾.
(وَمُتَوَضِّئٌ) أَوْلى من متيمِّمٍ؛ لأنَّ الوضوء يرفع الحدث، بخلاف التَّيمُّم.
(وَمُعِيرٌ) في البيت المعار أَوْلى من مستعيرٍ؛ لأنَّه مالك العين والمنفعة، والمستعير إنَّما يملك الانتفاع.
(وَمُسْتَأْجِرٌ، أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) كما تقدَّم، فيكون أَوْلى من المؤجِّر؛ لأنَّه مالك المنفعة، وقادرٌ على منع المؤجِّر من دخوله.
والأقرب: أن يُقَدَّم من قدَّمه الله ورسوله لحديث أبي مسعودٍ السَّابق، فإن تساويا في الفضل فالقرعة.
стр. 164
- مسألةٌ: إمامة الفاسق: وهو من فَعَلَ كبيرةً، أو داوم على صغيرةٍ، على قسمين:
١ - إمامته في غير الجمعة والعيد: وأشار إلى ذلك بقوله: (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا)، أي: سواءً كان فسقه بالاعتقاد، أو بالأفعال؛ لحديث جابرٍ ﵄ مرفوعًا: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ» [ابن ماجهْ ١٠٨١]، ولأنَّ الفاسق لا يُؤْمَنُ على شرائط الصَّلاة.
وعند شيخ الإسلام: لا تصحُّ خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة مع القدرة؛ لما في ذلك من النَّهي عن المنكر، لا لأجل فساد صلاتهم.
وعنه: تصحُّ مع الكراهة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» [البخاري ٦٩٤].
٢ - إمامته في الجمعة والعيد: وأشار إلى ذلك بقوله: (إِلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) فيصحَّان خلفه؛ لأنَّهما يختصَّان بإمامٍ واحدٍ، فالمنع منهما خلفه يؤدِّي إلى تفويتها دون سائر الصَّلوات، قال شيخ الإسلام: (تُفْعَل خلف كلِّ برٍّ وفاجرٍ باتِّفاق أهل السُّنَّة والجماعة، وإنَّما تُدَع مثل هذه الصَّلوات خلف الأئمَّة أهل البدع؛ كالرَّافضة ونحوهم ممن لا يرى الجمعة والجماعة)،
стр. 165
فتصحُّ إن (تَعَذَّرَا خَلْفَ غَيْرِهِ)، فإن لم تتعذَّر الصَّلاة خلف غيره لم تصحَّ؛ كغير الجمعة والعيد.
- مسألةٌ: (وَتَصِحُّ) صلاة فرضٍ ونفلٍ (خَلْفَ):
١ - (أَعْمَى أَصَمَّ)؛ لأنَّ فَقْدَهُ تلك الحاسَّتَيْن لا يُخِلُّ بشيءٍ من أركان الصَّلاة ولا شروطها.
٢ - (وَأَقْلَفَ) أي: غير المختون؛ لأنَّه ذَكَرٌ، مسلمٌ، عدلٌ، قارئٌ، فصحَّت إمامته كالمُخْتَتَن.
٣ - (وَأَقْطَعَ يَدَيْنِ أَوْ) أقطع (رِجْلَيْنِ) إذا أمكنه القيام؛ كأن يتَّخِذَ له رِجْلَيْنِ من خشبٍ، وأمَّا إذا لم يمكنه القيام فلا إلَّا بمثله، ويأتي، (أَوْ) أقطع (أَنْفٍ)؛ فتصحُّ إمامته كغيره.
٤ - (وَكَثِيرِ لَحْنٍ لَمْ يُحِلِ المَعْنَى)؛ كجرِّ دال «الحمد»، ونحوه، سواءً كان المؤتمُّ مثلَه، أو كان لا يَلْحَن؛ لأنَّ مدلول اللَّفظ باقٍ، لكن مع الكراهة، فإن لم يكن كثير اللَّحن لم يُكْرَهْ؛ لأنَّه قلَّ من يخلو من ذلك.
- مسألةٌ: (لَا) تصحُّ صلاةٌ (خَلْفَ أَخْرَسَ) ولو بأخرسَ؛ لأنَّه لم يأت بفرض القراءة، ولا بدَّ منه .
стр. 166
واختار ابن قدامةَ: يصحُّ أن يؤمَّ مثلَه؛ كالأمِّيِّ والعاجز عن القيام يؤمُّ مثلَه.
واختار ابن عثيمينَ: إمامة الأخرس تصحُّ بمثله، وبمن ليس بأخرسَ؛ لأنَّ القاعدة: أنَّ كلَّ من صحَّت صلاته صحَّت إمامته، لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إمامًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ يقول: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله» وهذا لا يقرأ.
- مسألةٌ: (وَ) لا تصحُّ الصَّلاة خلف (كَافِرٍ)، سواءً علم بكفره في الصَّلاة أو بعد الفراغ منها؛ لأنَّ صلاته لا تصحُّ لنفسه، فلا تصحُّ لغيره .
وعنه، واختاره السِّعدي: إن لم يعلم بكفره إلَّا بعد الصَّلاة صحَّت صلاة المأموم؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ السَّابق: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
- مسألةٌ: إمامة العاجز عن ركنٍ أو شرطٍ من شروط الصَّلاة، ولا تخلو من أقسامٍ:
١ - أن يكون عاجزًا عن شرطٍ من شروط الصَّلاة، وأشار إليه بقوله: (وَلَا) تصحُّ (إِمَامَةُ عَاجِزٍ عَنْ شَرْطٍ) من شروط الصَّلاة؛ كاستقبالٍ، واجتناب نجاسة إلَّا بمثلِه.
٢ - أن يكون عاجزًا عن ركنٍ غير القيام: وأشار إليه بقوله: (أَوْ) عاجزٍ عن (رُكْنٍ)؛ كركوعٍ، أو سجودٍ، أو قعودٍ، ونحوه (إِلَّا بِمِثْلِهِ).
стр. 167
فلا تصحُّ إمامته في القسمين؛ لأنَّه أخلَّ بركنٍ أو شرطٍ فلم يجز؛ كالقارئ بالأمِّيِّ، ولا فرقَ بين إمام الحيِّ وغيره، وتصحُّ إمامتهم بمثلهم؛ لحديث يعلى بن مرَّةَ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِأصحابه في المَطَر بالإِيمَاء، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» [الترمذي ٤١١].
٣ - أن يكون عاجزًا عن ركن القيام: فلا تصحُّ إمامته في الفرض؛ لأنَّه عجز عن ركنٍ من أركان الصَّلاة، فلم يصحُّ الاقتداء به، كالعاجز عن القراءة، إلَّا في حالتين:
أبمثله؛ لحديث يعلى بن مُرَّةَ السَّابق.
ب و (إِلَّا الإِمَامَ) الَّذي اجتمع فيه شرطان:
١ - أن يكون هو الإمام (الرَّاتِبَ بِمَسْجِدٍ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فلمَّا انصرف قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» [البخاري ٦٨٨، ومسلم ٤١٢]، ولأنَّ إمام الحيِّ يحتاج إلى تقديمه بخلاف غيره، والقيام أخفُّ بدليل سقوطه في النَّفل.
٢ - (المَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) الَّتي منعته القيام؛ لئلَّا يفضي إلى ترك القيام على الدَّوام، والأصل فيه: فِعْلُه ﷺ وكان يُرْجَى زوال علَّته.
واختار شيخ الإسلام: جواز إمامة العاجز عن شرطٍ من شروط
стр. 168
الصَّلاة، وعن ركنٍ من أركانها، سواءً كان قيامًا أو غيره؛ لعموم حديث أبي مسعودٍ البدريِّ ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله»، فيشمل القادر والعاجز، ولحديث عائشةَ السَّابق، ولا فرقَ بين القيام أو غيره، ولا بين الإمام الرَّاتب أو غيره، ولا بين من يُرْجَى زوال علَّته أو غيره.
- فرعٌ: (فَيُصَلِّي) الإمام الرَّاتب المرجوُّ زوالُ علَّتِهِ (جَالِسًا، وَيَجْلِسُونَ خَلْفَهُ) نَدْبًا، (وَتَصِحُّ) صلاتهم خلفه (قِيَامًا)؛ لأنَّه ﷺ لم يأمر من صلَّى خلفه قائمًا بالإعادة، ولأنَّ القيام هو الأصل.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: لا تصحُّ الصَّلاة خلفه قيامًا مع القدرة على الجلوس؛ للأمر الوارد في الحديث السَّابق.
- مسألةٌ: إمامة المرأة لا تخلو من أحوالٍ:
١ - إمامة المرأة للنَّساء: فتصحُّ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ : (أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا) [أحمد ٢٧٢٨٣، وأبو داود ٥٩٢].
٢ - (وَلَا) تصحُّ (إِمَامَةُ امْرَأَةٍ) للرِّجال؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» [البخاري ٧٠٩٩]، (وَ) لا إمامة (خُنْثَى لِرِجَالٍ)؛ لاحتمال أن يكون امرأةً.
٣ - (أَوْ) أي: لا تصحُّ إمامة امرأةٍ لـ (خَنَاثَى)؛ لاحتمال كونهم رجالًا.
стр. 169
- مسألةٌ: إمامة الصَّبيِّ المميِّز، ولا تخلو من أحوالٍ:
١ - إمامته بصبيٍّ مثله، فتصحُّ؛ لأنَّه متنفِّلٌ يؤمُّ متنفِّلًا.
٢ - إمامته للبالغ في نفلٍ، فتصحُّ؛ للتَّعليل السَّابق.
٣ - (وَلَا) تصحُّ إمامة (مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «لَا يَؤُمُّ الغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ» [مصنف عبدالرزاق ٣٨٤٧].
وعنه: تصحُّ؛ لحديث عمرو بن سلمةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثرَ قرآنًا، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ستِّ سنين أو سبع سنين. [البخاري ٤٣٠٢]، وأمَّا أثر ابن عبَّاسٍ فضعيفٌ.
- مسألةٌ: إمامة المحدث، ولا تخلو من أقسامٍ:
الأوَّل: أن لا يعلم الإمام والمأموم بالحدث إلَّا بعد فراغ الَّصلاة، فتصحُّ صلاة المأمومين دون الإمام؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
الثَّاني: أن يعلم الإمام في أثناء الصَّلاة بالحدث دون المأمومين: فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف، لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، واسْتُثْنِيَ القسم الأوَّل للأدلَّة السَّابقة.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: أنَّ صلاة الإمام تبطل دون صلاة
стр. 170
المأمومين، فيستخلفون، أو يتمُّونها فُرَادَى؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق، ولأنَّ عمرَ لما طُعِنَ اسْتَخْلَفَ عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فصلَّى بهم صلاةً خفيفةً [البخاري: ٣٧٠٠].
الثَّالث: أن يعلم الإمام والمأمومون أو بعضهم بحدث الإمام في أثناء الصَّلاة، فلا تصحُّ صلاتهم جميعًا؛ للعلم ببطلانها.
واختار ابن قدامةَ: لا تبطل إلَّا صلاة من يعلم بحدث الإمام؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق.
وأشار المصنِّف إلى هذه الأقسام بقوله: (وَلَا) تصحُّ الصَّلاة (إِمَامَةُ مُحْدِثٍ) حدثًا أكبرَ أو أصغرَ.
- مسألةٌ: إمامة المتنجِّس، وأشار إليه بقوله: (أَوْ نَجِسٍ)، ولا تخلو إمامته من أقسامٍ:
الأوَّل: أن (يَعْلَمُ) الإمام (ذَلِكَ) أي: النَّجاسة وحده دون بقيَّة المأمومين، فتبطل صلاة الإمام والمأمومين، ولا استخلاف؛ لارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه.
ويمكن أن يقال: إنَّ صلاة المأمومين صحيحةٌ، أمَّا صلاة الإمام: فإن أمكن إزالة النَّجاسة دون الإخلال بشيءٍ من شروط الصَّلاة أو واجباتها أزالها وبَنَى، لفِعْل النَّبيِّ ﷺ في حديث أبي سعيدٍ، وإن لم يمكنه: استخلف، أو أتمَّ المأمومون فُرَادى، كما سبق.
стр. 171
الثَّاني: أن يعلم الإمام والمأمومون بنجاسة الإمام: فلا تصحُّ صلاتهم.
الثَّالث: أن لا يعلم الإمام والمأمومون بنجاسة الإمام إلَّا بعد الصَّلاة، فتصحُّ صلاة مأمومٍ؛ لما تقدَّم من حديث أبي هريرةَ ﵁، ولا تصحُّ صلاة الإمام؛ لأنَّه ترك شرطًا من شروط الصَّلاة، ولذلك قال: (فَإِنْ جَهِلَ هُوَ) أي: الإمام حدث نفسه، (وَ) جهل (مَأْمُومٌ) نجاسة إمامه، (حَتَّى انْقَضَتْ) الصَّلاة، (صَحَّتْ) الصَّلاة (لِمَأْمُومٍ) فقط دون الإمام.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصحُّ صلاة الإمام والمأموم؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁: «لما صلَّى النَّبيُّ ﷺ بنعليه وفيهما أذًى، فأخبره جبريلُ، فخلعهما، وبَنَى على صلاته» [أحمد ١١٨٧٧، وأبو داود ٦٥٠]، ولأنَّ اجتناب النَّجاسة من باب النَّواهي فيُعْذَرُ فيها بالجهل والنِّسيان.
الرابع: أن يعلم بعض المأمومين في الصلاة بنجاسة الإمام؛ فتبطل صلاة الإمام وكل المأمومين؛ لأن النجاسة منافية للصلاة، فلا تصح الصلاة مع وجودها.
ويمكن أن يقال: يجب على من علم نجاسة الإمام إعلامه بإشارة أو نحوها، فإن لم يستطع؛ صحت صلاة الجميع، الإمام لكونه معذورًا
стр. 172
بالجهالة، والمأمومون لاقتدائهم بإمام يعتقدون صحة صلاته.
- مسألةٌ: (وَلَا) تصحُّ (إِمَامَةُ أُمِّيٍّ) بقارئٍ؛ لحديث أبي مسعودٍ السَّابق: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله»، ولأنَّ القراءة ركنٌ مقصودٌ في الصَّلاة فلم يصحَّ اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه، كالطَّهارة والسُّترة .
- مسألةٌ: (وَ) الأمِّيُّ: نسبةٌ إلى الأمِّ، كأنَّه على الحالة الَّتي ولدته أمُّه عليها، وفي الاصطلاح: (هُوَ):
١ - (مَنْ لَا يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ) أي: لا يحفظها، أو لا يحفظ بعضها.
٢ - (أَوْ يُدْغِمُ فِيهَا مَا) أي: حرفًا (لَا يُدْغَمُ)، بأن يدغم حرفًا فيما لا يماثله أو يقاربه، وهو الأرت، أو يبدل حرفًا بغيره كالألثغ، الَّذي يُبْدِل الرَّاء غينًا، إلَّا ضاد (المغضوب عليهم) و (الضَّالين) لو قلبها ظاءً؛ لأنَّه لا يصير أمِّيًّا بهذا الإبدال؛ لتقارب مخرجهما.
٣ - (أَوْ يَلْحَنُ) في الفاتحة (لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى عَجْزًا عَنْ إِصْلَاحِهِ)؛ كفتح همزة (اهدنا)؛ لأنَّه يصير بمعنى طلب الهديَّة لا الهداية، وكسر كاف (إيَّاك)، فإن لم يُحِلِ المعنى، كفتح دال (نعبد)، ونون (نستعين) فليس أمِّيًّا.
- فرعٌ: لا تصحُّ إمامة الأمِّيِّ (إِلَّا بِمِثْلِهِ)؛ لأنَّه يساويه، فصحَّت إمامته به، كالعاجز عن القيام.
стр. 173
- ضابطٌ على الرَّاجح: (كلُّ من صحَّت صلاته صحَّت إمامته إلَّا: الأمِّيَّ والمرأة، فلا تصحُّ إمامتهما إلَّا بمثلهما).
فصلٌ في موقف الإمام والمأمومين
- مسألةٌ: موقف المأموم من الإمام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأوَّل: أن يكون الإمام ذكرًا، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأُولى: أن يكون المأموم ذكرًا، اثنين فأكثرَ: فقال ﵀: (وَسُنَّ وُقُوفُ إِمَامِ جَمَاعَةٍ) اثنين فأكثرَ (مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ)؛ لحديث أنسٍ ﵁، وفيه: «فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَاليَتِيمُ مَعِي، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ» [البخاري ٨٦٠، ومسلم ٦٥٨].
- فرعٌ: يُسْتَثْنَى من ذلك: إمام العُرَاةِ، فيقف بينهم وجوبًا؛ لأنَّه أسترُ من أن يتقدَّم عليهم، ما لم يكونوا عميًا أو في ظلمةٍ.
- مسألةٌ: إن خالفوا في موقفهم من الإمام، فلا يخلو من أربعة أقسامٍ:
١ - إذا وقف المأموم قُدَّام الإمام: فقال ﵀: (فَإِنْ تَقَدَّمَهُ) أي: تقدَّم
стр. 174
الإمامَ (مَأْمُومٌ وَلَوْ بِـ) قدر تكبيرة (إِحْرَامٍ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) أي: المأموم؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، والمخالفة في الأفعال مبطِلةٌ؛ لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه.
وفي وجهٍ، اختاره شيخ الإسلام: تصحُّ الصَّلاة قدَّام الإمام مع العُذْرِ، كما في شدَّة الزِّحام؛ لأنَّ ترك التَّقدُّم غايته أن يكون واجبًا من واجبات الصَّلاة في الجماعة، والواجبات كلُّها تسقط بالعذر.
- فرعٌ: (وَالِاعْتِبَارُ) بالتَّقدُّم والتَّأخُّر يكون (بِمُؤَخَّرِ قَدَمٍ)، فلو تقدَّم عَقِبُ المأموم على عَقِبِ الإمام لم تصحَّ صلاة المأموم، ولا يضرُّ تقدُّم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدُّم رأسه في السُّجود لطوله، فإن صلى قاعدًا فالاعتبار بالأَلْيَة؛ لأنَّها محلُّ القعود، حتَّى لو مدَّ رجليه وقدَّمهما على إمامه، لم يضرَّ؛ لعدم اعتماده عليها.
٢ - أن يقفوا عن يمين الإمام: صحَّت صلاتهم؛ لأنَّه موقف الواحد مع الإمام، فصحَّ أن يكون موقفَ أكثرَ من واحدٍ أيضًا.
٣ - أن يقفوا عن جانبي الإمام: صحَّت كذلك؛ لأنَّ «ابن مسعودٍ صلَّى بين علقمَةَ والأسودِ، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله» [مسلم ٥٣٤].
٤ - أن يقفوا عن يسار الإمام مع خلو يمينه: فلا تصحُّ إن صلَّى الإمام ركعةً فأكثرَ؛ لإدارة النَّبيِّ ﷺ جابرًا [مسلم ٣٠١٠]، وابن عبَّاسٍ ﵃ [البخاري: ١١٧، ومسلم: ٧٦٣].
стр. 175
وعنه: تصحُّ؛ كما لو كان عن يمينه، وكون النَّبيِّ ﷺ ردَّ جابرًا وابن عبَّاسٍ ﵃ لا يدلُّ على عدم الصِّحَّة؛ لأنَّه مجرد فعلٍ، بدليلٍ ردِّ جابرٍ وجبارٍ إلى ورائه، مع صحَّة صلاتهما عن جانبيه.
الحالة الثَّانية: أن يكون المأموم ذكرًا واحدًا فقط، فقال ﵀: (وَيَقِفُ) المأموم (الوَاحِدُ أَوِ الخُنْثَى عَنْ يَمِينِهِ) أي: الإمام (وُجُوبًا)، لإدارة النَّبيِّ ﷺ ابن عبَّاسٍ وجابرًا إلى يمينه لمَّا وقفا عن يساره.
فإن وقف عن يساره، ففيه الخلاف السَّابق فيما إذا وقفوا عن يساره، خلافًا ومذهبًا.
الحالة الثَّالثة: أن يكون المأموم أنثى فأكثرَ، فقال ﵀: (وَالمَرْأَةُ) تقف (خَلْفَهُ) أي: خلف الإمام (نَدْبًا)؛ لحديث أنسٍ ﵁ السَّابق، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، (وَيَجُوزُ) أن تقف (عَنْ يَمِينِهِ)؛ كوقوف الرَّجُل، وإن وقفت عن يساره مع خلوِّ يمينه، ففيه الخلاف السَّابق.
- مسألةٌ: (وَمَنْ صَلَّى) مأمومًا (عَنْ يَسَارِهِ) أي: يسار الإمام (مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ)؛ لم تصحَّ صلاته، وسبق .
القسم الثَّاني: أن يكون الإمام أنثى، فلا يخلو من حالين:
الحال الأُولى: أن تكون أنثى مع أنثى واحدةٍ: فحكمها كذَكَرٍ مع ذَكَرٍ، وقد سبق.
стр. 176
الحال الثَّانية: أن تكون أنثى مع إناثٍ، فحكمها: كذَكَرٍ مع ذكورٍ، لكن تقف إمامة النِّساء وسطهنَّ استحبابًا، لوروده عن عائشةَ وأمِّ سلمةَ ﵄ [مصنف عبدالرزاق ٣/ ١٤٠ - ١٤١].
- مسألةٌ: (أَوْ) صلَّى مأمومٌ خلف الإمام، أو خلف الصَّفِّ (رَكْعَةً) كاملةً (مُنْفَرِدًا؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا، وهو من المفردات؛ لحديث وابصةَ بن معبدٍ ﵁ قال: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ» [أحمد ١٨٠٠٢، وأبو داود ٦٨٢، والترمذي ٢٣١، وابن ماجهْ ١٠٠٤] .
فصلٌ في أحكام الاقتداء
- مسألةٌ: اقتداء المأموم بالإمام لا يخلو من قسمين:
القسم الأوَّل: أن يكون المأموم داخل المسجد: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا) أي: الإمام والمأموم (مَسْجِدٌ؛ صَحَّتِ القُدْوَةُ) أي: الاقتداء (مُطْلَقًا)، سواءً رأى المأمومُ الإمامَ أو من وراءه أم لم يَرَهُمْ، وسواءً اتَّصلت الصُّفوف أم لا، حكاه النَّوويُّ والمجد إجماعًا؛ لأنَّ المسجد بُني للجماعة، فكلُّ من حصل فيه فقد حصل في محلِّ الجماعة،
стр. 177
فتصح الصلاة (بِشَرْطِ):
١ - (العِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الإِمَامِ) بسماع التَّكبير أو بمشاهدة الإمام أو من خلفه؛ لتمكُّنه من الاقتداء.
٢ - زوال الفَذِّيَّة؛ لما سبق.
القسم الثَّاني: (وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا) أي: الإمام والمأموم مسجدٌ، بأن كانا خارجين عنه، أو المأموم وحده خارجًا عنه، (شُرِطَ) لصحَّة الاقتداء: (رُؤْيَةُ الإِمَامِ، أَوْ) رؤية (مَنْ وَرَاءَهُ)، ولو لم تتَّصل الصُّفوف، فإن لم ير أحدَهما لم يصحَّ اقتداؤه به، ولو سمع التَّكبير؛ لما ورد عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: (قد صلَّى نسوةٌ مع عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ في حجرتها فقالت: لا تُصَلِينَ بصلاة الإمام فإنَّكنَّ دونه في حجابٍ) [البيهقي في الكبرى ٥٠٢٨، معلَّقًا]، ولأنَّه لا يمكن الاقتداء به في الغالب.
وعنه: يصحُّ إن سمع التَّكبير، ولو لم يره؛ لإمكان الاقتداء.
- فرعٌ: تكفي الرُّؤية (وَلَوْ فِي بَعْضِهَا)، أي: في بعض الصَّلاة أو من شبَّاك ونحوه، إن أمكن الاقتداء؛ لحديث عائشةَ ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ» [البخاري ٣٧٨،
стр. 178
ومسلم ٤١١]، والظَّاهر أنَّهم كانوا يرونه حال قيامه.
ويمكن أن يقال: يجوز اقتداء المأموم بالإمام إن كان خارج المسجد بشرطين:
١ - اتِّصال الصُّفوف، قال شيخ الإسلام: (فإن كانت الصُّفوف متَّصلةً جاز باتِّفاق الأئمَّة)، فإن لم تتَّصل الصُّفوف لم تصحَّ الصَّلاة، واختاره شيخ الإسلام.
٢ - إمكان الاقتداء بالإمام برؤيته، أو رؤية من وراءه، أو سماعٍ، لحديث عائشةَ السَّابق.
- مسألةٌ: (وَكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لأنَّ عمَّار بن ياسر ﵄ صلَّى بالمدائن على دكَّانٍ والنَّاس أسفل منه، فتقدَّم حذيفةُ فأخذ على يديه فاتَّبعه عمَّارٌ، حتَّى أنزله حذيفةُ، فلمَّا فرغ عمَّار من صلاته قال له حذيفةُ ﵄: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ»، قال عمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ» [أبو داود ٥٩٨]، ولا تبطل؛ لأنَّ عمَّارًا أتمَّ صلاته؛ ولو كانت فاسدةً، لاستأنفها .
ولا بأسَ بعلوٍّ يسيرٍ، كدرجة منبرٍ ونحوها ممَّا دون ذراعٍ؛ جمعًا بين ما تقدَّم وبين حديث سهلٍ ﵁ أنَّه ﷺ صلَّى على المنبر، ثمَّ نزل القهقرى، فسجد، وسجد معه النَّاس، ثمَّ عاد حتَّى فرغ، ثمَّ قال «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا
стр. 179
صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، والظَّاهر أنَّه كان على الدَّرجة السُّفْلى لئلَّا يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ في الصُّعود والنُّزول، فيكون الارتفاع يسيرًا.
- فرعٌ: (لا عَكْسُهُ)، أي: لا يُكْرَهُ علوُّ مأمومٍ على إمامٍ ولو كثيرًا؛ لما روى صالح مولى التَّوْأمة: «أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ وَهُوَ تَحْتَهُ» [عبدالرزاق ٤٨٨٨].
- (وَكُرِهَ حُضُورُ مَسْجِدٍ، وَ) حضور (جَمَاعَةٍ) ولو بغير مسجدٍ (لِمَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ)، كثومٍ وكرَّاثٍ، أو من له صنانٌ أو بخرٌ، (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ)؛ لحديث جابرٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [مسلم ٥٩٢].
فصلٌ في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة
- مسألةٌ: (وَيُعْذَرُ) المصلِّي (بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ) بأحد الأعذار الآتية:
стр. 180
١ - (مَرِيضٌ، وَخَائِفٌ حُدُوثَ مَرَضٍ)، أو خائفٌ زيادته، أو تأخُّر بُرْءٍ؛ لأنَّه في معنى المريض، لأنَّه ﷺ لمَّا مرض تخلَّف عن المسجد وقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» [البخاري ٦٦٤، ومسلم ٤١٨]، إذا كانا (لَيْسَا) أي: المريض والخائف حدوث مرض (بِالمَسْجِدِ)؛ فإن كانا بالمسجد لزمتهما الجمعة والجماعة؛ لعدم المشقَّة.
٢ - (وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الأَخْبَثَيْنِ)، البول والغائط؛ لحديث عائشةَ ﵂: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» [مسلم ٥٦٠].
٣ - (وَمَنْ) كان (بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ)، وكان الطَّعام حاضرًا، وكان قادرًا على تناوله حِسًّا وشرعًا، (وَلَهُ) الأكل حتَّى (الشِّبَعُ)؛ لحديث عائشةَ السَّابق.
٤ - (أَوْ) كان (لَهُ ضَائِعٌ يَرْجُوهُ)، إن دُلَّ عليه بمكانٍ وخاف إن لم يمض إليه سريعًا انتقل إلى غيره؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [ابن ماجهْ ٧٩٣].
٥ - (أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ)، كدوابَّ لا حافظَ لها غيرُه، (أَوْ) يخاف (ضَرَرًا فِيهِ) أي: ماله، كاحتراق خبزٍ، وإطلاق ماءٍ على نحو زرعه بغيبته، (أَوْ) يخاف ضررًا (فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا)؛ بأن عاقه حضور جمعةٍ، أو