← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحال الثَّانية: أن تكون أنثى مع إناثٍ، فحكمها: كذَكَرٍ مع ذكورٍ، لكن تقف إمامة النِّساء وسطهنَّ استحبابًا، لوروده عن عائشةَ وأمِّ سلمةَ ﵄ [مصنف عبدالرزاق ٣/ ١٤٠ - ١٤١]. - مسألةٌ: (أَوْ) صلَّى مأمومٌ خلف الإمام، أو خلف الصَّفِّ (رَكْعَةً) كاملةً (مُنْفَرِدًا؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا، وهو من المفردات؛ لحديث وابصةَ بن معبدٍ ﵁ قال: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ» [أحمد ١٨٠٠٢، وأبو داود ٦٨٢، والترمذي ٢٣١، وابن ماجهْ ١٠٠٤] . فصلٌ في أحكام الاقتداء - مسألةٌ: اقتداء المأموم بالإمام لا يخلو من قسمين: القسم الأوَّل: أن يكون المأموم داخل المسجد: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا) أي: الإمام والمأموم (مَسْجِدٌ؛ صَحَّتِ القُدْوَةُ) أي: الاقتداء (مُطْلَقًا)، سواءً رأى المأمومُ الإمامَ أو من وراءه أم لم يَرَهُمْ، وسواءً اتَّصلت الصُّفوف أم لا، حكاه النَّوويُّ والمجد إجماعًا؛ لأنَّ المسجد بُني للجماعة، فكلُّ من حصل فيه فقد حصل في محلِّ الجماعة،

стр. 177

فتصح الصلاة (بِشَرْطِ): ١ - (العِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الإِمَامِ) بسماع التَّكبير أو بمشاهدة الإمام أو من خلفه؛ لتمكُّنه من الاقتداء. ٢ - زوال الفَذِّيَّة؛ لما سبق. القسم الثَّاني: (وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا) أي: الإمام والمأموم مسجدٌ، بأن كانا خارجين عنه، أو المأموم وحده خارجًا عنه، (شُرِطَ) لصحَّة الاقتداء: (رُؤْيَةُ الإِمَامِ، أَوْ) رؤية (مَنْ وَرَاءَهُ)، ولو لم تتَّصل الصُّفوف، فإن لم ير أحدَهما لم يصحَّ اقتداؤه به، ولو سمع التَّكبير؛ لما ورد عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: (قد صلَّى نسوةٌ مع عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ في حجرتها فقالت: لا تُصَلِينَ بصلاة الإمام فإنَّكنَّ دونه في حجابٍ) [البيهقي في الكبرى ٥٠٢٨، معلَّقًا]، ولأنَّه لا يمكن الاقتداء به في الغالب. وعنه: يصحُّ إن سمع التَّكبير، ولو لم يره؛ لإمكان الاقتداء. - فرعٌ: تكفي الرُّؤية (وَلَوْ فِي بَعْضِهَا)، أي: في بعض الصَّلاة أو من شبَّاك ونحوه، إن أمكن الاقتداء؛ لحديث عائشةَ ﵂، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ» [البخاري ٣٧٨،

стр. 178

ومسلم ٤١١]، والظَّاهر أنَّهم كانوا يرونه حال قيامه. ويمكن أن يقال: يجوز اقتداء المأموم بالإمام إن كان خارج المسجد بشرطين: ١ - اتِّصال الصُّفوف، قال شيخ الإسلام: (فإن كانت الصُّفوف متَّصلةً جاز باتِّفاق الأئمَّة)، فإن لم تتَّصل الصُّفوف لم تصحَّ الصَّلاة، واختاره شيخ الإسلام. ٢ - إمكان الاقتداء بالإمام برؤيته، أو رؤية من وراءه، أو سماعٍ، لحديث عائشةَ السَّابق. - مسألةٌ: (وَكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لأنَّ عمَّار بن ياسر ﵄ صلَّى بالمدائن على دكَّانٍ والنَّاس أسفل منه، فتقدَّم حذيفةُ فأخذ على يديه فاتَّبعه عمَّارٌ، حتَّى أنزله حذيفةُ، فلمَّا فرغ عمَّار من صلاته قال له حذيفةُ ﵄: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ»، قال عمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ» [أبو داود ٥٩٨]، ولا تبطل؛ لأنَّ عمَّارًا أتمَّ صلاته؛ ولو كانت فاسدةً، لاستأنفها . ولا بأسَ بعلوٍّ يسيرٍ، كدرجة منبرٍ ونحوها ممَّا دون ذراعٍ؛ جمعًا بين ما تقدَّم وبين حديث سهلٍ ﵁ أنَّه ﷺ صلَّى على المنبر، ثمَّ نزل القهقرى، فسجد، وسجد معه النَّاس، ثمَّ عاد حتَّى فرغ، ثمَّ قال «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا

стр. 179

صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، والظَّاهر أنَّه كان على الدَّرجة السُّفْلى لئلَّا يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ في الصُّعود والنُّزول، فيكون الارتفاع يسيرًا. - فرعٌ: (لا عَكْسُهُ)، أي: لا يُكْرَهُ علوُّ مأمومٍ على إمامٍ ولو كثيرًا؛ لما روى صالح مولى التَّوْأمة: «أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ وَهُوَ تَحْتَهُ» [عبدالرزاق ٤٨٨٨]. - (وَكُرِهَ حُضُورُ مَسْجِدٍ، وَ) حضور (جَمَاعَةٍ) ولو بغير مسجدٍ (لِمَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ)، كثومٍ وكرَّاثٍ، أو من له صنانٌ أو بخرٌ، (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ)؛ لحديث جابرٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [مسلم ٥٩٢]. فصلٌ في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة - مسألةٌ: (وَيُعْذَرُ) المصلِّي (بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ) بأحد الأعذار الآتية:

стр. 180

١ - (مَرِيضٌ، وَخَائِفٌ حُدُوثَ مَرَضٍ)، أو خائفٌ زيادته، أو تأخُّر بُرْءٍ؛ لأنَّه في معنى المريض، لأنَّه ﷺ لمَّا مرض تخلَّف عن المسجد وقال: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» [البخاري ٦٦٤، ومسلم ٤١٨]، إذا كانا (لَيْسَا) أي: المريض والخائف حدوث مرض (بِالمَسْجِدِ)؛ فإن كانا بالمسجد لزمتهما الجمعة والجماعة؛ لعدم المشقَّة. ٢ - (وَمَنْ يُدَافِعُ أَحَدَ الأَخْبَثَيْنِ)، البول والغائط؛ لحديث عائشةَ ﵂: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» [مسلم ٥٦٠]. ٣ - (وَمَنْ) كان (بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ)، وكان الطَّعام حاضرًا، وكان قادرًا على تناوله حِسًّا وشرعًا، (وَلَهُ) الأكل حتَّى (الشِّبَعُ)؛ لحديث عائشةَ السَّابق. ٤ - (أَوْ) كان (لَهُ ضَائِعٌ يَرْجُوهُ)، إن دُلَّ عليه بمكانٍ وخاف إن لم يمض إليه سريعًا انتقل إلى غيره؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» [ابن ماجهْ ٧٩٣]. ٥ - (أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ)، كدوابَّ لا حافظَ لها غيرُه، (أَوْ) يخاف (ضَرَرًا فِيهِ) أي: ماله، كاحتراق خبزٍ، وإطلاق ماءٍ على نحو زرعه بغيبته، (أَوْ) يخاف ضررًا (فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا)؛ بأن عاقه حضور جمعةٍ، أو

стр. 181

جماعةٍ عن فعل ما هو محتاجٌ لأجرته، أو ثمنه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ السَّابق. ٦ - (أَوْ) يخاف (مَوْتَ قَرِيبِهِ أَوْ رَفِيقِهِ)، أو كان يتولَّى تمريضهما، إن لم يكن عنده من يقوم مقامه؛ لأنَّ ابن عمرَ دُعِيَ إلى سعيد بن زيدٍ وهو يموت، وابن عمرَ يَسْتَجْمِرُ قائمًا للجمعة، فذهب إليه وترك الجمعة. [مصنف عبد الرزاق ٥٤٩٤]، قال في «الشَّرح»: (لا نعلم في ذلك خلافًا). ٧ - (أَوْ) يخاف على نفسه (ضَرَرًا مِنْ) سَبُعٍ، و (سُلْطَانٍ) ظالمٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق. ٨ - (أَوْ) يخاف من (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ)، كوحلٍ، أو ثلجٍ، أو جليدٍ، أو ريحٍ شديدةٍ؛ لقول ابن عمرَ ﵄: إنَّ رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذِّن، إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطرٍ في السَّفر، أن يقول: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» [البخاري ٦٣٢، ومسلم ٦٩٧]. ٩ - (أَوْ) يخاف من (مُلَازَمَةَ غَرِيْمٍ لَهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ)؛ لأنَّ حبس المعسر ظلمٌ، فإن كان حالًّا، وقدر على وفائه لم يُعْذَرْ؛ لأنَّه ظالمٌ. ١٠ - (أَوْ) يخاف من (فَوْتِ رُفْقَةٍ) بسفرٍ مباحٍ، أنشأه أو استدامه؛ لأنَّ عليه في ذلك ضررًا. (وَنَحْوِ ذَلِكَ) من الأعذار، كمن غلبه نعاسٌ يخاف به فوت الصَّلاة في

стр. 182

الوقت إذا انتظر الجماعة، أو كان عليه قودٌ يرجو العفو عنه، وغيرها من الأعذار، والأصل في ذلك: حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق. (فَصْلٌ) في صلاة أهل الأعذار أوَّلًا: المريض . - مسألةٌ: مراتب صلاة المريض: المرتبة الأُولى: (يَلْزَمُ المَرِيضَ أَنْ يُصَلِّيَ) الصَّلاة المكتوبة (قَائِمًا) إجماعًا ؛ لحديث عمرانَ بن حصينٍ ﵁ مرفوعًا: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧]، (وَلَوْ) صلَّى (كَرَاكِعٍ، مُعْتَمِدًا، أَوْ مُسْتَنِدًا) على حائطٍ ونحوه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٧]، (وَلَوْ بِأُجْرَةٍ) مثله إن كان (يَقْدِرُ عَلَيْهَا)؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ. المرتبة الثَّانية: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) القيام ، بأن كان عاجزًا عنه، أو شقَّ

стр. 183

عليه القيام لضررٍ يلحق به، أو زيادة مرضٍ، أو تأخُّر برءٍ، (فَقَاعِدًا)؛ لحديث عمرانَ السَّابق، ويكون (متربِّعًا) حال القعود (نَدْبًا)؛ لقول عائشةَ ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» [النسائيُّ ١٦٦١، والدَّارقطنيُّ ١٤٨١]، ويثني رِجْلَيْهِ في ركوعٍ وسجودٍ، (وكَيْفَ قَعَدَ جَازَ). واختار ابن عثيمينَ: أنَّه يجوز أن يصلِّيَ قاعدًا إذا شقَّ عليه مشقَّةً يزول معها الخشوع؛ لأنَّ الخشوع لبُّ الصَّلاة، تُتْرَك له الجمعة والجماعة، فَتَرْكُ القيام كذلك. المرتبة الثَّالثة: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) القعود أو شقَّ عليه ، كما تقدَّم في القيام، (فَـ) ـإنَّه يصلِّي (عَلَى جَنْبٍ)؛ لحديث عمرانَ السَّابق. - فرعٌ: (وَ) صلاته على الجنب (الأَيْمَنِ أَفْضَلُ) من الصَّلاة على الجنب الأيسر؛ لعموم حديث عائشةَ ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» [البخاري: ١٦٨، ومسلم ٢٦٨]، ولحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» [الدَّارقطنيُّ ١٧٠٦، قال الذَّهبيُّ: حديثٌ منكرٌ]، فإن صلَّى على الأيسر صحَّ؛ لأنَّ المقصود استقبال القبلة وهو حاصلٌ بذلك. - مسألةٌ: (وَيُومِئُ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ عَاجِزٌ عَنْهُمَا مَا أَمْكَنَهُ)؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، (وَيَجْعَلُ) أي:

стр. 184

الإيماء بـ (السُّجُودَ أَخْفَضَ) من ركوعه، وجوبًا؛ ليتميَّز أحدُهما عن الآخر. المرتبة الرَّابعة: (فَإِنْ عَجَزَ) عن الإيماء برأسه (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أي: بعينه، (مستَحْضرًا الفعلَ بقلبِهِ)؛ لما روى زكريَّا السَّاجيُّ عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «فَإنْ لَم يَسْتَطع أَوْمَأَ بطَرفِه» [لم نقف عليه مسندًا]. واختار شيخ الإسلام: لا يلزمه الإيماء بطرفه؛ لعدم ثبوته. المرتبة الخامسة: فإن عجز عن الإيماء بطرفه ، فقال ﵀: (وكذا القولُ) أي: يكون مستحضرًا له بقلبه (إِن عَجَزَ عنه بِلِسَانِهِ)؛ لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ)، (وَلَا تَسْقُطُ) أي: الصَّلاة عن المكلَّف (مَا دَامَ العَقْلُ ثَابِتاً)؛ لقدرته على أن ينويَ بقلبه. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّ من عجز عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصَّلاة؛ لظاهر حديث عمرانَ السَّابق؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُرْشِدْهُ إلى مرتبةٍ بعدها. - مسألةٌ: (فَإِنْ قَدَرَ) مصلٍّ قاعدًا (عَلَى قِيَامٍ) في أثناء الصَّلاة انتقل إليه، (أَوْ) قدر مصلٍّ مضطجعًا على (قُعُودٍ فِي أَثْنَائِهَا) أي: الصَّلاة، (انْتَقَلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الَّذي يستطيعه؛ لتعيُّنه عليه، (وَأَتَمَّهَا) أي: الصَّلاة ولم يستأنف؛ لأنَّ الأوَّل وقع صحيحًا للعُذْر، وما ترتَّب على المأذون غير مضمونٍ.

стр. 185

- مسألةٌ: (وَلَا تَصِحُّ) صلاةٌ (مَكْتُوبَةٌ فِي سَفِينَةٍ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى قِيَامٍ)؛ لقدرته على ركن الصَّلاة، كمن بغير سفينةٍ . - مسألةٌ: (وَتَصِحُّ) صلاةٌ مكتوبةٌ (عَلَى رَاحِلَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ سَائِرَةٍ): ١ - (لِتَأَذٍّ بِوَحَلٍ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كثلجٍ؛ لحديث يَعْلَى بن أميَّةَ ﵁: «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيقٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَمُطِرُوا، والسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَقَامَ، فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» [أحمد: ١٧٥٧٣، والترمذي: ٤١١]، وروي عن أنسٍ ﵁ [عبدالرزاق ٤٥١١]، قال التِّرمذيُّ: (والعمل على هذا عند أهل العلم). ٢ - (أَوْ لِخَوْفِ انْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَةٍ) بنزولٍ، (أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ) إن نزل (مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ) أو سَبُعٍ؛ دفعًا للحرج والمشقَّة، واختاره شيخ الإسلام. ٣ - (أَوْ عَجْزِهِ عِنْ رُكُوبٍ إِنْ نَزَلَ) للصَّلاة؛ لما سبق، واختاره شيخ الإسلام. - فرعٌ: (وَعَلَيْهِ) أي: المصلِّي على الرَّاحلة المكتوبة لعذرٍ

стр. 186

(الِاسْتِقَبَالُ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) من ركوعٍ، أو سجودٍ، أو إيماءٍ بهما، وطمأنينةٍ؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». - مسألةٌ: (وَيُعْتَبَرُ المَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ) ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» [البخاري ٨١٢، ومسلم ٤٩٠]، (فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى قُطْنٍ مَنْفُوشٍ)، ونحوه ممَّا لا تستقرُّ عليه الأعضاء، ولم ينكبس؛ لم تصحَّ صلاته، (أَوْ صَلَّى فِي أُرْجُوحَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ) تمنعه من أن يصلِّيَ بالأرض كالمربوط ونحوه؛ (لَمْ تَصِحَّ) صلاته؛ لعدم تمكنه عُرْفًا، وعدم ما يستقرُّ عليه. (فَصْلٌ) في قصر الصَّلاة - مسألةٌ: (يُسَنُّ قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ) وهي الظُّهر والعصر والعشاء، بخلاف المغرب والصُّبح فلا يقصران إجماعًا، (لِمَنْ نَوَى سَفَرًا)؛ لأنَّه ﷺ

стр. 187

داوم عليه، قال ابن عمرَ ﵄: «صَحِبْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبْتُ عُمَرَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ الله» [مسلم: ٦٨٩]. - فرعٌ: يُشْتَرَطُ للقصر في السَّفر أربعة شروطٍ: الشَّرط الأوَّل: أن يكون السَّفر (مُبَاحًا)، فيدخل فيه السَّفر الواجب والمندوب والمباح، (وَلَوْ لِنُزْهَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ) أو تجارةٍ، فإن كان السَّفر محرَّمًا، أو مكروهًا، لم يجز له القصر؛ ، لقول الله تعالى: (فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه) قال مجاهدٌ: (لا قاطعًا للسَّبيل، ولا مفارقًا للأئمَّة، ولا خارجًا في معصية الله، فله الرُّخصة، ومن خرج باغيًا، أو عاديًا في معصية الله، فلا رُخصةَ له وإن اضطرَّ إليه) [تفسير ابن جرير ٣/ ٥٩]، فإذا ثبت أنَّ الميتة لا تحلُّ لهم فسائر الرُّخص من باب أَوْلى، ولأنَّ الرُّخَص لا تُنَاط بالمعاصي. واختار شيخ الإسلام: يجوز التَّرخُّص في السَّفر المحرَّم والمكروه؛ لأنَّ الكتاب والسُّنَّة أطلقا السَّفر، ولم ينقل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه خصَّ سفرًا من سفرٍ، مع علمه أنَّ السَّفر يكون حرامًا وحلالًا، وأمَّا الآية فالصَّحيح -وهو قول الأكثرِ-أنَّ معناها: غير باغٍ للميتة، ولا عادٍ في أكله. [تفسير ابن جرير ٣/ ٦١]. الشَّرط الثَّاني: أن يكون قاصدًا (لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) في ابتداء السَّفر، فلا

стр. 188

قصرَ ولا فطرَ لتائهٍ ضالِّ الطَّريق، ولا لسائحٍ لا يقصد مكانًا معيَّنًا؛ لأنَّ السَّفر إذنٌ ليس بمباحٍ، والسِّياحة لغير موضعٍ معيَّنٍ مكروهةٌ، قال شيخ الإسلام: (السِّياحة في البلاد لغير قصدٍ شرعيٍّ، كما يفعله بعض النُّسَّاك أمرٌ منهيٌّ عنه). الشَّرط الثَّالث: أن يكون السَّفر طويلًا، وهو ما (يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) تقريبًا لا تحديدًا، (بَرًّا وَبَحْرًا)؛ للعمومات، (وَهِيَ) أي: السِّتَّة عشرَ فرسخًا (يَوْمَانِ قَاصِدَانِ) أي: مسيرة يومين معتدلين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وهي تساوي أربعة بُرُدٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ» [الدَّارقطنيُّ: ١٤٤٧، والبيهقيُّ: ٥٤٠٤ قال في التَّلخيص: والصَّحيح عن ابن عبَّاسٍ من قوله]، وقد روي نحوه موقوفًا عن ابن عبَّاسٍ وابن عمرَ ﵃ [البخاريُّ معلَّقًا ٢/ ٤٣، ووصله البيهقيُّ ٥٣٩٧]. واختار شيخ الإسلام: يترخَّص في طويل السَّفر وقصيره، ولا يُحَدَّدُ بمسافةٍ بل بالعُرْف، فما اعتبره العُرْف سفرًا جاز القصر فيه؛ لأنَّ السَّفر جاء في النُّصوص مطلقًا دون تحديدٍ بمسافةٍ، والقاعدة: (ما ورد مطلقًا ولم يحدِّده الشَّرع ولا اللُّغة فإنَّ المرجع في تحديده هو العُرْف)، وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ المرفوعُ فضعيفٌ، وأمَّا الآثار المذكورة فقد قال ابن قدامةَ: (أقوال الصَّحابة متعارضةٌ مختلفةٌ، ولا حجَّةَ فيها مع الاختلاف). - فرعٌ: البريد الواحد يساوي أربعة فراسخَ، والفرسخ يساوي ثلاثة

стр. 189

أميالٍ، فتكون المسافة بالأميال ٤٨ ميلًا، والميل يساوي ١.٦٠ كيلو، وعليه فـ (٤٨) ميلًا تساوي (٧٦.٨) كيلومترٍ. الشَّرط الرَّابع: له القصر (إِذَا فَارَقَ) من نوى سفرًا مباحًا (بُيُوتَ قَرَيْتِهِ العَامِرَةِ، أَوْ خِيَامَ قَوْمِهِ)، وما يُنْسَبُ إليها عُرْفًا، كسكَّان قصورٍ وبساتينَ؛ ولو كان أهلها يسكنونها فصل النُّزْهة فقط، فلا يقصر وهو داخل البلد حتَّى يفارق جميع ذلك؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أباح القصر لمن ضرب في الأرض قال تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصَّلاة)، وقبل مفارقته ما ذُكِرَ لا يكون ضاربًا فيها ولا مسافرًا. - مسألةٌ: (وَلَا يُكْرَهُ إِتْمَامُ) رباعيَّةٍ لمن له قصرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عليكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ونفي الجناح يدلُّ على الرُّخصة، ولحديث يعلى قال: قالت عائشةَ ﵂: «كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ» [الدَّارقطنيُّ وصحَّحه: ٢٢٩٨]، (وَالقَصْرُ أَفْضَلُ)، من الإتمام؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» [أحمدُ: ٥٨٦٦] . واختار شيخ الإسلام: يُكْرَهُ الإتمام في السَّفر؛ لأنَّ القصر هدي النَّبيِّ ﷺ في جميع أسفاره، وللأمر في حديث يعلى بن أُمَيَّةَ السَّابق: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، وأمَّا حديث عائشةَ ﵂، فقد نقل ابن القيِّم عن شيخ الإسلام أنَّه

стр. 190

قال: (هو كذبٌ على رسول الله ﷺ . - مسألةٌ: (وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَصَرَ) بشرطه (ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ المَسَافَةِ)؛ لوجود نيَّة المسافة المعتبرة . - مسألةٌ: (وَ) يُسْتَثْنَى من جواز القصر بعد وجود الشُّروط السَّابقة صورًا، منها: ١ - (مَنْ نَوَى إِقَامَةً مُطْلَقَةً بِمَوْضَعٍ) معيَّنٍ، دون تحديد مدَّةٍ: فإنَّه يتمُّ؛ للدَّليل الآتي. ٢ - (أَوْ) نوى إقامةً بموضعٍ معيَّنٍ (أَكْثرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) وهي عشرون صلاةً: فإنَّه يتمُّ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ» [البخاري: ١٥٦٤، ومسلم: ١٢٤٠] فأقام النَّبيُّ ﷺ بها الرَّابع من ذي الحجَّة، والخامس، والسَّادس، والسَّابع، وصلَّى الصُّبح في اليوم الثَّامن، ثمَّ خرج إلى منًى، وكان يقصر الصَّلاة في هذه الأيَّام، وقد أجمع على إقامتها. واختار شيخ الإسلام: جواز القصر في كلِّ ما يُسمَّى: «سفرًا»، سواءً قلَّ أو كثرَ، ما لم ينو الإقامة المطلقة، أو الاستيطان بالبلد؛ لأنَّ الأدلَّة الدَّالة على جواز القصر مطلقةٌ، فتقييدها بزمنٍ معيَّنٍ يحتاج إلى دليلٍ، وللقاعدة السَّابقة: (ما ورد مطلقًا ولم يحدِّدْه الشَّرع ولا اللُّغة فإنَّ المرجع في تحديده هو

стр. 191

العُرْف)، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قصر في السَّفر في مدَّةٍ أكثرَ ممَّا ذُكِرَ، فعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ»، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «عَشْرًا» [البخاري: ١٠٨١، ومسلمٌ: ٦٩٣]، وعن جابر بن عبد الله ﵄: «أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» [أحمدُ: ١٤١٣٩، وأبو داودَ: ١٢٣٥]، وثبت عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه أقام بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يصلِّي ركعتين، وقد حال الثَّلج بينه وبين الدُّخول. [البيهقيُّ: ٥٤٧٦، وصحَّحه ابن حجرٍ]. ٣ - (أَوِ ائْتَمَّ) مسافرٌ (بِمُقِيمٍ؛ أَتَمَّ)؛ لما روى موسى بن سلمةَ، قال: كنَّا مع ابن عبَّاسٍ بمكَّةَ، فقلت: إنَّا إذا كنَّا معكم صلَّينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلَّينا ركعتين، قال: «تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ ﷺ » [أحمدُ: ١٨٦٢]. وقيل: إذا ائتمَّ مسافرٌ بمقيمٍ لم يَخْلُ من حالتين: أ) أن يصلِّيَ رباعيَّةً خلف من يُصَلِّي ثنائيَّةً، كمسافرٍ يصلِّي الظُّهر خلف من يصلِّي الفجر: فإنَّه يقصر؛ لعدم مخالفة الإمام. ب) أن يُصَلِّيَ رباعيَّةً خلف من يصلِّي ثلاثيَّةً أو رباعيَّةً، كمسافرٍ يصلِّي الظُّهر خلف من يصلِّي المغرب أو العشاء: لا يلزمه الإتمام إلَّا إذا أدرك معه ركعةً فأكثر، وهذه رواية عن أحمد؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» [البخاريُّ: ٥٨٠، ومسلمٌ: ٦٠٧].

стр. 192

- مسألةٌ: (وَإِنْ حُبِسَ) المسافر في مكانٍ (ظُلْمًا)، أو بسبب مرضٍ، (أَوْ بِمَطَرٍ)، ولم ينو الإقامة، قصر أبدًا؛ لما تقدَّم من الآثار عن ابن عمرَ وأنسٍ ﵃ . - مسألةٌ: (أَوْ أَقَامَ) المسافر بمكانٍ (لِـ) قضاء (حَاجَةٍ بِلَا نِيَّةِ إِقَامَةٍ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْرِي مَتَى تَنْقَضِي) حاجته، أقَبْل مدَّة القصر أم بعدها، (قَصَرَ أَبَدًا) إجماعًا . وإن ظنَّ أنَّ الحاجة لا تنقضي إلَّا بعد مُضِيِّ مدَّة القصر، فلا يجوز له القصر؛ لحديث جابر بن عبد الله المتقدِّم: «أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، فيُحْمَل الحديث على هذه الحالة. واختار ابن قدامةَ: له القصر. (فصلٌ) في الجمع - مسألةٌ: (يُبَاحُ جَمْعٌ بَيْنَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) في وقت إحداهما، (وَ) بين (عِشَاءَيْنِ بِوَقْتِ إِحْدَاهُمَا، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ)؛ للاختلاف فيه، (غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَيُسَنُّ) بشرطه، للاتِّفاق عليهما؛ لفعله ﷺ .

стр. 193

وعنه: الجمع أفضلُ؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ ؛ لما سيأتي. - مسألةٌ: (وَيُجْمَعُ فِي ثَمَانِ حَالَاتٍ): ١ - المسافر الَّذي يجوز له القصر: وأشار إليه بقوله: (بِسَفَرِ قَصْرٍ)، سواءً كان نازلًا أو جادًّا به السَّير؛ لما روى معاذٌ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ العَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ المَغْرِبِ» [أبو داودَ: ١٢٢٠، والترمذيُّ: ٥٥٣]. وقال شيخ الإسلام: الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر يختصُّ بمحلِّ الحاجة، لا أنَّه من رُخَص السَّفر المطلقة كالقصر. ٢ - (وَمَرِيضٍ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) أي: بترك الجمع (مَشَقَّةٌ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «جَمَعَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ»، وفي روايةٍ «فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ» [مسلم: ٧٠٥]، ولا عذر بعد ذلك إلَّا المرض. ٣ - (وَمُرْضِعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ نَجَاسَةٍ) أي: مشقَّة تطهير النَّجاسة لكلِّ

стр. 194

صلاةٍ؛ قياسًا على المريض. ٤ - (وَمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا)؛ كمن به سلس بولٍ؛ لحديث حمنةَ ﵂ مرفوعًا: «فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي» [أحمد: ٢٧٤٧٤، وأبو داود: ٢٨٧، والترمذي: ١٢٨]. ٥ - (وَعَاجِزٍ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ تَيَمُّمٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّ الجمع أُبِيحَ للمسافر والمريض للمشقَّة، وهذا في معناهما. ٦ - (أَوْ) عاجزٍ (عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتٍ؛ كَأَعْمَى وَنَحْوِهِ)؛ للمشقَّة. ٧ - (وَلِعُذْرٍ) يبيح ترك جمعةٍ وجماعةٍ؛ كخوفه على نفسه، أو ماله، أو حرمته. ٨ - (أَوْ شُغْلٍ يُبِيحُ تَرْكَ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ)؛ كمن يخاف بترك الجمع ضررًا في معيشةٍ يحتاجها (١).

стр. 195

واختار شيخ الإسلام: جواز الجمع للطَّبَّاخ، والخبَّاز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله ومال غيره بترك الجمع. - مسألةٌ: (وَيَخْتَصُّ بِجَوَازِ جَمْعِ العِشَاءَيْنِ) دون الظُّهرين ستُّ حالاتٍ يأتي بيانها؛ واختصَّتْ هذه بالعشاءين؛ لأنَّه لم يَرِد إلَّا فيهما، ومشقَّتهما أكثرُ من حيث إنَّهما يفعلان في الظُّلمة، بخلاف مشقَّة السَّفر فإنَّها لأجل السَّير وفوات الرُّفقة . وفي قولٍ اختاره ابن عثيمينَ: يجوز الجمع بين الظُّهرين أيضًا عند وجود المشقَّة بترك الجَمْع، كما يفيده حديث ابن عبَّاسٍ ﵁. - فرعٌ: يجوز الجمع بين العشائين في الحالات السِّتِّ الآتية (وَلوْ صَلَّى بِبَيْتِهِ)؛ لأنَّ الرُّخصة العامَّة يستوي فيها وجود المشقَّة وعدمها؛ كالسَّفر. واختار المجد وابن عثيمينَ: إذا كان لا يلحقه بترك الجَمْع حرجٌ ومشقَّةٌ فلا يجوز له الجمع إلَّا إذا خشي فوات الجماعة؛ لأنَّ الجَمْع حال المطر لم يُشْرَعُ إلَّا لتحصيل الجماعة. - مسألةٌ: يختصُّ الجَمْع بين العشاءين دون الظُّهرين في ستِّ حالاتٍ: الأوَّل: (ثلجٌ، و) الثَّاني: (بَرَدٌ)؛ لأنَّها في حكم المطر. (و) الثَّالث: (جَليدٌ)؛ لأنَّه من شدَّة البَرَد.

стр. 196

(وَ) الرَّابع: (وَحَلٌ)، وهو الطِّين الرَّقيق؛ لأنَّ الوحَل أعظم مشقَّةً من البلل، لأنَّه يلوِّث الثِّياب ويعرِّض الإنسان للزَّلق؛ فيكون أَوْلى. (وَ) الخامس: (رِيحٌ) بشرطين: أ) أن تكون الرِّيح (شَدِيدَةً)، فإن كانت باردةً غير شديدةٍ فلا يُبَاح الجَمْع؛ لإمكان التَّوقِّي من البرودة باللِّباس. ب) أن تكون الرِّيح (بَارِدَةً)، فلو كانت ريحًا شديدةً ليست باردةً لم يجز الجَمْع؛ لعدم المشقَّة. فإذا اجتمع الشَّرطان جاز الجَمْع ولو لم تكن اللَّيلة مظلمةً؛ لأنَّ ذلك عذرٌ في ترك الجمعة والجماعة، ويدلُّ لذلك حديث ابن عمرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» [البخاري: ٦٣٢، ومسلم: ٦٩٧]، وذكر أحمدُ: أنَّ ابن عمرَ ﵄ كان يجمع في اللَّيلة الباردة. (وَ) السَّادس: (مَطَرٌ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وفيه: «فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ»، فإنَّه يشعر بأنَّ الجَمْع للمطر كان معروفًا في عهده ﷺ ، ولما روى نافعٌ: «أنَّ عبد الله بنَ عمرَ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» [مالك: ٤٨١]. - فرعٌ: يُبَاحُ الجَمْع في المطر بشرطين: الأوَّل: إذا كان (يَبُلُّ الثِّيَابَ)، بحيث لو عُصِرَ الثَّوْبُ تقاطر الماء، فلا

стр. 197

يُبَاح لأجل مطرٍ خفيفٍ لا يَبُلُّ الثِّياب؛ لعدم المشقَّة. (وَ) الثَّاني: أن (تُوجَدُ مَعَهُ) أي: مع المطر (مَشَقَّةٌ)؛ لأنَّ علَّة الجَمْع في المطر وجود المشقَّة، لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وفيه: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ»، فإذا لم تكن ثَمَّ مشقَّةٌ في المطر لم يجز الجَمْع. وفي وجهٍ اختاره شيخ الإسلام: يجوز الجَمْع بين الظُّهرين أيضًا في المطر؛ لوجود المشقَّة كذلك، ولأنَّه معنى أباح الجَمْع بين العشائين فأباحه بين الظُّهرين كالسَّفر. - فرعٌ: لا يجوز الجمع لغير الأعذار المتقدِّمة؛ لأنَّ الأصل وجوب الصَّلاة في وقتها، وإنَّما جاز الجَمْع في الأعذار المتقدِّمة لدليلٍ. وقيل، واختاره شيخ الإسلام: إنَّ الجَمْع ليس معدودًا، وإنَّما ضابطه وجود المشقَّة، فمتى وُجِدَتِ المشقَّة الظَّاهرة في ترك الجَمْع جاز الجَمْع حينئذٍ؛ لظاهر حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق. واختار شيخ الإسلام: جواز الجَمْع لتحصيل الجماعة، وللصَّلاة في حمَّامٍ مع جوازها فيه خوفَ فوت الوقت، ولخوف يحرج في تركه. - مسألةٌ: (وَالأَفْضَلُ) لمن له الجَمْع في الحالات السَّابقة (فِعْلُ الأَرْفَقِ) به (مِنْ تَقْدِيمِ جَمْعٍ) بأن يُقَدِّمَ الثَّانية فيصلِّيَها مع الأُولى ،

стр. 198

(أَوْ تَأْخِيره)؛ بأن يُؤَخِّرَ الأُولى فيصلِّيَها مع الثَّانية، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لحديث معاذ السَّابق، (فإِنِ استويا فَتَأْخِيرٌ أَفْضَلُ)؛ لأنَّه أحوطُ، وفيه خروجٌ من الخلاف. - فرعٌ: يُسْتَثْنَى من ذلك: ١ - الجَمْع يوم عرفةَ، فإنَّ الأفضل فيه التَّقديم ولو كان التَّأخير أرفقَ به؛ اتِّباعًا لفعله ﷺ . ٢ - الجَمْع في مزدلفةَ، فإنَّ الأفضل أن يُؤَخِّرَ المغرب لِيَجْمَعَهَا مع العشاء عند وصوله إليها؛ لاشتغاله بالسَّير إليها، إلَّا إذا وصل مزدلفةَ في وقت المغرب فإنَّه يجمع جَمْعَ تقديمٍ. - مسألةٌ: (وَيُشْتَرَطُ لَهُ) أي: الجَمْع تقديمًا كان، أو تأخيرًا (تَرْتِيبٌ مُطْلَقًا)، أي: سواءً ذكره، أو نسيه، بخلاف قضاء الفوائت، فإنَّه يسقط بالنِّسيان (١).

стр. 199

وفي «الإقناع»: يسقط التَّرتيب بالنِّسيان؛ لأنَّ إحداهما هنا تبعٌ، لاستقرارهما، فكانت كالفوائت. - مسألةٌ: (وَ) يُشْتَرَطُ (لِـ) جواز (جَمْعٍ بِوَقْتِ أُولَى) أي: جمع التَّقديم ثلاثة شروطٍ: الأوَّل: (نِيَّةٌ) الجَمْع (عِنْدَ إِحْرَامِهَا) أي: إحرام الصَّلاة الأُولى؛ لأنَّه عملٌ، فيدخل في عموم حديث عمرَ ﵄: «إِنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». واختار شيخ الإسلام: لا تُشْتَرَطُ نيَّة الجَمْع عند إحرام الأُولى؛ لعدم الدَّليل على اشتراطه، وأمَّا الحديث فهو دليلٌ على اشتراط نيَّة الصَّلاة عند الإحرام لا نيَّة الجَمْع. (وَ) الثَّاني: الموالاة، وأشار إليه بقوله: (أَلَّا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) أي: بين الصَّلاتين المجموعتين (إِلَّا بِقَدْرِ إِقَامَةٍ، وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ)؛ لأنَّ معنى الجَمْع المتابعة والمقارنة؛ ولا يحصل ذلك مع التَّفريق الطَّويل، بخلاف اليسير، فإنَّه معفوٌّ عنه، (فَيَبْطُلُ) الجَمْع (بِرَاتِبَةٍ) أو غيرها إذا صلَّاها (بَيْنَهُمَا) أي: بين المجموعتين؛ لأنَّه فرَّق بينهما بصلاةٍ، فتبطل كما لو قضى فائتةً. واختار شيخ الإسلام: عدم اشتراط الموالاة بينهما، ولو صلَّى بينهما راتبةً أو غيرها؛ لأنَّه لو اعْتُبِرَتِ الموالاة لورد تحديدها في الشَّرع، ولأنَّ

стр. 200

الجَمْع يُقْصَد منه التَّسهيل والتَّخفيف، واشتراط الموالاة يخالف ذلك، ويُسْقِطُ مفهوم الرُّخْصة. (وَ) الثَّالث: (وُجُودُ العُذْرِ) المبيح للجَمْع (عِنْدَ افْتِتَاحِهِمَا) أي: المجموعتين، (وَ) عند (سَلَامِ الأُولَى) منهما؛ لأنَّ افتتاح الأُولى موضع النِّيَّة، وفراغها وافتتاح الثَّانية موضع الجَمْع. وقيل: يُشْتَرَطُ فقط كون العذر موجودًا وقت افتتاح الثَّانية؛ لأنَّه موضع الجَمْع فلابدَّ أن يكون العذر موجودًا، ولا يُشْتَرَطُ وجوده عند افتتاح الأُولى بناءً على القول بعدم اشتراط نيَّة الجَمْع، وتقدَّم. (وَ) الرَّابع: (اسْتِمْرَارُهُ) أي: العذر إلى فراغ الثَّانية، فهذا شرطٌ (فِي) نحو سفرٍ ومرضٍ، (غَيْرِ جَمْعِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كبَرَدٍ، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ استمرار العذر (إِلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ) من المجموعتين. والفرق: أنَّه لا يتحقَّق انقطاع المطر؛ لاحتمال عوده في أثناء الصَّلاة، وقد يخلفه عذرٌ مبيحٌ كالوَحَل، بخلاف المريض والمسافر. وقيل: لا يبطل الجَمْع كانقطاع المطر. (فَلَوْ أَحْرَمَ بِالأُولَى) منهما ناويًا الجَمْع (لِمَطَرٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ)

стр. 201

المطر (وَلَمْ يَعُدْ): ١ - (فَإِنْ حَصَلَ وَحَلٌ لَمْ يَبْطُلْ) الجَمْع؛ لأنَّ الوَحَل ينشأ عن المطر وهو من الأعذار المبيحة أشبه ما لو لم ينقطع المطر. ٢ - (وَإِلَّا) أي: وإن لم يحصل وَحَلٌ (بَطَلَ) الجَمْع؛ لزوال مبيحه، فيؤخِّر الصَّلاة الثَّانية حتَّى يدخل وقتها. وإن انقطع العذر من مطرٍ ونحوه في أثناء الصَّلاة الثَّانية؛ صحَّ الجَمْع. (وَإِنِ انْقَطَعَ سَفَرٌ) فلا يخلو من ثلاثة أحوالٍ: ١ - أن ينقطع السَّفر (بِأُولَى) الصَّلاتين المجموعتين، بأن نوى الإقامة، أو أرست به السَّفينة على وطنه؛ (بَطَلَ الجَمْعُ وَالقَصْرُ)؛ لانقطاع السَّفر، (فَيُتِمُّهَا) أي: الأُولى، (وَتَصِحُّ فَرْضًا)؛ لأنَّها في وقتها ويؤخِّر الثَّانية حتَّى يدخل وقتها. ٢ - (وَ) إن انقطع السَّفر (بِـ) ـصلاة (ثَانِيَةٍ)؛ كمن أحرم بها ثمَّ زال العذر؛ (بَطَلَا) أي: الجَمْع والقصر؛ لزوال العذر المبيح للجَمْع، (وَيُتِمُّهَا) أي: الثَّانية (نَفْلًا)؛ كمن أحرم بها ظانًّا دخول وقتها فبان عدمه، والأُولى وقعت في موقعها.

стр. 202

٣ - وإن انقطع بعدهما فلا إعادةَ؛ لوقوع العبادة على وجهٍ صحيحٍ. - مسألةٌ: (وَيُشْتَرَطُ لِـ) جواز (جَمْعٍ بِوَقْتِ ثَانِيَةٍ) أي: جمع التَّأخير شرطان: الأوَّل: (نِيَّتُهُ) أي: نيَّة الجَمْع (بِوَقْتِ أُولَى)؛ لأنَّه متى أخَّرها عن ذلك بغير نيَّةٍ صارت قضاءً لا جمعًا، (مَا لَمْ يَضِقْ) وقت الأُولى (عَنْ فِعْلِهَا)؛ لأنَّ تأخيرها إلى ضيق الوقت عن فعلها حرامٌ فينافي الرُّخصة وهي الجَمْع. (وَ) الثَّاني: (بَقَاءُ عُذْرٍ) من نيَّة الجَمْع بوقت أُولى (إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)؛ لأنَّ المبيح لتأخير الأُولى هو العذر، فإن لم يستمرَّ إلى وقت الثَّانية زال المقتضي للجَمْع، فامتنع. و(لَا) يُشْتَرَطُ (غَيْرُ) ما مرَّ، فلا تُشْتَرَطُ الموالاة في جَمْع التَّأخير؛ لفعله ﷺ في مزدلفةَ، حيث صلَّى المغرب، ثمَّ أناخ كلُّ واحدٍ بعيره، ثمَّ أقيمت العشاء [البخاري: ١٣٩، ومسلم: ١٢٨٠]، ولا تُشْتَرَطُ أيضًا نيَّة الجَمْع؛ لأنَّ الثَّانية مفعولةٌ في وقتها، فهي أداءٌ بكلِّ حالٍ. - مسألةٌ: (وَلَا يُشْتَرَطُ لِلصَّحَّةِ) أي: لصحَّة الجَمْع تقديمًا كان أو

стр. 203

تأخيرًا: (اتِّحَادُ إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ، فَلَوْ صَلَّاهُمَا) أي: المجموعتين (خَلْفَ إِمَامَيْنِ)؛ صحَّ، (أَوْ) صلَّاهما (خَلْفَ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ)؛ صحَّ، (أَوْ) صلَّى (إِحْدَاهُمَا مُنْفَرِدًا وَ) صلَّى (الأُخْرَى جَمَاعَةً)؛ صحَّ، (أَوْ) صلَّى إمامًا (بِمَأَمُومٍ الأُولَى وَ) صلَّى (بِـ) مأمومٍ (آخَرَ الثَّانِيَةَ، أَوْ) صلَّاهما إمامًا (بِمَنْ لَمْ يَجْمَعْ؛ صَحَّ)، وإنَّما صحَّ في هذه الصُّور كلِّها؛ لأنَّ لكلِّ صلاةٍ حكم نفسها وهي منفردةٌ بنيَّتها، فلم يُشْتَرَط اتِّحاد الإمام والمأموم، كغير المجموعتين. (فَصْلٌ) في صلاة الخوف - مسألةٌ: (تَصِحَّ صَلَاةُ الخَوْفِ) عند وجود سببها اتِّفاقًا، لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، وما ثبت في حقِّه ثبت في حقِّ أمَّته؛ ما لم يقم دليلٌ على اختصاصه . - فرعٌ: يُشْتَرَطُ كونها (بِقِتَالٍ مُبَاحٍ)؛ كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١] وقِيسَ

стр. 204

عليهم باقي من يجوز قتاله، بخلاف القتال المحرَّم؛ لأنَّها رخصةٌ فلا تُبَاحُ بمعصيةٍ. - فرعٌ: تجوز صلاة الخوف (وَلَوْ حَضَرًا)؛ لأنَّ المبيحَ الخوفُ لا السَّفرُ، (مَعَ خَوْفِ هَجْمِ العَدْوِّ)؛ لقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. - مسألةٌ: تصحُّ صلاة الخوف (عَلَى سِتَّةِ أَوْجَهٍ) وقيل: سبعة، كلُّها جائزةٌ، والصِّفة المختارة عند الإمام أحمدَ ما ورد في حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» [البخاري: ٤١٢٩، ومسلم: ٨٤٢]، لأنَّها أشبه بكتاب الله، وأحوط للصَّلاة والحرب، وأنكى للعدوِّ، وأقلُّ في الأفعال . وقيل: الأفضل فعل الأصلح لحال الحرب؛ وعليه تُحْمَلُ الصِّفات الواردة في صلاة الخوف. - مسألةٌ: (وَإِذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ) أي: تواصل الطَّعن، والضَّرب، والكَرُّ، والفَرُّ، ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم؛ (صَلَّوْا) إذا حضرت

стр. 205

الصَّلاة وجوبًا، ولا يؤخِّرونها إلى الأمن (رِجَالًا) على أقدامهم، (وَرُكْبَانًا)، متوجِّهين (لِلقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ [البقرة: ٢٣٩] الآية، قال ابن عمرَ ﵄: «إِنْ كَانَ الخَوْفُ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» [البخاري ٤٥٣٥، ومسلم ٨٣٩]، زاد البخاريُّ: قال نافعٌ: (لا أرى ابن عمرَ قال ذلك إلَّا عن النَّبيِّ ﷺ . - فرعٌ: (وَلَا يَلْزمُ) مصلِّيًا في حال اشتداد الخوف (افْتِتَاحُهَا) أي: الصَّلاة (إِلَيْهَا) أي: القبلة (وَلَوْ أَمْكَنَ) المصلِّي ذلك؛ كبقيَّة الصَّلاة، و (يُومِئُونَ) بركوعٍ وسجودٍ (طَاقَتَهُمْ)، والسُّجود أخفضُ من الرُّكوع؛ لأنَّهم لو تمَّموا الرُّكوع والسُّجود لكانوا هدفًا لأسلحة العدوِّ، معرِّضين أنفسهم للهلاك. - مسألةٌ: (وَلِمُصَلٍّ) في خوفٍ (كَرٌّ) على العدوِّ، (وَفَرٌّ) منه (لِمَصْلَحَةٍ، وَلَا تَبْطُلُ بِطُولِهِ)؛ لأنَّه موضعُ ضرورةٍ، بخلاف الصِّياح فإنَّه لا حاجةَ به إلىه . - مسألةٌ: (وَسُنَّ لَهُ) أي: لمصلٍّ خائفٍ (فِيهَا) أي: في صلاة الخوف (حَمْلُ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ) من سلاحٍ، (وَلَا يُثْقِلُهُ كَسَيْفٍ وَسِكِّينٍ)؛ لِقَوْلِهِ

стр. 206

تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ولا يجب؛ لأنَّه لو قيل بوجوبه لكان شرطًا، كالسُّترة، وهو خلاف الإجماع. وفي وجهٍ اختاره الشَّارح وابن عثيمينَ: حمل السَّلاح في صلاة الخوف واجبٌ؛ لأنَّ الله أمر به فقال: ﴿فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: ١٠٢]، ولأنَّ ترك حمل السَّلاح خطرٌ على المسلمين. - مسألةٌ: (وَجَازَ) في صلاة خوفٍ (لِحَاجَةٍ حَمْلُ نَجَسٍ) لا يُعْفَى عنه في غيرها، (وَلَا يُعِيدُ) ما صلَّاه في الخوف مع النَّجس الكثير؛ للعذر . (فَصْلٌ) في صلاة الجمعة - مسألةٌ: (تَجِبُ) صلاة (الجُمُعَةِ) وجوب عينٍ بالإجماع؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩] - مسألةٌ: تجب صلاة الجمعة (عَلَى كُلِّ): ١ - (مُسْلِمٍ)، فلا تجب على كافرٍ وجوب أداءٍ بلا خلافٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى

стр. 207

شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الصَّلاة بعد الإسلام لا قبله. لكنَّ الكافر يتوجَّه إليه خطابُ وجوب التَّكليف؛ لأنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة. ٢ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ فلا تجب على مجنونٍ ولا على صبيٍّ؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١]. ٣ - (ذَكَرٍ)، فلا تجب على المرأة؛ لحديث طارق بن شهابٍ ﵁ مرفوعًا: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» [أبو داود ١٠٦٧]، وذكره ابن المنذر إجماعًا. ٤ - (حُرٍّ) فلا تجب على العبد، اتِّفاقًا؛ لحديث طارق بن شهابٍ السَّابق. ٥ - (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) معتادٍ، (وَلَوْ مِنْ قَصَبٍ)، لا يرتحل عنه شتاءً ولا صيفًا، سواءً بَعُد أو قَرُب، سمع النِّداء أو لم يسمع؛ لأنَّ المدينة كانت

стр. 208

محالًّا متباعدةً، لكلِّ بطنٍ من الأنصار محلٌّ، ومع ذلك وجبت عليهم الجمعة. فلا تجب الجمعة على أصنافٍ: الأوَّل: غير مستوطنٍ، وهو المسافر، وهو على ثلاثة أقسامٍ: ١ - تجب عليه بنفسه -وهو من تنعقد به، ويؤمُّ فيها-، وذلك إذا نوى الاستيطان. ٢ - تجب عليه بغيره -وهو من لا تنعقد به، ولا يصحُّ أن يؤمَّ فيها-، وذلك في ثلاث حالاتٍ أشار إليها بقوله: (وَ) تجب الجمعة (عَلَى: مُسَافِرٍ لَا يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ)، وهو: من نوى إقامةً تمنعه القصر، أو كان سفره سفرَ معصيةٍ؛ لئلَّا تكون معصيته سببًا للتَّخفيف عنه، أو كان سفره فوق فرسخٍ ودون المسافة؛ لعموم الأخبار في وجوب الجمعة. ٣ - أن لا تجب عليه بنفسه ولا بغيره، وهو المسافر سفر قصرٍ مباحٍ، ولم ينو الإقامة ولا الاستيطان؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحجِّ وغيره، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعة في السَّفر مع اجتماع الخلق الكثير. الثَّاني: مستوطنٌ بغير بناءٍ، كأهل الخيام وبيوت الشَّعَر؛ لأنَّ العرب كانوا حول المدينة وكانوا لا يصلُّون الجمعة، ولا أمرهم النَّبيُّ ﷺ بها. واختار شيخ الإسلام: تجب عليهم إذا كان مبنيًّا بما جرت به عادتهم؛

стр. 209

لأنَّ أجزاء البناء ومادته لا تأثيرَ لها في ذلك (١)، ويدلُّ لذلك: أنَّ أبا هريرةَ كتب إلى عمرَ ﵄ يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين؟ فكتب إليهم: «أَنْ أَجْمِعُوا حَيْثُ مَا كُنْتُمْ» [معرفة السنن للبيهقي ٦٣٣٤]، ولم يشترط بناءً مخصوصًا، قال الشَّافعيُّ: (معناه: في أيِّ قريةٍ كنتم؛ لأنَّ مقامهم في البحرين إنَّما يكون في القرى). الثَّالث: المستوطن ببناء خارج المِصْر، ولا يخلو ذلك من أمرين: ١ - أن يكون بينه وبين منارة مسجد المِصْر فوق الفرسخ، فلا تجب عليه؛ لأنَّه ليس من أهلها ولا يسمع النِّداء. ٢ - (وَ) تجب (عَلَى مُقِيمٍ خَارِجَ البَلَدِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا مِنَ المَنَارَةِ نَصًّا فَرْسَخٌ فَأَقَلُّ): فتجب عليه بغيره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «الجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» [أبو داود ١٠٥٦]، ومظنَّة سماع النِّداء تكون من فرسخٍ فأقلَّ، و «كان أنسٌ ﵁، في قصْره أحيانًا يُجَمِّع وأحيانًا لا يُجَمِّعُ، وهو بالزَّاوِيَة على فَرسخين» [مصنف ابن أبي شيبة ٥٠٧٦].

стр. 210

وعنه: المعتبر لمن كان خارج البلد إمكان سماع النِّداء؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ » قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» [مسلم ٦٥٣]. - فرعٌ: الفرسخ= ثلاثة أميالٍ، والميل = ١.٦٠ كيلو تقريبًا. - مسألةٌ: (وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ)، لا بنفسه ولا بغيره، وتقدَّم، (وَلَا) تجب على (عَبْدٍ)؛ لما سبق، (وَلَا) على (مُبَعَّضٍ)؛ لأنَّه عبدٌ، (وَلَا) على (امْرَأَةٍ)؛ لما سبق، (وَلَا) على (خُنْثَى) مشكلٍ؛ لأنَّه لم تتحقَّق ذكوريَّتُه، لكن يُسْتَحَبُّ للخنثى حضورها احتياطًا . (وَمَنْ حَضَرَهَا) أي: الجمعة (مِنْهُمْ) أي: من مسافرٍ، وعبدٍ، ومُبَعَّضٍ، وامرأةٍ، وخنثى؛ (أَجْزَأَتْهُ) عن الظُّهر؛ لأنَّ إسقاط الجمعة عنهم تخفيفٌ، فإذا صلَّاها فكالمريض إذا تكلَّف المشقَّة، (وَلَمْ تَنْعَقِدْ) الجمعة (بِهِ، فَلَا يُحْسَبُ هُوَ وَلَا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ مِنَ الأَرْبَعِينَ)؛ لأنَّه ليس من أهل وجوبها، وإنَّما صحَّت منه تبعًا، فلو كانت تنعقد بهم لانعقدت بهم منفردين

стр. 211

كالأحرار المقيمين. وأمَّا من وجبت عليه الجمعة ثمَّ سقطت عنه لعذرٍ؛ كمرضٍ، وخوفٍ، ومطرٍ، ونحوها؛ فإذا حضر الجمعة، انعقدت به، وجاز أن يؤمَّ في الجمعة؛ لأنَّ سقوط حضورها لمشقَّة السَّعي، فإذا تحمَّل وحضرها انتفت المشقَّة، ووجبت عليه، فانعقدت به؛ كمن لا عذرَ له. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تنعقد صلاة الجمعة بالعبد والمسافر؛ قياسًا على المريض، وأنَّ كلَّ من صحَّت منه الجمعة انعقدت به. - فرع (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ فِيهَا)، أي: في الجمعة؛ لئلَّا يصير التَّابع متبوعًا. وأمَّا من وجبت عليه الجمعة ثمَّ سقطت عنه لعذرٍ؛ كمرضٍ وخوفٍ، ومطرٍ، ونحوها، فيجوز أن يؤم فيها؛ لما سبق. ويمكن أن يقال: إن إمامة المرأة والمجنون وغير المميز لا تصح اتفاقًا، وأما إمامة الصبي المميز، والعبد، والمسافر، فتصح إمامتهم فيها، وهي رواية في المذهب؛ لعموم الأدلة، ولأن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا لدليل.

стр. 212

فَصْلٌ - مسألةٌ: (وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أي: الجمعة (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) . - فرعٌ: (لَيْسَ مِنْهَا) أي: شروط صحَّتها؛ (إِذْنُ الإِمَامِ)؛ لأنَّ عليًّا صلَّى بالنَّاس، وعثمانُ محصورٌ، فلم ينكره أحدٌ [البخاريُّ ٦٩٥]. (أَحَدُهَا: الوَقْتُ)؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ فاشْتُرِطَ لها الوقت كبقيَّة الصَّلوات، فلا تصحُّ قبل الوقت، ولا بعده إجماعًا، قاله في «المبدع». - فرعٌ: (وَهُوَ) أي: وقت الجمعة: بدايته: على ثلاثة أقسامٍ: ١ - وقت الجواز: يبدأ (مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ) صلاة (العِيدِ)؛ لقول عبد الله بن سِيدان: (شَهِدْتُ الجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولُ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْكَرَهُ) [الدارقطني ١٦٢٣]، ولحديث سهل بن سعدٍ ﵁: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ» [البخاري ٢٣٤٩، ومسلم ٨٥٩]، واحتجَّ بهما أحمدُ. وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يجوز فعلُها في السَّاعة السَّادسة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ

стр. 213

الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [البخاري ٨٨١، ومسلم ٨٥٠]، وعليه تُحْمَل الأحاديث والآثار السَّابقة، قال ابن قدامةَ: (ما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ ولا خلفائه أنَّهم صَلَّوا أوَّل النَّهار)، وأمَّا حديث عبد الله بن سيدانَ فقال عنه البخاريُّ: (لا يُتَابَعُ على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه). آخر وقت الجمعة: يمتدُّ (إِلَى آخِرِ وَقْتِ) صلاة (الظُّهْرِ) بلا خلافٍ. قاله في «المبدع»؛ لأنَّ الجمعةَ واقعةٌ موقعها فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة. ٢ - وقت الوجوب: فقال ﵀: (وَتَلْزَمُ) الجمعة (بِزَوَالٍ) الشَّمس؛ لأنَّ ما قبله وقت جوازٍ. ٣ - وقت الاستحباب: وهو ما أشار إليه بقوله: (وَ) فعلُها (بَعْدَهُ) أي: الزَّوال (أَفْضَلُ) وفاقًا؛ لما روى سلمةَ بن الأكوع ﵁: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» [مسلم ٨٦٠]، وخروجًا من الخلاف.

стр. 214

(وَ) الشَّرط (الثَّانِي: اسْتِيطَانٌ) أي: أن يكونوا بقريةٍ مستوطنين بها، بما جرت به العادة، وقد سبق إيضاحه، (أَرْبَعِينَ) رجلًا (وَلَوْ بِالإِمَامِ) من أهل وجوب صلاة الجمعة؛ لقول كعب بن مالكٍ ﵁: «أسْعَدُ بْن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ، قيل: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَرْبَعُونَ» [أبو داود ١٠٦]، واحتجَّ به أحمدُ. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تنعقد بثلاثةٍ؛ لأنَّ الخطاب ورد بصيغة الجمع في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولا بدَّ من جماعةٍ تستمع إلى الخطيب، وأقلُّ الجماعة اثنان، وأمَّا تجميع أسعدَ بن زرارةَ فهذا وقع اتِّفاقًا لا قصدًا. (وَ) الشَّرط (الثَّالِثُ: حُضُورُهُمْ) أي: الأربعين من أهل وجوبها، الخطبةَ والصَّلاةَ. - فرعٌ: تصحُّ بحضور أربعين (وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خُرْسٌ) والخطيب ناطقٌ، (أَوْ) كان فيهم (صُمٌّ)؛ لأنَّهم من أهل الوجوب، و (لَا) تصحُّ إن كان (كُلُّهُمْ) خرسًا حتَّى الخطيب، أو كانوا كلُّهم صُمًّا؛ لفوات الخطبة صورةً ومعنًى في مسألة الخُرْس، وفوات المقصود من سماع الخطبة في مسألة الصُّمِّ، فيصلُّونها ظهرًا.

стр. 215

- مسألةٌ: لا تنعقد الجمعة بأقلَّ من أربعين، (فَإِنْ نَقَصُوا) عن العدد المشترط (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لم يتمُّوها جمعةً؛ لفقد شرط العدد، واستأنفوا جمعةً إن أمكن إعادتها جمعةً بشروطها؛ لأنَّها فرض الوقت، وإن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها، (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) . واختار الموفَّق: أنَّهم إن صلَّوا ركعةً أتمُّوها جمعةً، وإلَّا فلا؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». (وَ) الشَّرط (الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله)، والذِّكر: هو الخطبة، وقد أمر بالسَّعي إليها فيكون واجبًا؛ إذ لا يجب السَّعي لغير واجبٍ. - مسألةٌ: الخطبتان (بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ)؛ لقول عمرَ ﵁: «الخُطْبَةُ مَوْضِعُ الرَّكْعَتَيْنِ، مَنْ فَاتَتْهُ الخُطْبَةُ صَلَّى أَرْبَعًا» [عبدالرزاق ٥٤٨٥]، لا أنَّ الخطبتين بدل ركعتين من الظُّهر؛ لأنَّ الجمعة ليست بدلًا عن الظُّهر، بل مستقلَّةٌ، واختاره ابن القيِّم؛ لقول عمرَ ﵁: «الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » [أحمد ٢٥٧، والنسائي ١٤٠٢، وابن ماجهْ ١٠٦٣]، ولعدم جواز زيادتها على ركعتين، بل الظُّهر بدلٌ عنها إذا فاتت .
следующие страницы →