← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كالأحرار المقيمين. وأمَّا من وجبت عليه الجمعة ثمَّ سقطت عنه لعذرٍ؛ كمرضٍ، وخوفٍ، ومطرٍ، ونحوها؛ فإذا حضر الجمعة، انعقدت به، وجاز أن يؤمَّ في الجمعة؛ لأنَّ سقوط حضورها لمشقَّة السَّعي، فإذا تحمَّل وحضرها انتفت المشقَّة، ووجبت عليه، فانعقدت به؛ كمن لا عذرَ له. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تنعقد صلاة الجمعة بالعبد والمسافر؛ قياسًا على المريض، وأنَّ كلَّ من صحَّت منه الجمعة انعقدت به. - فرع (وَلَا تَصِحُّ إِمَامَتُهُمْ فِيهَا)، أي: في الجمعة؛ لئلَّا يصير التَّابع متبوعًا. وأمَّا من وجبت عليه الجمعة ثمَّ سقطت عنه لعذرٍ؛ كمرضٍ وخوفٍ، ومطرٍ، ونحوها، فيجوز أن يؤم فيها؛ لما سبق. ويمكن أن يقال: إن إمامة المرأة والمجنون وغير المميز لا تصح اتفاقًا، وأما إمامة الصبي المميز، والعبد، والمسافر، فتصح إمامتهم فيها، وهي رواية في المذهب؛ لعموم الأدلة، ولأن من صحت صلاته صحت إمامته، إلا لدليل.

стр. 212

فَصْلٌ - مسألةٌ: (وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أي: الجمعة (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) . - فرعٌ: (لَيْسَ مِنْهَا) أي: شروط صحَّتها؛ (إِذْنُ الإِمَامِ)؛ لأنَّ عليًّا صلَّى بالنَّاس، وعثمانُ محصورٌ، فلم ينكره أحدٌ [البخاريُّ ٦٩٥]. (أَحَدُهَا: الوَقْتُ)؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ فاشْتُرِطَ لها الوقت كبقيَّة الصَّلوات، فلا تصحُّ قبل الوقت، ولا بعده إجماعًا، قاله في «المبدع». - فرعٌ: (وَهُوَ) أي: وقت الجمعة: بدايته: على ثلاثة أقسامٍ: ١ - وقت الجواز: يبدأ (مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ) صلاة (العِيدِ)؛ لقول عبد الله بن سِيدان: (شَهِدْتُ الجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْنَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولُ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْكَرَهُ) [الدارقطني ١٦٢٣]، ولحديث سهل بن سعدٍ ﵁: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ» [البخاري ٢٣٤٩، ومسلم ٨٥٩]، واحتجَّ بهما أحمدُ. وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يجوز فعلُها في السَّاعة السَّادسة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ

стр. 213

الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [البخاري ٨٨١، ومسلم ٨٥٠]، وعليه تُحْمَل الأحاديث والآثار السَّابقة، قال ابن قدامةَ: (ما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ ولا خلفائه أنَّهم صَلَّوا أوَّل النَّهار)، وأمَّا حديث عبد الله بن سيدانَ فقال عنه البخاريُّ: (لا يُتَابَعُ على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه). آخر وقت الجمعة: يمتدُّ (إِلَى آخِرِ وَقْتِ) صلاة (الظُّهْرِ) بلا خلافٍ. قاله في «المبدع»؛ لأنَّ الجمعةَ واقعةٌ موقعها فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة. ٢ - وقت الوجوب: فقال ﵀: (وَتَلْزَمُ) الجمعة (بِزَوَالٍ) الشَّمس؛ لأنَّ ما قبله وقت جوازٍ. ٣ - وقت الاستحباب: وهو ما أشار إليه بقوله: (وَ) فعلُها (بَعْدَهُ) أي: الزَّوال (أَفْضَلُ) وفاقًا؛ لما روى سلمةَ بن الأكوع ﵁: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» [مسلم ٨٦٠]، وخروجًا من الخلاف.

стр. 214

(وَ) الشَّرط (الثَّانِي: اسْتِيطَانٌ) أي: أن يكونوا بقريةٍ مستوطنين بها، بما جرت به العادة، وقد سبق إيضاحه، (أَرْبَعِينَ) رجلًا (وَلَوْ بِالإِمَامِ) من أهل وجوب صلاة الجمعة؛ لقول كعب بن مالكٍ ﵁: «أسْعَدُ بْن زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ، قيل: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: أَرْبَعُونَ» [أبو داود ١٠٦]، واحتجَّ به أحمدُ. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تنعقد بثلاثةٍ؛ لأنَّ الخطاب ورد بصيغة الجمع في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) [الجمعة: ٩]، ولا بدَّ من جماعةٍ تستمع إلى الخطيب، وأقلُّ الجماعة اثنان، وأمَّا تجميع أسعدَ بن زرارةَ فهذا وقع اتِّفاقًا لا قصدًا. (وَ) الشَّرط (الثَّالِثُ: حُضُورُهُمْ) أي: الأربعين من أهل وجوبها، الخطبةَ والصَّلاةَ. - فرعٌ: تصحُّ بحضور أربعين (وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خُرْسٌ) والخطيب ناطقٌ، (أَوْ) كان فيهم (صُمٌّ)؛ لأنَّهم من أهل الوجوب، و (لَا) تصحُّ إن كان (كُلُّهُمْ) خرسًا حتَّى الخطيب، أو كانوا كلُّهم صُمًّا؛ لفوات الخطبة صورةً ومعنًى في مسألة الخُرْس، وفوات المقصود من سماع الخطبة في مسألة الصُّمِّ، فيصلُّونها ظهرًا.

стр. 215

- مسألةٌ: لا تنعقد الجمعة بأقلَّ من أربعين، (فَإِنْ نَقَصُوا) عن العدد المشترط (قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لم يتمُّوها جمعةً؛ لفقد شرط العدد، واستأنفوا جمعةً إن أمكن إعادتها جمعةً بشروطها؛ لأنَّها فرض الوقت، وإن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها، (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) . واختار الموفَّق: أنَّهم إن صلَّوا ركعةً أتمُّوها جمعةً، وإلَّا فلا؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». (وَ) الشَّرط (الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ)؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله)، والذِّكر: هو الخطبة، وقد أمر بالسَّعي إليها فيكون واجبًا؛ إذ لا يجب السَّعي لغير واجبٍ. - مسألةٌ: الخطبتان (بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ)؛ لقول عمرَ ﵁: «الخُطْبَةُ مَوْضِعُ الرَّكْعَتَيْنِ، مَنْ فَاتَتْهُ الخُطْبَةُ صَلَّى أَرْبَعًا» [عبدالرزاق ٥٤٨٥]، لا أنَّ الخطبتين بدل ركعتين من الظُّهر؛ لأنَّ الجمعة ليست بدلًا عن الظُّهر، بل مستقلَّةٌ، واختاره ابن القيِّم؛ لقول عمرَ ﵁: «الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » [أحمد ٢٥٧، والنسائي ١٤٠٢، وابن ماجهْ ١٠٦٣]، ولعدم جواز زيادتها على ركعتين، بل الظُّهر بدلٌ عنها إذا فاتت .

стр. 216

- مسألةٌ: (مِنْ شَرْطِهِمَا) أي: من شرط صحَّة الخطبتين (خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ): ١ - (الوَقْتُ) أي: وقت الجمعة، فلا تصحُّ واحدةٌ من الخطبتين قبله؛ لأنَّهما بدلُ ركعتين، والصَّلاة لا تصحُّ قبل وقتها. ٢ - (وَالنِّيَّةُ)؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧]. ٣ - (وَوُقُوعُهُمَا حَضَرًا): أي: أنَّ الاستيطان شرطٌ لصحَّة الخطبتين؛ لاشتراطه في صحَّة صلاة الجمعة، والخطبتان في مقام الرَّكعتين. ٤ - (وَحُضُورُ الأَرْبَعِينَ) للجمعة، لسماع القدر الواجب؛ لأنَّه ذِكْرٌ اشْتُرِطَ للصَّلاة، فاشْتُرِطَ له العدد كتكبيرة الإحرام. ٥ - (وَأَنْ يَكُونَ) الإمام (مِمَّنْ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ فِيهَا) أي: في الجمعة، وهو من تجب عليه بنفسه، بأن يكون مكلَّفًا، ذَكَرًا، حرًّا، مستوطنًا، فلا تصحُّ من أنثى، وعبدٍ، ومسافرٍ، ونحوهم؛ لأنَّ الجمعة تصحُّ منهم تبعًا، فلو كانوا أئمِّةً صار التَّابع متبوعًا. ويمكن أن يُقَال: إنَّ إمامة المرأة والمجنون وغير المميِّز لا تصحُّ اتِّفاقًا، وأمَّا إمامة الصَّبيِّ المميِّز، والعبد، والمسافر، فتصحُّ إمامتهم فيها، وهي رواية في المذهب؛ لعموم الأدلَّة، ولأنَّ من صحَّت صلاته صحَّت إمامته، إلَّا لدليلٍ. - مسألةٌ: (وَأَرْكَانُهُمَا) أي: الخطبتين (سِتَّةٌ): ١ - (حَمْدُ الله) تعالى بلفظ: (الحمد لله)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄:

стр. 217

«كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَحْمَدُ الله، وَيُثْنِي عَلَيْهِ» [مسلم ٨٦٧]. ٢ - (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. واختار شيخ الإسلام: وجوب الشَّهادتين، لا الصَّلاة عليه (١)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، فَهِيَ كَاليَدِ الجَذْمَاءِ» [أبو داود ٤٨٤١، والترمذي ١١٠٦]، وما علَّلوا به ينتقض بالذَّبح. ٣ - (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كاملةٍ (مِنْ كِتَابِ الله)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: ٢٠٤]، نزلت في الصَّلاة والخطبة، ووجه الدِّلالة: أنَّ (إذا) إنَّما تقولها العرب فيما لا بدَّ من وقوعه، لا فيما يحتمل الوقوع وعدمه. ٤ - (وَالوَصِيَّةُ بِتَقْوَى الله) ؛ لأنَّه المقصود، وأقلُّه: اتَّقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه. وقال شيخ الإسلام: (ولا يكفي في الخطبة ذمُّ الدُّنيا وذكرُ الموت، بل لا بدَّ من مسمَّى الخطبة عُرْفًا، ولا تحصل باختصارٍ يفوت به المقصود). ٥ - (وَمُوَالَاتُهُمَا) أي: الخطبتين (مَعَ الصَّلَاةِ)، فَتُشْتَرَطُ الموالاة بينهما

стр. 218

وبين الصَّلاة، والموالاة بين أجزاء الخطبتين؛ لأنَّه لم يُنْقَل عنه ﷺ خلافه، وللقاعدة: (كلُّ عبادةٍ مركَّبةٍ من أجزاء يُشْتَرَطُ فيها الموالاة، إلَّا لدليلٍ). ٦ - (وَالجَهْرُ) بالخطبتين (بِحَيْثُ يَسْمَعُ) الخطيبَ (العَدَدُ المُعْتَبَرُ) للجمعة، وهو الأربعون من أهل وجوبها، (حَيْثُ لَا مَانِعَ) لهم من سماعه؛ كنومٍ أو صمم البعض، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوته، أو بُعده عنهم؛ لم تصحَّ؛ لعدم حصول المقصود بها. - مسألةٌ: (وَيُبْطِلُهَا) أي: الخطبة (كَلَامٌ مُحَرَّمٌ) في أثنائها، (وَلَوْ يَسِيرًا)؛ كما يبطل الأذان بذلك وأَوْلى . - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الخطبة (بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ) مع القدرة (كِقَرَاءَةٍ) القرآن؛ فلا تجزئ بغير العربيَّة، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يخطب بالعربيَّة، (فَلَا تَصِحُّ إِلَّا مَعَ العَجْزِ) عن العربيَّة، (غَيْرَ القِرَاءَةِ) أي: قراءة آيةٍ فصاعدًا، فلا تجزئ بغير العربيَّة؛ فإنَّه دليل النَّبوَّة، وعلامة الرِّسالة، ولا يحصل بالعجميَّة، فإن عجز عن القراءة وجب بدلها ذِكرًا؛ قياسًا على الصَّلاة . واختار ابن عثيمينَ: لا يُشْتَرَطُ أن يخطب بالعربيَّة، بل يجب أن يخطب بلغة القوم الَّذين يخطب فيهم؛ لتحصل لهم الموعظة؛ لقوله تعالى: ﴿وما

стр. 219

أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾، لكن إذا مرَّ بالآية فلا بدَّ أن تكون بالعربيَّة. - مسألةٌ: (وَتُسَنُّ) في الخطبة سننٌ منها: ١ - أن تكون (عَلَى مِنْبَرٍ)؛ لحديث سهلٍ ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى امرأةٍ: «مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، وحكاه النَّوويُّ إجماعًا، (أَوْ) أن يجلس على (مَوْضِعٍ عَالٍ) إن لم يكن منبرٌ؛ لأنَّه في معناه؛ لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام. ٢ - (وَأَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا مُعْتَمِدًا) بإحدى يديه (عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا) أو قوسٍ؛ لحديث الحكم بن حزنٍ ﵁ قال: «شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، أَوْ قَوْسٍ» [أحمد ١٧٨٥٦، وأبو داو ١٠٩٦]. وقال ابن القيِّم: (ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنَّما كان يعتمد على قوسٍ أو عصا قبل أن يتَّخذ المنبر)، وعليه: فإن كان على منبرٍ لم يُسَنَّ، وإلَّا سُنَّ أن يعتمد على قوسٍ أو عصا. ٣ - (وَ) يُسَنُّ (قَصْرُهُمَا) أي: الخطبتين؛ لحديث عمَّارٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ،

стр. 220

فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الخُطْبَةَ» [مسلم ٧٦٩]، (وَ) يُسَنُّ أن تكون الخطبة (الثَّانِيَةُ أَقْصَرَ) من الأُولى؛ قياسًا على الصَّلاة، وكالإقامة مع الأذان. وقال ابن القيِّم: (وكان يقصر خطبته أحيانًا، ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة النَّاس، وكانت خطبته العارضة أطولَ من خطبته الرَّاتبة). ٤ - (وَ) يُسَنُّ له (رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِمَا حَسَبَ الطَّاقَةِ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» [، ومسلم ٨٦٧]، ولأنَّه أبلغُ في الإعلام. ٥ - (وَ) يُسَنُّ (الدُّعَاءُ لِلمُسْلِمِينَ)؛ لحديث أنسٍ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» [البخاري ١٠٣١، ومسلم ٨٩٥]، فدلَّ على أنَّه كان يدعو في خطبته، ولأنَّ ساعة الإجابة تُرْجَى في هذا الوقت. - فرعٌ: (وَيُبَاحُ) دعاء الخطيب (لِمُعَيَّنٍ؛ كَالسُّلْطَانِ)؛ لأنَّ الدُّعاء له مُسْتَحَبٌّ في الجملة، ولأنَّ في صلاحه صلاح المسلمين. - فرعٌ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ مِنْ صَحِيفَةٍ)؛ كقراءة القرآن في الصَّلاة من مصحفٍ، وأَوْلى؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ غُلَامًا، أَوْ

стр. 221

إِنْسَانًا يَقْرَأُ فِي المُصْحَفِ يَؤُمُّهَا فِي رَمَضَانَ» [مصنف ابن أبي شيبة ٧٢١٨]. - مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَهُوَ) أي: المتكلِّم (مِنْهُ) أي: من الإمام (بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعاً: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» [مسلم ٨٥١]، بخلاف البعيد الَّذي لا يسمعه؛ لأنَّ وجوب الإنصات للاستماع، وهذا ليس بمستمعٍ . - فرعٌ: (وَيُبَاحُ) الكلام حال الخطبة: ١ - (إِذَا سَكَتَ) الخطيب (بَيْنَهُمَا) أي: الخطبتين؛ للحديث السَّابق، وفيه: «وَالإِمَامُ يَخْطُبُ». ٢ - (أَوْ) إذا (شَرَعَ فِي دُعَاءٍ)؛ لأنَّه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدُّعاء لا يجب الإنصات له. واختار السِّعدي: يحرم الكلام ولو لم يكن في أركانها، ولو شرع في الدُّعاء؛ لأنَّ الخطبة اسمٌ لمجموع ذلك كلِّه، ولعموم النَّهي.

стр. 222

(فَصْلٌ) - مسألةٌ: (وَ) صلاة (الجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجماعًا؛ قال عمرُ ﵁: «صَلاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » [أحمد ٢٥٧، والنسائي ١٤١٩، وابن ماجهْ ١٠٦٣] . - مسألةٌ: (وَحَرُمَ إِقامَتُهَا) أي: صلاة جمعةٍ، (وَ) كذا صلاة (عِيدٍ فِي أَكْثرَ مِنْ مَوْضِعٍ) واحدٍ (مِنَ البَلَدِ) الواحد؛ لأنَّه ﷺ وأصحابه لم يقيموها في أكثرَ من موضعٍ واحدٍ، قال في «المبدع»: (لا نعلم فيه خلافًا إلَّا عن عطاء)، (إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَضِيقِ) مسجدٍ، (وَبُعْدٍ)؛ بأن يكون البلد واسعًا وتتباعد أقطاره، فيشقَّ على من منزله بعيدٌ عن محلِّ الجمعة مجيئُها، (وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) لعداوة بين أهل البلد يُخْشَى باجتماعهم في محلٍّ إثارتها، (وَنَحْوِهِ)؛ ممَّا يدعو لتعدُّد الجُمَع فيجوز بقدر الحاجة فقط؛ لأنَّها تُفْعَلُ في الأمصار العظيمة في مواضعَ من غير نكيرٍ، فكان إجماعًا . - فرعٌ: (فَإِنْ عُدِمَتِ الحَاجَةُ) وتعدَّدت؛ (فَالصَّحِيحَةُ) من جُمَعٍ وأعيادٍ:

стр. 223

١ - (مَا بَاشَرَهَا الإِمَامُ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا)، ولو تأخَّرت؛ لأنَّ غيرها افتياتٌ عليه. ٢ - (فَإِنِ اسْتَوَتَا فِي إِذْنِ) إمامٍ (أَوْ) استوتا في (عَدَمِهِ) أي: الإذن: (فَالسَّابِقَةُ بِـ) ـتكبيرة (الإِحْرَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ)؛ لأنَّ الاستغناء حصل بها فأُنِيطَ الحكم بها. ٣ - وإن وقعتا معًا، بأن أحرم إماماهما في آنٍ واحدٍ، ولا مزيَّةَ لإحداهما؛ بطلتا؛ لأنَّه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعةً فعلوا؛ لأنَّها فرض الوقت ولم تتمَّ صحيحةً، فوجب تداركها، وإن لم تمكن إقامة الجمعة؛ لفقد شيءٍ من شروطها فإنَّهم يصلُّون ظهرًا؛ لأنَّها بدلٌ عن الجمعة إذا فاتت. ٤ - (وَإِنْ جُهِلَ كَيْفَ وَقَعَتَا) بأن لم يعلم كيف وقعتا: أمعًا أم إحداهما بعد الأخرى؛ (صَلَّوْا ظُهْرًا)؛ لاحتمال سبق إحداهما فتصحُّ ولا تُعَاد. وقال السِّعدي: أمَّا مسألة تعدُّد الجمعة في البلد لغير حاجةٍ فهذا أمرٌ متعلِّقٌ بولاة الأمر، فعلى ولاة الأمر أن يقتصروا على ما تحصل به الكفاية، وإن أخلَّوا بهذا فالتَّبعة عليهم، وأمَّا المصلُّون فإنَّ صلاتهم صحيحةٌ في جميع الصُّور، ولا إثمَ عليهم ولا إعادةَ.

стр. 224

- مسألةٌ: (وَسُنَّ) يوم الجمعة: ١ - (قِرَاءَةُ سُورَةِ الكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) واقتصر عليه أكثرُ الأصحاب؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ» [البيهقي ٣/ ٢٤٩]، وزاد أبو المعالي: وفي ليلتها؛ لما ورد عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ العَتِيقِ» [الدارمي ٣٤٥٠]. ٢ - (وَ) سُنَّ (كَثْرَةُ دُعَاءٍ) في يومها؛ رجاء إصابة ساعة الإجابة، ففي حديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ فِي الجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ الله خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» [البخاري ٩٣٥، ومسلم ٨٥٢]. وأرجاها آخر ساعة من النَّهار؛ لحديث جابرٍ ﵄ مرفوعًا: «يَوْمُ الجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا، إِلَّا أَتَاهُ الله ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ» [أبو داود ١٠٤٨، والنسائي ١٣٨٨]. ٣ - (وَ) سُنَّ الإكثار من الـ (صلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يوم الجمعة؛ لحديث أوس بن أوسٍ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» [أبو داود ١٠٤٧، والنسائي ١٣٧٣، وابن ماجهْ ١٠٨٥]،

стр. 225

قال الأصحاب: وليلتها؛ لحديث أنسٍ ﵁ مرفوعًا: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلَيلَة الجُمْعَة» [البيهقي ٣/ ٢٤٩، وحسنه الألباني]. - مسألةٌ: (وَمَنْ دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) تحيَّة المسجد، استحبابًا، ولو كان وقتَ نهيٍ؛ لحديث جابرٍ ﵄ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، وزاد مسلمٌ: «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» [البخاري ١١٧٠، ومسلم ٨٧٥] . (فَصْلٌ) في صلاة العيدين - مسألةٌ: (وَصَلَاةُ العِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال عكرمةُ وغيره: هي صلاة العيد، والأمر يقتضي الوجوب، وكونها على الكفاية؛ لحديث طلحةَ ﵁ مرفوعًا: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١] . واختار شيخ الإسلام: أنَّها فرض عينٍ؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ ﵂: «أَمَرَنَا - تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي العِيدَيْنِ، العَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ» [البخاري: ٩٧٤، ومسلم: ٨٩٠]، فإذا كانت

стр. 226

المرأة مأمورةٌ فالرَّجُل من باب أَوْلى، وحديث الأعرابيِّ محمولٌ على الصَّلوات اليوميَّة الَّتي تتكرَّر. - مسألةٌ: (وَ) أوَّل (وَقْتِهَا) أي: صلاة العيد (كَـ) ـأوَّل وقت (صَلَاةِ الضُّحَى)؛ لأنَّه ﷺ ومن بعده لم يصلُّوها إلَّا بعد ارتفاع الشَّمس، ذكره في «المبدع»، فعن عبد الله بن بُسْرٍ ﵁: أنَّه خرج مع النَّاس في يوم عيد فطرٍ أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: «إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ»، وذلك حين التَّسْبيح. [البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم ٢/ ١٩، وأبو داودَ: ١١٣٥، وابن ماجهْ: ١٣١٧] . - فرعٌ: آخر وقت صلاة العيد، عند زوال الشَّمس؛ لحديث أبي عُمَيْرٍ الآتي. - مسألةٌ: (وَشُرُوطُهَا) أي: شروط صحَّة صلاة العيد (كَـ) شروط صحَّة صلاة (الجُمُعَةِ)، من دخول وقتٍ؛ كسائر المؤقَّتات، واستيطانٍ؛ لأنَّه ﷺ وافق في حجِّه عيدًا ولم يصلِّ، وعدد الجمعة، فلا تُقَام إلَّا حيث تُقَام الجمعة، لأنَّها ذات خطبةٍ راتبةٍ أشبهتها . (مَا عَدَا الخُطْبَتَيْنِ)، فسنَّةٌ اتِّفاقًا؛ لحديث عطاء عن عبد الله بن السَّائب ﵁ قال: شهدت مع النَّبيِّ ﷺ العيد فلمَّا قضى الصَّلاة قال: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» [أبوداود ١١٥٥، والنسائي ١٥٧١، وابن ماجهْ ١٢٩٠].

стр. 227

وقيل: واجبةٌ على الإمام دون غيره؛ لأنَّه هدي النَّبيِّ ﷺ ، ولئلَّا ينصرف النَّاس بلا تذكيرٍ ولا موعظةٍ. - مسألةٌ: (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ) أي: بعد زوال الشَّمس (صَلَّوْا) العيد (مِنَ الغَدِ قَضَاءً)؛ لما روى أبو عُمَيْر بن أنسٍ عن عمومةٍ له من الأنصار، قالوا: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، أَنَّهُمْ رَأَوْا الهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ الناسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا لِعِيدِهِمْ مِنَ الغَدِ» [أحمد: ٢٠٥٨٤، وأبو داود: ١١٥٧، والنسائي: ١٥٥٧، وابن ماجهْ: ١٦٥٣] . - مسألةٌ: (وَ) من سنن صلاة العيد: ١ - (تُسَنُّ) صلاة العيد (بِصَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ عُرْفًا)؛ لقول أبي سعيدٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى» [البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩]. ٢ - (وَسُنَّ تَبْكِيرُ مَأْمُومٍ)؛ ليدنوَ من الإمام، وينتظر الصَّلاة، فيكثر أجره، ويكون التَّبكير من (بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ)؛ لقول نافعٍ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَغْدُو كَمَا هُوَ إِلَى المُصَلَّى» [مصنف ابن أبي شيبة ٥٦١٠].

стр. 228

٣ - أن يخرج للعيد (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلعِيدِ وَالوُفُودِ» [البخاري: ٩٤٨، ومسلم: ٢٠٦٨]. ٤ - أن يخرج للعيد (مَاشِيًا)؛ لقول عليٍّ ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا»، قال التِّرمذيُّ: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم) [الترمذي ٥٣٠، وابن ماجهْ ١٢٩٦]. ٥ - (وَ) سُنَّ (تَأَخُّرُ إِمَامٍ إِلَى) دخول (وَقْتِ الصَّلَاةِ)؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵄: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» [البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩]. ٦ - (وَ) سُنَّ (التَّوسِعَةُ عَلَى الأَهْلِ)؛ لأنَّه سرورٌ، فعن عائشةَ ﵂: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ دخل عليها والنَّبيُّ ﷺ عندها يوم فطرٍ أو أضحى، وعندها قينتان تُغَنِّيَانِ بما تقاذفت الأنصار يوم بُعاث، فقال أبو بكرٍ: مزمار الشَّيطان؟ مرَّتَيْنِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا اليَوْمُ» [البخاري: ٣٩٣١، ومسلم: ٨٩٢]. ٧ - (وَ) سُنَّ (الصَّدَقَةُ) على الفقراء في يومي العيدين؛ ليغنيَهم عن السُّؤال.

стр. 229

٨ - (وَ) سُنَّ (رُجُوعُهُ) من العيد (فِي غَيْرِ طَرِيقِ غُدُوِّهِ)؛ لما روى جابرٌ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» [البخاري ٩٨٦]، وعلَّته: لتشهدَ له الطَّريقان، أو لزيادة الأجر بالسَّلام على أهل الطَّريق الآخر، أو لتحصل الصَّدقة على الفقراء من أهل الطَّريقين. - مسألةٌ: (وَ) صفة صلاة العيد: ١ - أن (يُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ) إجماعًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا» [البخاري: ٩٦٤، ومسلم: ٨٨٤]. - فرعٌ: يُشْتَرَطُ أن تكون الصَّلاة (قَبْلَ الخُطْبَةِ)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ» [البخاري: ٩٦٣، ومسلم: ٨٨٨]، فلو قدَّم الخطبة لم يعتدَّ بها. ٢ - (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرة الإحرام وبعد (الِاسْتِفْتَاحِ)؛ لأنَّ تكبيرة الإحرام والاستفتاح لأوَّل الصَّلاة، (وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ)؛ لأنَّ الاستعاذة للقراءة وليست للصَّلاة، فتكون ملحقةً بالقراءة، (سِتًّا) زوائدَ (وَ) يكبِّر (فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ خَمْسًا) زوائدَ؛ لما روى عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جدِّه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي

стр. 230

الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا» [أحمد: ٦٦٨٨، وأبو داود: ١١٥٢، وابن ماجهْ: ١٢٧٩]، قال شيخ الإسلام: (وأكثر الصَّحابة والأئمَّة يكبِّرون سبعًا في الأُولى، وخمسًا في الثَّانية). ٣ - (يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقول وائل بن حجرٍ ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» [أحمد: ١٨٨٤٨]، قال أحمدُ: (فأرى أن يدخل فيه هذا كلُّه)، وصحَّ عن ابن عمَرَ ﵄ في صلاة الجنازة [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠]، فتكون تكبيرات العيد مثل ذلك. ٤ - (وَيَقُولُ) بين كلِّ تكبيرتين: («اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لله كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا»، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) من الأذكار، فليس الذِّكر مخصوصًا بذِكْرٍ معيَّنٍ؛ لما ثبت عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال: «تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ» الحديث [البيهقي: ٦١٨٦]، واختاره شيخ الإسلام، (وَلَا يَأْتِي بِذِكْرٍ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأَخِيرَةِ فِيهِمَا) أي: الرَّكعتين؛ لأنَّ محلَّه بين تكبيرتين فقط.

стр. 231

٥ - (ثُمَّ يَقْرَأُ) جهرًا؛ لأنَّ الصَّحابة ﵃ نقلوا عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقرأ بـ «سَبِّحْ» و «الغاشية» كما سيأتي، فالظَّاهر أنَّه كان يجهر بها. ٦ - فيقرأ استحبابًا (الفَاتِحَةَ، ثُمَّ) سورةَ (سَبِّح) اسم ربِّك الأعلى (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ) سورة (الغَاشِيَةَ فِي) الرَّكعة (الثَّانِيَةِ)؛ لما ورد عن سمرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِـ"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى"، وَ "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"» [أحمد: ٢٠٠٨٠]. ٧ - (فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ) قائمًا (خُطْبَتَيْنِ، وَأَحْكَامُهُمَا) أي: الخطبتين (كَخُطْبَتَيِ) صلاة (الجُمُعَةِ، حَتَّى فِي تَحْرِيمِ الكَلَامِ حَالَ الخُطْبَةِ)؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبةَ: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ، فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» [مسند الشافعي ص ٧٧، وهو ضعيف لإرساله]، وقياسًا على خطبة الجمعة. - فرعٌ: (وَسُنَّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ) الخطيبُ خطبةَ العيدِ (الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ نَسَقًا، وَ) يستفتح الخطبة (الثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ) تكبيرات كذلك (قَائِمًا)؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبةَ: «السُّنَّةُ التَّكْبِيرُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ العِيدِ، يَبْدَأُ

стр. 232

خُطْبَتَهُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ، وَيَبْدَأُ الآخِرَةَ بِسَبْعٍ» [عبد الرزاق: ٥٦٧٣، وهو ضعيف لإرساله]. واختار شيخ الإسلام وابن القيِّم: أنَّه يفتتح كلَّ الخطب بالحمد، العيد وغيرها؛ لأنَّ كلَّ مَنْ وَصَفَ خُطَب النَّبيِّ ﷺ يذكر أنَّه ابتدأها بالحمد لا غيره، والحديث المذكور ضعيفٌ. - فرعٌ: (يَحُثُّهُمْ فِي) خطبة عيدِ (الفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جنسًا، وقَدْرًا، والوجوبَ، والوقتَ؛ لأنَّ وقت زكاة الفطر باقٍ إلى انتهاء يوم العيد على ما يأتي في زكاة الفطر. وسيأتي قول شيخ الإسلام: إنَّ آخر وقتها إلى صلاة العيد؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود: ١٦٠٩]، وعليه فلا حاجةَ إلى أن يُبَيِّنَ لهم ما يخرجون في زكاة الفطر؛ لخروج وقتها. - فرعٌ: (وَيُرَغِّبُهُمْ فِي) خطبة عيد (الأَضْحَى فِي الأُضْحِيَّةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا)؛ لأنَّه ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها كما في حديث البراء بن عازبٍ [البخاري: ٩٥٥، ومسلم: ١٩٦١]، وغيره ﵃.

стр. 233

- مسألةٌ: (وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ) سنَّةٌ؛ قال في «الشَّرح»: (بغير خلافٍ علمناه) . (وَالذِّكْرُ بَيْنَهَا) سنَّةٌ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ بين التَّحريمة والقراءة أشبهَ دعاء الاستفتاح. (وَالخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ)، وتقدَّم. - مسألةٌ: (وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ وَقَضَاءُ فَائِتَةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِمَوْضِعِهَا)، أي: موضع صلاة العيد، صحراءَ كان أو مسجدًا . (وَ) كُرِهَ ذلك أيضًا (بَعْدَهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ) أي: مفارقة موضعها؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا» [البخاري: ٩٦٤، ومسلم: ٨٨٤]. واختار ابن عثيمينَ: يصلِّي تحيَّة المسجد ولو في المصلَّى؛ لأنَّ له حكم المسجد، وأمَّا التَّنفُّل قبلها أو بعدها فجائزٌ، ولا يُكْرَهُ؛ لأنَّه لم يثبت فيه منعٌ بدليلٍ خاصٍّ، وأثار الصَّحابة في ذلك متعارضةٌ، لكنَّ الأفضل للإمام أن يبدأ بالصَّلاة، والأفضل للمأموم أن ينشغل بالتَّكبير قبل الصَّلاة. - مسألةٌ: (وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صلاة العيد (قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا)، قبل

стр. 234

الزَّوال أو بعده؛ لما ورد عن أنسٍ بن مالكٍ ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ العِيدَ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّ ى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» [البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢٣، ووصله ابن أبي شيبة: ٥٨٥٥]. - فرعٌ: القضاء له صفتان: ١ - صفةٌ مستحبَّةٌ: بأن يقضيَها (عَلَى صِفَتِهَا)؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء. ٢ - صفةٌ مجزئةٌ: أن يقضيَها كسائر النَّوافل. واختار شيخ الإسلام: لا يُشْرَعُ قضاؤها؛ لأنَّ إخراج ذوات الخدور إليها يدلُّ على أنَّها صلاةٌ لا تُفْعَلُ إلَّا جماعةً، وقياسًا على صلاة الجمعة، وأمَّا أثر أنسٍ ففيه نُعَيْمُ بن حمَّادٍ، وهو ضعيفٌ. (فَصْلٌ) - مسألةٌ: (وَسُنَّ التَّكْبِيرُ) في العيدين، وهو على قسمين: القسم الأوَّل: التَّكبير (المُطْلَقُ) أي: الَّذي لم يُقَيَّد بأدبار الصَّلوات

стр. 235

(وَ) يُسَنُّ (إِظْهَارُهُ)؛ لما ورد عن ابن عمرَ وأبي هريرةَ ﵃ أنَّهما كانا: «يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» [البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، قال ابن حجر: لم أره موصولًا]. - فرعٌ: يُسَنُّ إظهاره (وَجَهْرُ غَيْرِ أُنْثَى بِهِ)؛ لأنَّ المشروع في حقِّهنَّ خفض الصَّوت. - فرعٌ: يُشْرَعُ التَّكبير المطلق في ثلاثة مواطنَ: الموطن الأوَّل: (فِي لَيْلتَيِ العِيدَيْنِ) في البيوت، والأسواق، والمساجد، وغيرها، ويبدأ من غروب شمس ليلة العيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥] فرتَّب التَّكبير على إكمال العدَّة أي: انتهاء شهر رمضانَ. الموطن الثَّاني: (وَفِي الخُرُوجِ إِلَيْهِمَا) أي: العيدين (إِلَى فَرَاغِ) الإمام من (الخُطْبَةِ فِيهِمَا)؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄: أنَّه يكبِّر حتَّى يبلغ الإمام. [ابن أبي شيبة: ٥٦١٩]، واختاره شيخ الإسلام. - فرعٌ: (وَ) التَّكبير في عيدِ (فِطْرٍ آكَدُ) من التَّكبير المطلق في عيد الأضحى؛ لثبوته بالنَّصِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 236

واختار شيخ الإسلام (١): أنَّ التَّكبير في الفطر أوكدُ لكونه أمر الله به، وفي النَّحر أوكدُ من جهة أنَّه يُشْرَعُ أدبار الصَّلوات، ومتَّفقٌ عليه، ويجتمع فيه الزَّمان والمكان. (وَ) الموطن الثَّالث: (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ)، يبدأ من فجر أوَّل يومٍ من ذي الحجَّة؛ لقوله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)، والأيَّام المعلومات هي أيَّام عشر ذي الحجَّة، ولما ورد عن ابن عمرَ وأبي هريرةَ السَّابق. وعند الحنفيَّة: آخر وقتها إلى غروب الشَّمس من آخر يومٍ من أيَّام التَّشريق؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، والأيَّام المعدودات هي أيَّام التَّشريق، ولأنَّ ابن عمرَ ﵄: «كان يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا». [علَّقه البخاري بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، ووصله الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٢٨].

стр. 237

(وَ) القسم الثَّاني: (التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ) وهو مختصٌّ بعيد الأضحى دون عيد الفطر، وهو الَّذي يكون (عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ)؛ لحديث جابرٍ ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنَ المَكْتُوبَاتِ» [الدَّارقطنيُّ: ١٧٣٥، والبيهقيًّ في الكبرى: ٢٤٩٤، وفيه ضعفٌ]، قال الحافظ: (ولم يثبت فيه شيءٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، وأصحُّ ما ورد فيه عن الصَّحابة: عليٍّ وابن مسعودٍ [ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥]). - فرعٌ: يُشْرَعُ التَّكبير إذا صلَّى (فِي جَمَاعَةٍ)، أمَّا إن صلَّى وحده فلا يُكَبِّر؛ لقول ابن مسعودٍ ﵁: «إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ» [الأوسط: ٢٢١٣]. - فرعٌ: وقت التَّكبير المقيَّد، لا يخلو من أمرين: أوَّلًا: بالنَّسبة لغير المُحْرِم: فيبدأ (مِنْ صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ)؛ قيل لأحمدَ: (بأيِّ حديثٍ تذهب في ذلك قال: بإجماع عمرَ، وعليٍّ، وابن عبَّاسٍ، وابن مسعودٍ) [ابن أبي شيبةَ: ٥٦٣١، فما بعده، وأثر ابن عبَّاسٍ: الحاكم: ١١١٤]، واختاره شيخ الإسلام، (إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لما تقدَّم من الآثار في أنَّهم كانوا يكبِّرون إلى صلاة العصر من آخر أيَّام التَّشريق.

стр. 238

ثانيًا: بالنِّسبة للمُحْرِم: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا المُحْرِمَ فَـ) يكبِّر (مِنْ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لأنَّه قبل ذلك مشغولٌ بالتَّلبية. وقيل: لا فرقَ بين المحلِّ والمُحْرِم، فالمُحْرِم يخلط بين التَّلبية والتَّكبير؛ لحديث أنسٍ ﵁: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» [البخاري: ٩٧٠، ومسلم: ١٢٨٥]. وينتهي في حقِّ المُحْرِم عصر آخر أيَّام التَّشريق؛ لما تقدَّم. - مسألةٌ: (وَيُكَبِّرُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ)، أي: يلتفت إلى المأمومين ثمَّ يكبِّر؛ لحديث جابرٍ ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى الصُّبح من غداة عرفةَ يُقبِل على أصحابه فيقول: «عَلَى مَكَانِكُمْ»، وَيَقُولُ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ» [الدَّارقطنيُّ ١٧٣٧]، ولأنَّه ذِكْرٌ مختصٌّ بوقت العيد فأشبه الخطبة . وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يكبِّر مستقبل القبلة؛ لأنَّه ذِكْرٌ مختصٌّ بالصَّلاة، أشبه الأذان والإقامة. - مسألةٌ: (وَلَا يُسَنُّ) التَّكبير (عَقِبَ صَلَاةِ عِيدٍ)؛ لأنَّها ليست من الصَّلوات الخمس، أشبهت النَّوافل . وفي وجهٍ اختاره ابن قدامةَ: يكبِّر؛ لأنَّها صلاةٌ مفروضةٌ في جماعةٍ، فأشبهت الفجر، ولأنَّ هذه الصَّلاة أخصُّ بالعيد، فكانت أحقَّ بتكبيره.

стр. 239

- مسألةٌ: (وَصِفَتُهُ) أي: التَّكبير (شَفْعًا: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَلله الحَمْدُ)؛ لوروده عن عليٍّ وابن مسعودٍ ﵄ [ابن أبي شيبةَ: ٥٦٥٣] . وقيل: يكبِّر وترًا: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد)؛ لوروده عن ابن مسعودٍ ﵁ [ابن أبي شيبة: ٥٦٣٣]. واختار شيخ الإسلام: أنَّه من الصِّفات المتنوِّعة، فَيُفْعَلُ هذا تارةً، وهذا تارةً. - مسألةٌ: (وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ) أي: المصلِّي (لِغَيْرِهِ) من المصلِّين: (تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ)، قال أحمدُ: (لا بأسَ به، يرويه أهل الشَّام عن أبي أمامةَ، وواثلةَ بن الأسقع [البيهقي ٦٢٩٤] ﵃، ولعموم التَّهنئة لما يُحدِث الله من نعمةٍ ويدفع من نقمةٍ، بمشروعيَّة سجود الشَّكر، وتبشير النَّبيِّ ﷺ بقدوم رمضانَ، وتهنئة طلحةَ لكعبٍ بحضرة النَّبيِّ ﷺ . وقال شيخ الإسلام: (وأمَّا الابتداء بالتَّهنئة فليس سنَّةً مأمورًا بها، ولا هو أيضًا ممَّا نُهِيَ عنه، فمن فَعَلَه فله قدوةٌ، ومن تركه فله قدوةٌ).

стр. 240

- مسألةٌ: (وَلَا) بأسَ (بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالأَمْصَارِ)، وهو الاجتماع في المساجد يوم عرفةَ عشيَّةً حتَّى تغرب الشَّمس للذِّكْر والدُّعاء، قال أحمدُ: (إنَّما هو دعاءٌ وذكرٌ، وأوَّل مَنْ فَعَلَهُ ابن عبَّاسٍ وعمرو بن حُرَيْثٍ ﵃ [مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٧])، وقيل له: تفعله أنت؟ قال: لا . وعند شيخ الإسلام: لا يخلو التَّعريف عشيَّةَ عَرَفَةَ من ثلاثة أحوالٍ: ١ - أن يكون معه شدُّ رحلٍ: فلا نزاع في المنع منه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧]. ٢ - أن يكون في مسجدِ مِصْرِهِ، ويصحبه رفع صوتٍ بشدَّةٍ، أو إنشاد الأشعار الباطلة، ونحوه: فَيُمْنَعُ منه كذلك؛ لما صحبه من المنكر. ٣ - أن يكون في مسجدِ مِصْرِهِ، ولا يصحبه صوتٌ ونحوه، بل مجرد ذِكْرٍ ودُعَاء: فهذا الَّذي وقع فيه اختلاف السَّلف (١).

стр. 241

(فَصْلٌ) في صلاة الكسوف - مسألةٌ: (صَلَاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ) عند وجود سببها ؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ قال: كسفت الشَّمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيمَ، فقال النَّاس: كسفت الشَّمس لموت إبراهيمَ، فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله» [البخاري: ١٠٤٣]، وصارف الأمر إلى

стр. 242

الاستحباب حديث طلحةَ بن عبيد الله ﵁ لما جاء رجلٌ يسأل عن الإسلام قال ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١]، وحكاه النَّوويُّ إجماعًا. واختار أبو عوانةَ وقوَّاه ابن القيِّم وابن عثيمينَ: واجبةٌ على الكفاية؛ للأمر الوارد في الحديث، وأمَّا حديث طلحةَ فالمراد به الصَّلوات الَّتي تجب يوميًّا. - مسألةٌ: تُصَلَّى صلاة الكسوف (مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بها دون الخطبة، وإنَّما خطب بعد الصَّلاة ليعلِّمهم حكمها، وهذا مختصٌّ به . وقيل: يخطب خطبةً واحدةً من غير جلوسٍ؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ كما تقدَّم في الحديث، حيث خطب خطبةً واحدةً ولم يَرِدْ أنَّه خطب كخطبتي الجمعة. - مسألةٌ: (وَوَقْتُهَا) أي: صلاة الكسوف: (مِنِ ابْتِدَائِهِ) أي: الكسوف (إِلَى) حين (التَّجَلِّي)؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ مرفوعًا: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا الله وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» [البخاري: ١٠٦٠]، فإن تجلَّى الكسوف وهو في الصَّلاة أتمَّها خفيفةً، على صفتها؛ لحديث أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ مرفوعًا: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» [البخاري: ١٠٤١، ومسلم: ٩١١]، ولا يقطعها ؛

стр. 243

لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وشُرِعَ تخفيفها؛ لزوال السَّبب، والحكم يدور مع علَّته. - فرعٌ: (وَلَا تُقْضَى) صلاة الكسوف (إِنْ فَاتَتْ) بالتَّجلِّي؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ السَّابق: «وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» [البخاري: ١٠٦٠]، ولم ينقل الأمر بها بعد التَّجلِّي ولا قضاؤها. - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: صلاة الكسوف: (رَكْعَتَانِ)، على أن تكون (كُلُّ رَكْعَةٍ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٠٥٢، ومسلم: ٩٠٧] . - مسألةٌ: (وَسُنَّ تَطْوِيلُ) قراءة الـ (سورَةِ) في كلِّ الرَّكعات من غير تقديرٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وفيه: «فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ» .

стр. 244

- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ تطويل الـ (تَّسْبِيحِ) في الرُّكوع والسُّجود؛ لما تقدَّم في الحديث . - مسألةٌ: (وَ) سُنَّ (كَوْنُ أُولَى كُلِّ) ركوعٍ من الرُّكوعين (أَطْوَلَ) من ركوع الرَّكعة الَّتي بعدها، للحديث السَّابق . - مسألةٌ: ما بعد الرُّكوع الأوَّل من كلِّ ركعةٍ سنَّةٌ؛ لا تُدْرَكُ به الرَّكعة للمسبوق، (وَ) لهذا (تَصِحُّ) صلاة الكسوف لو صلَّاها (كَالنَّافِلَةِ)، بركوعٍ واحدٍ؛ لحديث سمرةَ ﵁ في صلاة النَّبيِّ ﷺ الكسوف، وفيه: «فَصَلَّى، فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» [أحمد ٢٠١٧٨، وأبوداود ١١٨٤، والنسائي ١٤٨٣] . - مسألةٌ: (وَلَا يُصَلَّى لِآيَةٍ غَيْرِهِ) أي: غير الكسوف من الآيات؛ (كَظُلْمَةٍ نَهَارًا، وَضِيَاءٍ لَيْلًا، وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ، وَصَوَاعِقَ)؛ لعدم نقله عنه وعن أصحابه ﷺ ، مع أنَّه وُجِدَ في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرِّياح، والصَّواعق، (إِلَّا لِزَلْزَلَةٍ دَائِمَةٍ) فَيُصَلَّى لها كصلاة الكسوف؛ لثبوته ابن عبَّاسٍ [مصنف عبد الرزاق: ٤٩٢٩]، وعن عليٍّ ﵃ [البيهقيُّ في الكبرى: ٦٣٨٢] . وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يُصَلَّى لكلِّ آيةٍ؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ

стр. 245

وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ الله تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» [البخاري: ١٠٤٨]، فدلَّ على أنَّ كلَّ آيةِ تخويفٍ يُصَلَّى لها، وأمَّا ما حصل في عهد النَّبيِّ ﷺ من رياحٍ وصواعقَ فقد تكون معتادةً. (فَصْلٌ) في صلاة الاستسقاء - مسألةٌ: الاستسقاء: الدُّعاء بطلب السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ، على ثلاثة أنواعٍ: ١ - الاستسقاء بالصَّلاة، وهو أكملها، وأشار إليه بقوله: (تُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقِاءِ)؛ لقول عبد الله بن زيدٍ ﵁: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ» [البخاري: ١٠٢٤، ومسلم: ٨٩٤]. ٢ - استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها، كما فعل النَّبيُّ ﷺ في حديث أنسٍ ﵁ [البخاري: ٩٣٣، ومسلم: ٨٩٧]. ٣ - الاستسقاء بالدُّعاء المجرد دون صلاةٍ؛ لما روى عُمَيْرٌ مولى آبي اللَّحْمِ ﵁: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ. [أحمد: ٢١٩٤٤، وأبو داود: ١١٦٨، والترمذي: ٥٥٧، والنسائي: ١٥١٤].

стр. 246

- مسألةٌ: تُشْرَعُ صلاة الاستسقاء (إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضِ) أي: أمحلت، والجدب نقيض الخصب، (وَقُحِطَ المَطَرُ) أي: احْتُبِسَ فلم ينزل، وضرَّ ذلك، أو غار ماءُ الأنهار، أو نقص ماء العيون؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: شكا النَّاس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأَمر بمنبرٍ، فَوُضِعَ له في المصلَّى، ووعد النَّاس يومًا يخرجون فيه، ثمَّ قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ» الحديث [أبو داود: ١١٧٣] . - مسألةٌ: (وَصِفَتُهَا) أي: صلاة الاستسقاء (وَأَحْكَامُهَا)، وموضعها ووقتها (كَـ) صلاةِ وأحكامِ وموضعِ (صَلَاةِ عِيدٍ)؛ قال ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضًا: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ» [أحمد: ٢٠٣٩، وأبو داود: ١١٦٥، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٠٨، وابن ماجهْ: ١٢٦٦] . - فرعٌ: ليس لصلاة الاستسقاء وقتٌ محدَّدٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ أوقات النَّهي، والأفضل فعلها في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشةَ ﵂ أنَّه ﷺ : «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» [أبو داود: ١١٧٣]. - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: صلاة الاستسقاء، كونها تُصَلَّى في جماعةٍ أفضل؛ لظاهر حديث عبد الله بن زيد السَّابق، (وَ) كذا (الَّتِي قَبْلَهَا) أي: صلاة الكسوف، كونها تُصَلَّى في (جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ)؛ لقول عائشةَ ﵂:

стр. 247

«خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» [البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١]. - فرعٌ: تصحُّ صلاة الاستسقاء فُرَادَى؛ كسائر النَّوافل. - مسألةٌ: (وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ) لصلاة الاستسقاء: ١ - (وَعَظَ النَّاسَ) أي: ذكَّرهم بما يُلَيِّنُ قلوبَهم من الثَّواب والعقاب. ٢ - (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) وذلك بردِّها إلى مستحقِّيها؛ لأنَّ المعاصي سبب القحط، والتَّقوى سبب البركات، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض). ٣ - (وَ) أمرهم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ) من الشَّحناء، وهي العداوة؛ لأنَّها تحمل على المعصي، ة وتمنع نزول الخير؛ لحديث عبادة بن الصَّامت ﵁ مرفوعًا: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ» [البخاري: ٢٠٢٣]. ٤ - (وَ) أمرهم (بالصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة، وفي حديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» [ابن ماجهْ: ٤٠١٩]. ٥ - (وَ) أمرهم بـ (الصَّوْمِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزول الغيث؛ لحديث أبي

стр. 248

هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ»، وذكر منهم: «الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» الحديث. [أحمد: ٨٠٤٣، والترمذي: ٣٥٩٨، وابن ماجهْ: ١٧٥٢]. قال ابن عثيمينَ: (فيه نظرٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعله، لكن لو اختار يوم الاثنين ولم يجعله سنَّةً راتبةً؛ ليصادف صيام بعض النَّاس لم يكن به بأسٌ). - فرعٌ: (وَلَا يَلْزَمَانِ) أي: الصَّدقة والصَّوم (بِأَمْرِهِ) أي: الإمام؛ لأنَّه سنَّةٌ، وطاعته إنَّما تجب في الطَّاعة، وفي السَّياسة والتَّدبير، والأمور المجتَهَد فيها من مصالح العامَّة، وما هنا ليس كذلك (١). ٦ - (وَيَعِدُهُمْ) أي: يعيِّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيَّئوا للخروج؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» [أبو داود: ١١٧٣]. ٧ - (وَيَخْرُجُ) الإمام وغيره (مُتَوَاضِعًا) أي: متقصِّدًا التَّواضع، وهو ضدُّ الكِبْر، (مُتَخَشِّعًا) أي: خاضعًا، بسكون الأعضاء، ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصَّوت، (مُتَذَلِّلًا) من الذُّل وهو الهوان، استكانةً

стр. 249

وتعظيمًا لله، (مُتَضَرِّعًا) أي: مستكينًا لله؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا» [أحمد: ٢٠٣٩، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٢١، وابن ماجهْ: ١٢٦٦]، ٨ - ويخرج الإمام وغيره (مُتَنَظِّفًا) لها؛ لئلَّا يؤذي. ٩ - و (لَا) يخرج (مُتَطَيِّبًا)؛ لأنَّه يوم استكانةٍ وخضوعٍ. وقيل: لا يمنع من الطِّيب؛ لعدم ورود المانع، والطِّيب مسنونٌ كلَّ وقتٍ، ولا منافاة بين الطِّيب وبين الخضوع والاستكانة. ١٠ - ويخرج الإمام (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ)؛ لأنَّ عمرَ استسقى بدعاء العبَّاس. [البخاري: ١٠١٠]، ولأنَّه أسرعُ لإجابتهم، (وَسُنَّ خُرُوجُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ)؛ لأنَّه لا ذنبَ له، فَتُرْجَى إجابتهم، (وَيُبَاحُ خُرُوجُ أَطْفَالٍ وَبَهَائِمَ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ، وشُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذَابُ صَبًّا، ثُمَّ لَرُضَّ رَضًّا» [المعجم الأوسط ٧٠٨٥]، ولأنَّ الرِّزق مشتركٌ بين الكلِّ. ١١ - (فَيُصَلِّي) بهم ركعتين كالعيد؛ لما تقدَّم من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄. ١٢ - (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً)؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب بأكثرَ منهما.

стр. 250

١٣ - تكون الخطبة بعد الصَّلاة؛ كما في خطبة العيد؛ لقول ابن عبَّاسٍ السَّابق: «وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ». وعنه: يخطب قبل الصَّلاة كالجمعة؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ ، وَحَمِدَ الله ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ» الحديث، «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» [أبو داود: ١١٧٣]. ويمكن أن يُقَال: هذا من السُّنن المتنوِّعة، فيخطب قبل الصَّلاة أحيانًا ويخطب بعدها أحيانًا. ١٤ - و (يَفْتَتِحُهَا) أي: الخطبة (بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ عِيدٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى» [الحاكم: ١٢١٨، والدَّارقطنيُّ: ١٨٠٦، والبيهقيُّ: ٦٤٠٤]. وعنه، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام: يفتتحها بالحمد، كما تقدَّم في خطبة العيد. ١٥ - (وَيُكْثِرُ فِيهَا) أي: في الخطبة من (الاسْتِغْفَارِ، وَقِرَاءَةِ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ لأنَّ الاستغفار سبب نزول الغيث، لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١٠].
следующие страницы →