- مسألةٌ: تُشْرَعُ صلاة الاستسقاء (إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضِ) أي: أمحلت، والجدب نقيض الخصب، (وَقُحِطَ المَطَرُ) أي: احْتُبِسَ فلم ينزل، وضرَّ ذلك، أو غار ماءُ الأنهار، أو نقص ماء العيون؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: شكا النَّاس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأَمر بمنبرٍ، فَوُضِعَ له في المصلَّى، ووعد النَّاس يومًا يخرجون فيه، ثمَّ قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ» الحديث [أبو داود: ١١٧٣] .
- مسألةٌ: (وَصِفَتُهَا) أي: صلاة الاستسقاء (وَأَحْكَامُهَا)، وموضعها ووقتها (كَـ) صلاةِ وأحكامِ وموضعِ (صَلَاةِ عِيدٍ)؛ قال ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضًا: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ» [أحمد: ٢٠٣٩، وأبو داود: ١١٦٥، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٠٨، وابن ماجهْ: ١٢٦٦] .
- فرعٌ: ليس لصلاة الاستسقاء وقتٌ محدَّدٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ أوقات النَّهي، والأفضل فعلها في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشةَ ﵂ أنَّه ﷺ : «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» [أبو داود: ١١٧٣].
- مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: صلاة الاستسقاء، كونها تُصَلَّى في جماعةٍ أفضل؛ لظاهر حديث عبد الله بن زيد السَّابق، (وَ) كذا (الَّتِي قَبْلَهَا) أي: صلاة الكسوف، كونها تُصَلَّى في (جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ)؛ لقول عائشةَ ﵂:
стр. 247
«خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» [البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١].
- فرعٌ: تصحُّ صلاة الاستسقاء فُرَادَى؛ كسائر النَّوافل.
- مسألةٌ: (وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ) لصلاة الاستسقاء:
١ - (وَعَظَ النَّاسَ) أي: ذكَّرهم بما يُلَيِّنُ قلوبَهم من الثَّواب والعقاب.
٢ - (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) وذلك بردِّها إلى مستحقِّيها؛ لأنَّ المعاصي سبب القحط، والتَّقوى سبب البركات، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).
٣ - (وَ) أمرهم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ) من الشَّحناء، وهي العداوة؛ لأنَّها تحمل على المعصي، ة وتمنع نزول الخير؛ لحديث عبادة بن الصَّامت ﵁ مرفوعًا: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ» [البخاري: ٢٠٢٣].
٤ - (وَ) أمرهم (بالصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمِّنةٌ للرَّحمة، وفي حديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» [ابن ماجهْ: ٤٠١٩].
٥ - (وَ) أمرهم بـ (الصَّوْمِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزول الغيث؛ لحديث أبي
стр. 248
هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ»، وذكر منهم: «الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» الحديث. [أحمد: ٨٠٤٣، والترمذي: ٣٥٩٨، وابن ماجهْ: ١٧٥٢].
قال ابن عثيمينَ: (فيه نظرٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعله، لكن لو اختار يوم الاثنين ولم يجعله سنَّةً راتبةً؛ ليصادف صيام بعض النَّاس لم يكن به بأسٌ).
- فرعٌ: (وَلَا يَلْزَمَانِ) أي: الصَّدقة والصَّوم (بِأَمْرِهِ) أي: الإمام؛ لأنَّه سنَّةٌ، وطاعته إنَّما تجب في الطَّاعة، وفي السَّياسة والتَّدبير، والأمور المجتَهَد فيها من مصالح العامَّة، وما هنا ليس كذلك (١).
٦ - (وَيَعِدُهُمْ) أي: يعيِّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيَّئوا للخروج؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» [أبو داود: ١١٧٣].
٧ - (وَيَخْرُجُ) الإمام وغيره (مُتَوَاضِعًا) أي: متقصِّدًا التَّواضع، وهو ضدُّ الكِبْر، (مُتَخَشِّعًا) أي: خاضعًا، بسكون الأعضاء، ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصَّوت، (مُتَذَلِّلًا) من الذُّل وهو الهوان، استكانةً
стр. 249
وتعظيمًا لله، (مُتَضَرِّعًا) أي: مستكينًا لله؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا» [أحمد: ٢٠٣٩، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٢١، وابن ماجهْ: ١٢٦٦]،
٨ - ويخرج الإمام وغيره (مُتَنَظِّفًا) لها؛ لئلَّا يؤذي.
٩ - و (لَا) يخرج (مُتَطَيِّبًا)؛ لأنَّه يوم استكانةٍ وخضوعٍ.
وقيل: لا يمنع من الطِّيب؛ لعدم ورود المانع، والطِّيب مسنونٌ كلَّ وقتٍ، ولا منافاة بين الطِّيب وبين الخضوع والاستكانة.
١٠ - ويخرج الإمام (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخُ)؛ لأنَّ عمرَ استسقى بدعاء العبَّاس. [البخاري: ١٠١٠]، ولأنَّه أسرعُ لإجابتهم، (وَسُنَّ خُرُوجُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ)؛ لأنَّه لا ذنبَ له، فَتُرْجَى إجابتهم، (وَيُبَاحُ خُرُوجُ أَطْفَالٍ وَبَهَائِمَ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ، وشُيُوخٌ رُكَّعٌ، وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذَابُ صَبًّا، ثُمَّ لَرُضَّ رَضًّا» [المعجم الأوسط ٧٠٨٥]، ولأنَّ الرِّزق مشتركٌ بين الكلِّ.
١١ - (فَيُصَلِّي) بهم ركعتين كالعيد؛ لما تقدَّم من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄.
١٢ - (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً)؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب بأكثرَ منهما.
стр. 250
١٣ - تكون الخطبة بعد الصَّلاة؛ كما في خطبة العيد؛ لقول ابن عبَّاسٍ السَّابق: «وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدَيْنِ».
وعنه: يخطب قبل الصَّلاة كالجمعة؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ ، وَحَمِدَ الله ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ» الحديث، «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» [أبو داود: ١١٧٣].
ويمكن أن يُقَال: هذا من السُّنن المتنوِّعة، فيخطب قبل الصَّلاة أحيانًا ويخطب بعدها أحيانًا.
١٤ - و (يَفْتَتِحُهَا) أي: الخطبة (بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ عِيدٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى» [الحاكم: ١٢١٨، والدَّارقطنيُّ: ١٨٠٦، والبيهقيُّ: ٦٤٠٤].
وعنه، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام: يفتتحها بالحمد، كما تقدَّم في خطبة العيد.
١٥ - (وَيُكْثِرُ فِيهَا) أي: في الخطبة من (الاسْتِغْفَارِ، وَقِرَاءَةِ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ لأنَّ الاستغفار سبب نزول الغيث، لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١٠].
стр. 251
- مسألةٌ: (وَسُنَّ وُقُوفٌ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَتَوَضُّؤٌ، وَاغْتِسَالٌ مِنْهُ)؛ لحديث أنسٍ ﵁ قال: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطرٌ، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه، حتَّى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله؛ لم صنعتَ هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» [مسلم ٨٩٨] .
- فرعٌ: (وَ) سُنَّ (إِخْرَاجُ رَحْلِهِ) أي: ما يستصحب من أثاثٍ، (وَ) إخراج (ثِيَابِهِ لِيُصِيبَهَا)؛ لما ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه كان إذا أمطرت السَّماء قال لغلامه: «أَخْرِجْ فِرَاشِي، وَرَحْلِي يُصِيبُهُ المَطَرُ»، فقال أبو الجوزاء لابن عبَّاسٍ: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال: «أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ الله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، فَأُحِبُّ أَنْ تُصِيبَ البَرَكَةُ فِرَاشِي وَرَحْلِي» [علَّقه الشَّافعيُّ في الأمِّ ١/ ٢٨٨].
- مسألةٌ: (وَإِنْ كَثُرَ حَتَّى خِيفَ مِنْهُ سُنَّ قَوْلُ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا) أي: أنزله حوالي المدينة في مواضع النَّبات، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينة، ولا في غيرها من المباني، (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) أي: الرَّوابي الصِّغار، (وَالآكَامِ) على وزن آصال وجبال، قال مالكٌ: هي الجبال الصِّغار، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) أي الأمكنة المنخفضة، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أي: أصولها؛ لأنَّه أنفع لها؛ لما روى أنسٌ أنَّه ﷺ كان يقول ذلك [البخاريُّ: ١٠١٤ ،
стр. 252
ومسلمٌ: ٨٩٧]، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تكلِّفْنا من الأعمال ما لا نطيق، (الآيَةَ) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال ابن عثيمينَ: (لو قالها على سبيل الدُّعاء فلا بأسَ، أمَّا على سبيل السُّنِّيَّة فلا؛ لعدم وروده).
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) لمن مُطِرَ (قَوْلُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ)؛ لحديث زيد بن خالدٍ ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصُّبح بالحديبية في إثر سماءٍ كانت من اللَّيل، فلمَّا انصرف أقبل على النَّاس فقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ » قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» [البخاريُّ: ٨٤٦، ومسلمٌ: ٧١] .
стр. 253
(كِتَابُ الجَنَائِزِ)
بفتح الجيم: جَمْعُ جِنازة، -بالكسر، والفتح لغةٌ-، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنَّعش عليه ميتٌ، فإن لم يكن عليه ميتٌ فلا يُقَال: نَعْشٌ، ولا جنازةٌ، وإنَّما يُقَال: سريرٌ.
- مسألةٌ: (يُسَنُّ الِاسْتِعْدَادُ لِلمَوْتِ) بالتَّوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لقوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) [الكهف: ١١٠] .
- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ (الإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِهِ) أي: الموت؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ»، يعْنِي: المَوْتَ، وفي رواية: «هَاذمِ اللَّذَّاتِ» [أحمد ٤٢٥٨، والترمذي ٢٣٠٧، وابن ماجهْ ٤٢٥٨] .
- مسألةٌ: (وَتُسَنُّ عِيَادَةُ) كلِّ (مَرِيضٍ مُسْلِمٍ)، ولو من وجع ضرسٍ ونحوه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» [البخاريُّ ١٢٤٠، ومسلمٌ ٢١٦٢] .
стр. 254
واختار شيخ الإسلام: أنَّ عيادة المريض فرضُ كفايةٍ؛ لظاهر حديث أبي هريرةَ ﵁ السَّابق، فإنَّه لا يكون حقًّا إلَّا إذا كان واجبًا.
- فرعٌ: ويُسَنُّ أن تكون عيادة المريض (غِبًّا) أي: يومًا ويومًا؛ خوفًا من الضَّجر.
قال في «الفروع»: ويتوجَّه اختلافه باختلاف النَّاس، والعمل بالقرائن وظاهر الحال.
- فرعٌ: ويُسَنُّ أن تكون العيادة (مِنْ أَوَّلِ المَرَضِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ» وذكر منها: «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» [مسلمٌ: ٢١٦٢]،
- فرعٌ: ويُسَنُّ أن تكون العيادة (بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) أي: أو عشيًّا، ويُكْرَهُ في وسط النَّهار؛ قال أحمدُ عن قرب وسط النَّهار: ليس هذا وقت عيادةٍ، (وَ) تكون العيادة (فِي رَمَضَانَ لَيْلًا)؛ لأنَّه أرفق بالعائد، ولأنَّه ربَّما رأى من المريض ما يضعفه.
- مسألةٌ: (وَ) سُنَّ (تَذْكِيرُهُ) أي: المريض -سواءً كان مرضه مخوفًا أم لا- بأمورٍ:
١ - (التَّوْبَةُ)؛ لأنَّها واجبةٌ على كلِّ حالٍ، وهو أحوج إليها من غيره.
стр. 255
٢ - (وَالوَصِيَّةُ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البخاريُّ ٢٧٣٨، ومسلمٌ ١٦٢٧].
- فرعٌ: (وَيَدْعُو لَهُ) أي: المريض (عَائِدٌ بِالعَافِيَةِ وَالصَّلَاحِ)، ومن ذلك ما ورد في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ الله العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ الله مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ» [أحمد: ٢١٣٧، أبو داود: ٣١٠٦، الترمذي: ٢٠٨٣].
- فرعٌ: (وَ) يُسَنُّ أن (لَا يُطِيلُ) العائد (الجُلُوسَ عِنْدَهُ)؛ حتَّى لا يضجره.
واختار ابن عثيمينَ: أنَّه يرجع إلى ما تقتضيه الحال والمصلحة.
- فرعٌ: (وَيَنْبَغِي) للمريض (أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِالله)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: قال الله : «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» [البخاري: ٧٤٠٥، ومسلم: ٢٦٧٥].
- فرعٌ: (وَلَا يَجِبُ التَّدَاوِي وَلَوْ ظَنَّ نَفْعَهُ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في المرأة الَّتي تُصْرَع وتتكشَّف، فطلبت من النَّبيِّ ﷺ أن يدعوَ لها، فقال:
стр. 256
«إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ»، قالت: أصبر، فقالت: إنِّي أتكشَّف، فادعُ الله لي أن لا أتكشَّف، فدعا لها. [البخاريُّ ٥٦٥٢، ومسلمٌ ٢٥٧٦].
- فرعٌ: (وَتَرْكُهُ) أي: التَّداوي (أَفْضَلُ)؛ لأنَّه أقربُ إلى التوكُّل، ويجوز اتِّفاقًا؛ لحديث أسامةَ بن شَريكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» [أحمد ١٨٤٥٥، وأبو داود ٣٨٥٥، وابن ماجهْ ٣٤٣٦].
وقال ابن عثيمينَ: التَّداوي لا يخلو من أحوالٍ:
١ - ما عُلِم أو غَلَب على الظَّنِّ نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه؛ فهذا واجبٌ، كالسَّرطان الموضعيِّ، فإنَّه إذا قُطِعَ شُفِي المريض بإذن الله؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
٢ - ما عُلم أو غَلب على الظَّنِّ نفعه، وليس هناك هلاكٌ محقَّقٌ بتركه؛ فالتَّداوي أفضلُ؛ للأمر به في حديث أسامةَ بن شريكٍ السَّابق.
٣ - أن يحتمل نفعه وعدمه؛ فتركه أفضلُ؛ لأنَّه أقربُ إلى التَّوكُّل.
- فرعٌ: (وَيَحْرُمُ) التَّداوي (بِمُحَرَّمٍ) أكلًا وشُرْبًا، وسماع الغناء ونحوه؛ لعموم حديث أبي الدَّرداء ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» [أبو داودَ: ٣٨٧٤].
- فرعٌ: (وَيُبَاحُ كَتْبُ قُرْآنٍ) بإناءٍ، (وَ) كَتْبُ (ذِكْرٍ بِإِنَاءٍ لِحَامِلٍ لِعُسْرِ
стр. 257
الوِلَادَةِ، وَمَرِيضٍ، وَيُسْقَيَانِهِ) أي: الحامل والمريض، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «إِذَا عَسِرَ عَلَى المَرْأَةِ وَلَدُهَا، فَيَكْتُبُ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وَالكَلِمَاتِ فِي صَحْفَةٍ، ثُمَّ تُغْسَلُ فَتُسْقَى مِنْهَا» ثمَّ ذكرها [ابن أبي شيبة: ٢٣٥٠٨]، ولفعل جماعةٍ من السَّلف؛ كمجاهدٍ، وأبي قلابةَ، وغيرهما.
- مسألةٌ: آداب المحتَضَر، وأشار إليها بقوله: (وَإِذَا نُزِلَ بِهِ)، أي: نَزَل المَلك بالمريض لقبض روحه، (سُنَّ لِأَرْفَقِ أَهْلِهِ بِهِ تَعَاهُدُ):
١ - (بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَ) سُنَّ (تَنْدِيَةُ شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ)؛ لأنَّ ذلك يُسهِّل عليه النُّطق بالشَّهادة، ويُطْفِئُ ما نزل به من الشِّدَّة.
٢ - (وَ) سُنَّ (وَتَلْقِينُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» [مسلمٌ ٩١٦]، ويلقِّنه (مَرَّةً) نصَّ عليه، فإن لم يُجِب كرَّر التَّلقين، (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ) مرَّاتٍ؛ لئلَّا يضجره، (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ) بعد لا إله إلَّا الله، (فَيُعِيدُهُ) أي: التَّلقين (بِرِفْقٍ)؛ ليكون آخر كلامه ذلك، وذكره النَّوويُّ إجماعًا.
٣ - (وَ) يُسَنُّ (قِرَاءَةُ «الفَاتِحَةِ») عند المحتَضَر؛ لفضلها.
стр. 258
والأقرب: أنَّه لا يُشْرَعُ؛ إذ العبادات توقيفيَّةٌ، ولم يَرِدْ ما يدلُّ على ذلك.
٤ - (وَ) يُسَنُّ قراءة سورة («يس» عِنْدَهُ)، أي: المحتَضَر؛ لحديث معقل بن يسارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقْرَؤوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» [أحمدُ ٢٠٣٠١، وأبو داودَ ٣١٢١، وابن ماجهْ ١٤٤٨، وضعَّفه الدَّارقطنيُّ]، والمراد بالحديث: من كان في سياق الموت، وسُمِّيَ: «ميتًا» باعتبار ما يؤول إليه، قال شيخ الإسلام: (والقراءة على الميت بعد موته بدعةٌ، بخلاف القراءة على المحتَضَر، فإنَّها تُسْتَحَبُّ بـ «يس»).
واختار ابن بازٍ: عدم مشروعيَّة ذلك؛ لضعف حديث معقلٍ السَّابق.
٥ - (وَ) يُسَنُّ (تَوْجِيهُهُ إِلَى القِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ)، نقله النَّوويُّ إجماعًا؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرورٍ ﵁، فقالوا: تُوُفِّيَ، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله؛ وأوصى أن يوجَّه إلى القبلة لما احْتُضِرَ، فقال رسول الله ﷺ : «أَصَابَ الفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ» [الحاكم ١٣٠٥، والبيهقيُّ ٦٦٠٤].
ويوجِّهه على جنبه (مَعَ سَعَةِ المَكَانِ، وَإِلَّا) بأن لم يتَّسع المكان لذلك، بل ضاق عنه (فَـ) ـيُلْقَى (عَلَى ظَهْرِهِ وَأَخْمَصَاهُ إِلَى القِبْلَةِ)؛ كوضعه على المغتسل.
стр. 259
- مسألةٌ: (وَ) ينبغي للمريض أن (يَعْتَمِدَ عَلَى الله فِيمَنْ يُحِبُّ) من بنيه وغيرهم، (وَ) أن (يُوصِيَ) بقضاء ديونه، وتفرقة وصيِّته، (لِلأَرْجَحِ فِي نَظَرِهِ) من قريبٍ وأجنبيٍّ؛ لأنَّه المصلحة .
- مسألةٌ: (فَإِذَا مَاتَ) المحتَضَر (سُنَّ):
١ - (تَغْمِيضُ عَيْنَيهِ) اتِّفاقًا؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمةَ ﵁ وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضه، ثمَّ قال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» [مسلمٌ ٩٢٠].
- فرعٌ: (وَيُباحُ) تغميض الأنثى (مِنْ مَحْرَمٍ ذَكَرٍ)؛ كأن يغمض أمَّه وأخته، (أَوْ) تغميض الذَّكر (أُنْثَى) من محارمه، وظاهره: لا يُبَاح من غير مَحْرَمٍ: ولعلَّه إن أدَّى إلى المسِّ، أو نظر ما لا يجوز ممَّن لعورته حكمٌ، بخلاف نحو طفلٍ وطفلةٍ، ويُبَاح تغميض ذكرٍ لذكرٍ، وأنثى لأنثى.
- فرعٌ: (وَيُكْرَهُ) تغميضه (مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ، وَأَنْ يَقْرَبَاهُ) أي: الميت، حائضٌ أو جنبٌ.
قال الشَّارح: (ولا نعلم بينهم خلافًا في صحَّة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأَوْلى أن يكون المتولِّي لذلك طاهرًا؛ لأنَّه أكملُ وأحسنُ).
стр. 260
٢ - (وَ) يُسَنُّ عند تغميضه: (قَوْلُ: بِاسْمِ الله، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ؛ لوروده عن بكر بن عبد الله المزنيِّ وهو من التَّابعين [عبد الرزاق: ٦٠٥١].
٣ - (وَ) يُسَنُّ (شَدُّ لَحْيَيْهِ (١) بِعِصَابَةٍ) ونحوها تربط فوق رأسه، اتِّفاقًا؛ لئلَّا يدخله الهوامُّ، أو الماء في وقت غسله.
٤ - (وَ) سُنَّ (تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ) اتِّفاقًا؛ ليسهل تغسيله، فيردُّ ذراعيه إلى عضديه، ثمَّ يردُّهما إلى جنبه، ثمَّ يردُّهما، ويردُّ ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثمَّ يردُّهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتهما، فإن شقَّ ذلك تركه.
٥ - (وَ) سُنَّ (خَلْعُ ثِيَابِهِ) اتِّفاقًا؛ لئلَّا يُحمى جسده فيَسرع إليه الفساد، وربَّما خرجت منه نجاسةٌ فلوَّثتها.
٦ - (وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ) كلَّه (بِثَوْبٍ) اتِّفاقًا؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» [البخاريُّ ٥٨١٤، ومسلمٌ ٩٤٢].
٧ - (وَ) سُنَّ (إِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ) اتِّفاقًا؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ
стр. 261
يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاريُّ ١٣١٥، ومسلمٌ ٩٤٤]، فيُسَنُّ إسراع تجهيزه (إِنْ مَاتَ غَيْرَ فَجْأَةٍ)؛ فإن مات فجأةً، أو شُكَّ في موته؛ انتُظر حتَّى يُتَيَقَّن موته؛ لاحتمال عدمه.
٨ - (وَ) يُسَنُّ الإسراع في (تَفْرِقَةُ وَصِيَّتِهِ)؛ لما فيه من تعجيل الأجر.
- فرعٌ: (وَيَجِبُ) الإسراع (فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ)، سواءً كان حقًّا لله تعالى كالزَّكاة، أو حقًّا لآدميٍّ كردِّ أمانةٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» [أحمد ٩٦٧٩، والترمذي ١٠٧٨، وابن ماجهْ ٢٤١٣].
(فَصْلٌ) في غسل الميت
- مسألةٌ: (وَغَسْلُهُ) أي: الميت (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجماعًا على من أمكنه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في الَّذي وَقَصَته دابَّته فمات: قال ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» [البخاريُّ ١٢٦٥، ومسلمٌ ١٢٠٦] .
- فرعٌ: غسل الميت فرض كفايةٍ، (سِوَى شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ، وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا)، وسبق في الغسل.
стр. 262
- فرعٌ: لا يُغَسَّلُ شهيدُ معركةٍ، ومقتولٌ ظلمًا، (وَلَوْ كَانَا أُنثَيَيْنِ، أَوْ) كانا (غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ)؛ كصغيرين؛ للعمومات.
- مسألةٌ: (وَشُرِطَ فِي مَاءٍ) لصحَّة غسله: (طَهُورَيَّةٌ، وَإِبَاحَةٌ)؛ كباقي الأغسال .
- مسألةٌ: (وَ) شُرِطَ (فِي غَاسِلٍ: إِسْلَامٌ، وَعَقْلٌ)؛ لاعتبار نيَّته، ولا تصحُّ من كافرٍ ومجنونٍ، (وَتَمْيِيزٌ) فلا يُشْتَرَطُ بلوغه؛ لصحَّة غسله لنفسه .
- فرعٌ: (وَالأَفْضَلُ) أن يختار لتغسيله: (ثِقَةٌ عَارِفٌ بِأَحْكَامِ الغُسْلِ)؛ احتياطًا له.
- مسألةٌ: في صفة غسل الميت، قال رحمه لله: (وَإِذَا أَخَذَ) أي: شرع الغاسل (فِي غَسْلِهِ) فعل أمورًا:
١ - (سَتَرَ عَوْرَتَهُ وُجُوبًا)؛ قال ابن قدامةَ: (بغير خلافٍ)، إلَّا من دون سبعٍ، فلا بأسَ بغسله مجردًا؛ لأنَّه ليس لعورته حكمٌ.
٢ - (وَسُنَّ تَجْرِيدُهُ) أي: الميت للغسل؛ لحديث عائشةَ ﵂ في تغسيل
стр. 263
الصَّحابة للنَّبيِّ ﷺ ، وفيه أنَّهم قالوا: «أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا» [أحمد: ٢٦٣٠٦، وأبو داود: ٣١٤١، وابن ماجهْ: ١٤٦٤].
٣ - (وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ) أي: الميت (عَنِ العُيُونِ تَحْتَ سِتْرٍ)؛ لأنَّه ربَّما كان به عيبٌ يستره في حياته، أو تظهر عورته.
- فرعٌ: (وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعِينٍ فِي غَسْلِهِ)، وهو من يحتاج إليه لصبِّ الماء ونحوه؛ لأنَّه ربَّما ظهر منه شيءٌ هو في الظَّاهر منكرٌ، فيتحدَّث به فيكون فضيحةً، والحاجة غير داعيةٍ إلى حضوره، إلَّا وليَّه فله الدُّخول كيف شاء، قاله القاضي وابن عقيلٍ.
٤ - (ثُمَّ نَوَى) الغاسل تغسيل الميت؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاريُّ: ١، ومسلمٌ: ١٩٠٧]، (وَسَمَّى وُجُوبًا) في غسله عن الميت؛ لتعذُّر النِّيَّة والتَّسمية منه، وحكم النِّيَّة والتَّسمية (كَـ) حكمهما في (غَسْلِ الحَيِّ)، فالنِّيَّة شرطٌ لا يصحُّ الغسل إلَّا بها، والتَّسمية واجبةٌ مع الذُّكر، وتسقط سهوًا، على ما تقدَّم في الغسل؛ لأنَّ غسل الميت طهارةٌ تعبديَّةٌ، فاشْتُرِطَ له النِّيَّة والتَّسمية؛ كغسل الجنابة.
٥ - (وَسُنَّ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَ) ميتٍ (غَيْرِ) أنثى (حَامِلٍ)؛ لأنَّه يؤذي الحمل، (إِلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ)، بحيث يكون كالمحتَضَن في صدر غيره،
стр. 264
(وَيَعْصِرَ بَطْنَهُ)؛ ليخرج ما في بطنه من نجاسةٍ، ويكون ذلك (بِرِفْقٍ)؛ لأنَّ الميت في محلِّ الشَّفقة والرحمة، (وَيَكُونَ ثَمَّ) أي: هناك (بَخُورٌ)؛ دفعًا للتَّأذي برائحة الخارج، (وَيُكْثِرُ صَبَّ المَاءِ حِينِئَذٍ)؛ ليذهب ما خرج بالعصر، ولا تظهر رائحته.
٦ - (ثُمَّ يَلُفُّ) الغاسل (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً) أو نحوها من قفَّازٍ، أو كيسٍ، (فَيُنْجِيهِ) أي: الميت (بِهَا)، اتِّفاقًا؛ لإزالة النَّجاسة، وتطهير الميت من غير تعدِّي النَّجاسة إلى الغاسل.
٧ - (وَحَرُمَ مَسُّ عَوْرَةِ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ) فأكثرَ بغير حائلٍ؛ لأنَّ التَّطهير يمكن بدون ذلك، وحرمته ميتًا كحرمته حيًّا.
٨ - (ثُمَّ يُدْخِلُ إِبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ -وَعَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ مَبْلُولَةٌ بِمَاءٍ-)؛ صيانةً لليد وإكرامًا للميت، (بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَ) يدخلهما (فِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) بها؛ لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى.
٩ - (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ اسْتِحْبَابًا)؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهنَّ في غسل ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا» [البخاري ١٦٧، ومسلم
راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري ١٢٦٥، ومسلم ١٢٠٦]، وهذا يصدق بمرَّةٍ واحدةٍ، (إِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ) من الميت بعد المرَّة.
(فَإِنْ خَرَجَ) شيءٌ (وَجَبَ إِعَادَتُهُ) أي: الغسل (إِلَى سَبْعِ) غسلاتٍ؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الشَّارع إنَّما كرَّر الأمر بغسلها من أجل توقُّع النَّجاسة، (فَإِنْ خَرَجَ) من الميت (بَعْدَهَا) أي: الغسلة السَّابعة، فلا يُعَاد غسله؛ لأنَّه ﵇ لم يَزِدْ عليها، كما في حديث أمِّ عطيَّةَ في روايةٍ: «ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا»، ولم يَزِدْ على السَّبع [البخاري ١٢٥٤، ومسلم ٩٣٩].
وقال جماعةٌ: إنَّه يُعَاد غسله؛ لأنَّ الزِّيادة على الثَّلاث لأجل الإنقاء، فكذا ما بعد السَّبع؛ ولحديث أمِّ عطيَّةَ السَّابق: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
فإذا خرج منه شيءٌ بعد السَّابعة (حُشِيَ) المخرَج (بِقُطْنٍ)؛ كما تفعل المستحاضة؛ لأنَّه في معناه، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ) ذلك الحشو (فَـ) ـيُحْشَى (بِطِينٍ حُرٍّ) أي: خالصٍ، الَّذي له قوَّةٌ تمسك المحلَّ؛ ليمنع الخارج، (ثُمَّ يَغْسِلُ المَحَلَّ) المتنجِّس بالخارج وجوبًا، (وَيُوَضَّأُ) ميتٌ (وُجُوبًا)؛ كجنبٍ أحدث بعد غسله، لتكون طهارته كاملةً.
стр. 267
- مسألةٌ: (وَسِقْطٌ) بتثليث السِّين، وهو المولود قبل تمامه، لا يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يُولَد (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأكثرَ، فـ (كَمَوْلُودٍ حَيًّا) في الأحكام، فَيُغَسَّل ويُصَلَّى عليه وإن لم يستهلَّ، أي: يصوت عند الولادة؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [أحمد ١٨١٤٧، وأبو داود ٣١٨٠، والترمذي ١٠٣١، والنسائي ١٩٤١].
الثَّاني: إن لم يبلغ أربعة أشهرٍ، فلا يُغَسَّل، ولا يُصَلَّى عليه اتِّفاقًا، ويُلَفُّ في خرقةٍ ويُدْفَنُ؛ لأنَّه ليس بآدميٍّ؛ لعدم نفخ الرُّوح فيه.
(فَصْلٌ) في تكفين الميت
- مسألةٌ: (وَتَكْفِينُهُ) أي: الميت (فَرْضُ كَفَايةٍ) لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ السَّابق في الَّذي وقصته ناقته، وفيه: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» .
- مسألةٌ: عدد الأثواب الَّتي يُكَفَّن فيها الميت تنقسم إلى قسمين:
стр. 268
القسم الأوَّل: العدد الواجب: وأشار إليه بقوله: (وَيَجِبُ لِحَقِّ الله تَعَالَى وَلِحَقِّهِ) أي: الميت، سواءً كان ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا؛ (ثَوْبٌ وَاحِدٌ، لَا يَصِفُ البَشَرَةَ، يَسْتُرُ جَمِيعَهُ) أي: جميع الميت؛ لحديث خبَّاب بن الأرتِّ ﵁ في قصَّة مقتل مصعب بن عُمَيْرٍ ﵁ يوم أُحدٍ: فلم يُوجَد له شيءٌ يُكَفَّنُ فيه إلَّا نمرةٌ، فكنَّا إذا وضعناها على رأسه، خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه، خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ» [البخاري ١٢٧٦، ومسلم ٩٤٠].
القسم الثَّاني: العدد المستحبُّ: فلا يخلو الميت من أربعة أمورٍ:
الأمر الأوَّل: أن يكون ذكرًا بالغًا، وإليه الإشارة بقوله: (وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ» [البخاري ١٣٤٣، ومسلم ٩٤٢]، (وَكُرِهَ فِي أَكْثَرَ) من ثلاث لفائفَ؛ لأنَّه وضعٌ للمال في غير وجهه.
стр. 269
- فرعٌ: صفة التَّكفين:
١ - (يُبْسَطُ) اللفائف الثَّلاث (بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ) واحدةً فوق أخرى؛ ليُوضَع الميت عليها مرَّةً واحدةً، (بَعْدَ تَبْخِيرِهَا بِنَحْوِ عُودٍ)، ما لم يكن مُحْرِمًا؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَجْمَرْتُمُ المَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» [أحمد ١٤٥٤٠].
٢ - (وَتُجْعَلُ) اللّفافة (الظَّاهِرَةُ) وهي السُّفلى من الثَّلاث (أَحْسَنَهَا)؛ لأنَّ عادة الحيِّ جعل الظَّاهر من ثيابه أفخرها، فكذا الميت.
٣ - (وَ) يُجْعَل (الحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا) وهو: أخلاطٌ من طيبٍ يُعدُّ للميت خاصَّةً، لحديث ابن عبَّاسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في مُحرِمٍ مات: «وَلا تُحَنِّطُوهُ»، فدلَّ على أنَّ غير المُحْرِم يُحَنَّط، ولقول أسماءَ: «ثُمَّ حَنِّطُونِي» [مصنف عبدالرزاق ٦١٥٢].
٤ - (ثُمَّ يُوضَعُ) الميت (عَلَيْهَا) أي: اللَّفائف مبسوطةً (مُسْتَلْقِيًا)؛ لأنَّه أمكن لإدراجه فيها.
٥ - (ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيَا مِنَ الجَانِبِ الأَيْسَرِ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ) يُرَدُّ طرفُها (الأَيْمَنُ عَلَى) شقِّه (الأَيْسَرِ)؛ لأنَّه عادة الحيِّ في لبس قباءٍ ورداءٍ ونحوهما.
стр. 270
٦ - (ثُمَّ) يُرَدُّ (الثَّانِيَةُ) من اللَّفائف كذلك، (ثُمَّ) يُرَدُّ (الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ)، كالأُولى؛ لأنَّهما في معناها.
٧ - (وَيُجْعَلُ أَكْثَرُ الفَاضِلِ) من الكفن (عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لشرفه، ويعيد الفاضل على وجهه ورجليه بعد جمعه؛ ليصير الكفن كالكيس فلا ينتشر.
٨ - (ثُمَّ يَعْقِدُهَا)؛ لئلَّا تنتشر، (وَتُحَلُّ) العقد (فِي القَبْرِ)؛ لأمن انتشارها.
الأمر الثَّاني: أن تكون أنثى بالغةً، وإليه الإشارة بقوله: (وَسُنَّ لِامْرَأْةٍ وَخُنْثَى) أن تُكَفَّنَ في (خَمْسَةُ أَثْوَابٍ) بيضٍ من قطنٍ: (إِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)؛ لحديث ليلى الثَّقفيَّة ﵂ قالت: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ الله ﷺ الْحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا» [أحمد ٢٧١٣٥، وأبو داود ٣١٥٧].
(وَ) الأمر الثَّالث: أن تكون أنثى صغيرةً، أشار إليه بقوله: (لِـ) أنثى (صَغِيرَةٍ) دون البلوغ: (قَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ)؛ لعدم حاجتها إلى خمارٍ في
стр. 271
حياتها، فكذا في موتها.
وقيل: كالبالغة؛ لعدم الدَّليل على التَّفريق.
(وَ) الأمر الرَّابع: أن يكون ذكرًا غير بالغٍ، وأشار إليه بقوله: (لِصَبِيٍّ) دون البلوغ (ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَيُبَاحُ فِي ثَلَاثَةٍ) أثوابٍ (مَا لَمْ يَرِثْهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) من صغيرٍ ومجنونٍ، فلا تجوز الزِّيادة على ثوبٍ؛ لأنَّه تبرُّعٌ.
وقيل: بثلاثة أثوابٍ؛ كالذَّكر الكبير؛ لما تقدَّم من حديث عائشةَ ﵂.
(فَصْلٌ) في الصَّلاة على الميت
- مسألةٌ: (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أي: الميت (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ للأمر بها كما في حديث زيد بن خالدٍ الجهنيِّ ﵁ في الغالِّ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» [أحمد: ١٧٠٣١، وأبو داود: ٢٧١٠، والنسائي: ١٩٥٩، وابن ماجهْ: ٢٨٤٨] .
- فرعٌ: (وَتَسْقُطُ) الصَّلاة عليه (بِـ) ـصلاة (مُكَلَّفٍ) واحدٍ، فلا تسقط بالمميِّز؛ لأنَّه ليس من أهل الوجوب، فتسقط (وَلَوْ) كان المصلِّي (أُنْثَى أَوْ) كان (عَبْدًا)؛ كغسله وتكفينه ودفنه.
стр. 272
- مسألةٌ: (وَتُسَنُّ) الصَّلاة على الميت في (جَمَاعَةٍ) إجماعًا، ولو لنساءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يفعلها هو وأصحابه جماعةً .
- مسألةٌ: (وَشُرُوطُهَا) أي: الصَّلاة على الميت (ثَمَانِيَةُ) شروطٍ:
١ - (النِّيَّةُ).
٢ - (وَالتَّكْلِيفُ).
٣ - (وَاسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ).
٤ - (وَسَتْرُ العَوْرَةِ).
٥ - (وَاجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ).
وهذه كلُّها سبقت في شروط الصَّلاة.
٦ - (وَحُضُورُ المَيْتِ) بين يدي المصلِّي؛ فلا تصحُّ على جنازةٍ محمولةٍ؛ لأنَّها كالإمام، (إِنْ كَانَ) الميت (بِالبَلَدِ)، لا إذا صلَّى على غائبٍ.
٧ - (وَإِسْلَامُ المُصَلِّي) وهو من شروط الصَّلاة المكتوبة أيضًا، (وَ) إسلام (المُصَلَّى عَلَيْهِ) أي: الميت؛ لأنَّ الصَّلاة شفاعةٌ ودعاءٌ له، والكافر
стр. 273
ليس أهلًا لذلك.
٨ - (وَطَهَارَتُهُمَا) أي: المصلِّي والمصلَّى عليه (وَلَوْ بِتُرَابٍ) لعذرٍ؛ كفقد الماء، فلا تصحُّ الصَّلاة عليه قبل تغسيله.
٩ - وزاد في «الكشَّاف»: ويُشْتَرَطُ تكفينه، فلا تصحُّ الصَّلاة عليه قبل تكفينه.
- مسألةٌ: (وَأَرْكَانُهَا) أي: الصَّلاة على الميت (سَبْعَةٌ) (١):
١ - (القِيَامُ فِي فَرْضِهَا) اتِّفاقًا؛ لعموم قوله ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا» [البخاري: ١١١٧].
٢ - (وَالتَّكْبِيرَاتُ الأَرْبَعُ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» [البخاري: ١٣٣٣، ومسلم: ٩٥١]، وقد قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري: ٦٣١]، فدلَّ على وجوب التَّكبيرات الأربع.
стр. 274
٣ - (وَقِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ)؛ لعموم حديث عبادةَ بن الصَّامتِ ﵁ مرفوعًا: «لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تُسْتَحَبُّ قراءة «الفاتحة» في صلاة الجنازة ولا تجب؛ لأنَّ المقصود الأعظم هو الدُّعاء للميت، وما ورد من الأمر بقراءة «الفاتحة» في الصَّلاة فالمراد به الصَّلاة المطلقة المشتملة على ركوعٍ وسجودٍ، أمَّا هذه فتُقَيَّد، فيقال: صلاة الجنازة.
٤ - (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لحديث سهل بن سعدٍ ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ» [ابن ماجهْ: ٤٠٠].
وعند الثَّلاثة: لا تجب الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ؛ لعدم الدَّليل على وجوبها، وتقدَّم أنَّها لا تجب في الصَّلاة المعهودة، فهنا أَوْلى.
٥ - (وَالدُّعَاءُ لِلمَيْتِ)؛ لأنَّه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به.
٦ - (وَالسَّلَامُ)؛ لفعله ﷺ ، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
٧ - (وَالتَّرْتِيبُ) للأركان، فتتعيَّن القراءة في الأُولى، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ في الثَّانية، لكن لا يتعيَّن كونُ الدُّعاءِ للميت بعد التَّكبيرةِ الثَّالثةِ، بل يجوز الدُّعاء للميت بعد التَّكبيرةِ الرَّابعة.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ قِيَامُ إِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) في الصَّلاة (عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ)؛ رواه
стр. 275
إبراهيم النَّخعي من فِعْلِ ابن مسعودٍ ﵁ [رواه سحنون في المدونة، وفيه راوٍ مبهمٌ ١/ ٢٥٢].
وعنه: يقوم عند رأس الرَّجُل؛ لما رواه أبو غالبٍ قال: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، بِامْرَأَةٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ الجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَامَ مِنَ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنَ المَرْأَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [أحمد: ١٣١١٤، وأبو داود: ٣١٩٤، والترمذي: ١٠٣٤، وابن ماجهْ: ١٤٩٤].
قال ابن قدامةَ: (قول من قال: يقف عند رأس الرَّجُل غير مخالفٍ لقول من قال بالوقوف عند الصَّدر؛ لأنَّهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقفٌ عند الآخر).
- مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ قيام الإمام والمنفرد عند (وَسَطِ امْرَأَةٍ)؛ لما روى سمرةُ بن جندبٍ ﵁ قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا» [البخاري: ١٣٣١، ومسلم: ٩٦٤] .
- مسألةٌ: (وَصِفَتُهَا) أي: الصَّلاة على الميت:
١ - (أَنْ يَنْوِيَ)؛ كصلاة الفرض.
٢ - (ثُمَّ يُكَبِّرَ) أربعًا، إجماعًا؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق في الصَّلاة
стр. 276
على النَّجاشيِّ، (وَيَقْرَأَ) سورة (الفَاتِحَةَ) سرًّا ولو ليلًا؛ لما روى أبو أمامةَ ﵁ قال: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ» [النسائي: ١٩٨٩].
٣ - (ثُمَّ يُكَبِّرَ) التَّكبيرة الثَّانية، (وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لما روى أبو أمامةَ بن سهلٍ، عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجَنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ» [مسند الشافعي ١/ ٣٥٩]، ويُصَلِّي على النَّبيِّ ﷺ (كَـ) ما يُصَلِّي (فِي) الـ (تشَهُّدِ)؛ لأنَّه ﷺ لما سألوه: (كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ)؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ. [البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧].
٤ - (ثُمَّ يُكَبِّرَ) التَّكبيرة الثَّالثة (وَيَدْعُوَ لِلمَيْتِ)؛ لحديث أبي أمامةَ بن سهلٍ السَّابق، وفيه: «وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجَنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ».
- فرعٌ: (وَالأَفْضَلُ) أن يكون الدُّعاء (بِشَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ) عن النَّبيِّ ﷺ أو صحابته، كما في حديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» [أحمد: ٨٨٠٩، وأبو داود: ٣٢٠١،
стр. 277
والترمذي: ١٠٢٤، والنسائي: ١٩٨٦، وابن ماجهْ: ١٤٩٨].
٥ - (ثُمَّ يُكَبِّرَ) التَّكبيرة الرَّابعة (وَيَقِفَ قَلِيلًا) ولا يدعو؛ لما روى زيد بن أرقمَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ الله» قال في «المبدع»: (رواه الجوزجانيُّ) [لم نقف عليه].
وعنه: يقف ويدعو بعد الرَّابعة؛ لما روى إبراهيمُ الهَجَريُّ عن عبد الله بن أبي أَوْفى ﵁ قال: «ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَقَامَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ، يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْنَعُ هَكَذَا». [ابن ماجهْ: ١٥٠٣، وحسنه الألباني].
٦ - (وَيُسَلِّمَ) تسليمةً، (وَتُجْزِئُ وَاحِدَةٌ) عن يمينه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً» [الحاكم: ١٣٣٢، والبيهقي: ٦٩٨٢]، وعليه عمل الصَّحابة: عليٍّ، وابن عمرَ ﵃، وغيرهم.
- فرعٌ: (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) في السَّلام من الصَّلاة على الجنازة: (وَرَحْمَةُ اللهُ)؛ أجزأ؛ كالصَّلاة المكتوبة.
стр. 278
(فَصْلٌ)
- مسألةٌ: (وَحَمْلُهُ) أي: الميت (وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجماعًا؛ لأنَّه لو تُرِكَ لأنتن، وتأذَّى النَّاس برائحته .
- فرعٌ: (وَيَسْقُطَانِ) أي: حمل الميت ودفنه (وَتَكْفِينٌ بِكَافِرٍ) اتِّفاقًا؛ لعدم اعتبار النِّيَّة.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) عند حمل الجنازة أمورٌ، منها:
١ - (كَوْنُ مَاشٍ) معها (أَمَامَ الجِنَازَةِ)؛ لقول عبد الله بن عمرَ ﵁: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» [أحمد: ٦٠٤٢، وأبو داود: ٣١٧٩، والترمذي: ١٠٠٧، والنسائي: ١٩٤٤، وابن ماجهْ: ١٤٨٢].
وقيل: يمشي حيث شاء؛ لما ورد في حديث المغيرة بن شعبةَ ﵁ مرفوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجَنَازَةِ، وَالمَاشِي مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ» [أحمد: ١٨٢٠٧، والترمذي: ١٠٣١، والنسائي: ١٩٤٢، وابن ماجهْ: ١٤٨١].
٢ - (وَ) كون (رَاكِبٍ) يسير (خَلْفَهَا) أي: خلف الجنازة، قال الخطَّابيُّ: (لا أعلم اختلفوا في أنَّه يكون خلفه)؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ السَّابق.
стр. 279
٣ - (وَ) كون متَّبع الجنازة على (قُرْبٌ مِنْهَا) أفضل من كونه بعيدًا؛ لأنَّها متبوعةٌ فهي كالإمام.
٤ - (وَإِسْرَاعٌ بِهَا) أي: الجنازة عند حملها، قال الشَّارح: (لا نعلم خلافًا بين الأئمَّة)، ما لم يُخَفْ عليها من الإسراع، ولم يشقَّ على التَّابعين؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤].
٥ - (وَتَعْمِيقُ قَبْرٍ وَتَوْسِيعُهُ) بلا حدٍّ؛ لحديث هشام بن عامرٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» [أحمد: ١٦٢٥١، وأبو داود: ٣٢١٥، والترمذي: ١٧١٣، والنسائي: ٢٠١٠]، والتَّوسيع: الزِّيادة في الطُّول والعرض، والتَّعميق: الزِّيادة في النُّزول، ويكفي ما يمنع الرَّائحة والسِّباع؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه تقديرٌ، فَيُرْجَعُ فيه إلى ما يحصل المقصود.
- مسألةٌ: (وَكُرِهَ) عند الدَّفن أمورٌ، منها:
١ - (رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَهَا) أي: الجنازة؛ لقول قيس بن عبَّادٍ، قال: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ صَوْتٍ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ القِتَالِ، وَعِنْدَ القُرْآنِ، وَعِنْدَ الجَنَائِزِ» [ابن أبي شيبة: ١١٢٠١]، فيُكْرَهُ (وَلَوْ) كان رفع الصَّوت
стр. 280
(بِالذِّكْرِ وَالقُرْآنِ)؛ لأنَّه بدعةٌ، فعن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاء: قول القائل: عند الجنازة-: استغفروا له غفر الله لكم، قال: «مُحْدَثَةٌ» [عبد الرزاق: ٦٢٣٩].
٢ - (وَإِدْخَالُ القَبْرِ خَشَبًا، أَوْ مَا) أي: شيئًا (مَسَّتْهُ النَّارُ) كآجُرٍّ، اتِّفاقًا؛ تفاؤلًا بألَّا تمسَّه النَّار، قال إبراهيمُ النَّخعيُّ: «كانوا يكرهون الآجرَّ في قبورهم» [مصنف ابن أبي شيبةَ: ١١٧٦٩].
٣ - (وَ) كُرِهَ (تَجْصِيصُهُ) أي: تبييض القبر بالجصِّ، وتزيينه؛ لحديث جابرٍ ﵁: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» [مسلم: ٩٧٠].
٤ - (وَ) كُرِهَ (بِنَاءُ) شيءٍ على القبر؛ لحديث جابرٍ ﵁ السَّابق.
وقيل: يحرم تجصيص القبر وتزيينه والبناء عليه؛ لظاهر النَّهي في حديث جابرٍ ﵁ السَّابق، والنَّهي يقتضي التَّحريم، ولأنَّه وسيلةٌ إلى تعظيم القبور والافتتان بها.
قال ابن القيِّم: (يجب هدم القباب الَّتي على القبور؛ لأنَّها أُسِّسَتْ على معصية الرَّسول ﷺ .
٥ - (وَ) كُرِهَ (كِتَابَةٌ) على القبر؛ لحديث جابرٍ السَّابق.
وقيل: يحرم الكتابة على القبر؛ لظاهر النَّهي في حديث جابرٍ ﵁،
стр. 281
والنَّهي يقتضي التَّحريم.
٦ - (وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ) على قبرٍ، (وَ) كُرِهَ (جُلُوسٌ عَلَيْهِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» [مسلم: ٩٧١].
وقيل: يحرم؛ لظاهر حديث أبي هريرةَ السَّابق؛ ولأنَّ حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًّا.
- مسألةٌ: (وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ بِهِ) أي: الميت (القِبْلَةُ) عند دفنه؛ لحديث عبيد بن عُمَيْرٍ عن أبيه مرفوعًا -وكانت له صحبةٌ: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود: ٢٨٧٥]، وعمل المسلمين على ذلك .
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) لحد الميت (عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ)؛ لأنَّه يشبه النَّائم، وهذه سنَّته .
- مسألةٌ: (وَحَرُمَ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معًا، أو واحدًا بعد آخرَ قبل بِلَى السَّابق (فِي قَبْرٍ) واحدٍ؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمرَّ فعل الصَّحابة ومن بعدهم .
стр. 282
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه يُكْرَهُ؛ لعدم الدَّليل على التَّحريم، وإنَّما الوارد فعلٌ، والفعل لا يدلُّ على إيجابٍ ولا تحريمٍ.
- فرعٌ: لا يُدْفَنُ اثنان في قبرٍ واحدٍ (إِلَّا) في حالتين:
١ - (لِضَرُورَةٍ) ككثرة الموتى، وقلَّة من يَدْفِنُهم، وخوف الفساد عليهم؛ لحديث هشام بن عامرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال يوم أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» [أحمد: ١٦٢٦١، وأبو داود: ٣٢١٥، والترمذي: ١٧١٣، والنسائي: ٢٠١٠].
٢ - إذا بَلِيَ الأوَّلُ وصار رميمًا، ويُرْجَعُ في ذلك إلى أهل الخبرة، فلا يُنْبَشُ قبرُ ميتٍ لميتٍ آخرَ؛ لما فيه من هتك حرمته.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) عند دفن الميت أمورٌ، منها:
١ - (أَنْ يُدْخَلَهُ) أي: القبر (مَيْتٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) أي: القبر، بأن يُوضَع النَّعش آخر القبر، فيكون رأس الميت في الموضع الَّذي تكون فيه رجلاه إذا دُفِنَ، ثمَّ يُسَلُّ الميت في القبر سلًّا رفيقًا؛ لما ورد عن أبي إسحاقَ، قال: أوصى الحارث الأعور أن يصلِّيَ عليه عبد الله بن يزيدَ، فصلَّى عليه، ثمَّ أدخله القبر من قِبل رِجْلي القبر، وقال: «هَذَا مِن السُّنَّةِ» [أبو داود: ٣٢١١، وصححه الحافظ]، (إِنْ كَانَ) ذلك (أَسْهَلَ) بالميت، (وَإِلَّا) يكن إدخاله من
стр. 283
عند رجليه أسهل (فَـ) يدخله (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدخاله منه، إذ المقصود الرِّفق بالميت.
٢ - (وَ) يُسَنُّ (قَوْلُ مُدْخِلِهِ) أي: مُدْخِل الميتِ القبرَ: (بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أدخل الميت القبر، قال: «بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله» [أبو داود: ٣٢١٣، والترمذي: ١٠٤٦، وابن ماجهْ: ١٥٥٠]، ولفظ التِّرمذيِّ: «بِاسْمِ الله وَبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله».
٣ - (وَحَثْوُ التُّرَابِ عَلَيْهِ) أي: الميت (ثَلَاثًا) باليد (ثُمَّ يُهَالُ) عليه التُّراب؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» [ابن ماجهْ: ١٥٦٥، وصححه الألباني].
٤ - (وَتَلْقِينُهُ) أي: الميت بعد الدَّفن عند القبر؛ لحديث أبي أمامةَ الباهليِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا،
стр. 284
وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا» [الطبراني: ٧٩٧٩، وضعفه ابن القيِّم].
وقال ابن قدامةَ: (وقال المصنِّف: لم نسمع في التَّلقين شيئًا عن أحمدَ، ولا أعلم فيه للأئمَّة قولًا سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الَّذي يصنعون إذا دفنوا الميت، يقف الرَّجُل فيقول (يا فلان بن فلانة؛ إلى آخره) فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلَّا أهل الشَّام، حين مات أبو المغيرة).
وقال شيخ الإسلام: (هذا التَّلقين المذكور قد نُقِلَ عن طائفةٍ من الصَّحابة: أنَّهم أمروا به، كأبي أمامةَ الباهليِّ، وغيره، ورُوِيَ فيه حديثٌ عن النَّبيِّ ﷺ لكنَّه ممَّا لا يُحْكَمُ بصحَّتِهِ؛ ولم يكن كثيرٌ من الصَّحابة يفعل ذلك، فمن الأئمَّة من رَخَّصَ فيه كالإمام أحمدَ، وقد استحبَّه طائفةٌ من أصحابه وأصحاب الشَّافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنَّه بدعةٌ، فالأقوال فيه ثلاثةٌ: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال).
٥ - (وَالدُّعَاءُ لَهُ) أي: الميت (بَعْدَ الدَّفْنِ) عند القبر؛ لحديث عثمانَ ﵁، قال: كان النَّبيُّ ﷺ ، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» [أبو داود: ٣٢٢١].
стр. 285
٦ - (وَرَشُّ القَبْرِ بِمَاءٍ)؛ لما روى جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه: «أنَّ الرَّشَّ على القبر كان على عهد رسول الله ﷺ » [البيهقي: ٦٧٣٩، وهو مرسلٌ صحيحُ الإسناد]، ولئلَّا يذهب ترابه بسبب ريحٍ ونحوها.
٧ - (وَرَفْعُهُ) أي: القبر عن الأرض (قَدْرَ شِبْرٍ)؛ لحديث جابرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلحِدَ وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصَبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ» [ابن حبَّان: ٦٦٣٥، وفيه ضعفٌ]، وَلِيُعْرَفَ أنَّه قبرٌ، فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمُ على صاحبه.
- مسألةٌ: (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بمن يُرْجَى حياتُه، بأن كان يتحرَّك حركةً قويَّةً، وانفتحت المخارج، وله ستَّة أشهرٍ فأكثرَ، (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) للحمل؛ لأنَّه هتك حرمةٍ متيقَّنةٍ لإبقاء حياةٍ متوهَّمةٍ، إذ الغالب أنَّ الولد لا يعيش .
وفي وجهٍ: يُشَقُّ بطنُها إذا غلب على الظَّنِّ أنَّه يحيى؛ لأنَّه تعارض حقَّاهما، فَقُدِّمَ حقُّ الحيِّ لكون حرمته أَوْلى.
- فرعٌ: (وَأَخْرَجَ النِّسَاءُ) من بطن الحامل إذا ماتت (مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عليهنَّ إخراجُه (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الحمل؛ لحرمته، ولا يُشَقُّ بطنُها، ولا يُوضَع عليه ما يُمَوِّتُهُ؛ لعموم النَّهيِّ عن قتل النَّفس المحرَّمة، ولا يخرجه الرِّجال؛ لما فيه من هتك حرمتها.