← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والنَّهي يقتضي التَّحريم. ٦ - (وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ) على قبرٍ، (وَ) كُرِهَ (جُلُوسٌ عَلَيْهِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» [مسلم: ٩٧١]. وقيل: يحرم؛ لظاهر حديث أبي هريرةَ السَّابق؛ ولأنَّ حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًّا. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ بِهِ) أي: الميت (القِبْلَةُ) عند دفنه؛ لحديث عبيد بن عُمَيْرٍ عن أبيه مرفوعًا -وكانت له صحبةٌ: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود: ٢٨٧٥]، وعمل المسلمين على ذلك . - مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) لحد الميت (عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ)؛ لأنَّه يشبه النَّائم، وهذه سنَّته . - مسألةٌ: (وَحَرُمَ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معًا، أو واحدًا بعد آخرَ قبل بِلَى السَّابق (فِي قَبْرٍ) واحدٍ؛ لأنَّه ﷺ كان يدفن كلَّ ميتٍ في قبرٍ، وعلى هذا استمرَّ فعل الصَّحابة ومن بعدهم .

стр. 282

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه يُكْرَهُ؛ لعدم الدَّليل على التَّحريم، وإنَّما الوارد فعلٌ، والفعل لا يدلُّ على إيجابٍ ولا تحريمٍ. - فرعٌ: لا يُدْفَنُ اثنان في قبرٍ واحدٍ (إِلَّا) في حالتين: ١ - (لِضَرُورَةٍ) ككثرة الموتى، وقلَّة من يَدْفِنُهم، وخوف الفساد عليهم؛ لحديث هشام بن عامرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال يوم أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» [أحمد: ١٦٢٦١، وأبو داود: ٣٢١٥، والترمذي: ١٧١٣، والنسائي: ٢٠١٠]. ٢ - إذا بَلِيَ الأوَّلُ وصار رميمًا، ويُرْجَعُ في ذلك إلى أهل الخبرة، فلا يُنْبَشُ قبرُ ميتٍ لميتٍ آخرَ؛ لما فيه من هتك حرمته. - مسألةٌ: (وَسُنَّ) عند دفن الميت أمورٌ، منها: ١ - (أَنْ يُدْخَلَهُ) أي: القبر (مَيْتٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) أي: القبر، بأن يُوضَع النَّعش آخر القبر، فيكون رأس الميت في الموضع الَّذي تكون فيه رجلاه إذا دُفِنَ، ثمَّ يُسَلُّ الميت في القبر سلًّا رفيقًا؛ لما ورد عن أبي إسحاقَ، قال: أوصى الحارث الأعور أن يصلِّيَ عليه عبد الله بن يزيدَ، فصلَّى عليه، ثمَّ أدخله القبر من قِبل رِجْلي القبر، وقال: «هَذَا مِن السُّنَّةِ» [أبو داود: ٣٢١١، وصححه الحافظ]، (إِنْ كَانَ) ذلك (أَسْهَلَ) بالميت، (وَإِلَّا) يكن إدخاله من

стр. 283

عند رجليه أسهل (فَـ) يدخله (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدخاله منه، إذ المقصود الرِّفق بالميت. ٢ - (وَ) يُسَنُّ (قَوْلُ مُدْخِلِهِ) أي: مُدْخِل الميتِ القبرَ: (بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: كان النَّبيُّ ﷺ إذا أدخل الميت القبر، قال: «بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله» [أبو داود: ٣٢١٣، والترمذي: ١٠٤٦، وابن ماجهْ: ١٥٥٠]، ولفظ التِّرمذيِّ: «بِاسْمِ الله وَبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله». ٣ - (وَحَثْوُ التُّرَابِ عَلَيْهِ) أي: الميت (ثَلَاثًا) باليد (ثُمَّ يُهَالُ) عليه التُّراب؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» [ابن ماجهْ: ١٥٦٥، وصححه الألباني]. ٤ - (وَتَلْقِينُهُ) أي: الميت بعد الدَّفن عند القبر؛ لحديث أبي أمامةَ الباهليِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُمِ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا،

стр. 284

وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا» [الطبراني: ٧٩٧٩، وضعفه ابن القيِّم]. وقال ابن قدامةَ: (وقال المصنِّف: لم نسمع في التَّلقين شيئًا عن أحمدَ، ولا أعلم فيه للأئمَّة قولًا سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله: فهذا الَّذي يصنعون إذا دفنوا الميت، يقف الرَّجُل فيقول (يا فلان بن فلانة؛ إلى آخره) فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلَّا أهل الشَّام، حين مات أبو المغيرة). وقال شيخ الإسلام: (هذا التَّلقين المذكور قد نُقِلَ عن طائفةٍ من الصَّحابة: أنَّهم أمروا به، كأبي أمامةَ الباهليِّ، وغيره، ورُوِيَ فيه حديثٌ عن النَّبيِّ ﷺ لكنَّه ممَّا لا يُحْكَمُ بصحَّتِهِ؛ ولم يكن كثيرٌ من الصَّحابة يفعل ذلك، فمن الأئمَّة من رَخَّصَ فيه كالإمام أحمدَ، وقد استحبَّه طائفةٌ من أصحابه وأصحاب الشَّافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنَّه بدعةٌ، فالأقوال فيه ثلاثةٌ: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال). ٥ - (وَالدُّعَاءُ لَهُ) أي: الميت (بَعْدَ الدَّفْنِ) عند القبر؛ لحديث عثمانَ ﵁، قال: كان النَّبيُّ ﷺ ، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» [أبو داود: ٣٢٢١].

стр. 285

٦ - (وَرَشُّ القَبْرِ بِمَاءٍ)؛ لما روى جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه: «أنَّ الرَّشَّ على القبر كان على عهد رسول الله ﷺ » [البيهقي: ٦٧٣٩، وهو مرسلٌ صحيحُ الإسناد]، ولئلَّا يذهب ترابه بسبب ريحٍ ونحوها. ٧ - (وَرَفْعُهُ) أي: القبر عن الأرض (قَدْرَ شِبْرٍ)؛ لحديث جابرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلحِدَ وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصَبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ» [ابن حبَّان: ٦٦٣٥، وفيه ضعفٌ]، وَلِيُعْرَفَ أنَّه قبرٌ، فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمُ على صاحبه. - مسألةٌ: (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بمن يُرْجَى حياتُه، بأن كان يتحرَّك حركةً قويَّةً، وانفتحت المخارج، وله ستَّة أشهرٍ فأكثرَ، (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) للحمل؛ لأنَّه هتك حرمةٍ متيقَّنةٍ لإبقاء حياةٍ متوهَّمةٍ، إذ الغالب أنَّ الولد لا يعيش . وفي وجهٍ: يُشَقُّ بطنُها إذا غلب على الظَّنِّ أنَّه يحيى؛ لأنَّه تعارض حقَّاهما، فَقُدِّمَ حقُّ الحيِّ لكون حرمته أَوْلى. - فرعٌ: (وَأَخْرَجَ النِّسَاءُ) من بطن الحامل إذا ماتت (مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عليهنَّ إخراجُه (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الحمل؛ لحرمته، ولا يُشَقُّ بطنُها، ولا يُوضَع عليه ما يُمَوِّتُهُ؛ لعموم النَّهيِّ عن قتل النَّفس المحرَّمة، ولا يخرجه الرِّجال؛ لما فيه من هتك حرمتها.

стр. 286

وعنه، واختاره المجد: يخرجه الرِّجال إن عجزْنَ النِّساء؛ كمداواة الحيِّ. واختار ابن عثيمينَ: يُشَقُّ بطنُها إذا رُجِيَ بقاؤه؛ لما في ذلك من إنقاذ حياة الجنين. - فرعٌ: (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أي: الحمل (حَيًّا شُقَّ) بطنُها (لِلْبَاقِي) أي: لخروج باقي الحمل؛ لتيقُّن حياته بعد أن كانت موهومةً. (فَلَوْ مَاتَ) الحمل (قَبْلَ الشَّقِّ) أي: شقِّ البطن، لم يَخْلُ من حالين: الأُولى: أن يتمَّ له أربعةُ أشهرٍ: ١ - فإن أمكن إخراجه (أُخْرِجَ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ بِلَا شَقٍّ). ٢ - (فَإِنْ تَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ غُسِلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ)؛ لأنَّه في حكم السِّقط، (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) أي: الحمل، سواءً خرج بعضُه أو لا (مَعَهَا) أي: مع أمِّه المسلمة بأن ينوي الصَّلاة عليهما حيث تمَّ له أربعةُ أشهرٍ. (وَ) الثَّانية: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهَرٍ فَأَكْثَرُ صُلِّيَ عَلَيْهَا) أي: الأمِّ (دُونَهُ) أي: الحمل؛ لأنَّ السِّقط إذا كان دون أربعة أشهرٍ لم يُغَسَّل، ولم يُصَلَّ عليه اتِّفاقًا؛ لأنَّه ليس بآدميٍّ، لعدم نفخ الرُّوح فيه.

стр. 287

(فَصْلٌ) في أحكام التَّعزية وزيارة القبور التَّعزية: التَّأسيَّة لمن يُصَاب بمن يَعِزُّ عليه. - مسألةٌ: (وَتَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ) مصابٍ (وَلَوْ) كان المعزَّى (صَغِيرًا) أو جارًا أو صديقًا، (إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ سُنَّةٌ) اتِّفاقًا، قبل الدَّفن وبعده، وسواءً كان الميت مسلمًا أو كافرًا؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ حين عزَّى ابنته بفقد ابنها، فقال لها: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» [البخاري: ١٢٨٤، ومسلم: ٩٢٣] . - فرعٌ: تُسَنُّ التَّعزية إلى ثلاثة أيَّامٍ، فلا يُعَزَّى بعدها؛ لأنَّها مدَّةُ الإحداد المطلق، قال المجد: إلَّا إذا كان غائبًا فلا بأسَ بتعزيته إذا حضر. وقيل: التَّعزية ليست محدَّدةً بحدٍّ؛ لظاهر الأخبار، بل يُعَزَّى ما دامت المصيبة باقيةً. - فرعٌ: (فَيُقَالُ) في تعزيته (لِمُسْلِمٍ مُصَابٍ بِمُسْلِمٍ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيْتِكَ)؛ لأنَّ الغرض الدُّعاء للمصاب وميته.

стр. 288

(وَيَرُدُّ مُعَزًّى) على من عزَّاه (بِقَوْلِ: اسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَكَ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ)، ردَّ به الإمام أحمدُ. - مسألةٌ: إهداء القُرَبِ للميت: وهي على قسمين: القسم الأوَّل: قُرَبٌ يجوز إهداؤها للميت اتِّفاقًا، وهي: ١ - الدُّعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) [الحشر: ١٠]، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [مسلم: ١٦٣١]. ٢ - العبادات المالية، كالصَّدقة والعتق؛ لحديث عائشةَ ﵂: أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ولم تُوصِ، وأظنُّها لو تكلَّمت تصدَّقت، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نَعَمْ» [مسلم: ١٠٠٤]. القسم الثَّاني: قُرَبٌ تُنُوزِعَ في جواز إهدائها للميت، وهي باقي العبادات؛ كالصَّلاة، والصَّوم، والحجِّ، وغيرها، والمذهب الجواز، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث بريدةَ ﵁ قال: بينا أنا جالسٌ عند رسول الله ﷺ ، إذ أتته امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله؛ إنَّهُ كان عليها - أي: أمِّها - صومُ شهرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صُومِي عَنْهَا»، قالت: إنَّها لم

стр. 289

تحجَّ قط، أفأحجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا» [مسلم: ١١٤٩]، وتُقَاس باقي العبادات على ما تقدَّم من النُّصوص، وإلى ذلك أشار المؤلِّف بقوله: (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ) من مسلمٍ (وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِمُسْلِمٍ) غيره؛ (حَيٍّ أَوْ مَيْتٍ نَفَعَهُ ذَلِكَ). - مسألةٌ: (وَتُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ لِلرِّجَالِ)، وحكاه النَّوويُّ إجماعًا؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» [مسلم: ٩٧٧]، وفي روايةٍ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» [أبو داود: ٣٢٣٥، والترمذي: ١٠٥٤، وابن ماجهْ: ١٥٧١] . - مسألةٌ: (وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ) زيارة القبور؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ ﵂: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [البخاري: ١٢٧٨، ومسلم: ٩٣٨]، (وَإِنْ عَلِمْنَ) أي: النِّساء (أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ) بزيارتهنَّ (حَرُمَتْ) زيارتهنَّ لها؛ وعليه يُحْمَلُ حديث أبي هريرةَ ﵁: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» [الترمذي: ١٠٥٦، وابن ماجهْ: ١٥٧٥]، غيرَ قبر النَّبيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَيُسَنُّ . وعنه، واختارها شيخ الإسلام: يحرم مطلقًا؛ لظاهر الحديث السَّابق، وجاء في حديث ابن عبَّاسٍ أيضًا: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» [أحمد: ٢٠٣٠، وأبو

стр. 290

داود: ٣٢٣٦، والترمذي: ٣٢٠، والنسائي: ٢٠٤٣]، وأمَّا قول أمِّ عطيَّةَ ﵂: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» فهذا فهمها للنَّهي، والحجَّة فيما روى الرَّاوي لا فيما رأى. - مسألةٌ: (وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَى المَيْتِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى سعد بن عبادةَ يوم مات، فبكى، وقال: «إِنَّ الله لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» [البخاري: ١٣٠٤، ومسلم: ٩٢٤] . واختار شيخ الإسلام: استحباب البكاء على الميت رحمةً له؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ ، وحاله أكمل الأحوال، حيث جمع بين الرِّضا بالقدر، والرَّحمة بالميت. - مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ نَدْبٌ) وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت بلفظ النِّداء، كقوله: واسَيِّداه؛ لأنَّه من النِّياحة المنهيِّ عنها . وعنه، واختاره المجد: يُبَاحُ يسير النَّدب الصِّادق؛ لحديث أنسٍ ﵁ قال: «لَمَّا مَاتَ - أي: النَّبيُّ ﷺ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَبَتَاهْ؛ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهْ، يَا أَبَتَاهْ؛ مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ؛ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ» [البخاري: ٤٤٦٢]. - مسألةٌ: (وَ) حَرُمَ (نِيَاحَةٌ) وهي رفع الصَّوت بالنَّدب؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ ﵂ قالت: «أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ» [البخاري: ١٣٠٦، ومسلم: ٩٣٦] .

стр. 291

- مسألةٌ: (وَ) حَرُمَ (شَقُّ ثَوْبٍ، وَلَطْمُ خَدٍّ وَنَحْوِهِ)؛ كصراخٍ، ونتف شعرٍ؛ لحديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» [البخاري: ١٢٩٤، ومسلم: ١٠٣] . - مسألةٌ: (وَيَعْرِفُ المَيْتُ زَائِرَهُ)؛ ويدلُّ عليه: تسمية المُسَلِّمَ عليه: «زائرًا»، ولولا أنَّهم يشعرون به لما صحَّ تسميته: «زائرًا»، فإنَّ المزور إذا لم يعلم بزيارة مَنْ زاره لم يصحَّ أن يُقَال: زاره، (يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قاله أحمدُ، وقال في «الغُنْيَة»: يعرفه كلَّ وقتٍ، وهذا الوقت آكدٌ . قال ابن القيِّم: (الأحاديث والآثار تدلُّ على أنَّ الزَّائر متى جاء علم به المزور، وسمع سلامه، وأنِسَ به، ورد عليه، وهذا عامٌّ في حقِّ الشُّهداء وغيرهم، وأنَّه لا توقيتَ في ذلك).

стр. 292

(كِتَابُ الزَّكَاةِ) الزَّكاة لغةً: النَّماء والزِّيادة، وفي الشَّرع: حقٌّ واجبٌ في مالٍ مخصوصٍ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ. - مسألةٌ: (شُرُوطُ وُجُوبِهَا): أي: الزِّكاة (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ): ١ - (الإِسْلَامُ)، فلا تجب على كافرٍ بلا خلافٍ؛ لحديث معاذٍ ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، ... فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الزَّكاة بعد الإسلام، لا قبله. ٢ - (وَالحُرِّيَّةُ)، فلا تجب على عبدٍ؛ لأنَّه لا مالَ له، (لَا كَمَالُهَا) أي: الحريَّة، (فَتَجِبُ) الزَّكاة (عَلَى) عبدٍ (مُبَعَّضٍ) أي: بعضه حرٌّ وبعضه رقيقٌ، (بِقَدْرِ مِلْكِهِ) من المال بجزئه الحرِّ؛ لتمام ملكه عليه. ٣ - (وَمِلْكُ النِّصَابِ)؛ إجماعًا في الجملة. ٤ - (وَالمِلْكُ التَّامُّ)؛ اتِّفاقًا؛ لأنَّ الملك النَّاقص ليس نعمةً كاملةً، والزَّكاة إنَّما تجب في مقابلة النِّعمة الكاملة.

стр. 293

والمِلك التَّام: عبارةٌ عمَّا كان بيده لم يتعلَّق به حقُّ غيره، يتصرَّف فيه على حسب اختياره، وفوائدُه حاصلةٌ له. فلا زكاةَ في الأموال الموقوفة على غير معيَّنٍ، كالمساكين، أو طلَّاب العلم؛ لعدم مِلكهم لها، ولا زكاةَ في بيت مال المسلمين؛ لأنَّه لا مالك لها معيَّنٌ. ٥ - (وَتَمَامُ الحَوْلِ) في الجملة، اتِّفاقًا؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» [أبو داود ١٥٧٣]. - مسألةٌ: (وَتَجِبُ) الزَّكاة (فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَالمَجْنُونِ)؛ لعموم أدلَّة الزَّكاة، ولقول عمرَ ﵁: «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الِيَتَامَى قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَّهَا الزَّكَاةُ» [مصنف عبدالرزاق ٤/ ٦٦ - ٦٩] . - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الزَّكاة لا تجب في شيءٍ من الأموال إلَّا (فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ): الأوَّل: (سَائِمَةُ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) وهي: إبلٌ، وبقرٌ، وغنمٌ، (وَ) الثَّاني: (الخَارِجُ مِنَ الأَرْضِ)، من الحبوب والثِّمار ونحوها، (وَ) الثَّالث: (العَسَلُ، وَ) الرَّابع: (الأَثْمَانُ، وَ) الخامس: (عُرُوضُ التِّجَارَةِ)، ويأتي تفصيلها في مواطنها.

стр. 294

- مسألةٌ: (وَيَمْنَعُ وُجُوبَهَا) أي: الزَّكاة (دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصَابَ)، ولو كان المال ظاهرًا، كالمواشي والحبوب والثِّمار، فيُسْقِطُ من المال بقدر الدَّين، كأنَّه غير مالكٍ له، ثمَّ يُزَكِّي ما بقي؛ لقول عثمانَ ﵁: «إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، ثُمَّ ليُؤَدِّ زَكَاةَ مَا فَضَلَ» [مصنَّف ابن أبي شيبةَ ٧٠٨٦، وصحَّحه الحافظ] . وعنه، واختاره ابن بازٍ وابن عثيمينَ: أنَّه لا يمنع الدَّينُ الزَّكاة مطلقًا؛ لإطلاق الأدلَّة. - مسألةٌ: (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) ولو لم يوصِ بها؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «اقْضُوا الله فَالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢، ومسلم: ١١٤٨] . فَصْلٌ في زكاة بهيمة الأنعام - مسألةٌ: (وَشُرِطَ فِي) زكاة (بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) من إبلٍ، وبقرٍ، وغنمٍ، ثلاثة شروطٍ: الشَّرط الأوَّل: (أَنْ تُتَّخَذَ) بهيمة الأنعام (لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالتَّسْمِينِ)؛ لأنَّها

стр. 295

تكثر منافعها، فاحتملت المواساة. و(لَا) زكاةَ في الَّتي أُعِدَّت (لِلعَمْلِ)؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ في الْعَوَامِلِ شَيْءٌ» [أبوداودَ ١٥٧٢]، وصحَّ ذلك عن عليٍّ ﵁ موقوفًا [عبد الرزاق ٦٨٢٩]. (وَ) الشَّرط الثَّاني: (أَنْ) تكون بهيمة الأنعام سائمةً، بأن (تَرْعَى المُبَاحَ) كلَّ الحولِ، أو (أَكْثَرَ الحَوْلِ)، فلا تجب في معلوفةٍ؛ لحديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ في الزَّكاة مرفوعًا: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاةٌ» [البخاري ١٤٥٤]. (وَ) الشَّرط الثَّالث: (أَنْ تَبْلُغَ نِصَابًا)، على ما يأتي تفصيله. - مسألةٌ: في نصاب زكاة الإبل: (فَأَقَلُّ نِصَابِ الإِبِلِ) بَخَاتِيَّ - وهي المتولّدة من العربيِّ والعجميِّ- أو عِرَابًا: (خَمْسٌ) من الإبل . - (وَفِيهَا) أي: الخمس (شَاةٌ)، إجماعًا. - (وَ) يجب (فِي عَشْرٍ) من الإبل: (شَاتَانِ) إجماعًا. - (وَ) يجب (فِي خَمْسَةَ عَشَرَ) من الإبل: (ثَلَاثُ شِيَاهٍ) إجماعًا. - (وَ) يجب (فِي عِشْرِينَ) من الإبل: (أَرْبَعُ شِيَاهٍ) إجماعًا.

стр. 296

- (وَ) يجب (فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ) من الإبل (بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ الَّتِي) تمَّ (لَهَا سَنَةٌ) ودخلت في السَّنة الثَّانية. - (وَ) يجب (فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) من الإبل: (بِنْتُ لَبُونٍ، وَهِيَ الَّتِي) تمَّ (لَهَا سَنَتَانِ) ودخلت في السَّنة الثَّالثة. - (وَ) يجب (فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ) من الإبل: (حِقَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي) تمَّ (لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) ودخلت في السَّنة الرَّابعة. - (وَ) يجب (فِي إِحْدَى وَسِتِّينَ) من الإبل: (جَذَعَةٌ، وَهِيَ الَّتِي) تمَّ (لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) ودخلت في السَّنة الخامسة. - (وَ) يجب (فِي سِتٍّ وَسِبْعِينَ) من الإبل: (بِنْتَا لَبُونٍ). - (و) يجب (فِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ) من الإبل: (حِقَّتَانِ). إجماعًا في كلِّ ما سبق؛ لحديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق الطَّويل في الصَّدقات [البخاري: ١٤٥٤]. - (وَ) يجب (فِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) من الإبل: (ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ)؛

стр. 297

لحديث الصَّدقات الَّذي كتبه رسول الله ﷺ وكان عند آل عمرَ بن الخطَّاب: «فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً» [أبو داود ١٥٧٠]. - (ثُمَّ) تستقرُّ الفريضة، فيجب (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ)؛ لحديث أبي بكرٍ في الصَّدقات، وفيه: «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ». (فَصْلٌ) في زكاة البقر - مسألةٌ: (وَأَقَلُّ نِصَابِ البَقَرِ: ثَلَاثُونَ) ولا يجب شيءٌ فيما دون ذلك . - (وَ) يجب (فِيهَا: تَبِيعٌ) أو تبيعةٌ، (وَهُوَ مَا) تمَّ (لَهُ سَنَةٌ). - (وَفِي أَرْبَعِينَ) من البقر: (مُسِنَّةٌ)، وهي ما تمَّ (لَهَا سَنَتَانِ). - (وَفِي سِتِّينَ) من البقر (تَبِيعَانِ).

стр. 298

- (ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ)؛ لحديث معاذٍ ﵁ قال: «بعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» [أحمدُ ٢٢٠١٣، وأبو داودَ ١٥٧٦، والتَّرمذيُّ ٦٢٣، والنَّسائيُّ ٢٤٥٠، وابن ماجهْ ١٨٠٣]. فَصْلٌ في زكاة الغنم - (وَأَقَلُّ نِصَابِ الغَنَمِ: أَرْبَعُونَ) إجماعًا، ولا شيءَ فيما دون الأربعين. - (وَ) يجب (فِيهَا) أي: في أربعين من الغنم (شَاةٌ). - فرعٌ: الشَّاةُ الواجبة في زكاة الغنم، وفي كلِّ موضعٍ وجبت فيه الشَّاة -كزكاة ما دون خمسٍ وعشرين من الإبل، وكذا لو نذر شاةً وأطلق: - إذا كانت (مِنَ المَعْزِ) فالواجب فيها: ثَنِيٌّ، وهي ما تمَّ (لَهَا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ). - (أَوْ) كانت من الضَّأن فالواجب فيها: (جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ)، وهي ما تمَّ (لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ)؛ لحديث سُويد بن غَفَلةَ ﵁ قال: (كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ

стр. 299

هَذِهِ الشِّعَابِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَنَمٍ لِي، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَا لِي: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ الله ﷺ إِلَيْكَ لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ)، وفيه: (قُلْتُ: فَأَيَّ شَيْءٍ تَأْخُذَانِ؟ قَالَا: عَنَاقًا -الأنثى من أولاد المعز-، جَذَعَةً، أَوْ ثَنِيَّةً) [أحمد ١٥٤٢٦، وأبوداود ١٥٨١، والنسائي ٢٤٦٢]. - (وَ) يجب (فِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) من الغنم: (شَاتَانِ) إجماعًا. - (وَ) يجب (فِي مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ) من الغنم: (ثَلَاثُ شِيَاهٍ). - (وَ) يجب (فِي أَرْبَعِمائَةٍ) من الغنم: (أَرْبَعُ شِيَاهٍ) - (ثُمَّ) تستقرُّ الفريضة، فيجب (فِي كُلِّ مِئَةِ شَاةٍ: شَاةٌ). - مسألةٌ: (وَالخِلْطَةُ) أي: الشَّركة في بهيمة الأنعام تنقسم إلى قسمين: القسم الأوَّل: خلطة أعيانٍ: بأن يكون المال مشاعًا بينهما، ولا يتميَّز نصيب أحدهما عن الآخر، كأن يكون لكلِّ واحدٍ منهما النِّصف، كالحاصل بإرثٍ ونحوه؛ وهذه تُصيِّر المالين كالمال الواحد. القسم الثَّاني: خلطة أوصافٍ: بأن يكون مال كلِّ واحدٍ منهما متميِّزًا عن الآخر؛ فيكون هذا له أربعون والآخر أربعون، فهذه الخُلطة (بِشَرْطِهَا)

стр. 300

الآتي ذكره (تُصَيِّرُ المَالَيْنِ كَالمَالِ الوَاحِدِ) إيجابًا وتخفيفًا؛ لحديث أبي بكرٍ ﵁ في الصَّدقات، وفيه: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» [البخاري ١٤٥٠، ١٤٥١]، ولا يجيء التَّراجع إلَّا على خلطة الأوصاف. مثال تأثير الخلطة إيجابًا: فلو كان لشخصٍ عشرون من الغنم، ولآخرَ عشرون، ثمَّ اختلطت حولًا كاملًا؛ وجبت عليهما شاةٌ، ولو كان كلُّ واحدٍ منهما منفردًا لم يكن عليهما فيها زكاةٌ. ومثال تأثير الخلطة تخفيفًا: فلو كان لشخصٍ أربعون من الغنم، ولآخرَ أربعون، ولثالثٍ أربعون، ثمَّ اختلطوا حولًا كاملًا؛ فيجب عليهم شاةٌ واحدةٌ، ولو كانوا منفردين لوجب على كلِّ واحدٍ منهم شاةٌ. - فرعٌ: شروط الخلطة المؤثِّرة سبعةٌ: ١ - أن تكون في بهيمة الأنعام خاصَّةً. ٢ - أن يكون أهل الخلطة من أهل وجوب الزَّكاة، فلو كان أحدهما مكاتبًا أو ذمِّيًّا فلا أثرَ لها. ٣ - أن يكون مجموع الخليطين نصابًا. ٤ - أن تكون الخلطة ثابتةً في جميع الحول. ٥ - اشتراك بهيمة الأنعام في خمسة أمورٍ: مُرَاحٍ: وهو المبيت

стр. 301

والمأوى، ومَسْرَحٍ: وهو ما تجتمع فيه لتذهب للمرعى، ومحلَبٍ: وهو موضع الحَلْب، وفَحْلٍ: بأن لا يختصَّ بِطَرْقِ أحد المالين، ومرعًى: وهو موضع الرَّعي. واختار ابن مفلحٍ: أنَّه يُرْجَعُ في ذلك إلى العُرْف. ٦ - أن لا يُقْصَدَ من الخلطة الفرار من الزَّكاة. ٧ - أن لا يكون المال مغصوبًا. (فَصْلٌ) في زكاة الخارج من الأرض - مسألةٌ: تجب الزَّكاة في الخارج من الأرض في الجملة بإجماع أهل العلم؛ والأصل فيها قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]، والزَّكاة تُسَمَّى: «نفقة» - مسألةٌ: (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ) ما اجتمع فيه أمران: ١ - (مَكِيلٍ)، فلا تجب الزَّكاة في معدودٍ كالفواكه، ولا في موزونٍ كالقطن؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» [البخاري: ١٤٠٥، ومسلم: ٩٧٩]، والوَسْقُ مَكِيلٌ، فدلَّ على أنَّ ما لا يُكَال لا تجب فيه الزَّكاة؛ لأنَّه لو لم يدلَّ على اعتبار الكيل لكان ذِكْرُ

стр. 302

الأوسق لغوًا. ٢ - (مُدَّخَرٍ)، فلا تجب الزَّكاة فيما لا يُدَّخَرُ كالخضراوات، والزُّهور، والنِّعناع، والجرجير، ونحوها؛ لأنَّ ما لا يُدَّخَر لا تكمل فيه النِّعمة. واختار شيخ الإسلام: أنَّ المعْتَبَر في الوجوب هو الادِّخار لا غيرَ؛ لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزَّكاة فيه، بخلاف الكيل والوزن فإنَّه تقديرٌ مَحضٌ، ولذا تجب الزَّكاة عنده في التِّين، والمشمش، والجوز، وغيرها؛ لأنَّها جميعًا مُدَّخَرَةٌ. - فرعٌ: تجب الزَّكاة (مِنْ حَبِّهِ) أي: المكيل المدخَّر الخارج من الأرض (مِنْ قُوتِ البَلَدِ) كالبُرِّ والتَّمر، (وَ) تجب في (وَغَيْرِهِ) أي: غير القوت؛ كالحبَّة السَّوداء والفستق ونحوه. وعدَّد المؤلَّف شيئًا ممَّا تجب فيه الزَّكاة وما لا تجب فيه، فقال: (فَتَجِبُ فِي كُلِّ الحُبُوبِ؛ كَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالأَرُزِّ، وَالحِمَّصِ، وَالجُلْبَانِ، وَالعَدَسِ، وَالتُّرْمُسِ، وَالكِرْسِنَّةِ، وَبِزْرِ القُطْنِ وَالكَتَّانِ، وَبِزْرِ الرَّيَاحِينِ وَالقِثَّاءِ)، ونحوها؛ لكونها مكيلةً مُدَّخَرَةً.

стр. 303

و (لَا) تجب الزَّكاة (فِي نَحْوِ: جَوْزٍ، وَتِينٍ، وَعُنَّابٍ)، وزيتونٍ، وتوتٍ، ونحوها، (وَلَا) تجب (فِي بَقِيَّةِ الفَوَاكِهِ؛ كَتُفَّاحٍ، وَإِجَّاصٍ، وَكُمَّثْرَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كرمَّان، وخوخٍ، ونحوها. - فرعٌ: تجب الزَّكاة في كلِّ مكيلٍ ومُدَّخَرٍ (بِشَرْطَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ) الخارج من الأرض (نِصَابًا)؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ السَّابق. (وَقَدْرُهُ) أي: النِّصاب، (بَعْدَ تَصْفِيَةِ حَبٍّ) من قشره، (وَجَفَافِ) غيره، كورقٍ و (ثَمَرٍ)؛ لأنَّ التَّصفية في الحبِّ هي حال الكمال والادِّخار، واعْتُبِرَ الجفاف في غيره؛ لأنَّ التَّوسيق لا يكون إلَّا بعد التَّجفيف: (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ)؛ لظاهر حديث أبي سعيدٍ السَّابق، (وَهِيَ) أي: الأوسق الخمسة: (ثَلَاثُمائَةِ صَاعٍ). - فرعٌ: (وَالوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا)، وقد نُقِلَتِ الأوسق من الكيل إلى الوزن؛ لتُحْفَظَ وتُنْقَلَ، فخمسة أوسقٍ تُسَاوي (٣٠٠) صاعٍ، (وَالصَّاعُ)

стр. 304

بالغرامات كما سبق يُسَاوي (٢٠٤٠) غرام، وبالأرطال: (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالعِرَاقِيِّ، وَهِيَ) أي: الأوسق الخمس: (ثَلَاثُمائَةِ) رطلٍ، (وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ)، وبالغرامات (٦١٢٠٠٠) غرام، وبالكيلو غرام (٦١٢) تقريبًا من البُرِّ المتوسِّط. الشَّرط (الثَّانِي: مِلْكُهُ) أي: النِّصاب (وَقْتَ وُجُوبِهَا) أي: وجوب الخارج من الأرض، فلا تجب فيما مُلِكَ بعد وقت الوجوب بشراءٍ أو إرثٍ، ولا فيما أخذه بحصاده، وإنَّما تجب على من كان مالكًا له وقت وجوبه؛ لقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) [المعارج: ٢٤]، فقبل وقت الوجوب لم يكن في المال حقٌّ على أحدٍ، وعند وقت الوجوب ثبت حقُّ الزَّكاة في ذمَّة مالكها دون غيره. - فرعٌ: (وَهُوَ) أي: وقت وجوب الزَّكاة، يكون: ١ - (فِي الحَبِّ): عند (اشْتِدَادِهِ)، أي: إذا قوي وصلُب؛ لأنَّه إذا اشتدَّ قُصِدَ للأكل والاقتيات. ٢ - (وَفِي الثَّمَرِ): عند (بُدُوِّ صَلَاحِهِ)، وهو في النَّخل: أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وفي غيره: أن يطيب أكلُه، ويظهر نضجه؛ لأنَّه وقت الخرص

стр. 305

المأمور به لحفظ الزَّكاة، ومعرفة قدرها، فدلَّ على تعلُّق الوجوب به. - فرعٌ: (وَلَا يَسْتَقِرُّ) وجوب الزَّكاة (إِلَّا بِجَعْلِهَا) أي: الحبوب والثِّمار (فِي بَيْدَرٍ)، وهو موضع التَّشميس والتَّيبيس، (وَنَحْوِهِ) ممَّا تُجْمَع فيه الثَّمرة ليتكامل جفافها؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، وإذا حُصِدَ الزَّرع فإنَّه يُجْعَل في البَيْدَرِ فَوْرًا. - مسألةٌ: (وَ) المقدار الواجب من زكاة الخارج من الأرض يختلف باختلاف أحواله في السَّقي والمؤنة، ولذا فهو على خمسة أقسامٍ: ١ - (وَيَجِبُ العُشْرُ: فِيمَا سُقِيَ بِلَا كُلْفَةٍ)، كالَّذي يُسْقَى بالأمطار والسُّيول، والبعليِّ الشَّارب بعروقه؛ لحديث ابن عمرَ ﵁ مرفوعًا: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» [البخاري: ١٤٨٣]. ٢ - (وَ) يجب (نِصْفُهُ) أي: نصف العشر: (فِيمَا سُقِيَ بِهَا) أي: بالكلفة اتِّفاقًا، كالَّذي يُسْقَى بالآلات أو الدَّوابِّ ونحوها؛ لحديث ابن عمرَ ﵁ السَّابق. ٣ - (وَ) يجب (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ) أي: ثلاثة أرباع العشر: (فِيمَا سُقِيَ بِهِمَا) أي: فيما سُقِيَ بلا كلفةٍ وبكلفةٍ نصفين، بلا خلافٍ.

стр. 306

٤ - (فَإِنْ تَفَاوَتَا) في السَّقي بكلفةٍ وبغيرها: (اعْتُبِرَ الأَكْثَرُ نَفْعًا وَنُمُوًّا)؛ لأنَّ اعتبار عدد السَّقي وما يُسْقَى به في كلِّ وقتٍ فيه مشقَّةٌ، فاعْتُبِرَ الأكثرُ؛ كالسَّوم. ٥ - (وَ) يجب (مَعَ الجَهْلِ) بأكثرهما نفعًا ونموًّا: (العُشْرُ)؛ لأنَّ الأصل وجوب العشر كاملًا، ولا يخرج من عهدة الواجب بيقينٍ إلَّا بذلك. - مسألةٌ: (وَيَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ)؛ لعموم أدلَّة وجوب زكاة الخارج من الأرض، فالخراج في رقبتها والعشر في غلَّتها . (وَهِيَ) أي: الأرض الخراجيَّة ثلاثة أضربٍ: ١ - (مَا فُتِحَتْ عَنْوةً) أي: قهرًا وغلبةً بالسَّيف، (وَلَمْ تُقْسَمُ بَيْنَ الغَانِمِينَ -غَيْرَ مَكَّةَ-)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يضرب عليها شيئًا؛ (كَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالعِرَاقِ). ٢ - ما جلا عنها أهلها خوفًا منَّا. ٣ - ما صُولِحَ أهلُها عليها على أنَّها لنا، ونقرُّها معهم بالخراج الَّذي يضربه عليها الإمام. - مسألةٌ: (وَ) تجب الزَّكاة (فِي العَسَلِ) من النَّحل؛ لما روى عبد الله بن

стр. 307

عمرٍو ﵄ قال: جاء هلالٌ أحدُ بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحلٍ له، وكان سأله أن يحميَ له واديًا يُقَال له: «سلبةَ»، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلمَّا وَلِيَ عمرُ بن الخطَّاب ﵁ كتب سفيانُ بن وهبٍ، إلى عمرَ بن الخطَّاب يسأله عن ذلك، فكتب عمرُ ﵁: «إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ؛ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا، فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ» [أبو داود: ١٦٠٠، والنسائي: ٢٤٩٩]، وفي روايةٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ» [ابن ماجهْ: ١٨٢٤]. وعنه: لا زكاةَ فيه؛ لأنَّ الأصل عدم الوجوب، والأحاديث المذكورة لا تصحُّ. - فرعٌ: القدر الواجب من زكاة العسل: (العُشْرُ) أي: واحدٌ من عشرةٍ، للحديث السَّابق، (سَوَاءٌ أَخَذَهُ) أي: العسل (مِنْ): ١ - (مَوَاتٍ) أي: أرضٍ ليست مملوكةً لأحدٍ، كرؤوس الجبال. ٢ - (أَوْ مَمْلُوكَةٍ) له أو لغيره؛ لأنَّ العسل لا يُمْلَكُ بملك الأرض. - فرعٌ: (وَنِصَابُهُ) أي: العسل (مِئَةٌ وَسِتُّونَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً)، والرِّطل: تسعون مثقالًا، فيكون (١٦٠ رطلًا) تساوي (١٤٤٠٠ مثقال)، والمثقال يساوي (٤.٢٥ غرام)، فيكون نصابه بالكيلوغرامات: (٦١.٢٠٠ كيلو)؛ وذلك لما روي عن عطاء الخراسانيِّ، أنَّ عمرَ ﵁ أتاه ناسٌ من أهل

стр. 308

اليمن، فسألوه واديًا فأعطاهم إيَّاه فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إنَّ فيه نحلًا كثيرًا قال: «فَإنَّ عليكُم في كلِّ عَشْرَة أفراقٍ فرقًا» [مصنَّف عبد الرزاق: ٦٩٧٠، وعطاء روى عن الصَّحابة مرسلًا]، والفرق ستَّة عشرَ رِطْلًا بالعراقيِّ، فيكون نصابه: مائةً وستِّين رطلًا. - مسألةٌ: (وَمَنِ اسْتَخْرَجَ) من الأرض (مِنْ) أيِّ (مَعْدِنٍ) كان، سواءً من ذهبٍ، أو فضَّةٍ، أو نُحاسٍ، أو حديدٍ، أو غير ذلك -والمعدن: هو كلُّ متولَّدٍ في الأرض من غير جنسها-، وبلغ ذلك المعدن (نِصَابًا) إن كان من ذهبٍ أو فضَّةٍ، أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما (بَعْدَ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ، فَـ) ـتجب (فِيهِ) الزَّكاة؛ لعموم قوله تعالى: (أنفقوا من طيِّبات ما كسبتم وممَّا أخرجنا لكم من الأرض) [البقرة: ٢٦٧] . - فرعٌ: مقدار الواجب في زكاة المعدن: (رُبُعُ العُشْرِ) من قيمتها إن لم تكن ذهبًا أو فضَّةً؛ كزكاة التِّجارة، أو من عينها إن كانت ذهبًا أو فضَّةً؛ كسائر الأثمان. (فِي الحَالِ) أي: حين تناوله وملك نصابه؛ لأنَّه مالٌ مستفادٌ من الأرض، فلم يُعْتَبَرْ له حولٌ؛ كالزَّرع والثِّمار. - مسألةٌ: (وَ) يجب (فِي الرِّكَازِ -وَهُوَ الكَنْزُ-) المدفون من دِفن الجاهليَّة إذا كان عليه علامةٌ من علاماتها؛ كتواريخهم، أو أسماء ملوكهم ،

стр. 309

ونحوه، فيجب فيه (وَلَوْ) كان (قَلِيلًا: الخُمُسُ) أي: واحدٌ من خمسةٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» [البخاري: ١٤٩٩، ومسلم: ١٧١٠]. - فرعٌ: (يُصْرَفُ) خمس الرِّكاز (مَصْرِفَ الفَيْءِ) لا في مصارف الزَّكاة؛ لأنَّ الألف واللَّام في قوله ﷺ : «الخُمُسُ»، للخمس المعهود. - فرعٌ: (وَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ) أي: وجوب إخراج خمس الرِّكاز؛ (دَيْنٌ)؛ لأنَّه بالغنيمة أشبهُ، ولذلك لم يُعْتَبَرْ له نصابٌ ولا حولٌ. - فرعٌ: (وَبَاقِيهِ) أي: باقي الرِّكاز (لِوَاجِدِهِ؛ وَلَوْ أَجِيرًا) لنقض حائطٍ أو حفر بئرٍ، و (لَا) يكون لواجده إن اسْتُؤْجِرَ (لِطَلَبِهِ)، أي: طلب الرِّكاز، بل يكون لمستأجرِهِ. (فَصْلٌ) في زكاة الذَّهب والفضَّة وهي واجبةٌ بالإجماع؛ والأصل فيها قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) [التوبة: ٣٤]. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) وما يقوم مقاهما من عروض التِّجارة والأوراق النَّقديَّة؛ (رُبُعُ العُشْرِ إِذَا بَلَغَا نِصَابًا)؛ لحديث أنسٍ ﵁ في

стр. 310

كتاب أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ في الصَّدقات، وفيه: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ» [البخاري: ١٤٥٤]، وحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي - فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» [أبو داود: ١٥٧٣، والموقوف أصحُّ]. - فرعٌ: (فَنِصَابُ ذَهَبٍ) سواءً كانت مضروبةً أو غير مضروبةٍ: (عِشْرُونَ مِثْقَالًا)؛ قال الشَّافعي وأبو عبيدٍ: (لا اختلاف فيه بين المسلمين)؛ لحديث عليٍّ ﵁ السَّابق. والمثقال يساوي (٤.٢٥) غرام، فيكون النِّصاب (٨٥) غرامًا من الذَّهب. - فرعٌ: (وَ) نصاب (فِضَّةٍ) سواءً كانت مضروبةً أو غير مضروبةٍ: (مِئَتَا دِرْهَمٍ) إجماعًا؛ لحديث عليٍّ السَّابق. والعشرة دراهمَ تساوي سبعة مثاقيلَ، فمائتا درهمٍ تساوي ١٤٠ مثقالًا، وعليه فنصاب الفضَّة بالغرامات: ١٤٠ مثقالاً × ٤.٢٥ = ٥٩٥ غرامًا من الفضَّة. - فرعٌ: (وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا) أي: الذَّهب والفضَّة (إِلَى الآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ)؛ لأنَّ زكاتهما ومقاصدهما متَّفقةٌ، فهما كنوعي الجنس الواحد.

стр. 311

وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: لا يُضَمَّانِ إلى بعضٍ في تكميل النِّصاب؛ لأنَّهما جنسان مختلفان يجوز التَّفاضل عند مبادلة أحدهما بالآخر. - فرعٌ: (وَتُضَمُّ قِيمَةُ عَرْضِ تِجَارَةٍ إِلَى أَحَدِ ذَلِكَ) أي: أحد النَّقدين؛ كمن ملك عشرة دنانيرَ ذهبًا وعروضًا تساوي عشرةً أخرى، قال الموفَّق: (لا أعلم فيه خلافًا)؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في قيمة العروض، وهي تقوم بكلِّ منهما، فكانا مع القيمة جنسًا واحدًا، (وَ) تُضَمُّ عروض التِّجارة (إِلَى جَمِيعِهِ) أي: إلى جميع النَّقدين؛ كمن ملك عشرة دنانيرَ ذهبًا، وعروض تجارةٍ تساوي خمسة دنانيرَ، وخمسين دِرْهمًا، ضمَّها إلى بعضٍ وزكَّاها؛ لما تقدَّم. - مسألةٌ: زكاة الحليِّ على أقسامٍ: الأوَّل: الحليُّ المباح، وأشار إليه بقوله: (وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ) لرجلٍ أو امرأةٍ (مَعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ) ولو لم يُسْتَعْمَلْ، غير فارٍّ من الزَّكاة؛ لقول أحمدَ: (هو قول خمسةٍ من الصَّحابة)، ورد ذلك عن جابرٍ، وابن عمرَ، وأنسٍ، وعائشةَ، وأسماءَ، ﵃، وقال الحسن: (لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: «في الحليِّ زكاةٌ»)، فإن كان فارًّا من الزَّكاة؛ زكَّاه. وعنه، واختاره ابن بازٍ وابن عثيمينَ: تجب الزَّكاة في الحليِّ؛ لعمومات الأدلَّة الدَّالَّة على وجوب الزَّكاة في الذَّهب والفضَّة، ولحديث

стр. 312

عائشةَ ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخاتٍ من ورقٍ، فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ »، فقلت: صنعتهنَّ أتزينَّ لك يا رسول الله؛ قال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟ »، قلتُ: لا، أو ما شاء الله، قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» [أبو داود: ١٥٦٥]. والثَّاني: الحليُّ المعدُّ للعاريَّة: فلا تجب فيه الزَّكاة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ إِعَارَةٍ، وَلَوْ) لم يُعَرْ، أو يُلْبَس، أو كان الحليُّ المعدُّ لذلك (لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ) لبسه؛ كرجلٍ يتَّخذ حليَّ النِّساء لإعارتهنَّ، بشرط أن يكون المعِدُّ لذلك (غَيْرَ فَارٍّ مِنْ زَكَاةٍ)، وإلَّا زكَّاه. والثَّالث: الحليُّ المحرَّم، وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) الزَّكاة (فِي) حليٍّ (مُحَرَّمٍ)؛ كالآنية المحرَّمة والذَّهب للرَّجُل، إن بلغ نصابًا وزنًا اتِّفاقًا؛ لأنَّها إنَّما سقطت في المباح المعدِّ للاستعمال لصرفه عن جهة النَّماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل من وجوب الزَّكاة. (وَ) الرَّابع: الحليُّ الـ (ـمَعَدُّ لِلكِرَى) أي: التَّأجير، (أَوْ النَّفَقَةِ) والادِّخار: فتجب فيه الزَّكاة (إِذَا بَلَغَ نِصَابًا)؛ لعموم أدلَّة وجوب الزَّكاة في الذَّهب والفضَّة.

стр. 313

فَصْلٌ في أحكام التَّحلِّي - مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ أَنْ يُحَلَّى مَسْجِدٌ أَوْ مِحْرَابٌ) بذهبٍ وفضَّةٍ، (أَوْ) أن (يُمَوَّهَ سَقْفٌ أَوْ حَائِطٌ) من مسجدٍ أو دارٍ أو غيرِهما (بِنَقْدٍ) أي: ذهبٍ وفضَّةٍ؛ لأنَّه سرفٌ يفضي إلى الخيلاء، فهو كالآنية، (وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ)؛ كسائر المنكرات . - فرعٌ: (وَ) تجب (زَكَاتُهُ) أي: الحليُّ الَّذي في المسجد، والسَّقف، والحائط، ونحوه إن بلغ نصابًا بنفسه، أو بضمِّه إلى غيره، (إِلَّا إِذَا اسْتُهْلِكَ) فيما حُلِّيَ به، أو مُوِّهَ به، (وَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) لو أُزِيلَ (فِيهِمَا) أي: في وجوب الإزالة ووجوب الزَّكاة، فإذا لم يجتمع منه شيءٌ فلا تجب الإزالة؛ لعدم الفائدة، ولا الزَّكاة فيها؛ لعدم الماليَّة. - مسألةٌ: المتحلِّي لا يخلو من أمرين: الأمر الأوَّل: أن يكون ذكرًا: وتحته قسمان: القسم الأوَّل: التَّحلِّي بالفضَّة: فيحرم على الرَّجُل؛ لأنَّ الشَّارع سوَّى بينها وبين الذَّهب في الآنية، وفي كونهما تُقّوَّم بهما المبيعات، وأروش الجنايات، والمتلفات، وغير ذلك، فكانت محرَّمةً على الرِّجال كالذَّهب، ولأنَّ الصَّحابة ﵃ نقلوا عنه ﵊ استعمال يسير الفضَّة، ويأتي؛ كتحلية قبيعة السَّيف، فدلَّ على اختصاص الإباحة به.

стр. 314

وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تُبَاحُ الفضَّة مطلقًا للرِّجال؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ، فَالْعَبُوا بِهَا» [أحمد: ٨٩١٠، وأبو داود: ٤٢٣٦]. - فرعٌ: يُسْتَنْثَى من تحريم الفضَّة على الرَّجُل أمورٌ: ١ - الخاتم: وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ مِنْ فِضَّةٍ خَاتَمٌ) إجماعًا؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «اتَّخَذَ رَسُولُ الله ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» [البخاري: ٥٨٧٤، ومسلم: ٢٠٩١]. (وَلُبْسُهُ) أي: الخاتم (بِخِنْصِرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) من خنصر يمنى؛ لحديث أنسٍ ﵁ في وصف خاتم النَّبيِّ ﷺ : «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ» [البخاري: ٥٨٦٥، ومسلم: ٦٤٠]، قال في «التَّلخيص»: ضعَّف الإمام أحمدُ حديث التَّختُّم فى اليمنى. واختار ابن عثيمينَ: أنَّه سنَّةٌ في اليمين واليسار، أمَّا اليسار فلما سبق، وأمَّا اليمين؛ فلحديث أنسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ» [مسلم: ٢٠٩٤]. - فرعٌ: (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) أي: خاتم الفضَّة (أَكْثَرَ مِنْ مِثْقَالٍ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ العَادَةِ)؛ لأنَّ الأصل التَّحريم، خرج المعتاد لفعله ﷺ ، وفعل

стр. 315

الصَّحابة ﵃. ٢ - (وَقَبِيعَةُ سَيْفٍ) وهي ما يُجْعَل على طرف القبضة؛ لقول أنسٍ ﵁: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ فِضَّةً» [أبوداود: ٢٥٨٣، والترمذي: ١٦٩١، والنسائي: ٥٣٧٤، وأعله أحمد، وحسنه الحافظ]، وكان سيف الزُّبير محلًّى بفضَّةٍ. [البخاري: ٣٩٧٤]. ٣ - (وَحِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ) وهي ما يُشَدُّ به الوسط؛ قياسًا على الخاتم، (وَ) على قياسه أيضًا: حلية (جَوْشَنٍ)، وهو الدِّرع، (وَ) حلية (خُوذَةٍ) وهي البيضة، وخفّ، وران - وهو ما يُلْبَسُ تحت الخفِّ - وحمائل سيفٍ؛ لأنَّ هذه معتادةٌ للرَّجُل، فهي كالخاتم. و(لَا) يُبَاح حلية (رِكَابٍ، وَلِجَامٍ، وَدَوَاةٍ، وَنَحْوِهَا) كسُرُجٍ، ومكحلةٍ، ومرآةٍ؛ كالآنية. القسم الثَّاني: التَّحلِّي بالذَّهب: فالأصل تحريم التَّحلِّي بالذَّهب على الرِّجال؛ لقول عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: إنَّ نبيَّ الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثمَّ قال: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» [أحمد: ٩٣٥، وأبو داود: ٤٠٥٧، والنسائي: ٥١٤٤، وابن ماجهْ: ٣٥٩٥]. - فرعٌ: يُسْتَثْنَى من تحريم الذَّهب على الرِّجال:

стр. 316

١ - قبيعة السَّيف: وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَيُبَاحُ مِنْ ذَهَبٍ: قَبِيعَةُ سَيْفٍ)؛ لما ورد: أنَّ قائم سيف سهل بن حُنَيْفٍ ﵁ مسمار ذهبٍ. [ابن أبي شيبة: ٢٥١٨١]. واختار شيخ الإسلام: يُبَاحُ الذَّهب في السَّلاح مطلقًا؛ لأنَّه إذا جاز في السَّيف جاز في غيره من باب أَوْلى. ٢ - (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ)، كأنفٍ، ورباط أسنانٍ؛ لما روى عَرْفَجَةُ بن أسعدَ ﵁: «أَنَّه قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ». [أحمد: ١٩٠٠٦، وأبو داود: ٤٢٣٢، والترمذي: ١٧٧٠، والنسائي: ٥١٦١]. ٣ - عند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: يجوز من الذَّهب اليسير التَّابع؛ لحديث معاويةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» [أحمد: ١٦٩٠٩، وأبو داود: ٤٢٣٩، والنسائي: ٥١٤٩]. وعلى هذا: فيحرم: أ) الكثير مطلقًا؛ لأنَّ الإباحة وردت في اليسير فقط. ب) اليسير المنفرد؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهبٍ في يد رجلٍ، فنزعه فطرحه، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» [مسلم: ٢٠٩٠]. (وَ) الأمر الثَّاني: أن يكون المتحلِّي أنثى: فيُبَاحُ (لِنِسَاءٍ) من الذَّهب

стр. 317

والفضَّة (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ)، محلَّقًا كان أو غير محلَّقٍ؛ لقوله تعالى: (أومن ينشَّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)، ولعموم حديث عليٍّ ﵁ السَّابق. فإن لم تَجْرِ عادتهنَّ بلبسه، كحُليِّ الرَّجل، ونعال الذَّهب ونحوه، فيحرم؛ لانتفاء التَّجمُّل، ولأنَّه من لباس الشُّهرة. - فرعٌ: (وَ) يُبَاح (لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِنَحْوِ جَوْهَرٍ، وَيَاقُوتٍ)، وزمردٍ، ولؤلؤٍ، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مُعَدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة. - مسألةٌ: (وَ) يجب أن (يُقَوَّمُ عَرْضُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ) أي: عرض التِّجارة: (مَا يُعَدُّ لِلبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَجْلِ الرِّبْحِ)، فيقوِّمها صاحبها (بِالأَحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) فإذا بلغ العرْض بأحدهما نصابًا وجبت فيه الزَّكاة؛ لأنَّ التَّقويم لحظِّ أهل الزَّكاة، فتُقَوَّم بالأحظِّ لهم .

стр. 318

(فَصْلٌ) في زكاة الفطر الفطر: اسم مصدرٍ من أفطر الصَّائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنَّه سبب وجوبها، فهو من إضافة الشَّيء إلى سببه، ويُرَادُ بها: الصَّدقة عن البدن والنَّفس. - مسألةٌ: (وَزَكَاةُ الفِطْرِ صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالفِطْرِ مِنْ) آخر (رَمَضَانَ)؛ طهرةً للصَّائم من الرَّفث واللَّغو، وطعمةً للمساكين، (وَتُسَمَّى) زكاة الفطر (فَرْضًا)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤]، قال ابن المنذر: (وأجمع عوامُّ أهل العلم على أنَّ صدقة الفطر فرضٌ) . - فرعٌ: (وَمَصْرِفُهَا) أي: زكاة الفطر (كَـ) مصرف (زَكَاةِ) المال؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. - مسألةٌ: (وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا) أي: زكاة الفطر (دَيْنٌ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لتأكُّدها، بدليلٍ وجوبها على الفقير، (إِلَّا مَعَ طَلَبٍ) بالدَّين، فإن كان عليه دينٌ يُطَالِبُ به صاحبُه؛ قُدِّم وسقط وجوب الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة وجبت مواساةً، وقضاء الدَّين أهمُّ .

стр. 319

- مسألةٌ: (وَتَجِبُ) زكاة الفطر بشرطين: الشَّرط الأوَّل: الإسلام، وأشار إليه بقوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، ذكرٍ وأنثى، صغيرٍ وكبيرٍ، من أهل البوادي وغيرهم؛ لحديث ابن عمرَ ﵁ قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤]. الشَّرط الثَّاني: الغنى، وضابطه هنا ما أشار إليه بقوله: (إِذَا كَانَتْ) الفطرة (فَاضِلَةً عَنِ): ١ - (نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ)، كنفقة زوجةٍ وعيالٍ؛ لأنَّ ذلك أهمُّ فيجب تقديمه؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» [مسلم ٩٩٧]. والمُعْتَبَرُ أن يكون صاع الفطرة فاضلًا عن النَّفقة الواجبة (يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق، حيث لم يُشْتَرَطْ نصابًا، فاعتبر ملك الصَّاع وقت الوجوب. ٢ - (وَ) أن تكون الفطرة فاضلةً عن (مَا يَحْتَاجُهُ) لنفسه ولمن تلزمه

стр. 320

مؤنته، (مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ، وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا لِنَظَرٍ وَحِفْظٍ، وَثِيَابِ بِذْلَةٍ وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّ هذه الأشياء ممَّا تتعلَّق به حاجته الأصليَّة، فهو كنفقته يوم العيد، والقاعدة: (أنَّ الحوائج الأصليَّة لا تُعَدُّ مالًا فاضلًا). - مسألةٌ: (فَـ) إن فضل له شيءٌ عن ذلك وجب عليه أن (يُخْرِجَ) زكاة الفطر (عَنْ): ١ - (نَفْسِهِ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ». ٢ - (وَعَنْ) كلِّ (مُسْلِمٍ يَمُونُهُ)، ويشمل ذلك: من يمونه من الزَّوجات، والأقارب، والعبيد ونحوهم؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» [الدَّارقطنيُّ ٢٠٧٨، وقال: الصَّواب وقفه]، وعن نافعٍ عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ؛ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ عَمَّنْ يَعُولُ، وَعَنْ رَقِيقِهِ، وَعَنْ رَقِيقِ نِسَائِهِ» [الدارقطني ٢٠٧٩]. - فرعٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) من يمون جماعةً ما يكفي (لِجَمِيعِهِمْ؛ بَدَأَ): ١ - (بِنَفْسِهِ) لحديث جابرٍ السَّابق. ٢ - (فَزَوْجَتِهِ)؛ لتقدُّم نفقتها على سائر النَّفقات.
следующие страницы →