← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١ - قبيعة السَّيف: وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَيُبَاحُ مِنْ ذَهَبٍ: قَبِيعَةُ سَيْفٍ)؛ لما ورد: أنَّ قائم سيف سهل بن حُنَيْفٍ ﵁ مسمار ذهبٍ. [ابن أبي شيبة: ٢٥١٨١]. واختار شيخ الإسلام: يُبَاحُ الذَّهب في السَّلاح مطلقًا؛ لأنَّه إذا جاز في السَّيف جاز في غيره من باب أَوْلى. ٢ - (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ)، كأنفٍ، ورباط أسنانٍ؛ لما روى عَرْفَجَةُ بن أسعدَ ﵁: «أَنَّه قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ». [أحمد: ١٩٠٠٦، وأبو داود: ٤٢٣٢، والترمذي: ١٧٧٠، والنسائي: ٥١٦١]. ٣ - عند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: يجوز من الذَّهب اليسير التَّابع؛ لحديث معاويةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» [أحمد: ١٦٩٠٩، وأبو داود: ٤٢٣٩، والنسائي: ٥١٤٩]. وعلى هذا: فيحرم: أ) الكثير مطلقًا؛ لأنَّ الإباحة وردت في اليسير فقط. ب) اليسير المنفرد؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهبٍ في يد رجلٍ، فنزعه فطرحه، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» [مسلم: ٢٠٩٠]. (وَ) الأمر الثَّاني: أن يكون المتحلِّي أنثى: فيُبَاحُ (لِنِسَاءٍ) من الذَّهب

стр. 317

والفضَّة (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ)، محلَّقًا كان أو غير محلَّقٍ؛ لقوله تعالى: (أومن ينشَّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)، ولعموم حديث عليٍّ ﵁ السَّابق. فإن لم تَجْرِ عادتهنَّ بلبسه، كحُليِّ الرَّجل، ونعال الذَّهب ونحوه، فيحرم؛ لانتفاء التَّجمُّل، ولأنَّه من لباس الشُّهرة. - فرعٌ: (وَ) يُبَاح (لِلرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِنَحْوِ جَوْهَرٍ، وَيَاقُوتٍ)، وزمردٍ، ولؤلؤٍ، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مُعَدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة. - مسألةٌ: (وَ) يجب أن (يُقَوَّمُ عَرْضُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ) أي: عرض التِّجارة: (مَا يُعَدُّ لِلبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَجْلِ الرِّبْحِ)، فيقوِّمها صاحبها (بِالأَحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) فإذا بلغ العرْض بأحدهما نصابًا وجبت فيه الزَّكاة؛ لأنَّ التَّقويم لحظِّ أهل الزَّكاة، فتُقَوَّم بالأحظِّ لهم .

стр. 318

(فَصْلٌ) في زكاة الفطر الفطر: اسم مصدرٍ من أفطر الصَّائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنَّه سبب وجوبها، فهو من إضافة الشَّيء إلى سببه، ويُرَادُ بها: الصَّدقة عن البدن والنَّفس. - مسألةٌ: (وَزَكَاةُ الفِطْرِ صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالفِطْرِ مِنْ) آخر (رَمَضَانَ)؛ طهرةً للصَّائم من الرَّفث واللَّغو، وطعمةً للمساكين، (وَتُسَمَّى) زكاة الفطر (فَرْضًا)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤]، قال ابن المنذر: (وأجمع عوامُّ أهل العلم على أنَّ صدقة الفطر فرضٌ) . - فرعٌ: (وَمَصْرِفُهَا) أي: زكاة الفطر (كَـ) مصرف (زَكَاةِ) المال؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. - مسألةٌ: (وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا) أي: زكاة الفطر (دَيْنٌ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لتأكُّدها، بدليلٍ وجوبها على الفقير، (إِلَّا مَعَ طَلَبٍ) بالدَّين، فإن كان عليه دينٌ يُطَالِبُ به صاحبُه؛ قُدِّم وسقط وجوب الزَّكاة؛ لأنَّ الزَّكاة وجبت مواساةً، وقضاء الدَّين أهمُّ .

стр. 319

- مسألةٌ: (وَتَجِبُ) زكاة الفطر بشرطين: الشَّرط الأوَّل: الإسلام، وأشار إليه بقوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، ذكرٍ وأنثى، صغيرٍ وكبيرٍ، من أهل البوادي وغيرهم؛ لحديث ابن عمرَ ﵁ قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤]. الشَّرط الثَّاني: الغنى، وضابطه هنا ما أشار إليه بقوله: (إِذَا كَانَتْ) الفطرة (فَاضِلَةً عَنِ): ١ - (نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ)، كنفقة زوجةٍ وعيالٍ؛ لأنَّ ذلك أهمُّ فيجب تقديمه؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» [مسلم ٩٩٧]. والمُعْتَبَرُ أن يكون صاع الفطرة فاضلًا عن النَّفقة الواجبة (يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق، حيث لم يُشْتَرَطْ نصابًا، فاعتبر ملك الصَّاع وقت الوجوب. ٢ - (وَ) أن تكون الفطرة فاضلةً عن (مَا يَحْتَاجُهُ) لنفسه ولمن تلزمه

стр. 320

مؤنته، (مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ، وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا لِنَظَرٍ وَحِفْظٍ، وَثِيَابِ بِذْلَةٍ وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّ هذه الأشياء ممَّا تتعلَّق به حاجته الأصليَّة، فهو كنفقته يوم العيد، والقاعدة: (أنَّ الحوائج الأصليَّة لا تُعَدُّ مالًا فاضلًا). - مسألةٌ: (فَـ) إن فضل له شيءٌ عن ذلك وجب عليه أن (يُخْرِجَ) زكاة الفطر (عَنْ): ١ - (نَفْسِهِ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ». ٢ - (وَعَنْ) كلِّ (مُسْلِمٍ يَمُونُهُ)، ويشمل ذلك: من يمونه من الزَّوجات، والأقارب، والعبيد ونحوهم؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» [الدَّارقطنيُّ ٢٠٧٨، وقال: الصَّواب وقفه]، وعن نافعٍ عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ؛ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ عَمَّنْ يَعُولُ، وَعَنْ رَقِيقِهِ، وَعَنْ رَقِيقِ نِسَائِهِ» [الدارقطني ٢٠٧٩]. - فرعٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) من يمون جماعةً ما يكفي (لِجَمِيعِهِمْ؛ بَدَأَ): ١ - (بِنَفْسِهِ) لحديث جابرٍ السَّابق. ٢ - (فَزَوْجَتِهِ)؛ لتقدُّم نفقتها على سائر النَّفقات.

стр. 321

٣ - (فَرَقِيقِهِ)؛ لوجوب نفقته مع الإعسار، بخلاف نفقة الأقارب لأنَّها صلةٌ. ٤ - (فَأُمِّهِ)؛ لأنَّها مقدَّمةٌ في البِرِّ. ٥ - (فَأَبِيهِ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» [ابن ماجه: ٢٢٩١]. ٦ - (فَوَلَدِهِ)؛ لقربه. ٧ - (فَأَقْرَبَ فِي المِيرَاثِ)؛ لأوَّليَّتِهِ، فَقُدِّمَ كالميراث. - مسألةٌ: (وَتُسَنُّ) زكاة الفطر (عَنْ جَنِينٍ)؛ لوردوه عن عثمانَ ﵁ [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٧، وفيه انقطاع]، وقال أبو قلابةَ: «كَانُوا يُعْطُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَتَّى يُعْطُونَ عَنِ الحَبَلِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٨] . ولا تجب اتِّفاقًا؛ لأنَّها لو تعلَّقت به قبل ظهوره؛ لتعلَّقت الزَّكاة بأجنَّة السَّوائم. - مسألةٌ: أوقات إخراج زكاة الفطر: الوقت الأوَّل: وقت الوجوب: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) أي: زكاة الفطر (بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ عِيدِ الفِطْرِ)؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ»، فأضاف الصَّدقة إلى الفطر، فكانت واجبةً به،

стр. 322

لأنَّ الإضافة تقتضي الاختصاص، وأوَّل فطرٍ يقع من جميع رمضانَ يكون بمغيب الشَّمس من ليلة الفطر. فرعٌ: يترتَّب على وقت الوجوب: ما لو أسلم، أو أيسر، أو تزوج، أو وُلِدَ له، أو ملك عبدًا بعد غروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لم تلزمه فطرته؛ لعدم وجود سبب الوجوب، وقبل الغروب تلزمه؛ لوجود السَّبب. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: إذا أيسر يوم العيد وجبت عليه (١). (وَ) الوقت الثَّاني: وقت الجواز، فـ (تَجُوزُ) الفطرة، أي: إخراجها (قَبْلَهُ) أي: قبل العيد بيومٍ، أو (بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ)، ولا يجوز قبل ذلك؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق، وفي آخره: «وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ». وعنه: يجوز تقديمها بثلاثة أيَّام؛ لقول نافعٍ: «أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» [الموطأ ١/ ٢٨٥]. (وَ) الوقت الثَّالث: وقت الاستحباب، بأن يخرجها (يَوْمَهُ) أي: يوم العيد (قَبْلَ الصَّلَاةِ)، وهو (أَفْضَلُ) وقتٍ لإخراجها اتِّفاقًا؛ لحديث ابن عمرَ السَّابق، وفيه: "وَأَمَرَ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ".

стр. 323

(وَ) الوقت الرَّابع: وقت الكراهة، فـ (تُكْرَهُ) الفطرة، أي: إخراجها (فِي بَاقِيهِ)، أي: باقي يوم العيد بعد الصَّلاة؛ لمخالفته الأمر بالإخراج قبل الخروج إلى المصلَّى، وتجزئ؛ لحصول الإغناء في هذا اليوم. (وَ) الوقت الخامس: وقت التَّحريم، فـ (يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ) أي: عن يوم العيد بعد الغروب، فإن أخَّرها متعمِّدًا أَثِمَ اتِّفاقًا؛ لمخالفته الأمر، (وَتُقْضَى وُجُوبًا) اتِّفاقًا. واختار شيخ الإسلام: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود ١٦٠٦، وابن ماجهْ ١٨٢٧]. واختار ابن عثيمينَ: إن أخَّرها بعد صلاة العيد متعمِّدًا أَثِمَ ولا يقضي؛ للقاعدة: (أنَّ كلَّ عبادةٍ مؤقَّتةٍ إذا تعمَّد المسلم إخراجها عن وقتها لم تُقْبَل)، وإن أخَّرها لعذرٍ لم يأثم ويقضي؛ قياسًا على الصَّلاة. - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الفطرة: (صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ) صاعٌ من (شَعِيرٍ، أَوْ) صاعٌ من (تَمْرٍ، أَوْ) صاعٌ من (زَبِيبٍ، أَوْ) صاعٌ من (أَقِطٍ)، ولا يجزئ غيرها مع قدرته على تحصيلها؛ لقول أبي سعيدٍ ﵁: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» [البخاري ١٥٠٦، ومسلم ٩٨٥]، فلمَّا عدَّد

стр. 324

الأصناف، دلَّ على عدم جواز العدول عنها. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّه يجزئ كلُّ ما كان من قوت أهل البلد؛ كالأرزِّ ونحوه، ولو قدر على الأصناف الخمسة؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق، وفيه: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، وقياسًا على الأصناف الخمسة المنصوصة. - فرعٌ: (وَالأَفْضَلُ: تَمْرٌ)؛ لفعل ابن عمرَ ﵄ [البخاري ١٥١١]، (فَزَبِيبٌ)؛ لأنَّه في معنى التَّمر، (فبُرٌّ)؛ لأنَّه أنفعُ في الاقتيات، (فَأَنْفَعُ) للفقير. وقيل: الأفضل أنفع الأجناس وأعلاها قيمةً؛ لحديث أبي ذرٍّ ﵁: أيُّ الرِّقاب أفضل؟ ، فقال ﷺ : «أَعْلاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤]. - مسألةٌ: (فَإِنْ عَدِمَتْ) الأصناف الخمسة: (أَجْزَأَ كُلُّ حَبٍّ يُقْتَاتُ)، وثمرٍ يُقْتَات، إذا كان مكيلًا؛ كالذُّرة، والأرزِّ ونحوها؛ لأنَّه أشبه بالمنصوص عليه، فكان أَوْلى . - مسألةٌ: (وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَ الجَمَاعَةُ فُطْرَتَهُمْ لِـ) شخصٍ (وَاحِدٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنَّها صدقةٌ لغير معيَّنٍ، فجاز صرفها لواحدٍ؛ كالزَّكاة .

стр. 325

(وَعَكْسُهُ)، بأن يعطيَ الواحدُ فطرتَهُ لجماعةٍ، قال في «الشَّرح»: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأنَّه دفع الصَّدقة إلى مستحقِّها. (فَصْلٌ) في إخراج الزَّكاة - مسألةٌ: (يَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ) أي: زكاة المال (فَوْرًا؛ كَـ) ـإخراج (نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ إِنْ أَمْكَنَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزَّكاة﴾ [البقرة: ٤٣]، والأمر المطلق يقتضي الفوريَّة . - فرعٌ: (وَلَهُ تَأْخِيرُ) إخراج الزَّكاة (لِعُذْرٍ)، وذلك في أحوالٍ: ١ - أن يخاف المُخرِج ضررًا؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد ٢٨٦٥، ابن ماجهْ ٢٣٤٠]. ٢ - أن يؤخِّرَها ليعطيَها لمن حاجته أشدُّ، أو لقريبٍ وجارٍ، وقيَّدَهُ في «المبدع»: (إذا لم يشتدَّ ضرر الحاضر)، وقيَّدَهُ جماعةٌ: (بالزَّمن اليسير للحاجة)؛ وإلَّا لم يجز ترك واجبٍ لمندوبٍ. ٣ - أن يؤخِّرَها لتعذُّر إخراجها من المال، لغيبةٍ ونحوها؛ لعدم الإمكان إذًا.

стр. 326

٤ - أن يؤخِّرها لغيبة المستحِقِّ؛ لتعذُّر الإخراج إذًا. ٥ - إذا كان المالك فقيرًا محتاجًا لزكاته؛ بحيث تختلُّ كفايته ومعيشته بإخراجها، وتُؤْخَذ منه الزَّكاة عند يساره؛ لزوال العارض. - مسألةٌ: تارك الزَّكاة لا يخلو من أمرين: - أن يتركها جحودًا، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أي: الزَّكاة على الإطلاق (عَالِمًا) وجوبها؛ (كَفَرَ)؛ لتكذيبه لله ورسوله، وإجماع الأمَّة، فيكفر (وَلَوْ أَخْرَجَهَا)؛ لظهور أدلَّة الوجوب، فلا عذرَ له. - أن يتركها تكاسلًا أو بخلًا، فقال ﵀: (وَمَنْ مَنَعَها) أي: الزَّكاة (بُخْلًا) بها، (أَوْ تَهَاوُنًا) بلا جحدٍ (أُخِذَتْ مِنْهُ) قهرًا؛ كدَيْنِ الآدميِّ، (وَعُزِّرَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ) المنع؛ لارتكابه محرَّمًا. - فرعٌ: (وَيَلْزَمُ أَنْ يُخْرِجَ) الزَّكاة (عَنِ الصَّغِيرِ وَالمَجْنُونِ وَلِيَّهُمَا) في مالهما عنهما؛ لأنَّه حقٌّ تدخله النِّيابة، فقام الوليُّ فيه مقام مولى عليه، كالنَّفقة. - فرعٌ: (وَشُرِطَ لَهُ) أي: لإخراج زكاة مال الصَّغير والمجنون (نِيَّةٌ) من مكلَّفٍ؛ (كَـ) ـما تُشْتَرَطُ النِّيَّة في زكاة (مَالِهِ)، أي: مال الوليِّ؛

стр. 327

لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧]، فلا تصحُّ نيَّة صغيرٍ أو مجنونٍ؛ لعدم أهليَّته لأداء الواجب. - فرعٌ: (وَسُنَّ لِمُخْرِجِ) زكاةٍ (إِظْهَارُهَا) أي: الزَّكاة؛ لتنتفيَ التُّهمة عنه، ويُقْتَدَى به. - مسألةٌ: نقل الزَّكاة من بلدٍ إلى بلدٍ آخرَ لا يخلو من أمرين: الأمر الأوَّل: أن ينقلها من بلدٍ لا مستحِقَّ فيه إلى آخرَ: فيجوز اتِّفاقًا؛ لأنَّ معاذًا ﵁ بعث إلى عمرَ ﵁ بثلث صدقة أهل اليمن، فأنكر ذلك عمرُ، فقال معاذٌ: «مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي» [أبو عبيد في الأموال ١٩١٢، وضعفه الألباني]، وعليه حمل الإمام أحمدُ ما رُوِيَ من نقل الزَّكاة إلى النَّبيِّ ﷺ وخلفائه. الأمر الثَّاني: أن ينقلَها من بلدٍ فيه مستحِقٌّ لها إلى بلدٍ آخرَ، فعلى قسمين: الأوَّل: أن ينقلَها لدون مسافة قصرٍ، فيجوز؛ لأنَّه في حكم بلدٍ واحدٍ، بدليل أحكام السَّفر ورُخَصِهِ. الثَّاني: أن ينقلَها إلى ما تُقْصَر فيه الصَّلاة، وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ نَقْلُهَا) أي: الزَّكاة، ولو لرحمٍ وشدَّة حاجةٍ (إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ إِنْ وُجِدَ أَهْلُهَا)؛ لحديث معاذٍ ﵁ مرفوعًا: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ

стр. 328

أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٤٩٦، ومسلم ١٩]، (وَ) لو نقلها فإنَّها (تُجْزِئُ) عنه الزَّكاة مع حرمة النَّقل؛ لأنَّه دفع الحقَّ إلى مستحقِّهِ، فبرئ من عهدته. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: جواز نقلها لمصلحةٍ راجحةٍ، كقريبٍ محتاجٍ ونحوِه؛ لقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء)، ولم يفرِّق سبحانه بين فقراءَ وفقراءَ. - مسألةٌ: (وَإِنْ كَانَ المُزَكِّي فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي) بلدٍ (آخَرَ) فلا يخلو من أمرين: الأوَّل: إن كانت زكاة مالٍ: (أَخْرَجَ زَكَاةَ المَالِ فِي بَلَدِ المَالِ)؛ لئلَّا تُنْقَل الصَّدقة عن بلد المال. (وَ) الثَّاني: إن كانت زكاة فطرٍ: (أَخْرَجَ فِطْرَتَهُ وَفِطْرَةً لَزِمَتْهُ فِي بَلَدِ نَفْسِهِ)، لا في بلد ماله؛ لأنَّ سبب الفطرة النَّفس لا المال. - مسألةٌ: (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا) أي: الزَّكاة؛ لحديث عليٍّ ﵁: «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»

стр. 329

[أحمد ٨٢٢، أبو داود ١٦٢٤، والترمذي ٦٧٨، وابن ماجهْ ١٧٩٥]، وذلك بشرطين: ١ - أن يكون التَّعجيل (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) فأقلَّ؛ اقتصارًا على ما ورد في حديث عليٍّ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» [البيهقي ٧٣٦٧، الأموال لأبي عبيد ١٨٨٦]، ويؤيِّده رواية مسلمٍ [٩٨٣]: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا». ٢ - (إِذَا كَمَلَ النِّصَابُ)؛ لأنَّ النِّصاب سببٌ لوجوب الزَّكاة، ولا يجوز تقديم العبادة على سببها، كالتَّكفير قبل الحلف، قال ابن قدامةَ: (بغير خلافٍ نعلمه)، والقاعدة: (العبادات كلُّها، سواءً كانت بدنيَّةً أو ماليَّةً أو مركَّبةً منهما، لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب) فأمَّا تعجيلها بعد النِّصاب؛ فجائزٌ. (لَا) إن أخرج (مِنْهُ) أي: من النِّصاب (لِلحَوْلَيْنِ) إن نقص النِّصاب بالتَّعجيل، كمن له أربعون شاةً، فعجَّلَ شاتين منها زكاةَ عامين مُقْبِلَيْنِ، فلا يصحُّ إلَّا عن عامٍّ واحدٍ؛ لأنَّ النِّصاب ينقص بهما، فإن كان الإخراج من غير الأربعين جاز.

стр. 330

فَصْلٌ في أهل الزَّكاة - مسألةٌ: (وَلَا) يجوز أن (تُدْفَعَ) الزَّكاة (إِلَّا إِلَى الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ)؛ الَّذين ذكرهم الله تعالى في قوله: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: ٦٠]، فدلَّت على حصر الزَّكاة في هؤلاء . - فرعٌ: (وَ) هؤلاء الأصناف (هُمْ): الصِّنف الأوَّل: (الفُقَرَاءُ): وهم من لا يجدون شيئًا من الكفاية، أو يجدون أقلَّ من نصفها. (وَ) الصِّنف الثَّاني: (المَساكِينُ): وهم الَّذين يجدون أكثرَ كفايتهم أو نصفها. (وَ) الصِّنف الثَّالث: (العَامِلُونَ عَلَيْهَا): وهم كلُّ من يُحْتَاج إليه في أمر الزَّكاة؛ كالجباة، والحفَّاظ، والرُّعاة، ونحوهم. (وَ) الصِّنف الرَّابع: (المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) جمع مؤلَّفٍ، وهو السَّيِّد المطاع في عشيرته، فَيُعْطَى الكافر ما يؤلِّف به قلبَه لإسلامه أو كفِّ شرِّهِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى صفوانَ بن أُمَيَّةَ تأليفًا لقلبه [مسلم: ٢٣١٣]، ويُعْطَى المسلم لتقوية

стр. 331

إيمانه ونحو ذلك؛ لما ورد عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى الأقرع بن حابسٍ الحنظليَّ وغيرَه وقال: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». [البخاري: ٣٣٤٤، ومسلم: ١٠٦٤]. (وَ) الصِّنف الخامس: (فِي الرِّقَابِ)؛ ويشمل هذا الصِّنف ثلاثة أنواعٍ، وهو اختيار شيخ الإسلام: ١ - المكاتَب؛ لدخوله لغةً في قوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ). ٢ - شراء رقبةٍ لا تُعْتَق عليه فيعتقها؛ لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. ٣ - فكاك الأسير المسلم؛ لأنَّه فكُّ رقبةٍ من الأسر، أشبه المكاتَب. (وَ) الصِّنف السَّادس: (الغَارِمُونَ)، والغُرْم في اللُّغة: اللُّزوم، وسُمِّيَ به للزوم الدَّين له، وهو نوعان: النَّوع الأوَّل: الغارم لإصلاح ذات البين: وذلك بأن يقع بين جماعةٍ عظيمةٍ تشاجُرٌ في أموالٍ، ويحدث بسببها عداوةٌ، ويتوقَّف الصُّلح على من يتحمَّل ذلك، فيلتزم رجلٌ ذلك المال عوضًا عمَّا بينهم؛ ليطفئَ الثَّائرة. النَّوع الثَّاني: الغارم لنفسه: وهو المدين لحظِّ نفسه، فيُعْطَى من الزَّكاة إن كان الدَّين في مباحٍ؛ لأنَّه غارمٌ. (وَ) الصِّنف السَّابع: (فِي سَبِيلِ الله): وهم:

стр. 332

١ - الغزاة؛ لأنَّ السَّبيل عند الإطلاق هو الغزو، قال تعالى: (قاتلوا في سبيل الله)، ولا يصحُّ جعله في جميع وجوه الخير؛ لأنَّ ذلك يلغي الحصر المذكور في الآية. ٢ - حجُّ فرض الفقير وعمرته؛ لحديث أمِّ معقلٍ ﵂ مرفوعًا: «فَإِنَّ الحَجَّ فِي سَبِيلِ الله» [أحمد: ٢٧١٠٧، وأبو داود: ١٩٨٩]. واختاره شيخ الإسلام في فرض الحجِّ فقط؛ لعدم إيجابه العمرة. (وَ) الصِّنف الثَّامن: (ابْنُ السَّبِيلِ) أي: الطَّريق، وسُمِّيَ بذلك لملازمته له، ولا يخلو هذا الصِّنف من أمرين: ١ - المسافر المنقطع به في سفره: فيُعْطَى من الزَّكاة بشرط أن يكون سفره مباحًا، فلا يُعْطَى في السَّفر المحرَّم؛ لأنَّه إعانةٌ على معصيةٍ، ولا في السَّفر المكروه؛ لأنَّه لا حاجةَ به إلى هذا السَّفر. ٢ - المنشئ للسَّفر من بلده إلى غيرها: لا يُعْطَى من الزَّكاة؛ لأنَّ اسم ابن السِّبيل لا يتناوله حقيقةً، لكن إن كان محتاجًا للسَّفر فيُعْطَى لفقره، لا لكونه ابن سبيلٍ، كالسَّفر لعلاجٍ ونحوه. - مسألةٌ: (وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ) في الزَّكاة (عَلَى) صنفٍ (وَاحِدٍ) من الأصناف الثَّمانية؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٧١]، فاقتصر على صنفٍ واحدٍ .

стр. 333

- مسألةٌ: يجوز الاقتصار على واحدٍ (مِنْ صِنْفٍ) واحدٍ من تلك الأصناف الثَّمانية؛ كأن تُعْطَى الزَّكاة لفقيرٍ واحدٍ، أو غارمٍ واحدٍ؛ لحديث سلمةَ بن صخرٍ ﵁ لمَّا ظاهر من امرأته وعجز عن الكفَّارة، قال له النَّبيُّ ﷺ : «انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ» [أحمد: ١٦٤٢١، وأبو داود: ٢٢١٣، والترمذي: ٣٢٩٩، وابن ماجهْ: ٢٠٦٢] . - مسألةٌ: (وَتُسَنُّ) الزَّكاة (إِلى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ) أي: لا تجب عليه (مُؤنَتُهُ) أي: نفقته (مِنْ أَقارِبِهِ)، كذوي رحمه، ومن لا يرثه؛ من نحو أخٍ وعمٍّ؛ لحديث سلمةَ بن عامرٍ ﵁: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [أحمد: ١٦٢٣٣، والترمذي: ٦٥٨، والنسائي: ٢٥٨٢، وابن ماجهْ: ١٨٤٤] . فإن كانت تلزمه النَّفقة كالأصول، والفروع، والحواشي الوارثين، فلا يجوز دفع الزَّكاة إليهم؛ لأنَّهم مستغنون بالنَّفقة حينئذٍ عن الزَّكاة. - مسألةٌ: (وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ) من زكاةٍ، أو كفَّارةٍ، أو نذرٍ، أوغيرها (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ)؛ لأنَّه يطلب حقَّه الَّذي جُعِلَ له .

стр. 334

- مسألةٌ: (وَيَجِبُ قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ) من زكاةٍ، أو كفَّارةٍ، أو صدقة تطوُّعٍ، أو هبةٍ، ممَّا يجوز له أخذه إذا (أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشَرَافِ نَفْسٍ)؛ لحديث عمرَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» [البخاري: ١٤٧٣، مسلم: ١٠٤٥] . وإن استشرفت نفسه، بأن قال: سيبعث لي فلانٌ، أو لعلَّه يبعث لي، فلا بأسَ بالرَّدِّ. وعنه، وصوَّبه المرداويُّ: يُسْتَحَبُّ ولا يجب، والأمر الوارد فيه للنَّدب والإرشاد (١). - مسألةٌ: (وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ) تفرُّغًا كليًّا (لِلعِلْمِ الشَّرْعِيِّ لَا) إن تفرَّغ القادر على التَّكسُّب (لِلعِبَادَةِ، وَتَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنِ التَّكَسُّبِ وَالِاشْتِغَالِ بِالعِلْمِ؛ أُعْطِيَ مِنْ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ العِلْمُ لَازِمًا لَهُ)؛ لأنَّ العلم نفعه متعدٍّ، بخلاف العبادة، لقصور نفعها عليه .

стр. 335

(فَصْلٌ) في موانع الزَّكاة - مسألةٌ: (وَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا) أي: الزَّكاة لأصنافٍ: الصِّنف الأوَّل: لا تُدْفَع (إِلَى كَافِرٍ) إجماعًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ السَّابق: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أي: فقرائهم المسلمين، (غَيْرِ مُؤَلَّفٍ) فيجوز إعطاؤه من الزَّكاة ولو كان كافرًا على ما تقدَّم. (وَ) الصِّنف الثَّاني: (لَا) تُدْفَع الزَّكاة (إِلَى) عبدٍ (كَامِلِ رِقٍّ)؛ لأنَّ نفقتَه واجبةٌ على سيِّده. - فرعٌ: لا يُعْطَى العبد من الزَّكاة (غَيْرَ) ثلاثةٍ: ١ - (عَامِلٍ)؛ لأنَّ ما يأخذه أجرةٌ يستحقُّها. ٢ - (وَمُكَاتَبٍ)؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: (وفي الرِّقاب). ٣ - مُبعَّضٍ، فيُعْطَى من الزَّكاة بقدر حريَّته بنسبته من كفايته، فمن نصفه حرٌّ يأخذ تمام نصف كفايته؛ لأنَّ السَّيِّد تجب عليه النَّفقة بقدر ما يملك منه، فيأخذ المبَعَّض باقي كفايته من الزَّكاة إن كان فقيرًا.

стр. 336

(وَ) الصِّنف الثَّالث: (لَا) تُدْفَع الزَّكاة (إِلَى فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ). (وَ) الصِّنف الرَّابع: (لَا) تُدْفَع الزَّكاة (لِبَنِي هَاشِمٍ) بلا خلافٍ، (وَهُمْ سُلَالَتُهُ) أي: سلالة هاشم بن عبد منافٍ ذكورًا وإناثًا، وهم ستَّة فروعٍ: آل عبَّاسٍ، وآل عليٍّ، وآل جعفرٍ، وآل عقيلٍ، وآل الحارث بن عبد المطَّلب، وآل أبي لهبٍ، سواءً أُعْطُوا من الخُمُس أو لا؛ لعموم حديث عبد المطَّلب بن ربيعةَ بن الحارث مرفوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» [مسلم: ١٠٧٢]. (وَ) الصِّنف الخامس: (لَا) تُدْفَعُ الزَّكاة إلى (مَوَالِيهِمْ) أي: الَّذين أعتقهم بنو هاشمٍ؛ لحديث أبي رافعٍ ﵁ مرفوعًا: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» [أحمد: ٢٣٨٧٢، وأبو داود: ١٦٥٠، والترمذي: ٦٥٧، والنسائي: ٢٦١٢]. - مسألةٌ: (وَإِنْ دَفَعَهَا) أي: الزَّكاة (لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا لِجَهْلٍ)؛ كمن ظنَّه مُكَاتَبًا، أو غارِمًا، (ثُمَّ عَلِمَ حَالَهُ) بأنَّه غير مستحِقٍّ (لَمْ تُجْزِئْهُ)؛ لأنَّه ليس بمستحِقٍّ، ولا يخفى حاله غالبًا، فلم يُعْذَرْ بجهالته؛ كدَيْنِ الآدميِّ . وقيل: تجزئه؛ لأنَّه مأذونٌ له أن يعمل بغلبة ظنِّهِ، وما ترتَّب على

стр. 337

المأذون غير مضمونٍ، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا، وفيه: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى غَنِيٍّ»، ثمَّ قال في الحديث: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ» [البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢]. - فرعٌ: يُسْتَثْنَى من ذلك: إذا دفعها لغنيٍّ يظنُّه فقيرًا، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؛ فإنَّها تجزئه؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق. - مسألةٌ: (وَتُسَنُّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ) بالفاضل عن كفايته وكفاية من ينفق عليه (كُلَّ وَقْتٍ)؛ لأنَّ الله حثَّ عليها في آياتٍ كثيرةٍ، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري: ١٤٢٦، ومسلم: ١٠٣٤] . - مسألةٌ: (وَكَوْنُهَا) أي: الصَّدقة: ١. (سِرًّا) أفضل منها جهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. ٢. وكونها (بِطِيبِ نَفْسٍ) أفضل منها بدونه؛ لقَوْله تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. ٣. وكونها (فِي صِحَّةٍ) أفضل منها في غيرها؛ لحديث أبي هريرةَ رضي الله عنه

стр. 338

قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله؛ أيُّ الصَّدقة أعظمُ؟ فقال: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ» [البخاري: ١٤١٩، ومسلم: ١٠٣٢]. - مسألةٌ: (وَ) تتأكَّد الصَّدقة في مواطنَ: ١ - (رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» [البخاري: ٦، ومسلم: ٢٣٠٨]. ٢ - (وَوَقْتِ حَاجَةٍ)، كمجاعةٍ وجهادٍ؛ لقوله تعالى: (أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبةٍ) [البلد: ١٤]. ٣ - (وَفِي كُلِّ زَمَانٍ) فاضلٍ، كالعشر الأُوُل من ذي الحجَّة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه ﷺ قال عن الأيَّام العشر: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» [البخاري: ٩٦٩]. ٤ - (وَمَكَانٍ فَاضِلٍ) كالحرمين؛ لتضاعُف الحسنات بالأمكنة والأزمنة الفاضلة. ٥ - (وَعَلَى جَارٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 339

٦ - (وَذَوِي رَحِمٍ) له، (لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ) بينهما؛ لحديث حكيم بن حزامٍ ﵁، أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الصَّدقات، أيُّها أفضلُ؟ قال: «عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» [أحمد: ١٥٣٢٠]، (وَهِيَ) على ذوي رحمه (صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) للخير، فهي (أَفْضَلُ) من الصَّدقة على غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى﴾ [النساء: ٣٦]. - مسألةٌ: (وَالمَنُّ بِالصَّدَقَةِ) وغيرها (كَبِيرَةٌ)، والكبيرة: ما فيه حدٌّ في الدُّنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو غضبٌ، أو لعنةٌ، أو نفي إيمانٍ، (وَيَبْطُلُ الثَّوابُ بِهِ) أي: المنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

стр. 340

(كِتَابُ الصِّيَامِ) الصِّيام لغةً: مجرد الإمساك. (وَهُوَ) شرعًا: (إِمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ). - مسألةٌ: (وَصَوْمُ رَمَضَانَ يَجِبُ) بواحدٍ من ثلاثة أمورٍ: الأمر الأوَّل: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) أي: هلال رمضانَ، إجماعًا؛ لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: ١٨٥]، ولما روى ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري ١٩٠٠، ومسلم ١٠٨٠]. الأمر الثَّاني: (فَإِنْ لَمْ يُرَ) هلال رمضانَ (مَعَ صَحْوِ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَصُومُوا)، وأكملوا شعبانَ ثلاثين يومًا، ثمَّ صاموا بعده بلا خلافٍ؛ لأن النبي ﷺ أمرنا بالصيام عند رؤيته، ولم يوجد، والأصل بقاء شعبان.

стр. 341

الأمر الثَّالث: (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ) أي: مطلع الهلال ليلة الثَّلاثين من شعبانَ (غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ) أي: غبرةٌ، (أَوْ غَيْرُهُمَا) أي: غير الغيم والقتر، كالدُّخان ونحوه، (وَجَبَ صِيَامُهُ) أي: صوم اليوم الَّذي بعده، (حُكْمًا ظَنِّيًّا احْتِيَاطًا)، لا يقينًا (بِنِيَّةِ رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» [البخاري ١٩٠٠، ومسلم ١٠٨٠]، ومعنى: «فَاقْدُرُوا» أي: ضيِّقوا؛ لقوله تعالى: (ومن قُدِرَ عليه رزقه) [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق، وهو أن يجعل شعبانَ تسعةً وعشرين يومًا. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب صوم ذلك اليوم قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبانَ ثلاثين (١)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» [البخاري ١٩٠٩]، وأمَّا حديث ابن عمرَ ﵁: «فَاقْدُرُوا لَهُ»، فالمراد به: التَّقدير، أي: قدِّروا شعبانَ ثلاثين، لرواية البخاريِّ [١٩٧٠]: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ». - فرعٌ: (وَيُجْزِئُ) صوم هذا اليوم (إِنْ ظَهَرَ) أنَّه (مِنْهُ) أي: من

стр. 342

رمضانَ، بأن ثبتت رؤيته بموضعٍ آخرَ؛ لأنَّ صومه وقع بنيَّة رمضانَ لمستندٍ شرعيٍّ؛ أشبه الصَّوم للرُّؤية. - فرعٌ: (وَتَثْبُتُ) تبعًا لوجوب صومه: (أَحْكَامُ الصَّوْمِ مِنْ صَلَاةِ تَرَاوِيحَ، وَوُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ) أي: في ذلك اليوم، (وَنَحْوِهِ)؛ كوجوب إمساكٍ على من أكل فيه جاهلًا، (مَا لَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بأن لم يُرَ مع صحوٍ بعد ثلاثين ليلة من اللَّيلة الَّتي غمَّ فيها هلال رمضانَ، فيتبيَّن أنَّه لا كفَّارة بالوطء في ذلك اليوم. (وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الأَحْكَامِ) الشَّهرية بالغيم، (مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ وَعِتَاقٍ)، وحلول دَيْنٍ مؤجَّلٍ به ونحوه؛ عملًا بالأصل، خُولِفَ فيما تقدَّم؛ للنَّصِّ. - مسألةٌ: (وَالهِلَالُ المَرْئِيُّ نَهَارًا)، قبل الزَّوال أو بعده فهو (لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)؛ لما روى شقيق بن سلمَةَ، قال: أتأنا كتاب عمرَ بن الخطَّاب ﵁ ونحن بخانقين: «إِنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ» [الدَّارقطنيُّ ٢١٩٧، وصحَّحه إسناده الحافظ] .

стр. 343

- مسألةٌ: (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ) أي: هلال رمضانَ (بِبَلَدٍ لَزِمَ الصَّوْمُ جمَيِعَ النَّاسِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ السَّابق: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا»، وهو خطابٌ للأمَّة كافَّةً . واختار شيخ الإسلام: إن اتَّفقت المطالع لزم الصَّوم وإلَّا فلا؛ لما ورد عن كُرَيْبٍ: أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث، بعثته إلى معاويةَ ﵃ بالشَّام، قال: فقدمت الشَّام، فقضيت حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشَّام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثمَّ قدمت المدينة في آخر الشَّهر، فسألني عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄، ثمَّ ذكر الهلال فقال: «مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ » فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: «أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ » فقلتُ: نعم، ورآه النَّاس، وصاموا وصام معاويةُ، فقال: «لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ»، فقلتُ: أو لا تكتفي برؤية معاويةَ وصيامه؟ فقال: «لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ » [مسلم: ١٠٨٧]. - مسألةٌ: (وَإِنْ ثَبَتَتْ) رؤية هلال رمضانَ (نَهَارًا) ولم يكونوا بيَّتوا النِّيَّة لنحو غيمٍ (أَمْسَكُوا) عن مفسدات الصَّوم لحرمة الوقت، (وَقَضَوْا) ذلك اليوم؛ لأنَّهم لم يصوموه . واختار شيخ الإسلام: يجب عليهم الإمساك، دون القضاء؛ لحديث سلمةَ بن الأكوع ﵁: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ

стр. 344

عَاشُورَاءَ» [البخاري ٢٠٠٧، ومسلم ١١٣٥]، وصيام عاشوراء كان واجبًا، ومع ذلك لم يأمرهم النَّبيُّ ﷺ بالقضاء. - مسألةٌ: (وَيُقْبَلُ فِيهِ) أي: هلال رمضانَ (وَحْدَهُ) دون غيره من الشُّهور (خَبَرُ) واحدٍ، فلا يُشْتَرَطُ التَّعدد؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «تَرَاءى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» [أبو داود ٢٣٣٨، وصححه الألباني] . أمَّا بقيَّة الشُّهور كشوَّالٍ وغيره فلا يُقْبَلُ خبر الواحد، بل لابدَّ من رجلين فأكثرَ؛ لحديث الحارث بن حاطبٍ ﵁: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ؛ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا» [أبو داود ٢٣٣٨، وصححه الألباني]. - فرعٌ: يُقْبَلُ خبرُ من أخبر برؤية الهلال بشرطين: ١ - (مُكَلَّفٍ)، فلا يُقْبَل خبرُ صغيرٍ ولا مجنونٍ؛ لعدم الثِّقة بقولهما. ٢ - (عَدْلٍ)، فلا يُقْبَلُ خبر الفاسق ولا مستور الحال؛ لحديث الحارث بن حاطبٍ السَّابق. - فرعٌ: لا تُشْتَرَطُ الذُّكوريَّة والحريَّة في رؤية الهلال، وأشار إليه بقوله: (وَلَوْ) كان المخبِرُ به (عَبْدًا أَوْ أُنْثَى)؛ للعموم.

стр. 345

- فرعٌ: لا يُشْتَرَطُ في إخباره بدخول شهر رمضانَ أن يكون بلفظ الشَّهادة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ السَّابق. - فرعٌ: (وَلَا يَخْتَصُّ) ثبوته (بِحَاكِمٍ)، فيلزم الصَّوم من سمع عدلًا يخبِرُ برؤية هلاله؛ لأنَّه من باب الرِّواية لا الشَّهادة. - فرعٌ: (وتثبتُ) بخبر الواحد (بقيَّة الأحكام)؛ من وقوع الطَّلاق المعلَّق بدخول رمضانَ، وحلول آجال الدُّيون المؤجَّلة إليه، وانقضاء العدَّة؛ تبعًا للصَّوم، وكذا توابع الصَّوم، من تراويحَ، واعتكافٍ ونحوهما. - مسألةٌ: (وَمَنْ رَآهُ) أي: الهلال (وَحْدَهُ لِشَوَّالٍ لَمْ يُفْطِرْ) واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» [أبو داود: ٢٣٢٤، والترمذي: ٦٩٧، وابن ماجهْ: ١٦٦٠] . - مسألةٌ: (وَ) من رآى الهلال وحده (لِرَمَضَانَ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ؛ لَزِمَهُ الصَّوْمُ، وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ، مِنْ طَلَاقٍ، وَعِتَاقٍ، وَغَيْرِهِمَا)، كظهارٍ معلَّقٍ به؛ لأنَّه يومٌ عَلِمَهُ من رمضانَ، فلزمه حكمه . وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يلزمه الصَّوم، ولا الأحكام المعلَّقة

стр. 346

بالهلال؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق، ولأنَّ من شرط كونه هلالًا وشهرًا؛ شهرته بين النَّاس، واستهلال النَّاس به، فلذلك لا يُصَام إلَّا مع المسلمين، فكما لا يقفون بعرفةَ، ولا ينحرون، ولا يصلُّون العيد إلَّا من المسلمين، فكذلك لا يصومون إلَّا مع المسلمين. (فَصْلٌ) - مسألةٌ: (وَيَجِبُ) صوم شهر رمضانَ (عَلَى كُلِّ): ١ - (مُسْلِمٍ)، فلا يجب على كافرٍ وجوبَ أداءٍ بلا خلافٍ، ولا يصحُّ منه؛ لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) [البقرة: ١٨٣]، فتوجَّه الخطاب للمسلم دون الكافر. ٢ - (قَادِرٍ)، لا مريضٍ يعجز عنه؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٣]. ٣ - (مُكَلَّفٍ)، وهو البالغ العاقل؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجهْ ٢٠٤١].

стр. 347

ولا يخلو غير المكلَّف من: أ) مجنونٍ: فلا يصحُّ الصَّوم منه؛ لعدم النِّيَّة، ولا يجب عليه للحديث السَّابق. ب) صغيرٍ غير مميِّزٍ: فلا يصحُّ الصَّوم منه؛ لعدم النِّيَّة، ولا يجب عليه للحديث السَّابق. ت) صغيرٍ مميِّزٍ: فيصحُّ الصَّوم منه؛ كصلاته، ولا يجب عليه. ٤ - مقيمٍ، فلا يجب على مسافرٍ، ويقضي إجماعًا؛ للآية السَّابقة. ٥ - أن لا تكون المرأة حَائِضًا أو نفساءَ، فلا يجب عليهما الصِّيام بالإجماع؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ مرفوعًا: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» [البخاري ٣٠٤]، وتقضيانه وجوبًا بعد الطُّهر إجماعًا؛ لقول عائشةَ ﵂: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» [مسلم ٣٣٥]. - فرعٌ: (لَكِنْ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ) ذكرٍ أو أنثى (مُطِيقٍ) للصَّوم (أَمْرُهُ بِهِ، وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ) أي: الصَّوم (لِيَعْتَادَهُ) إذا بلغ؛ كالصَّلاة، إلَّا أنَّ الصَّوم أشقُّ فاعْتُبِرَتْ له الطَّاقة؛ لأنَّه قد يطيق الصَّلاة من لا يطيق الصِّيام.

стр. 348

- مسألةٌ: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أي: الصَّوم (لِكِبَرٍ)؛ كشيخٍ هرمٍ وعجوزٍ يجهدهما الصَّوم، ويشقُّ عليهما مشقَّةً شديدةً، (أَوْ) عجز عنه لـ (ـمَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ، وَعَلَيْهِ) إن كان فطره (لَا مَعَ عُذْرٍ مُعْتَادٍ كَسَفَرٍ) إطعام مسكينٍ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» [البخاري ٤٥٠٥] . فإن كان فطره مع عذرٍ معتادٍ؛ بأن سافر مثلًا؛ فلا فدية عليه ولا قضاء؛ لعجزه عنه. ويمكن أن يقال: تلزمه الفدية؛ لأنَّ الصَّوم لم يكن واجبًا عليه أصلًا، وإنَّما تجب الفدية، ولا فرقَ فيها بين الحضر والسَّفر. - فرعٌ: مقدار الإطعام: عليه أن يطعم (لِمِسْكِينٍ مَا) أي: إطعامٌ (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ)، وهو مدٌّ مِن برٍّ أو نصف صاعٍ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أَقِطٍ، ؛ لما روى نافعٌ: أَنَّ ابن عمرَ ﵄ سُئِلَ عن المرأة الحَامل إِذا خافت على ولدها، قَالَ: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ » [الموطأ ١/ ٣٠٨]، وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: «إِذَا عَجَزَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ عَنِ الصِّيَامِ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مَدًّا مَدًّا» [الدارقطني ٢٣٤٧، وصححه].

стр. 349

واختار ابن عثيمينَ: أنَّه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْف، فَيُخْرِجُ من أوسط ما يطعم أهله؛ للإطلاق في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]، والقاعدة: (أنَّ ما لم يَرِدْ تحديده في الشَّرع ولا في اللُّغة يُرْجَعُ في تحديده إلى العُرْف)، ويدلُّ لذلك قوله تعالى في كفَّارة اليمين: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم) [المائدة: ٨٩]. وذكر شيخ الإسلام: أنَّ الإطعام إذا لم يُقَدَّرْ في الشَّرع، فإَّنه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْف، كالإطعام في كفَّارة اليمين. - مسألةٌ: (وَسُنَّ فِطْرٌ، وَكُرِهَ صَوْمٌ) لمسافرٍ (بِسَفَرِ قَصْرٍ، وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» [البخاري ١٩٤٦، ومسلم ١١١٥] . واختار ابن عثيمينَ: أنَّ المسافر له ثلاث حالاتٍ: الأُولى: أن يكون الصَّوم والفطر عنده سواءً، فالأفضلُ الصَّوم؛ لقول أبي الدَّرداء ﵁: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَابْنِ رَوَاحَةَ» [البخاري ١٩٤٥، ومسلم ١١٢٢]، والصَّوم لا يشقُّ على الرَّسول ﷺ هنا؛ لأنَّه لا يفعل إلَّا الأرفقَ والأفضلَ. الثَّانية: أن يكون الفطر أرفقَ به، فالفطر أفضلُ، وإذا شقَّ عليه بعض الشَّيء صار الصَّوم في حقِّه مكروهًا؛ لأنَّ ارتكاب المشقَّة مع وجود

стр. 350

الرُّخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله . الثَّالثة: أن يشقَّ عليه مشقَّةً شديدةً غير محتملةٍ، فالصَّوم في حقِّه حرامٌ؛ لحديث جابرٍ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكَّةَ في رمضانَ فصام حتَّى بلغ كراعَ الغميم، فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، فرفعه، حتَّى نظر النَّاس إليه، ثمَّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنَّ بعض النَّاس قد صام، فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» [مسلم ١١١٤]. - مسألةٌ: (وَكُرِهَ صَوْمُ حَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوِ) خافتا على (الوَلَدِ)؛ كالمريض، ويجوز لهما الفطر اتِّفاقًا . - فرعٌ: إن أفطرت الحامل أو المرضع لم يَخْلُ ذلك من ثلاثة أقسامٍ: الأوَّل: أن تفطرا خوفًا على أنفسهما فقط: فعليهما القضاء فقط، وأشار إليه بقوله: (وَيَقْضِيَانِ مَا أَفْطَرَتَاهُ) من غير فديةٍ؛ لأنَّهما بمنزلة المريض، والله تعالى يقول: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤]. الثَّاني: أن تفطرا خوفًا على أنفسهما وخوفًا على وَلَدَيْهِمَا: قضتا الصِّيام فقط، ولا فدية؛ لما سبق في القسم الأوَّل. الثَّالث: أن تفطرا خوفًا على ولديهما فقط: فيجب القضاء والكفَّارة؛

стр. 351

لقول ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ، وَالعَجُوزِ الكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وَثَبِتَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ وَالعَجُوزِ الكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا». واختار ابن بازٍ وابن عثيمينَ: وجوب القضاء دون الإطعام؛ لحديث أنس بن مالكٍ الكعبيِّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ» [مسلم ١١١٤]، فجعل المسافر والحامل والمرضع في حكمٍ واحدٍ، وأمَّا آثار الصَّحابة فمختلفةٌ. - فرعٌ: (وَيَلْزَمُ) الإطعام عند فطر الحامل والمرضع على (مَنْ يَمُونُ الوَلَدَ) أي: من يقوم بكفايته؛ لأنَّ الإرفاق للولد، فكان واجبًا على من يقوم بكفايته، وذلك (إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَقَطْ) من الصَّوم على ما تقدَّم تفصيله؛ (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ) على ما تقدَّم في إطعام المريض الَّذي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ جنسًا وقدرًا وكيفيَّةً. - فرعٌ: (وَيَجِبُ الفِطْرُ عَلَى مَنِ احْتَاجَهُ) أي: الفطر (لِإِنْقَاذِ مَعْصُومٍ

стр. 352

مِنْ مَهْلَكَةٍ؛ كَغَرَقٍ وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّه يمكنه تدارك الصَّوم بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه. - مسألةٌ: (وَشُرِطَ لِـ) صومِ (كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ نِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) مفردةٌ له؛ بأن يعتقد أنَّه يصوم من رمضانَ، أو قضائه، أو نذرٍ، أو كفَّارةٍ؛ لأنَّ كلَّ يومٍ من رمضانَ عبادةٌ مفردةٌ، لا يفسد صومه بفساد صوم يومٍ آخرَ، وكقضاء رمضانَ . وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: تجزئ نيَّةٌ واحدةٌ في أوَّل رمضانَ للشَّهر كلِّه، ما لم يفسخها، أو يقطع الصِّيام بعذرٍ؛ كمرضٍ، وسفرٍ، أو بغيره؛ لأنَّها عبادةٌ تجب في العام مرَّةً واحدةً، فجاز أن تشملها نيَّةٌ واحدةٌ كالزَّكاة. - مسألةٌ: يُشْتَرَطُ في صوم الفرض أن ينويَ (مِنَ اللَّيْلِ)، ولا فرقَ بين أوَّل اللَّيل ووسطه وآخره؛ لحديث حفصةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» [أحمد ٢٦٤٥٧، أبو داود ٢٤٥٤، والترمذي ٧٣٠، والنسائي ٢٣٣٠، وابن ماجهْ ١٧٠٠] . - فرعٌ: أيُّ جزءٍ من اللَّيل نوى فيه أجزأه (وَلَوْ أَتَى بَعْدَهَا) أي: النِّيَّة (بِمُنَافٍ) للصَّوم، كأكلٍ وشربٍ؛ لظاهر الحديث السَّابق.

стр. 353

- فرعٌ: (لَا) تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ) بأن ينويَ الصَّوم فرضًا؛ لإجزاء التَّعيين عنه. - مسألةٌ: (وَيَصِحُّ صَوْمُ نَفْلٍ مِمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ مُفْسِدًا)؛ من أكلٍ، وشربٍ، ونحوهما، (بِنِيَّتِهِ نَهَارًا؛ وَلَوْ) كانت النِّيَّة (بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: دخل عليَّ النَّبيُّ ﷺ ذات يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ » فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» [مسلم ١١٥٤] . - فرعٌ: (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ المُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا) أي: وقت النِّيَّة، لأنَّ ما قبله لم يُوجَدْ فيه قصد القُرْبَة فلا يقع عبادةً، لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. - مسألةٌ: (وَمَنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، وَكَذَا الأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ)؛ لأنَّ محلَّ النِّيَّة القلب .

стр. 354

(فَصْلٌ) في المفطِّرات - مسألةٌ: مُفَطِّرَاتُ الصَّائم: المفطِّر الأوَّل: (وَمَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ) أو أدخل إلى معدته طعامًا أو شرابًا، سواءً عن طريق الأنف، أو الفم، أو غيرهما، لم يَخْلُ من حالتين: الأُولى: أن يكون ممَّا يغذِّي: فيفطر إجماعًا؛ لقول الله : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ). الثَّانية: أن يكون غير مغذٍّ؛ كالحصاة وقطعة حديدٍ: فيفطر في قول عامَّة أهل العلم؛ لإطلاق الأدلَّة، وأكل الحصاة يُسَمَّى: «أكلًا». واختار شيخ الإسلام: لا يفطِّر؛ لأنَّ المعنى الَّذي بسببه مُنِعَ الصَّائم من الأكل والشُّرب هو التَّغذِّي وتقوية البدن، وهذه علَّةٌ غير موجودةٍ في مثل الحصاة، ولا دليلَ على الفطر بها. المفطِّر الثَّاني: (أَوْ اكْتَحَلَ) الصَّائم (بِمَا) أي: بشيءٍ (عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَى حَلْقِهِ) لرطوبته أو برودته (مِنْ كُحْلٍ وَنَحْوِهِ) كصُبرٍ أو قطورٍ ونحوه؛ فسد صومُه؛ لأنَّ العين منفذٌ وإن لم يكن معتادًا.

стр. 355

واختار شيخ الإسلام: لا يفطر بالكحل؛ لأنَّ الأصل عدم الفطر، ولأنَّه ليس بأكلٍ ولا شربٍ ولا في معناهما، فلا يصحُّ القياس عليهما. المفطِّر الثَّالث: (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ) غير المعدة؛ كدماغه، أو حلقه، أو دبره، (شَيْئًا) من الطَّعام أو الشَّراب أو غيرهما؛ أفطر؛ قياسًا على الأكل والشُّرب، ولحديث لقيط بن صبرةَ ﵁: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» [أبو داود: ١٤٢، والترمذي: ٧٨٨، والنسائي: ٨٧، وابن ماجه: ٤٠٧]، فدلَّ على فساد الصَّوم إذا وصل إلى خياشيمه. واختار شيخ الإسلام: لا يفطر ذلك؛ لأنَّ الأصل عدم الفطر، وهذه الأمور ليست أكلًا ولا شربًا ولا في معنى الأكل والشُّرب، فلا يصحُّ القياس عليها. - فرعٌ: (أَوْ وَجَدَ طَعْمَ عِلْكٍ مَضَغَهُ بِحَلْقِهِ)؛ فسد صومه؛ لأنَّه دليلُ وصول أجزائه إليه. - فرعٌ: (أَوْ وَصَلَ إِلَى فَمِهِ نُخَامَةٌ) مطلقًا، سواءً كانت من دماغه، أو حلقه، أو صدره، (فَابْتَلَعَهَا) فسد صومه؛ لعدم مشقَّة التَّحرُّز عنها بخلاف البصاق. وفي وجهٍ، واختاره ابن عثيمينَ: لا يفطر ببلع النُّخامة؛ لأنَّه معتادٌ في الفم أشبهَ الرِّيق، ولأنَّه لا يُعَدُّ أكلًا ولا شربًا.
следующие страницы →