← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لقول ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) [البقرة: ١٨٤]: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ، وَالعَجُوزِ الكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاءَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]، وَثَبِتَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ وَالعَجُوزِ الكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا». واختار ابن بازٍ وابن عثيمينَ: وجوب القضاء دون الإطعام؛ لحديث أنس بن مالكٍ الكعبيِّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ» [مسلم ١١١٤]، فجعل المسافر والحامل والمرضع في حكمٍ واحدٍ، وأمَّا آثار الصَّحابة فمختلفةٌ. - فرعٌ: (وَيَلْزَمُ) الإطعام عند فطر الحامل والمرضع على (مَنْ يَمُونُ الوَلَدَ) أي: من يقوم بكفايته؛ لأنَّ الإرفاق للولد، فكان واجبًا على من يقوم بكفايته، وذلك (إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَقَطْ) من الصَّوم على ما تقدَّم تفصيله؛ (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ) على ما تقدَّم في إطعام المريض الَّذي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ جنسًا وقدرًا وكيفيَّةً. - فرعٌ: (وَيَجِبُ الفِطْرُ عَلَى مَنِ احْتَاجَهُ) أي: الفطر (لِإِنْقَاذِ مَعْصُومٍ

стр. 352

مِنْ مَهْلَكَةٍ؛ كَغَرَقٍ وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّه يمكنه تدارك الصَّوم بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه. - مسألةٌ: (وَشُرِطَ لِـ) صومِ (كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ نِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) مفردةٌ له؛ بأن يعتقد أنَّه يصوم من رمضانَ، أو قضائه، أو نذرٍ، أو كفَّارةٍ؛ لأنَّ كلَّ يومٍ من رمضانَ عبادةٌ مفردةٌ، لا يفسد صومه بفساد صوم يومٍ آخرَ، وكقضاء رمضانَ . وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: تجزئ نيَّةٌ واحدةٌ في أوَّل رمضانَ للشَّهر كلِّه، ما لم يفسخها، أو يقطع الصِّيام بعذرٍ؛ كمرضٍ، وسفرٍ، أو بغيره؛ لأنَّها عبادةٌ تجب في العام مرَّةً واحدةً، فجاز أن تشملها نيَّةٌ واحدةٌ كالزَّكاة. - مسألةٌ: يُشْتَرَطُ في صوم الفرض أن ينويَ (مِنَ اللَّيْلِ)، ولا فرقَ بين أوَّل اللَّيل ووسطه وآخره؛ لحديث حفصةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» [أحمد ٢٦٤٥٧، أبو داود ٢٤٥٤، والترمذي ٧٣٠، والنسائي ٢٣٣٠، وابن ماجهْ ١٧٠٠] . - فرعٌ: أيُّ جزءٍ من اللَّيل نوى فيه أجزأه (وَلَوْ أَتَى بَعْدَهَا) أي: النِّيَّة (بِمُنَافٍ) للصَّوم، كأكلٍ وشربٍ؛ لظاهر الحديث السَّابق.

стр. 353

- فرعٌ: (لَا) تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ) بأن ينويَ الصَّوم فرضًا؛ لإجزاء التَّعيين عنه. - مسألةٌ: (وَيَصِحُّ صَوْمُ نَفْلٍ مِمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ مُفْسِدًا)؛ من أكلٍ، وشربٍ، ونحوهما، (بِنِيَّتِهِ نَهَارًا؛ وَلَوْ) كانت النِّيَّة (بَعْدَ الزَّوَالِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: دخل عليَّ النَّبيُّ ﷺ ذات يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ » فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» [مسلم ١١٥٤] . - فرعٌ: (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ المُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا) أي: وقت النِّيَّة، لأنَّ ما قبله لم يُوجَدْ فيه قصد القُرْبَة فلا يقع عبادةً، لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. - مسألةٌ: (وَمَنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، وَكَذَا الأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ)؛ لأنَّ محلَّ النِّيَّة القلب .

стр. 354

(فَصْلٌ) في المفطِّرات - مسألةٌ: مُفَطِّرَاتُ الصَّائم: المفطِّر الأوَّل: (وَمَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ) أو أدخل إلى معدته طعامًا أو شرابًا، سواءً عن طريق الأنف، أو الفم، أو غيرهما، لم يَخْلُ من حالتين: الأُولى: أن يكون ممَّا يغذِّي: فيفطر إجماعًا؛ لقول الله : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ). الثَّانية: أن يكون غير مغذٍّ؛ كالحصاة وقطعة حديدٍ: فيفطر في قول عامَّة أهل العلم؛ لإطلاق الأدلَّة، وأكل الحصاة يُسَمَّى: «أكلًا». واختار شيخ الإسلام: لا يفطِّر؛ لأنَّ المعنى الَّذي بسببه مُنِعَ الصَّائم من الأكل والشُّرب هو التَّغذِّي وتقوية البدن، وهذه علَّةٌ غير موجودةٍ في مثل الحصاة، ولا دليلَ على الفطر بها. المفطِّر الثَّاني: (أَوْ اكْتَحَلَ) الصَّائم (بِمَا) أي: بشيءٍ (عَلِمَ وُصُولَهُ إِلَى حَلْقِهِ) لرطوبته أو برودته (مِنْ كُحْلٍ وَنَحْوِهِ) كصُبرٍ أو قطورٍ ونحوه؛ فسد صومُه؛ لأنَّ العين منفذٌ وإن لم يكن معتادًا.

стр. 355

واختار شيخ الإسلام: لا يفطر بالكحل؛ لأنَّ الأصل عدم الفطر، ولأنَّه ليس بأكلٍ ولا شربٍ ولا في معناهما، فلا يصحُّ القياس عليهما. المفطِّر الثَّالث: (أَوْ أَدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ) غير المعدة؛ كدماغه، أو حلقه، أو دبره، (شَيْئًا) من الطَّعام أو الشَّراب أو غيرهما؛ أفطر؛ قياسًا على الأكل والشُّرب، ولحديث لقيط بن صبرةَ ﵁: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» [أبو داود: ١٤٢، والترمذي: ٧٨٨، والنسائي: ٨٧، وابن ماجه: ٤٠٧]، فدلَّ على فساد الصَّوم إذا وصل إلى خياشيمه. واختار شيخ الإسلام: لا يفطر ذلك؛ لأنَّ الأصل عدم الفطر، وهذه الأمور ليست أكلًا ولا شربًا ولا في معنى الأكل والشُّرب، فلا يصحُّ القياس عليها. - فرعٌ: (أَوْ وَجَدَ طَعْمَ عِلْكٍ مَضَغَهُ بِحَلْقِهِ)؛ فسد صومه؛ لأنَّه دليلُ وصول أجزائه إليه. - فرعٌ: (أَوْ وَصَلَ إِلَى فَمِهِ نُخَامَةٌ) مطلقًا، سواءً كانت من دماغه، أو حلقه، أو صدره، (فَابْتَلَعَهَا) فسد صومه؛ لعدم مشقَّة التَّحرُّز عنها بخلاف البصاق. وفي وجهٍ، واختاره ابن عثيمينَ: لا يفطر ببلع النُّخامة؛ لأنَّه معتادٌ في الفم أشبهَ الرِّيق، ولأنَّه لا يُعَدُّ أكلًا ولا شربًا.

стр. 356

المفطِّر الرَّابع: إخراج القيء عمدًا، بأيِّ طريقةٍ كانت. ولا يخلو خروج القيء من قسمين: ١ - أن يكون عمدًا: وأشار إليه بقوله: (أَوِ اسْتَقَاءَ) أي: استدعى القيء (فَقَاءَ) طعامًا، أو دمًا، أو غير ذلك، فسد صومه، ولو قلَّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» [أحمد: ١٠٤٦٣، وأبو داود: ٢٣٨٠، والترمذي: ٧٢٠، وابن ماجهْ: ١٦٧٦]. ٢ - أن يكون بغير عمدٍ، بحيث يذرعه القيء - أي: غلبه القيء وسبقه: لم يفسد صومُه، قال شيخ الإسلام: (لا أعلم خلافًا بين أهل العلم)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ السَّابق. المفطِّر الخامس: خروج المنيِّ عمدًا: وخروج المنيِّ لا يخلو من أقسامٍ: ١ - أن يخرج باحتلامٍ: فلا يفسد الصَّوم؛ لأنَّ القلم مرفوعٌ عن النَّائم. ٢ - أن يخرج باستمناءٍ، أي: استدعى خروج المنيِّ بيده أو بغيرها فخرج؛ فسد صومُه اتِّفاقًا؛ للحديث القدسيِّ في فضل الصَّوم، من حديث أبي هريرةَ ﵁: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [البخاري: ٧٤٩٢، ومسلم: ١١٥١]، وإخراج المنيِّ فيه تمام الشَّهوة. ٣ - أن يخرج بمباشرةٍ دون الفرج، كالتَّقبيل أو اللَّمس: فسد صومُه اتِّفاقًا؛ لما تقدَّم في الاستمناء.

стр. 357

٤ - أن يخرج بتكرار النَّظر، وأشار إليه بقوله: (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى)؛ فسد صومُه؛ لأنَّه إنزالٌ بفعلٍ يلتذُّ به، ويمكن التَّحرُّز منه، أشبه الإنزال باللَّمس. ٥ - أن يخرج بنظرةٍ واحدةٍ: فلا يفسد الصَّوم؛ لعدم إمكان التَّحرُّز من النَّظرة الأُولى. ٦ - أن يخرج بتفكُّرٍ وحديث نفسٍ: لم يفسد الصَّوم؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» [البخاري: ٥٢٦٩، ومسلم: ١٢٧]. ٧ - أن يخرج بغير شهوةٍ؛ كمرضٍ ونحوه: لم يفسد صومُه؛ لأنَّه خرج بسببٍ ليس من جهته، أشبهَ الاحتلام. المفطِّر السَّادس: خروج المذي بمباشرةٍ: وخروج المذي لا يخلو من حالتين: ١ - خروجه بمباشرةٍ: وأشار إليه بقوله: (أَوِ اسْتَمْنَى، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، أَوْ بَاشَرَ دُونَ الفَرْجِ فَأَمْنَى) وتقدَّم بيان حكمه، (أَوْ أَمْذَى): فسد صومُه؛ لأنَّه خارجٌ تخلَّله الشَّهوة، خرج بالمباشرة، أشبهَ المنيَّ. ٢ - خروجه بغير المباشرة: كما لو خرج بالنَّظرة، أو بتَكرار النَّظر، وغير ذلك؛ فلا يفسد الصَّوم؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، والقياس على إنزال المنيِّ

стр. 358

لا يصحُّ؛ لمخالفته إيَّاه في الأحكام. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يفطر بخروج المذي مطلقًا؛ لأنَّ الأصل صحَّة الصَّوم، ولا دليلَ على فساده بخروج المذي. المفطِّر السَّابع: الحجامة، وأشار إليه بقوله: (أَوْ حَجَمَ) الصَّائمُ غيره، (أَوِ احْتَجَمَ) أي: حجمه غيرُه، سواءً في القفا أو في السَّاق أو في غيره، (وَظَهَرَ دَمٌ)؛ فسد صومه، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث رافع بن خديجٍ ﵁ مرفوعًا: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» [أحمد: ١٥٨٢٨، والترمذي: ٧٧٤]. - فرعٌ: يُشْتَرَطُ في فساد صوم فاعل المفطِّرات السَّابقة ثلاثة شروطٍ: ١ - أن يكون (عَامِدًا)، أي: قاصدًا للفعل، فإن كان غير قاصدٍ لم يفسد صومه، كمن طار إلى حلقه ذبابٌ وغبارٌ؛ لأنَّه غير مكلَّفٍ. ٢ - أن يكون (مُخْتَارًا)، فإن أفطر مُكْرَهًا لم يفسد صومه، سواءً أُكْرِهَ حتَّى أفطر بنفسه، أو فُعِلَ به الإفطار؛ لأنَّ الإكراه يرفع الحكم في أعظم المحظورات وهو الكفر، كما قال تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)، فما دونه من المحظورات من باب أَوْلى. ٣ - أن يكون (ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ)؛ أمَّا إن كان ناسيًا فلا يفسد صومه؛ ولحديث أبي هريرةَ السَّابق: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ». فإذا اجتمعت الشُّروط الثَّلاثة فيمن فعل مفطِّرًا من المفطِّرات (أَفْطَرَ).

стр. 359

- فرعٌ: إذا فعل شيئًا من المفطِّرات وهو جاهلٌ بالحكم، لم يُعْذَر، ويفسد صومه؛ لعموم الأدلَّة في الفطر. واختار شيخ الإسلام: يُعْذَرُ بالجهل، وهو أَوْلَى من النَّاسي؛ لقوله تعالى: (وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولًا). - فرعٌ: (لَا) يفطر (بِفَصْدٍ) وهو شقُّ العِرق عرضًا، (وَ) لا بـ (ـشَرْطٍ) وهو شقُّ العِرْق طولًا؛ لأنَّ الفطر بالحجامة تعبُّديٌّ غير معقول المعنى، فلا يصحُّ القياس عليه. واختار شيخ الإسلام: يفطر المفصود والمشروط؛ لأنَّ المعنى الموجود في الحجامة موجودٌ في الفصاد والشَّرط شرعًا وطبعًا. - فرعٌ: (وَلَا) يفطر الصَّائم (إِنْ فَكَّرَ) بشيءٍ (فَأنْزَلَ) منيًّا أو مذيًا، وتقدَّم. - فرعٌ: (وَلَا) يفسد الصَّوم (إِنْ فَعَلَ شيئًا مِنْ جَميعِ المُفَطِّرَاتِ نَاسِيًا أَوْ) فعله (مُكْرَهًا)؛ لما تقدَّم. - مسألةٌ: (وَلَا) يفسد الصَّوم (إِنْ دَخَلَ مَاءُ مَضْمَضَةٍ أَوِ اسْتِنْشَاقٍ حَلْقَهُ، وَ) كذا (لَوْ بَالَغَ) في المضمضة والاستنشاق، (أَوْ) تمضمض أو استنشق و (زَادَ عَلَى ثَلَاثِ) غرفاتٍ، فدخل الماء حلقه؛ لعدم القصد في الكلِّ .

стр. 360

وفي وجه: إن زاد على الثلاث أو بالغ فدخل الماء حلقه؛ أفطر؛ لأنه فعل مكروهًا تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه من أنزل بالمباشرة. - فرعٌ: (وَلَا) يفسد الصَّوم (إِنْ دَخَلَ الذُّبَابُ أَوِ الغُبَارُ حَلْقَهُ بِغَيْرِ قَصْدٍ)، وتقدَّم، فإن بلع ذلك قصدًا؛ أفطر؛ لإمكان التَّحرُّز منه عادةً. - فرعٌ: (وَلَا) يفسد الصَّوم (إِنْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ)؛ لأنَّه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه. (فَصْلٌ) في الجماع في نهار رمضانَ وغير ذلك - الجماع مفطِّرٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: (أُحِلَّ لكم ليلة الصِّيام الرَّفث إلى نسائكم)، فدلَّ على أنَّه ممنوعٌ من النِّساء في النَّهار، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ الآتي. - مسألةٌ: (وَمَنْ جَامَعَ) بتغييب حشفةٍ أصليَّةٍ في فرجٍ أصليٍّ، (فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَلَوْ) كان ذلك الفرج (لِمَيْتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ)، وهو صائمٌ أو (فِي حَالَةٍ يَلْزَمُهُ فِيهَا الإِمْسَاكُ)؛ كما لو ثبتت

стр. 361

الرُّؤية نهارًا، أو لم يبيِّت النِّيَّة من اللَّيل ونحوه، لزمه أمران: ١ - القضاء؛ لأنَّه أفطر في يومٍ يجب عليه صيامه. ٢ - الكفَّارة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: بينما نحن جلوسٌ عند النَّبيِّ ﷺ ، إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله؛ هلكتُ، قال: «مَا لَكَ؟ » قال: وقعت على امرأتي وأنا صائمٌ، فقال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ »، قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قال: لا، قال: فمكث النَّبيُّ ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النَّبيُّ ﷺ بعرقٍ فيها تمرٌ -والعرق: المكتل - قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ » فقال: أنا، قال: «خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فقال الرَّجُل: أعلى أفقرَ منِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحَرَّتَيْنِ- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدت أنيابه، ثمَّ قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» [البخاري: ١٩٣٦، ومسلم: ١١١١]. - فرعٌ: المجامع في نهار رمضانَ (مُكْرَهًا كَانَ) أو مختارًا، (أَوْ نَاسِيًا) أو ذاكرًا، أو مخطئًا أو عامدًا، أو جاهلًا أو عالمًا؛ (لَزِمَهُ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ)؛ لأنَّه ﷺ لم يستفصل من الأعرابيِّ، ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب القضاء ولا الكفَّارة على المعذور بجهلٍ، أو نسيانٍ، أو إكراهٍ؛ قياسًا على سائر المفطِّرات. - فرعٌ: المرأة المجامَعَة لا تخلو من أمرين:

стр. 362

١ - أن تكون مطاوِعَةً للرَّجُل في الجماع، وأشار إليه بقوله: (وَهَكَذَا) الحكم فيمن (مَنْ جُومِعَ إِنْ طَاوَعَ غَيْرَ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) فيجب عليها القضاء والكفَّارة؛ لأنَّها هتكت حرمة صوم رمضانَ بالجماع، فلزمتها الكفَّارة كالرَّجُل، وأمَّا كون الشَّارع لم يأمر المرأة بها في حديث أبي هريرةَ ﵁؛ فلأنَّه جاء في بعض ألفاظه: «هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ» [الدارقطني: ٢٣٩٨]، فدلَّ أنَّها كانت مكرهةً. ٢ - أن تكون معذورةً بنسيانٍ، أو جهلٍ، أو إكراهٍ: فلا كفَّارة عليها؛ لأنَّها معذورةٌ، وعليها القضاء؛ لأنَّه نوعٌ من المفطِّرات فاستوى فيه الرَّجُل والمرأة؛ كالأكل. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يلزمها القضاء ولا الكفَّارة؛ لما سبق في الرَّجُل. - مسألةٌ: من تكرَّر منه الجماع في رمضانَ فلا يخلو من أحوالٍ: الحالة الأُولى: (وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ، ثُمَّ) جامع (فِي) يومٍ (آخَرَ) فعلى قسمين: الأوَّل: إذا كفَّر عن جماعه الأوَّل: فتلزمه كفَّارةٌ ثانيةٌ إجماعًا. (وَ) الثَّاني: إذا (لَمْ يُكَفِّرْ) عن جماعه الأوَّل (لَزِمَتْهُ) كفَّارة (ثَانِيَةً)؛ لأنَّ كلَّ يومٍ عبادةٌ مفردةٌ تجب الكفَّارة بفساده.

стр. 363

الحالة الثَّانية: من جامع في يومٍ واحدٍ أكثرَ من مرَّةٍ، فعلى قسمين: الأوَّل: إذا كفَّر عن جماعه الأوَّل، وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (كَمَنْ أَعَادَهُ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ)؛ فتلزمه كفَّارةٌ ثانيةٌ، وهو من المفردات؛ لأنَّه وطءٌ محرَّمٌ لحرمة رمضانَ، فأوجب الكفَّارة؛ كالوطء الأوَّل. وعنه، وفاقًا: لا تلزمه كفَّارةٌ ثانيةٌ؛ لأنَّه لم يصادف الصَّوم. الثَّانية: إذا لم يكفِّر عن جماعه الأوَّل: لم تلزمه كفَّارةٌ ثانيةٌ اتِّفاقًا؛ لأنَّ الكفَّارات زواجرُ بمنزلة الحدود، فتتداخل كالحدود. - فرعٌ: (وَلَا) تجب (كَفَّارَةَ بِغَيْرِ): ١ - (الجِمَاعِ)، وتقدَّم. ٢ - (وَالإِنْزَالِ بِالمُسَاحَقَةِ نَهَارَ رَمَضَانَ (١)؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما ورد بالجماع في رمضانَ، والمساحقة في معناه. وفي وجهٍ، واختاره ابن قدامةَ: الإنزال بالمساحقة يفسد الصَّوم، ولا كفَّارة فيه؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسه على الجماع. ٣ - إذا أنزل المجبوب بمساحقة؛ لأنه في معنى الجماع

стр. 364

وقال في الإنصاف: (حكمه حكم الواطيء دون الفرج إذا أنزل. قاله الأصحاب). - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: كفَّارة الوطء في نهار رمضانَ على التَّرتيب: ١ - (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ) من العيوب الضَّارة بالعمل. ٢ - (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرَّقبة أو ثمنَها؛ (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ) بشرط أن يكون الشَّهران (مُتَتَابِعَيْنِ)، فإن انقطع التَّتابُع بالفطر، فلا يخلو: أ) أن يكون الفطر لعذرٍ شرعيٍّ؛ كمرضٍ، وحيضٍ، ونفاسٍ: فلا ينقطع التَّتابُع. ب) أن يكون الفطر لغير عذرٍ شرعيٍّ: فينقطع التَّتابع، ويُسْتَأْنَف الصِّيام. ٣ - (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوم؛ لكبرٍ، أو مرضٍ، أو نحوه، (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق، لكلِّ مسكينٍ مدُّ برٍّ، أو نصف صاعِ تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أقطٍ. وسبق كلام شيخ الإسلام: أنَّ الإطعام إذا لم يُقَدَّر في الشَّرع، فإنَّه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْف. - فرعٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) ما يطعم به المساكين حال الوطء؛ لأنَّه وقت الوجوب: (سَقَطَتْ) عنه الكفَّارة؛ لحديث الأعرابيِّ السَّابق حيث لم

стр. 365

يأمره بكفَّارةٍ أخرى، ولم يذكر له بقاءها في ذمِّتِهِ، (بِخِلَافِ كَفَّارَةِ حَجٍّ) أي: فديةٍ تجب فيه، (أَوْ) كفَّارة (ظِهَارٍ، أَوْ) كفَّارة (يَمِينٍ)، فلا تسقط بالعجز؛ لعموم أدلَّة وجوب الكفَّارة. وعنه: تسقط جميع الكفَّارات بالعجز؛ لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم). - مسألةٌ: (وَسُنَّ) للصَّائم أمورٌ: ١ - (تَعْجِيلُ فِطْرٍ) إذا تحقَّق الغروب، إجماعًا؛ لحديث سهل بن سعدٍ ﵁ مرفوعًا: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» [البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨]. ٢ - (وَ) سُنَّ له (تَأْخِيرُ سُحُورٍ) اتِّفاقًا؛ لحديث زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ»، فقيل له: كم كان بيْن الأذان والسَّحور؟ قال: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧]. ٣ - (وَ) سُنَّ له (قَوْلُ مَا وَرَدَ عِنْدَ فِطْرٍ)، ومنه ما ورد عن ابن عمَرَ ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» [أبو داود: ٢٣٧٥].

стр. 366

- مسألةٌ: (وَمَنْ فَاتَه رَمَضَانُ) كلُّه (قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ) تامًّا كان أو ناقصًا؛ كأعداد الصَّلوات الفائتة . - فرعٌ: (ويُسَنُّ) قضاء ما فات من رمضانَ (عَلَى الفَوْرِ)؛ لأنَّه أسرعُ في إبراء ذمَّته، ولا يجب على الفور؛ ولحديث عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ » [البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦]، (إِلَّا إِذَا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ) من الأيَّام الَّتي فاتته من رمضانَ (فَيَجِبُ) القضاء على الفور؛ لضيق الوقت، ولحديث عائشةَ السَّابق، ولو كان جائزًا لفعلته. - مسألةٌ: يحرم (وَلَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ تَطَوُّعِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ) قبل الفرض، واختاره ابن بازٍ؛ قياسًا على الحجِّ، ولأنَّ المبادرة إلى إبراء الذِّمَّة من أكبرِ العمل الصَّالح . وعنه، وصوَّبه المرداويُّ: يصحُّ؛ لعموم الأمر بصيام التَّطوُّع، وكالتَّطوُّع بصلاةٍ في وقت فرضٍ متَّسعٍ قبل فعله. - مسألةٌ: (فَإِنْ) صام و (نَوَى) به (صَوْمًا وَاجِبًا أَوْ قَضَاءً ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا صَحَّ) النَّفل (١)؛ قياسًا على قلب فرض الصَّلاة نفلًا.

стр. 367

- مسألةٌ: إن أخَّر قضاء رمضانَ حتَّى دخل رمضان آخرُ فلا يخلو من حالتين: الحالة الأُولى: إن كان التَّأخير لعذرٍ، نحو سفرٍ ومرضٍ: جاز؛ لأنَّه إذا جاز أن يفطر بهذه الأعذار في رمضانَ وهو أداءٌ، فجواز الإفطار في أيَّام القضاء من باب أَوْلَى. الحالة الثَّانية: إن كان التَّأخير لغير عذرٍ: فيحرم، وأشار المصنِّف إليه بقوله: (وَيَحْرُمُ) على من عليه قضاء رمضانَ (تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى) دخول رمضانٍ (آخَرَ بِلَا عُذْرٍ)؛ لحديث عائشةَ السَّابق، ولو كان جائزًا لفعلته. - فرعٌ: (فَإِنْ فَعَلَ) بأن أخَّر القضاء لغير عذرٍ حتَّى دخل رمضانٌ آخرُ؛ (وَجَبَ) عليه (مَعَ القَضَاءِ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) ما يجزئ في الكفَّارة، (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ)، ولو أخَّره عدَّة رمضاناتٍ؛ أمَّا القضاء؛ فلأنَّه دَيْنٌ في ذمَّته لم يقضه، فلزمه قضاؤه، وأمَّا الإطعام: فلما ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في رجلٍ أدركه رمضان وعليه رمضان آخرُ، قال: «يَصُومُ هذَا، وَيُطْعِم عَنْ ذَاك كلَّ يومٍ مسكينًا، ويَقْضِيَه» [الدارقطني: ٢٣٤٧]. واختار ابن عثيمينَ: لا يجب عليه إلَّا القضاء؛ لظاهر القرآن في قوله تعالى: (فعدَّةٌ من أيام أخر)، فإنَّ الله تعالى لم يُوجِب إلَّا عدَّةً

стр. 368

من أيَّامٍ أُخُرَ، ولم يُوجِب أكثرَ من ذلك. - فرعٌ: (وَإِنْ مَاتَ) من عليه قضاء رمضانَ ولم يقضه، لم يَخْلُ من أمرين: ١ - أن يكون فطره بسبب مرضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه: فيجب عليه الإطعام ابتداءً، وتقدَّم. ٢ - أن يكون فطره بسبب عذرٍ يُرْجَى زواله: فلا يخلو من أمرين: أ) أن يكون معذورًا بحيث لم يتمكَّن من القضاء حتَّى مات: فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ الواجب عليه القضاء، ولم يتمكَّن منه. ب) أن يكون غير معذورٍ، وهو: (المُفَرِّطُ) الَّذي ترك القضاء مع إمكانه، (وَلَوْ) كان تركه القضاء (قَبْلَ) دخول رمضان (آخَرَ: أُطْعِمَ عَنْهُ) عن كلِّ يومٍ مسكينٌ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» [الترمذي: ٧١٨، وابن ماجهْ: ١٧٥٧، وقال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله]، (كَذَلِكَ) أي: كالَّذي فرَّط حتَّى دخل عليه رمضان آخرُ، فعليه إطعامٌ واحدٌ لا أكثرَ؛ لما تقدَّم. - فرعٌ: يكون الإطعام (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أي: مال الميت، سواءً أوصى به أو لا؛ قياسًا على سائر الدُّيون، (وَلَا يُصَامُ) عنه قضاء رمضانَ؛ لما صحَّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «لَا يُصَلِّي أحدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يَصُومُ أَحَدٌ عَن

стр. 369

أَحَدٍ» [السنن الكبرى للنسائي: ٢٩٣٠، وصحح إسناده الحافظ]، ولأنَّه لا تدخله النِّيابة في الحياة، فكذا بعد الموت. وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: يُصام عنه؛ لأنَّ الصَّوم أقربُ إلى المماثلة من الإطعام، ولحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» [البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧] (فَصْلٌ) في صوم التَّطوُّع وما يُكْرَهُ منه - مسألةٌ: (يُسَنُّ صَوْمُ التَّطَوُّعِ، وَأَفْضَلُهُ): صوم (يَوْمٍ وَ) فطر (يَوْمٍ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لعبد الله بن عمرٍو ﵄: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، قال قلت: فإنِّي أطيق أفضلَ من ذلك، قال رسول الله ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» [البخاري ١٩٧٦، ومسلم ١١٥٩]. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ): ١ - (ثلاثةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)، قال في «الشَّرح»: (بغير خلافٍ نعلمه)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁، قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» [البخاري ١٩٨١، ومسلم ٧٢١].

стр. 370

(وَ) كونها في (أَيَّامِ البِيضِ أَفْضَلُ) اتِّفاقًا، (وَهِيَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ)؛ لما روى أبو ذرٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» [أحمد ٢١٣٥٠، والترمذي ٧٦١، والنسائي ٢٤٢٢]. ٢ - (وَ) يُسَنُّ صوم يوم (الخَمِيسِ)؛ لحديث أسامةَ بن زيدٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [أحمد ٢١٧٥٣، والنسائي ٢٣٥٨]. ٣ - (وَ) يُسَنُّ صوم يوم (الِاثْنَيْنِ)؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ -أَوْ أُنْزِلَ- عَلَيَّ فِيهِ» [مسلم ١١٦٢]. ٤ - (وَ) يُسَنُّ صوم (سِتَّـ) ـة أيَّامٍ (مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديث أبي أيوبَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [مسلم ١١٦٤]. (وَالأَوْلَى تَتَابُعُهَا) أي: كونها متتابعةً، ويجوز متفرِّقةً؛ لإطلاق الحديث، (وَ) يُسْتَحَبُّ كونها (عَقِبَ العِيدِ)؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير، (وَصَائِمُهَا مَعَ) صيام (رَمَضَانَ كَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) كلَّه؛ كما في

стр. 371

الحديث السَّابق. ٥ - (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ) شهر الله (المُحَرَّمِ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ الله الْمُحَرَّمُ» [مسلم ١١٦٣]. (وَآكَدُهُ) أي: المحرَّم: عاشوراءُ، وهو اليوم (العَاشِرُ)؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁: قال ﷺ : «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم ١١٦٢]، (وَهُوَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ)، كما في الحديث. (ثُمَّ) تاسوعاءُ، وهو اليوم (التَّاسِعُ) من المحرَّم؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [مسلم ١١٣٤]، أي: مع العاشر. ٦ - (وَ) يُسَنُّ صوم (عَشْرٍ) من (ذِي الحِجَّةِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟ » قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «وَلا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» [البخاري ٩٦٩]. (وَآكَدُه) أي: العشر من ذي الحجَّة: اليوم التَّاسع، وهو (يَوْمُ عَرَفَةَ)؛ لحديث أبي قتادةَ ﵁: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [مسلم ١١٦٢]، (وَهُوَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) كما في الحديث السَّابق.

стр. 372

- مسألةٌ: (وَكُرِهَ) من الصِّيام: ١ - (إفْرادُ رَجَبٍ) بالصَّوم؛ لقول خرشةَ بن الحرِّ: «رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الجِفَانِ، وَيَقُولُ: كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» [مصنَّف ابن أبي شيبةَ ٩٧٥٨، وجوَّد إسنادَه ابنُ كثيرٍ]، وتزول الكراهة بفطرٍ فيه ولو يومًا، أو بصومه مع شهرٍ آخرَ من السَّنة. ٢ - (وَ) يُكْرَهُ تعمُّد إفراد يوم (الجُمُعَةِ) بصيامٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» [مسلم ١١٤٤]، والصَّارف من التَّحريم إلى الكراهة: جواز صيامه إن وافق يومًا يُعْتَادُ صومه. واختار شيخ الإسلام: لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيامٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ» [البخاري ١٩٨٥، ومسلم ١١٤٤]. ٣ - (وَ) يُكْرَهُ تعمُّد إفراد يوم (السَّبْتِ بِصَوْمٍ)؛ لحديث الصَّمَّاء بنت بُسْرٍ ﵂ مرفوعًا: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِي مَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ» [أحمد ٢٧٠٧٥، وأبو داود ٢٤٢١، والترمذي ٧٤٤، وابن ماجهْ ١٧٢٦]. واختار شيخ الإسلام: (لا يُكْرَهُ صيامه مفردًا، وأنَّه قول أكثر العلماء،

стр. 373

وأنَّه الَّذي فهمه الأثرم من روايته، وأنَّ الحديث شاذٌّ، أو منسوخٌ)؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو السَّابق، وفيه: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، لأنَّه يلزم منه صوم يوم السَّبت مفردًا. - فرعٌ: تزول كراهة صوم يوم الجمعة والسَّبت بأمرين: إن وافق يومًا يعتاد صومه، وإذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده. ٤ - (وَ) يُكْرَهُ (وَصَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ)؛ لقول عمَّار بن ياسرٍ ﵁: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » [أبو داود ٢٣٣٤، والترمذي ٦٨٦، والنسائي ٢١٨٦، وابن ماجهْ ١٦٤٥]. وقيل: يحرم؛ لحديث عمَّارٍ السَّابق؛ لأنَّ المعصية لا تكون إلَّا على أمرٍ محرَّمٍ. - فرعٌ: (وَ) يوم الشَّكِّ (هُوَ الثَّلاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ) في السَّماء (حِينَ التَّرَائِي) أي: ترائي الهلال (عِلَّةٌ) من غيمٍ أو قترٍ ونحوهما. وعنه، واختار ابن عثيمينَ: أنَّه يوم الثَّلاثين من شعبانَ إذا حال دون مطلع الهلال غيمٌ أو قترٌ؛ لأنَّ الشَّكَّ يكون إذا وُجِدَ ما يمنع رؤية الهلال، وأمَّا مع الصَّحو فلا شكٌّ. ٥ - (وَ) يُكْرَهُ (صَوْمُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ، وَالمِهْرَجَانِ) وهما يوما عيدٍ

стр. 374

للكفَّار، (وَ) صوم (كُلِّ عِيدٍ لِلكُفَّارِ، أَوْ) صوم (يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ)؛ قياسًا على السَّبت، لما فيه من موافقة الكفَّار في تعظيمه. ٦ - (وَ) يُكْرَهُ (تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِـ) صوم (يَوْمٍ أَوْ) بصوم (يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» [البخاري ١٩١٤، ومسلم ١٠٨٢]. ولا يُكْرَهُ لأكثرَ من يومين؛ لظاهر الخبر، وأمَّا حديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا» [أحمد ٩٧٠٧، أبو داود ٢٣٣٧، والترمذي ٧٣٨، وابن ماجهْ ١٦٥١] فقد ضعَّفه أحمدُ وغيره. ومال صاحب «الفروع» إلى تحريم تقدُّم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين؛ لظاهر النَّهي في الحديث السَّابق. - فرعٌ: تزول كراهة الصَّوم إذا وافق العادة (فِي الكُلِّ)، أي: في كلِّ ما سبق، من إفراد الجمعة، والسَّبت، ويوم الشَّكِّ، ويوم عيد الكفَّار، وتقدُّم رمضان بيومٍ أو يومين، وسبق بيانه. - مسألةٌ: يحرم (وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، وهي الحاديَ عشرَ، والثَّانيَ عشرَ، والثَّالثَ عشرَ من ذي الحجَّة، ولا يصحُّ فرضًا ولا نفلًا ،

стр. 375

لحديث نُبَيْشَةَ الهذليِّ ﵁ مرفوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِله» [مسلم ١١٤١]، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ)، فيصحُّ صوم أيَّام التَّشريق لمن عدم الهدي؛ لقول ابن عمرَ وعائشةَ ﵃: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ» [البخاري ١٩٩٧]. - مسألةٌ: (وَلَا) يصحُّ (صَوْمُ) يوم (عِيدٍ مُطْلَقًا)، أي: سواءً فرضًا أو نفلًا (وَيَحْرُمُ) بالإجماع؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ» [البخاري ١٩٩٣، ومسلم ١١٣٨]، والنَّهي يقتضي الفساد؛ لأنَّه يعود إلى ذات العبادة . - مسألةٌ: (وَمَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعٍ) فأراد قطعه لم يَخْلُ من ثلاثة أقسامٍ: ١ - أن يكون النَّفل حجًّا أو عُمْرَةً: فيجب إتمامهما اتِّفاقًا؛ لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]. ٢ - أن يكون النَّفل قراءةً، أو أذكارًا، أو صدقةً بالمال: فيجوز قطعها إجماعًا. ٣ - أن يكون النَّفل (غَيْرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) وغير القراءة، والأذكار، والصَّدقة، كالصَّلاة، والصَّوم وغيرهما: (لَمْ يَجِبْ) عليه (إِتْمَامُهُ)؛ لحديث عائشةَ ﵁ قالت: دخل عليِّ النَّبيِّ ﷺ ذات يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ » فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»، ثمَّ أتانا يومًا آخرَ فقلنا: يا رسول الله؛

стр. 376

أُهدي لنا حيسٌ فقال: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فأكل. [مسلم ١١٥٤]، (وَيُسَنُّ) إتمامه، واختاره شيخ الإسلام؛ خروجًا من الخلاف. - فرعٌ: (وَإِنْ فَسَدَ) صوم التَّطوُّع (فَلَا قَضَاءَ) عليه، بل يُسْتَحَبُّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشةَ السَّابق. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ) بغير خلافٍ (إِتْمَامُ فَرْضٍ مُطْلَقًا) أي: بأصل الشَّرع أو بالنَّذر، وسواءً كان فرضَ كفايةٍ؛ كصلاة الجنازة، أو فرض عينٍ، (وَلَوْ) كان وقته (مُوَسَّعًا؛ كَصَلَاةٍ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَ) كذا (نَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَكَفَّارَةٍ) -إن قلنا: هما غير واجبين على الفور، والمذهب خلافه- لأنَّ الخروج من عهدة الواجب متعيَّنٌ، ودخلت التَّوسعة في وقته رفقًا ومظنَّةً للحاجة، فإذا شُرِعَ فيها تعيَّنت المصلحة في إتمامه، (وَإِنْ بَطَلَ) الفرض (فَلَا مَزِيدَ) عليه، فيعيده، أو يقضيه فقط، (وَلَا كَفَّارَةَ) مطلقًا، غير الوطء في نهار رمضانَ، وتقدَّم . - مسألةٌ: (وَأَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ)، قال شيخ الإسلام: (هو أفضل أيَّام الأسبوع إجماعًا)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ،

стр. 377

وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» [مسلم: ٨٥٤]. - مسألةٌ: (وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ القَدْرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] . - فرعٌ: (وَتُطْلَبُ) ليلة القدر (فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ)، فهي مختصَّةٌ بهذه العشر؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [البخاري: ٢٠١٧، ومسلم: ١١٦٩]. - فرعٌ: (وَأَوْتَارُهُ) أي: العشر الأخير من رمضانَ (آكَدُ) من غير أوتاره؛ لحديث أبي بكرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ لِسَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ لِخَمْسٍ، أَوْ لِثَلَاثٍ، أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» [أحمد: ٢٠٣٧٦، والترمذي: ٧٩٤]. قال شيخ الإسلام: (لكنَّ الوتر يكون باعتبار الماضي، فَتُطْلَبُ ليلة إحدى وعشرين، وليلةَ ثلاثٍ وعشرين، وليلةَ خمسٍ وعشرين، وليلةَ سبعٍ وعشرين، وليلةَ تسعٍ وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «لتاسعةٍ تبقى، لسابعةٍ تبقى، لخامسةٍ تبقى، لثالثةٍ تبقى»، فعلى هذا إذا كان الشَّهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعةً تبقى، وليلة أربعٍ وعشرين سابعةً تبقى، وهكذا فسَّره أبو سعيدٍ الخدريِّ في

стр. 378

الحديث الصَّحيح، وإن كان الشَّهر تسعًا وعشرين، كان التَّاريخ بالباقي كالتَّاريخ الماضي، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحرَّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه). (وَأَرْجَاهَا) أي: الأوتار (سَابِعُهُ)، أي: سابع العشر الأخير؛ لقول أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» [مصنف ابن أبي شيبة: ٩٥٣٠]، واختاره شيخ الإسلام - فرعٌ: (وَيُكْثِرُ مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا) أي: في ليلة القدر، فيقول: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)؛ لما ورد عن عائشةَ ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت إن علمت أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [أحمد: ٢٥٣٨٤، والترمذي: ٣٥١٣، وابن ماجهْ: ٣٨٥٠].

стр. 379

(فَصْلٌ) في الاعتكاف - مسألةٌ: (وَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ) كلَّ وقتٍ إجماعًا ؛ لفعله ﷺ ومداومته عليه، فعن عائشةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧٢]. - فرعٌ: الاعتكاف له وقتان: الأوَّل: وقت استحبابٍ مطلقٍ: وذلك (كُلَّ وَقْتٍ)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتكف في رمضانَ كما تقدَّم، واعتكف في شوَّالٍ كما في حديث عائشةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ فِي العَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ». [البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٢]. الثَّاني: وقت استحبابٍ مؤكَّدٍ: (وَ) ذلك (فِي رَمَضَانَ) فهو (آكَدُ) من غيره إجماعًا، (وَآكَدُهُ عَشْرُهُ الأَخِيرُ)؛ لحديث عائشةَ السَّابق. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ) اعتكافٌ (بِنَذْرٍ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ» [البخاري: ٦٦٩٦] .

стр. 380

- مسألةٌ: (وَشُرِطَ لَهُ) أي: لصحَّة الاعتكاف شروطٌ: الأوَّل: (نِيَّةٌ)، فلا يصحُّ اعتكافه بغير نيَّةٍ؛ لحديث عمرَ ﵁: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». (وَ) الثَّاني: (إِسْلَامٌ، وَ) الثَّالث: (عَقْلٌ)؛ لأنَّها شرطٌ لصحَّة كلِّ عبادةٍ. (وَ) الرَّابع: (تَمْيِيزٌ)؛ وهو شرطٌ لصحَّة كلِّ عبادةٍ إلَّا الحجَّ والعمرةَ. (وَ) الخامس: (عَدَمُ مَا يُوجِبُ الغُسْلَ) من نحو جنابةٍ، أو حيضٍ، أو نفاسٍ؛ لأنَّه يحرم على الجنب والحائض والنُّفساء اللُّبث في المسجد. (وَ) السَّادس: (كَوْنُهُ) أي: الاعتكاف (بِمَسْجِدٍ) سواءً كان رجلًا أو امرأةً؛ لقوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]. (وَيُزَادُ) شرطًا سابعًا (فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الجَمَاعَةُ) وهو المسلم الذَّكر الحرُّ القادر: (أَنْ يَكُونَ المَسْجِدُ مِمَّا تُقَامُ فِيهِ) الجماعة، إن أتى عليه صلاةٌ؛ لأنَّ الاعتكاف في غيره يفضي إمَّا إلى ترك الجماعة، أو تكرار الخروج إليها كثيرًا مع إمكان التَّحرُّز منه. أمَّا من لا تلزمه؛ كالمرأة، والمعذور، ومن لا يتخلَّل اعتكافَه صلاةٌ، فلا يلزم ذلك؛ لإطلاق الآية.

стр. 381

- فرعٌ: (وَمِنَ المَسْجِدِ) في أحكامه: ١ - (مَا زِيدَ فِيهِ) أي: المسجد، واختاره شيخ الإسلام؛ لعموم الأخبار، ولأنَّ عمرَ ﵁ زاد في مسجد النَّبيِّ ﷺ [عبدالرزاق ٥١٢٩]. ٢ - (وَمِنْهُ) أي: المسجد (ظَهْرُهُ) أي: سطحه؛ لعموم قوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد). ٣ - (وَ) من المسجد: (رَحَبَتُهُ المَحُوطَةُ)؛ لأنَّها منه، وتابعةٌ له، وإن لم تكن محوطةً لم يثبت لها حكم المسجد. ٤ - (وَ) من المسجد: (مَنَارَتُهُ) الَّتي يُؤَذَّنُ عليها (الَّتِي هِيَ) في المسجد وإن لم يكن بابها فيه، (أَوْ (١) كانت المنارة خارج المسجد و (بَابُهَا فِيهِ) أي: المسجد؛ لمنع الجنب منها. فإن كانت المنارة خارجه وبابها خارجًا منه لم تكن من المسجد. - مسألةٌ: (وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ) نذر (الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ) من المساجد، فلا يخلو من حالين:

стр. 382

الحال الأُولى: أن يكون النَّذر في (غَيْرِ) المساجد (الثَّلَاثَةِ) وهي: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى: (فَلَهُ فِعْلُهُ) أي: فعل الاعتكاف المنذور أو الصَّلاة المنذورة (فِي غَيْرِهِ) أي: في غير المسجد المنذور من سائر المساجد، ولا يلزمه فعل النَّذر في المسجد الَّذي عينه، ولا كفَّارة عليه؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧]، فلو تعيَّن غيرُها بتعيينه لزمه المضيُّ إليه، واحتاج لشدِّ الرِّحال إليه، وهو محرَّمٌ. (وَ) الحال الثَّانية: أن يكون نذره (فِي أَحَدِهَا) أي: أحد المساجد الثَّلاثة، (فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ) أي: في الَّذي نذر أن يعتكف فيه، (وَفِي) المسجد (الأَفْضَلِ مِنْهُ) أي: الأفضل من المسجد الَّذي نذر فيه الصَّلاة أو الاعتكاف؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله؛ إنِّي نذرت لله إن فتح الله عليك مكَّةَ أن أصلِّيَ في بيت المقدس ركعتين، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثمَّ أعاد عليه، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثمَّ أعاد عليه، فقال: «شَأْنُكَ إِذَنْ» [أحمد: ١٤٩١٩، وأبو داود: ٣٣٠٥].

стр. 383

- فرعٌ: (وَأَفْضَلُهَا) أي: أفضل المساجد: (المَسْجِدُ الحَرَامُ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» [أحمد: ١٤٦٩٤، وابن ماجهْ: ١٤٠٦]. (ثُمَّ) يليه: (مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لحديث جابرٍ السَّابق. (ثُمَّ) يليهما: المسجد (الأَقْصَى)؛ لحديث أبي هريرةَ مرفوعًا: «فَضْلُ الصَّلاةِ فِي المسجد الحرام على غيره مِئَة أَلْفِ صَلاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاةٍ، وَفِي مسجد بيت المقدس خمسمِائَة صَلاةٍ» [مسند البزار: ٤١٤٢، وحسنه، وضعفه غيره]، قال شيخ الإسلام: (وأمَّا في المسجد الأقصى فقد رُوِيَ: «أنَّها بخمسين صلاةً»، وقيل: «بخمسمائة صلاةٍ» وهو أشبهُ). - مسألةٌ: الخروج من المسجد مُبْطِلٌ للاعتكاف في الجملة؛ لأنَّه تَرْكٌ لركن الاعتكاف، وهو اللُّبْث في المسجد، وخروج المعتكِف من المسجد لا يخلو من حالين: الأُولى: أن يكون اعتكافه بغير نذرٍ: فله الخروج ولو من غير عذرٍ؛ لأنَّه مُسْتَحَبٌّ. الثَّانية: أن يكون اعتكافه بنذرٍ: فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون خروجه لعذرٍ: فلا شيءَ عليه؛ للعذر، ويلزمه الرُّجوع عند زوال العذر، فإن أخَّر الرُّجوع إلى معتكفه مع إمكانه فسد اعتكافه؛ لارتكابه المفسد.

стр. 384

٢ - أن يكون خروجه لغير عذرٍ، وأشار إليه بقوله: (وَمَنِ اعْتَكَفَ) اعتكافًا (مَنْذُورًا) فلا يجوز له الخروج؛ لشروعه في الواجب وهو النَّذر. - فرعٌ: لا يخلو الاعتكاف المنذور من أمرين: الأوَّل: أن ينذر اعتكافًا (مُتَتَابِعًا) بلفظه أو بنيَّته: فيجب عليه التَّتابع و (لَمْ يَخْرُجْ) من اعتكافه؛ لأنَّه وصفٌ في النَّذر مُعْتَبَرٌ، فوجب اعتباره. الثَّاني: أن ينذر اعتكافًا مطلقًا، كما لو نذر يومًا أو أيَّامًا مطلقةً: فلا يجب فيه التَّتابع؛ لانتفاء وصف التَّتابع فيه. - فرعٌ: خروج المعتكِف من المسجد على أقسامٍ: ١ - إخراج بعض البدن: فلا يبطل الاعتكاف؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ» [البخاري: ٢٠٤٦، ومسلم: ٢٩٧]. ٢ - أن يخرج لأمرٍ لابدَّ منه طبعًا، كقضاء الحاجة، وأكلٍ إذا لم يكن هناك من يأتيه به، ونحوه: فلا يبطل اعتكافه إجماعًا، وأشار إليه المؤلف بقوله: (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْه)؛ لحديث عائشةَ السَّابق، وفي لفظٍ: «وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ». ٣ - أن يخرج لأمرٍ لا بدَّ له منه شرعًا، كالوضوء وصلاة الجمعة: فلا يبطل اعتكافه؛ لحديث عائشةَ ﵂، وفيه: «وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ» [أبو داود: ٢٤٧٣].

стр. 385

٤ - أن يخرج لأمرٍ له منه بُدٌّ، كمبيتٍ في بيته، والعشاء في منزله: فيبطل اعتكافه، سواءً طال الخروج أو قصر؛ لمفهوم حديث عائشةَ السَّابق. إلَّا إذا اشترط ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل الاعتكاف؛ لأنَّه إذا شرط الخروج فكأنَّه نذر القدر الَّذي أقامه. وعنه، واختاره المجد: لا يجوز الخروج وإن شرطه؛ لمنافاته الاعتكاف، كشرط ترك الإقامة في المسجد والنُّزهة والفرجة، بخلاف اشتراط الخروج للقُرْبة، ويأتي. ٥ - أن يخرج لقُرْبَةٍ من القُرَبِ، كطلب علمٍ، وعيادة مريضٍ، ونحوه: فيبطل اعتكافه بذلك، وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جَنَازَةً)؛ لحديث عائشةَ السَّابق، وفيه: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً». (إِلَّا بِشَرْطٍ)، فإذا شرط ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه؛ لما سبق في القسم الرَّابع. ٦ - أن يخرج لأمرٍ ينافي الاعتكاف، كالخروج للوطء، والنُّزهة، والبيع والشِّراء، والتَّكسُّب: فيبطل اعتكافه ولو اشترطه؛ لأنَّ ذلك ينافي الاعتكاف صورةً ومعنًى، كشرط ترك الإقامة بالمسجد. ٧ - أن يخرج سهوًا أو إكراهًا: فلا يبطل اعتكافه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا

стр. 386

عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]، وللقاعدة: (المحظورات يُعْذَر فيها بالجهل والنِّسيان والإكراه). ٨ - أن يخرج لضرورةٍ، كاحتراق مسجدٍ: فلا يبطل اعتكافه؛ لأنَّ الضَّرورات تبيح المحظورات. - مسألةٌ: (وَيَبْطُلُ) الاعتكاف بأمورٍ: ١ - (بِالخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ)، وتقدَّم تفصيله. ٢ - (وَبِنِيَّةِ الخُرُوجِ) من الاعتكاف (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ)؛ قياسًا على قطع نيَّة الصَّلاة والصِّيام. ٣ - (وَبِالوَطْءِ فِي الفَرْجِ)؛ يفسد الاعتكاف إجماعًا؛ لقول الله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧]. ٤ - (وَبِالإِنْزَالِ) أي: إنزال المنيِّ (بِالمُبَاشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ)، وخروجُ المنيِّ على أقسامٍ: أأن يخرج بمباشرةٍ، كتقبيلٍ، ولمسٍ، وتَكرار نظرٍ، واستمناءٍ: فيفسد اعتكافه؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، والمباشرة تشمل الجماع وما دون الجماع. ب- أن يخرج باحتلامٍ: فلا يفسد اعتكافه بالاتِّفاق؛ لأنَّ النَّائم غير مؤاخَذٍ.

стр. 387

ج- أن يخرج بالتَّفكير أو بالنَّظرة الأُولى: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنَّه غير مؤاخَذٍ شرعًا. ٥ - (وَبِالرِّدَّةِ)؛ لأنَّه خرج بالرِّدَّة عن كونه من أهل الاعتكاف. ٦ - (وَبِالسُّكْرِ)؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد، كالمرأة تحيض. - مسألةٌ: (وَحَيْثُ بَطَلَ) الاعتكاف المنذور بسُكْرٍ، أو ردَّةٍ، أو خروجٍ لما له منه بدٌّ؛ لم يَخْلُ ذلك من ثلاثة أحوالٍ: ١ - إن كان قد نذر أيَّامًا غير متتابعةٍ ولا معيَّنةٍ، كعشرة أيَّامٍ مع الإطلاق: فيلزمه أن يُتِمَّ ما بقي من الأيَّام فقط، ولا كفَّارة عليه؛ لأنَّه أتى بالمنذور على وجهه. ٢ - إن كان المعتكِف في نذرٍ متتابعٍ غير معيَّنٍ: بأن كان نَذَرَ عشرة أيَّامٍ متتابعةً، أو نواها كذلك ثمَّ خرج لذلك: (وَجَبَ اسْتِئْنَافُ) النَّذر (المُتَتَابِعِ غَيْرِ المُقَيَّدِ بِزَمَنٍ)؛ كعشرة أيَّامٍ؛ لأنَّه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلَّا به، (وَلَا كَفَّارَةَ) عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه. ٣ - (وَإِنْ كَانَ) المعتكف نذر نذرًا متتابعًا (مُقَيَّدًا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ)؛ كالعشر الأواخر: (اسْتَأْنَفَهُ)؛ لأنَّ التَّعيين يقتضي التَّتابُع ولم يحصل، فوجب

стр. 388

استئنافه، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ المَحَلِّ)، أي: لتركه المنذور في وقته المعيَّن. - مسألةٌ: (وَلَا يَبْطُلُ إِنْ خَرَجَ) المعتكِف (مِنَ المَسْجِدِ) لما لا بدَّ منه طبعًا؛ كخروجه (لِبَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ إِتْيَانٍ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، أَوْ) كان خروجه لما لا بدَّ منه شرعًا؛ كخروجه (لِجُمُعَةٍ تَلْزَمُهُ، أَوْ طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ) كوضوءٍ وغسلٍ، (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كخروجه لغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يحتاجه، وقيء بغتةً، وتقدَّم تفصيله . - مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) للمعتكِف (تَشَاغُلُهُ بِالقُرَبِ) جمع قُرْبةٍ، وهي: كلُّ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، من صلاةٍ، وقراءةِ قرآنٍ، وذِكْرٍ، ونحوها؛ لأنَّ المقصود من الاعتكاف صلاح القلب واستقامته . - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ له أيضًا (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: يهمُّه، كفضول الكلام، والنَّظر، والضَّحك، والنَّوم، وسائر المباحات؛ لقوله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [الترمذي: ٢٣١٧، وابن ماجهْ: ٣٩٧٦] . - مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ جَعْلُ القُرْآنِ بَدَلًا عَنِ الكَلَامِ)، كقولك لمن اسمه

стр. 389

يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوَّةٍ؛ لأنَّه استعمالٌ في غير ما هو له، أشبهَ استعمال المصحف في التَّوسُّد. - مسألةٌ: (وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ المَسْجِدَ أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِيهِ)؛ لأنَّ أقلَّ الاعتكاف هو ما يُسَمَّى به معتكِفًا لابثًا؛ لأنَّه يصدق عليه اسم الاعتكاف لغةً . ولم يَرَ شيخ الإسلام لمن قصد المسجد للصَّلاة أو غيرها أن ينويَ الاعتكاف مدَّة لبثه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ والصَّحابة كانوا يأتون المسجد، ولو يَرِدْ أنَّهم كانوا ينوون الاعتكاف عند دخولهم المسجد.

стр. 390

(كِتَابُ الحَجِّ) - مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الحجُّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) على من لم يجب عليه عينًا (١). - مسألةٌ: (وَهُوَ) أي الحجُّ لغةً: القصد إلى من تعظِّمه، وشرعًا: (قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ، فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) .
следующие страницы →