عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥]، وللقاعدة: (المحظورات يُعْذَر فيها بالجهل والنِّسيان والإكراه).
٨ - أن يخرج لضرورةٍ، كاحتراق مسجدٍ: فلا يبطل اعتكافه؛ لأنَّ الضَّرورات تبيح المحظورات.
- مسألةٌ: (وَيَبْطُلُ) الاعتكاف بأمورٍ:
١ - (بِالخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ)، وتقدَّم تفصيله.
٢ - (وَبِنِيَّةِ الخُرُوجِ) من الاعتكاف (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ)؛ قياسًا على قطع نيَّة الصَّلاة والصِّيام.
٣ - (وَبِالوَطْءِ فِي الفَرْجِ)؛ يفسد الاعتكاف إجماعًا؛ لقول الله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧].
٤ - (وَبِالإِنْزَالِ) أي: إنزال المنيِّ (بِالمُبَاشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ)، وخروجُ المنيِّ على أقسامٍ:
أأن يخرج بمباشرةٍ، كتقبيلٍ، ولمسٍ، وتَكرار نظرٍ، واستمناءٍ: فيفسد اعتكافه؛ لقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) [البقرة: ١٨٧]، والمباشرة تشمل الجماع وما دون الجماع.
ب- أن يخرج باحتلامٍ: فلا يفسد اعتكافه بالاتِّفاق؛ لأنَّ النَّائم غير مؤاخَذٍ.
стр. 387
ج- أن يخرج بالتَّفكير أو بالنَّظرة الأُولى: فلا يفسد اعتكافه؛ لأنَّه غير مؤاخَذٍ شرعًا.
٥ - (وَبِالرِّدَّةِ)؛ لأنَّه خرج بالرِّدَّة عن كونه من أهل الاعتكاف.
٦ - (وَبِالسُّكْرِ)؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد، كالمرأة تحيض.
- مسألةٌ: (وَحَيْثُ بَطَلَ) الاعتكاف المنذور بسُكْرٍ، أو ردَّةٍ، أو خروجٍ لما له منه بدٌّ؛ لم يَخْلُ ذلك من ثلاثة أحوالٍ:
١ - إن كان قد نذر أيَّامًا غير متتابعةٍ ولا معيَّنةٍ، كعشرة أيَّامٍ مع الإطلاق: فيلزمه أن يُتِمَّ ما بقي من الأيَّام فقط، ولا كفَّارة عليه؛ لأنَّه أتى بالمنذور على وجهه.
٢ - إن كان المعتكِف في نذرٍ متتابعٍ غير معيَّنٍ: بأن كان نَذَرَ عشرة أيَّامٍ متتابعةً، أو نواها كذلك ثمَّ خرج لذلك: (وَجَبَ اسْتِئْنَافُ) النَّذر (المُتَتَابِعِ غَيْرِ المُقَيَّدِ بِزَمَنٍ)؛ كعشرة أيَّامٍ؛ لأنَّه لا يمكنه فعل المنذور على وجهه إلَّا به، (وَلَا كَفَّارَةَ) عليه؛ لإتيانه بالمنذور على وجهه.
٣ - (وَإِنْ كَانَ) المعتكف نذر نذرًا متتابعًا (مُقَيَّدًا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ)؛ كالعشر الأواخر: (اسْتَأْنَفَهُ)؛ لأنَّ التَّعيين يقتضي التَّتابُع ولم يحصل، فوجب
стр. 388
استئنافه، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ المَحَلِّ)، أي: لتركه المنذور في وقته المعيَّن.
- مسألةٌ: (وَلَا يَبْطُلُ إِنْ خَرَجَ) المعتكِف (مِنَ المَسْجِدِ) لما لا بدَّ منه طبعًا؛ كخروجه (لِبَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ إِتْيَانٍ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، أَوْ) كان خروجه لما لا بدَّ منه شرعًا؛ كخروجه (لِجُمُعَةٍ تَلْزَمُهُ، أَوْ طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ) كوضوءٍ وغسلٍ، (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كخروجه لغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يحتاجه، وقيء بغتةً، وتقدَّم تفصيله .
- مسألةٌ: (وَيُسَنُّ) للمعتكِف (تَشَاغُلُهُ بِالقُرَبِ) جمع قُرْبةٍ، وهي: كلُّ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، من صلاةٍ، وقراءةِ قرآنٍ، وذِكْرٍ، ونحوها؛ لأنَّ المقصود من الاعتكاف صلاح القلب واستقامته .
- مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ له أيضًا (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: يهمُّه، كفضول الكلام، والنَّظر، والضَّحك، والنَّوم، وسائر المباحات؛ لقوله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [الترمذي: ٢٣١٧، وابن ماجهْ: ٣٩٧٦] .
- مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ جَعْلُ القُرْآنِ بَدَلًا عَنِ الكَلَامِ)، كقولك لمن اسمه
стр. 389
يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوَّةٍ؛ لأنَّه استعمالٌ في غير ما هو له، أشبهَ استعمال المصحف في التَّوسُّد.
- مسألةٌ: (وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ المَسْجِدَ أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِيهِ)؛ لأنَّ أقلَّ الاعتكاف هو ما يُسَمَّى به معتكِفًا لابثًا؛ لأنَّه يصدق عليه اسم الاعتكاف لغةً .
ولم يَرَ شيخ الإسلام لمن قصد المسجد للصَّلاة أو غيرها أن ينويَ الاعتكاف مدَّة لبثه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ والصَّحابة كانوا يأتون المسجد، ولو يَرِدْ أنَّهم كانوا ينوون الاعتكاف عند دخولهم المسجد.
стр. 390
(كِتَابُ الحَجِّ)
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الحجُّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) على من لم يجب عليه عينًا (١).
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي الحجُّ لغةً: القصد إلى من تعظِّمه، وشرعًا: (قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ، فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) .
стр. 391
- مسألةٌ: (وَهُوَ): أي الحجُّ (أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: قال النَّبيُّ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [البخاري ٨، ومسلم ١٦] .
- مسألةٌ: (وَالعُمْرَةُ) لغةً: الزِّيارة، وشرعًا: (زِيَارَةُ البَيْتِ) الحرام (عَلَى وَجْهٍ مَخْصَوصٍ) .
- مسألةٌ: (وَيَجِبَانِ) أي: الحجُّ والعمرة .
فأمَّا الحجُّ: فبالإجماع، لقول الله : (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]، ولحديث ابن عمرَ السَّابق.
وأمَّا العمرة: فتجب على المكِّيِّ وغيره؛ لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث عائشةَ ﵂: قالت: يا رسول الله؛ على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد ٢٥٣٢٢، وابن ماجهْ ٢٩٠١].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّها سنَّةٌ؛ لحديث أنس بن مالكٍ ﵁ قال: نُهِينَا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيءٍ، فكان يعجبنا أن يجيءَ الرَّجُل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجلٌ من أهل البادية،
стр. 392
فقال: يا محمَّدُ؛ ... ، وسأله عن الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحجِّ، ثمَّ قال: والَّذي بعثك بالحقِّ، لا أزيد عليهنَّ، ولا أنقص منهنَّ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ» [مسلم ١٢].
- مسألةٌ: يجب الحجُّ والعمرة (فِي العُمْرِ مَرَّةً) واحدةً، إجماعًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «الحجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» [أحمد ٢٣٠٤، وأبو داود ١٧٢١، والنسائي ٢٦١٩، وابن ماجهْ ٢٨٨٦] .
- مسألةٌ: يجب الحجُّ والعمرة (بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ):
- الشَّرط الأوَّل والثَّاني: (وَهِيَ الإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ) وهما شرطان للوجوب والصِّحَّة، (فَلَا) يجبان، ولا (يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ)؛ لأنَّ الحجَّ والعمرة عبادةٌ من شرطها النِّيَّة، وهي لا تصحُّ من الكافر والمجنون.
- فرعٌ: لا يصحُّ إحرام المجنون بالحجِّ والعمرة (وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)؛ كالصَّوم.
- (وَ) الشَّرط الثَّالث والرَّابع: (البُلُوغُ، وَكَمَالُ الحُرِّيَّةِ) وهما شرطان للوجوب والإجزاء فقط، فلا يجبان على صغيرٍ إجماعًا؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجهْ ٢٠٤١].
стр. 393
- فرعٌ: (لَكِنْ يَصِحَّانِ) أي: الحجُّ والعمرة (مِنَ الصَّغِيرِ)، ولو غير مميِّزٍ (وَالرَّقِيقِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها، فقالت: يا رسول الله؛ ألهذا حجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» [مسلم ١٣٣٦]، ويصحُّ من الرَّقيق؛ لأنَّه من أهل العبادة، فصحَّ منه كالحرِّ.
- فرعٌ: (وَيُحْرِمُ عَنِ الصَّغِيرِ) غير المميِّز (وَلِيُّهُ)؛ لتعذُّر النِّيَّة منه، ويُحْرِمُ المميِّز عن نفسه بإذن وليِّه؛ لأنَّه يصحُّ وضوؤه، فيصحُّ إحرامه كالبالغ.
- فرعٌ: (وَلَا يُجْزِئَانِ) أي: حج وعمرة الصغير والرقيق (عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ) اتفاقاً؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» [البيهقي ٨٦١٣].
- مسألةٌ: (فَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ أَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ) في الحجِّ، فلا يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يزول المانع (قَبْلَ الوُقُوفِ) بعرفةَ، (أَوْ بَعْدَهُ) أي: بعد الدَّفع من عرفةَ، فـ (إِنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ) ولم يكن سعى بعد طواف
стр. 394
القدوم: (أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ)، ووقعت فرضًا؛ لأنَّ الوقوف بعرفةَ هو ركن الحجِّ الأعظم، وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ موقوفًا: «إِذَا عَتَقَ العَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ، وَإِذَا عَتَقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ» [أخرجه عبد الله بن أحمد في مسائله ٧٩٨].
فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم قبل الوقوف؛ لم يجزئه الحجُّ؛ لوقوع الرُّكن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبَّر للإحرام ثمَّ بلغ، فلا يجزئ ولو أعاد السَّعي؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ مجاوزة عدد السَّعي، ولا تَكراره، بخلاف الوقوف فإنَّه لا قدرَ له محدودٌ.
وفي وجهٍ: إذا أعاد السَّعي أجزأه الحجُّ؛ لحصول الرُّكن الأعظم وهو الوقوف بعرفةَ، وتبعيَّة غيره له.
الثَّاني: أن يزول المانع بعد فوات وقت الوقوف بعرفةَ؛ فلا يجزئه عن حجَّة الإسلام؛ لأثر ابن عبَّاسٍ السَّابق.
- (وَ) الشَّرط (الخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ)، وهو شرط للوجوب إجماعًا، دون الإجزاء والصِّحَّة؛ لقوله تعالى: (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: ٩٧]، فلو حجَّ الفقير أو المريض صحَّ، وأجزأهم عن حجَّة الإسلام؛ لأنَّ خلقًا من الصَّحابة حجُّوا ولا شيءَ معهم، ولم يُؤْمَر أحدٌ منهم بالإعادة.
стр. 395
- فرعٌ: (وَهِيَ) أي: الاستطاعة: (مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ ما يُوجِب الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» [الترمذي ٨١٣، وابن ماجهْ ٢٨٩٧، قال الترمذي: حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم].
وعند المالكيَّة: الاستطاعة هي: إمكان الوصول بلا مشقَّةٍ عظيمةٍ زائدةٍ على مشقَّة السَّفر العاديَّة، مع الأمن على النَّفس والمال، ولا يُشْتَرَط عندهم الزَّاد والرَّاحلة، بل يجب على القادر على المشي إن كانت له صنعةٌ يحصِّل منها قوتَه في الطَّريق؛ كالحمَّال والنَّجَّار؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومن قدر على المشي فهو مستطيعٌ.
- فرعٌ: الاستطاعة في الحجِّ والعمرة تكون بتوفُّر أمرين:
١ - زادٌ: وهو ما يحتاج إليه من مأكولٍ، ومشروبٍ، وكسوةٍ، لذهابه وعودته ولو قربت المسافة (١)، أو يملك ما يقدر به على تحصيل ذلك من نقدٍ أو عرضٍ.
٢ - راحلةٌ (تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ)، لذهابه وعوده، (أَوْ مِلْكِ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) من نقدٍ أو عرضٍ.
стр. 396
واختار ابن عثيمينَ: عدم اعتبار كون الرَّاحلة صالحةً لمثله، فيجب عليه الحجُّ إن وَجَد راحلةً تصل به إلى المشاعر ولو لم تكن صالحةً لمثله؛ لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ عجزًا.
- فرعٌ: يُعْتَبَرُ ملك الزَّاد والرَّاحلة (بِشَرْطِ: كَوْنِهِ) أي: الزَّاد والرَّاحلة (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ كُتُبِ) علمٍ، (وَ) من (مَسْكَنٍ) لمثله، (وَ) من (خَادِمٍ) لنفسه، (وَ) أن يكون فاضلًا (عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ)؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أحمد: ٦٤٩٥، وأبو داود: ١٦٩٢، ]، (عَلَى الدَّوَامِ) حتَّى بعد رجوعه، من عقارٍ، أو بضاعةٍ يتَّجر فيها، أو صناعةٍ ونحوها، وإلَّا لم يلزمه؛ لتضرُّره بإنفاق ما في يده إذن.
- مسألةٌ: (فَمَنْ كَمَلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) أي: شروط السَّعي للحجِّ والعمرة (لَزِمَهُ السَّعْيُ فَوْرًا إِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ أَمْنٌ)، بناءً على أنَّ الأمر المطلق للفور، ويؤيِّده: حديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَرَادَ الحجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» [أحمد ١٨٣٤، وأبو داود ١٧٣٢، وابن ماجهْ ٢٨٨٣] .
- فرعٌ: أمن الطَّريق من الاستطاعة، فإن لم يكن الطَّريق آمنًا لم يجب
стр. 397
عليه الحجُّ؛ لأنَّ في إيجاب الحجِّ مع عدم ذلك ضررًا، وهو منفيٌّ شرعًا.
- مسألةٌ: القدرة في الحجِّ والعمرة على أربعة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: أن يكون قادرًا بماله وبدنه: فيجب عليه الحجُّ والعمرة على الفور؛ لما سبق.
القسم الثَّاني: أن يكون قادرًا ببدنه دون ماله: فلا يجب عليه الحجُّ والعمرة إلَّا بوجود الاستطاعة، وهي: الزَّاد والرَّاحلة، وسبقت المسألة.
القسم الثَّالث: أن يكون عاجزًا بماله وبدنه: فيسقط عنه وجوب الحجِّ والعمرة بغير خلافٍ؛ لعدم الاستطاعة.
القسم الرَّابع: أن يكون قادرًا بماله دون بدنه: وأشار إليه بقوله: (فَإِنْ عَجَزَ) من توفَّرت فيه شروط الوجوب (عَنْهُ) أي: عن السَّعي إلى الحجِّ ببدنه لم يخلو من أمرين:
الأوَّل: أن يعجز بسبب مرضٍ يُرْجَى بُرْؤُه: فإنَّه يؤخِّرُ الحجَّ والعمرة إلى وقت القدرة، ولا يجوز له أن يُنِيبَ غيرَه عنه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما ورد في النِّيابة عن الشَّيخ الكبير الَّذي لا يُرْجَى منه حجٌّ، فلا يُقَاس عليه إلَّا من كان مثله.
الثَّاني: أن يعجز (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ) مكانه (نَائِبًا حُرًّا) لا عبدًا، (وَلَوْ امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) على الفور؛ لحديث
стр. 398
ابن عبَّاسٍ ﵄: جاءت امرأةٌ من خثعمٍ عام حجَّة الوداع، فقالت: يا رسول الله؛ إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستويَ على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نَعَمْ» [البخاري ١٨٥٥، ومسلم ١٣٣٤]، فأقرَّها النبي ﷺ على وصف الحجِّ على أبيها بأنَّه فريضةٌ مع عجزه عنه ببدنه.
- فرعٌ: ليس للعبد أن ينوبَ في الحجِّ والعمرة عن غيره؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ عن نفسه الحجَّ والعمرة، فهو كالحرِّ البالغ الذي لم يحج عن نفسه.
وقال ابن قدامةَ: ويحتمل أنَّ له النِّيابة في حجِّ التَّطوُّع دون الفرض؛ لأنَّه من أهل التَّطوُّع دون الفرض.
- فرعٌ: يصحُّ أن يكون النَّائب امرأةً عن رجلٍ، أو عكسه اتِّفاقًا، ولا كراهةَ؛ لظاهر حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق.
- فرعٌ: يلزم النَّائب أن يحجَّ ويعتمر عن المنيب (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا)، أي: من بلد المنيب، أو من الموضع الَّذي أيس فيه؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء، والبدل يقوم مقام المبدَل منه.
واختار ابن عثيمينَ: لا يلزمه أن ينيب من يحجُّ من بلده؛ بل يجزئ ولو من مكَّةَ؛ لإطلاق حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق.
- فرعٌ: (وَلَا يَصِحُّ) ولا يجوز (مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ)، وكذا من
стр. 399
عليه حجُّ قضاءٍ أو نذرٍ؛ (حَجٌّ عَنْ فَرْضِ غَيْرِهِ) حيًّا كان المحجوج عنه أو ميتًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمةَ، قال: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟ » قال: أخٌ لي -أو قريبٌ لي- قال: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ » قال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» [أبو داود: ١٨١١، وابن ماجهْ: ٢٩٠٣]، (وَلَا) يجوز أن يحرم (عَنْ نَذْرِهِ وَلَا) عن (نَافِلَةٍ) وعليه حجَّة الإسلام.
- فرعٌ: (فَإِنْ فَعَلَ) أي: حجَّ عن غيره قبل نفسه، أو أحرم بنذرٍ أو نافلةٍ وعليه حجَّة الإسلام؛ (انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الإِسْلَامِ) في الصُّور كلِّها؛ لأنَّ نيَّة التَّعيين ملغاةٌ، فيصير كما لو أحرم مطلقًا.
- مسألةٌ: (وَتَزِيدُ الأُنْثَى) سواءً كانت شابَّةً أو عجوزًا (شَرْطًا سَادِسًا: وَهُوَ أَنْ تَجِدَ لَهَا) محرمًا؛ فإن لم تجد المحْرَم لم يجب عليها الحجُّ، ولا الإنابة فيه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «لا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فقال رجلٌ: يا رسول الله؛ إنِّي أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجَّ، فقال: «اخْرُجْ مَعَهَا» [البخاري ١٨٥٥، ومسلم ١٣٣٤]، وهو عامٌّ في كلِّ سفرٍ .
стр. 400
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تحجُّ كلُّ امرأةٍ آمنةٍ مع عدم المحْرَم (١)،
وقال: (هذا متوجِّه في كلِّ سفرِ طاعةٍ)؛ لأنَّ «عُمَرَ ﵁ أَذِنَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ» [البخاري ١٨٦٠].
- فرعٌ: المحْرَم في السَّفر إمَّا أن يكون (زَوْجًا) للمرأة، (أَوْ مَحْرَمًا) لها على التَّأبيد؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ مرفوعًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» [مسلم ١٣٤٠].
- فرعٌ: يُشْتَرَطُ في المحْرَم أن يكون:
١ - مسلمًا؛ لأنَّ الكافر لا يُؤْمَنُ عليها أن يفتنها في دينها.
وقال ابن مفلحٍ: (ويتوجَّه: أنَّه لا يُعْتَبَر إسلامه إن أُمِنَ عليها)، واختاره ابن عثيمينَ.
стр. 401
٢ - ذكرًا، ولو عبدًا؛ لأنَّ المقصود منه الحفظ.
٣ - (مُكَلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا؛ لأنَّ غير المكلَّف لا يحصل به المقصود من الحفظ؛ لأنَّه يحتاج إلى من يحفظه، فلا يقدر على حفظ غيره.
- فرعٌ: نفقة المحْرَم زمنَ سفره معها لأداء نسكها على المرأة؛ لأنَّه من سبيلها، (وَ) لذا يُشْتَرَطُ لوجوب النُّسك عليها: (أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) بآلتهما، (لَهَا وَلَهُ)، وأن تكون الرَّاحلة وآلتها صالحين لهما على ما تقدَّم، فإن لم تملك ذلك لهما لم يلزمها.
- مسألةٌ: (فَإِنْ) وجدت المَحْرَم وفرَّطتْ بالتَّأخير، ثمَّ (أَيِسَتْ مِنْهُ) أي: من وجود المحْرَم (اسْتَنَابَتْ) من يحجُّ عنها ويعتمر؛ كالكبير العاجز .
- فرعٌ: (وَإِنْ حَجَّتْ) المرأة (بِلَا مَحْرَمٍ؛ حَرُمَ) سفرها بدونه، (وَأَجْزَأَ) عنها الحجُّ، كمن حجَّ وترك حقًّا يلزمه من نحو دَيْنٍ.
стр. 402
(فَصْلٌ) في المواقيت
- مسألةٌ: (وَالمَوَاقِيتُ) لغةً: الحدُّ، وشرعًا: (مَوَاضِعُ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) .
- مسألةٌ: مواقيت الحجِّ والعمرة على قسمين:
القسم الأوَّل: المواقيت المكانيَّة: وهي خمسةٌ:
١ - (فَمِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ) النَّبويَّة: (ذُو الحُلَيْفَةِ)، وهي أبعد المواقيت من مكَّةَ، بينها وبين مكَّةَ عشر مراحلَ.
٢ - (وَ) ميقات أهل (الشَّامِ، وَ) وأهل (مِصْرَ، وَ) وأهل (المَغْرِبِ): (الجُحْفَةُ)، وهي قرية على طريق المدينة، خَرِبةٌ، قرب «رابغ»، وتلي «ذو الحليفة» في البُعْد، بينها وبين مكَّةَ نحو ثلاث مراحلَ، ومن أحرم من «رابغ» فقد أحرم قبل محاذاة «الجحفة» بيسيرٍ.
٣ - (وَ) ميقات أهل (اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ)، وهو جبلٌ معروفٌ، بينه وبين مكَّةَ مرحلتان.
стр. 403
٤ - (وَ) ميقات أهل (نَجْدِ الحِجَازِ وَاليَمَنِ وَالطَّائِفِ: قَرْنُ) المنازل، بلدةٌ بينها وبين مكَّةَ مرحلتان، والقَرْن: الجبل الصَّغير المنفرد، وبه جبلٌ صغيرٌ منفردٌ، فلعلَّ القرية سُمِّيَتْ به، ويُعْرَفُ الآن بالسِّيل.
٥ - (وَ) ميقات أهل (المَشْرِقِ) أي: العراق وخراسانَ ونحوهما: (ذَاتُ عِرْقٍ)، قريةٌ معروفةٌ، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ فيها عرقًا، وهو الجبل الصَّغير، وتُسَمَّى اليوم الضَّريبة، بينها وبين مكَّةَ مرحلتان، وقد هجره النَّاس اليوم، وصار أهل المشرق يحرمون من قرن المنازل.
ويدلُّ على هذه المواقيت: حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» [البخاري: ١٥٢٤، ومسلم: ١١٨١]، وفي حديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» [مسلم: ١١٨٣].
- فرعٌ: المرحلة: بريدان، والبريد الواحد: أربعة فراسخَ، والفرسخ: ثلاثة أميالٍ، والميل: ١.٦٠ كيلو، وعليه فالمرحلة الواحدة تساوي (٣٨.٤) كيلومتر تقريبًا.
- فرعٌ: لا يخلو مريد الإحرام من ثلاثة أحوالٍ:
الحال الأُولى: أن ينشئ نيَّة الإحرام وهو في الميقات، أو قبل الوصول
стр. 404
إلى الميقات: فيُحْرِم من الميقات، وليس له أن يتجاوزه بغير إحرامٍ اتِّفاقًا، وأشار إليها المؤلِّف بقوله: (وَهَذِهِ) المواقيت (لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وفيه: «هُنَّ لهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» وهذا خبرٌ بمعنى الأمر.
الحال الثَّانية: أن ينشئ نيَّة الإحرام وهو دون المواقيت وقبل دخول مكَّةَ: فيحرم من محلِّه اتِّفاقًا، وأشار إليها المؤلِّف بقوله: (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَهَا) أي: دون المواقيت (فَمِيقَاتُهُ مِنْهُ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وفيه: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ».
الحال الثَّالثة: أن ينشئ نيَّة الإحرام وهو في مكَّةَ: وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَيُحْرِمُ مَنْ) أراد الحجَّ أو العمرة وكان (بِمِكَّةَ):
٣ - إذا كان (لِـ) إحرامٍ بـ (ـحَجٍّ): فإنَّه يحرم (مِنْهَا) أي: من مكَّةَ، اتِّفاقًا، سواءً كان مكِّيًّا أو آفاقيًّا، ولا يجب عليه أن يخرج إلى الحلِّ أو إلى الميقات؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: وفيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ».
(ويَصِحُّ) أن يحرم مَنْ بمكَّةَ لحجٍّ (مِنَ الحِلِّ) كعرفةَ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ)؛ قياسًا على العمرة.
٤ - (وَ) إذا كان (لِـ) إحرامٍ بـ (ـعُمْرَةٍ): فَيُحْرِم (مِنَ الحِلِّ) اتِّفاقًا، سواءً كان
стр. 405
من أهل مكَّةَ أو من غيرهم، وليس له أن يحرم من الحرم؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: يا رسول الله؛ اعتمرتم ولم أعتمر، فقال: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؛ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» [البخاري: ١٥١٨، ومسلم: ١٢١١].
(ويَصِحُّ) إحرامه لعمرةٍ (مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ) بذلك (دَمٌ)؛ لتركه واجبًا؛ كمن جاوز الميقات بلا إحرامٍ.
القسم الثَّاني: المواقيت الزَّمانيَّة: وهي أشهر الحجِّ: شوَّالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجَّة، ومنها يوم النَّحر؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ» [البخاري معلَّقًا مجزومًا ٢/ ١٤١، ووصله الدارقطني: ٢٤٥٥].
واختار ابن عثيمينَ: أشهر الحجِّ: شوَّالٌ، وذو القعدة، وذو الحجَّة كاملًا؛ لظاهر قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وأقلُّ الجمع في اللُّغة ثلاثةٌ، ولأنَّه واردٌ عن عمرَ ﵄ [تفسير سعيد بن منصور: ٣٣٤].
(فَصْلٌ) في الإحرام
- مسألةٌ: (وَسُنَّ لِمُرِيدِ الإِحْرَامِ وَهُوَ) في اللُّغة: نيَّة الدُّخول في التَّحريم، وفي الشَّرع: (نِيَّةُ) الدُّخول في (النُّسُكِ)، لا نيَّة أن يحجَّ أو يعتمر، فَيُسَنُّ لمريده:
стр. 406
أوَّلًا: (غُسْلٌ)، ذكرًا كان أو أنثى؛ لحديث زيد بن ثابتٍ ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذيُّ ٨٣٠]، ولو حائضًا ونفساءَ؛ لحديث جابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأسماءَ بنت عميسٍ ﵂ وهي نفساءُ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» [مسلم ١٢١٨].
- فرعٌ: (أَوْ) أي: وسُنَّ (تَيَمُّمٌ) لمن عدم الماء أو عجز عن استعماله؛ لأنَّه غسلٌ مشروعٌ فناب التَّيمُّم عنه؛ كالواجب.
وعنه، واختاره ابن قدامةَ: لا يتيمَّم؛ لأنَّ الغسل يراد للنَّظافة الحسِّيَّة، والتَّيمُّم نظافته معنويَّةٌ.
ثانيًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (تَنَظُّفٌ)، بأخذ شَعَرٍ؛ من حلق عانةٍ، وقصِّ شاربٍ، ونتف إبْطٍ، وتقليم أظفارٍ، وقطع رائحةٍ كريهةٍ؛ لقول إبراهيمَ: (كانوا يستحبُّون إذا أرادوا أن يحرموا أن يأخذوا من أظفارهم وشواربهم، وأن يستحِدُّوا، ثمَّ يلبسوا أحسن ثيابهم) [سعيد بن منصورٍ، ذكره شيخ الإسلام في شرح العمدة ٤/ ١٦٣ ولم نقف عليه]، ولئلَّا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكَّن منه.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ ذلك ليس من خصائص الإحرام؛ لأنَّه لم يُنْقَل عن أحدٍ من الصَّحابة، لكن يُشْرَعُ إن احتاج إليه.
ثالثًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (تَطَيُّبٌ)، وهو على ثلاثة أقسامٍ:
стр. 407
١ - التَّطيُّب في الرَّأس: مستحبٌّ؛ لقول عائشةَ ﵂: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» [البخاري ٢٧١، ومسلم ١١٩٠].
٢ - التَّطيُّب (فِي بَدَنٍ): مستحبٌّ؛ لقول عائشةَ ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» [البخاري ١٥٣٩، ومسلم ١١٨٩].
٣ - التَّطيُّب في ثوبٍ: وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ فِي ثَوْبٍ)، ولا يحرم؛ لأنَّ المنع إنَّما ورد في ابتداء التَّطيُّب وابتداء لبس المطيَّب، لا استدامته، ويُكْرَهُ خروجًا من الخلاف.
واختار ابن بازٍ وابن عثيمينَ: يحرم تطييب الثِّياب؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: قال رسول الله ﷺ في المحرم: «وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري ٣٦٦، ومسلم ١١٧٧].
رابعًا: (وَ) سُنَّ لمريد الإحرام (لُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «وَليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» [أحمد ٤٨٩٩].
وسُنَّ كونهما (أَبْيَضَيْنِ، نَظِيفَيْنِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ» [أحمد ٢٢١٩، وأبو داود ٣٨٧٨، والترمذي ٩٩٤، وابن ماجهْ ١٤٧٢].
стр. 408
خامسًا: يُسَنُّ أن يفعل ذلك (بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ)؛ كقميصٍ، وسراويلَ، وخفٍّ؛ لحديث زيد بن ثابتٍ ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي: ٨٣٠].
سادسًا: (وَ) سُنَّ أن يكون (إِحْرَامُهُ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ) عقب (رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا)؛ لحديث عمرَ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤].
واختار شيخ الإسلام: يُسْتَحَبُّ أن يحرم عقيب فرضٍ إن كان وقته، وإلَّا فليس للإحرام صلاةٌ تخصُّه؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى للإحرام ركعتين، وأمَّا حديث عمرَ ﵁ فالمراد: ركعتا الظُّهر.
- فرعٌ: يُصَلِّي الرَّكعتين النَّافلة (فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ)، وتقدَّم الخلاف في فعل ما له سببٌ في أوقات النَّهي، في صلاة التَّطوُّع.
- مسألةٌ: (وَنِيَّتُهُ) أي: نيَّة الإحرام (شَرْطٌ)، فلا يصير مُحْرِمًا بمجرد التَّجرُّد أو التَّلبية من غير نيَّة الدُّخول في النُّسك؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧] .
стр. 409
- مسألةٌ: (وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ) الثَّلاثة (التَّمَتُّعُ)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أصحابه لمَّا طافوا وسَعَوا أن يجعلوها عمرةً إلَّا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسَّف بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» [البخاري ١٦٥١، ومسلم ١٢١٦]، ثمَّ الإفراد؛ لقول عمرَ ﵁: «فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ» [مسلم ١٢٢٤]، ولإتيانه بالحجِّ تامًّا من غير احتياجٍ إلى جبرٍ فكان أَوْلَى، ثمَّ القِرَان .
واختار شيخ الإسلام: التَّفصيل، وأنَّه لا يخلو من حالين:
الأُولى: إذا ساق الهدي: فإنَّ الأفضل في حقِّه القِرَان؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١].
الثَّانية: إن لم يسق الهدي: فالتَّمتُّع أفضلُ مطلقًا؛ إلَّا أن تكون عمرته قبل أشهر الحجِّ ويبقى إلى الحجِّ، فالإفراد أفضلُ باتِّفاق الأئمَّة.
- مسألةٌ: (وَ) صفة التَّمتُّع: (هُوَ) ما اجتمعت فيه أربعة شروطٍ:
١ - (أَنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ)؛ ليجمع بين النُّسكَيْنِ في سفرةٍ واحدةٍ.
٢ - أن يكون إحرامه (فِي أَشْهُرِ الحَجِّ)، فلو أحرم قبل أشهر الحجِّ، ثمَّ اعتمر فيها لم يكن متمتِّعًا؛ لما صحَّ عن جابرٍ ﵁: أنَّه سُئِلَ عن المرأة تجعل عليها عمرةً في شهرٍ مسمًّى، ثمَّ يخلو إلَّا ليلةً واحدةً، ثمَّ تحيض،
стр. 410
قال: لِتَخْرُجْ، ثُمَّ لِتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْكَعْبَةِ، ثُمَّ لِتُصَلِّ» [البيهقي ٢٠١٤٥]. قال الإمام أحمدُ: (فجعل عمرتها في الشَّهر الَّذي أهلَّت فيه، لا في الشَّهر الَّذي حلَّت فيه).
٣ - (ثُمَّ) يتحلَّل (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا) أي: من العمرة؛ لأنَّه لو أحرم بالحجِّ قبل التَّحلُّل من العمرة لأصبح قارنًا.
٤ - أن (يُحْرِمَ بِالحَجِّ) في عامِّه؛ لقوله تعالى: (فمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج)، وهذا يقتضي الموالاة بينهما.
- مسألةٌ: (وَالإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ) فقط مفردًا، (ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) أي: من الحجِّ؛ (يُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ)، وهذا إن كان وجوب العمرة باقيًا عليه، بأن لم يكن أتى بها من قبلُ، وإلَّا فليست العمرة قيدًا في الإفراد .
واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا تُشْرَعُ العمرة بعد الحجِّ؛ لأنَّ الَّذين حجُّوا مع النَّبيِّ ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحجِّ إلَّا عائشَة، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الرَّاشدين، ولو لم يعتمر من قبلُ؛ لأنَّه لايرى وجوب العمرة كما تقدَّم.
- مسألةٌ: (وَالقِرَانُ) له ثلاث صورٍ:
стр. 411
١ - (أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أي: الحجُّ والعمرة (مَعًا)؛ لحديث عمرَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» [البخاري ١٥٣٤].
٢ - (أَوْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَهُ) أي: يدخل الحجَّ (عَلَيْهَا) أي: على العمرة، ويصير قارنًا، قال شيخ الإسلام: (جاز بلا نزاعٍ)، وظاهر كلامهم: يصحُّ في حال العذر وغيره؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: خرجنا مع النَّبيِّ ﷺ في حجَّة الوداع فأهللنا بعمرةٍ، ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» [البخاري ١٥٥٦، ومسلم ١٢١١]، وأمَّا في حال العذر فمن باب أَوْلى، ويأتي.
- فرعٌ: يُشْتَرَط في إدخال الحجِّ على العمرة أن يكون ذلك (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا)، فإن شرع في طواف العمرة لم يصحَّ إدخال الحجِّ عليها؛ لأنَّه شرع في التَّحلُّل من العمرة، إلَّا لمن معه الهدي، فيصحُّ الإدخال ولو بعد السَّعي؛ لأنَّه لا يجوز له التَّحلُّل حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، ويأتي في باب دخول مكَّةَ.
٣ - أن يحرم بالحجِّ ثمَّ يدخل عليه العمرة ليصير قارنًا؛ لم يجز، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنَّه لم يَرِدْ به أثرٌ، ولم يستفد به فائدةً، بخلاف ما سبق، ولم يصر قارنًا؛ لأنَّه لا يلزمه بالإحرام الثَّاني شيءٌ.
стр. 412
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) لمريد الإحرام (أَنْ يُعَيِّنَ نُسُكًا) في ابتداء إحرامه؛ من عمرةٍ، أو حجٍّ، أو قرانٍ، ويلفظ بما عيَّنه؛ لقول عائشةَ ﵂: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» [البخاري: ٣١٩، ومسلم: ١٢١١] .
- مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَشْتَرِطَ) في الإحرام؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعةَ بنت الزُّبير ﵂ فقال لها: «أَرَدْتِ الحَجَّ؟ » قالت: والله، ما أجدني إلَّا وجعةً، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري ٥٠٨٩، ومسلم ١٢٠٧] .
واختار شيخ الإسلام: يُسْتَحَبُّ الاشتراط لمن كان خائفًا وإلَّا فلا؛ جمعًا بين الأدلَّة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر ضباعةَ بنت الزُّبير ﵂ أن تشترط لما كانت شاكيةً، فخاف أن يصدَّها المرضُ عن البيت، ولم يكن يأمر بذلك كلَّ من حجَّ.
- فرعٌ: فإذا أراد الإحرام نوى بقلبه، (فَيَقُولُ) بلسانه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الفُلَانِيَّ فَيَسِّرْهُ لِي، وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي)، ولم يذكروا مثل هذا في الصَّلاة لقصر مدَّتها ويسرها عادةً.
واختار ابن عثيمينَ: لا يُشْرَع أن يتلفَّظ بما نواه، بل ذلك بدعةٌ؛ لعدم ورودها عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابه.
стр. 413
وقال شيخ الإسلام: (ولم يَشْرَعْ -أي: النَّبيُّ ﷺ لأحدٍ أن يقول قبل التَّلبية شيئًا، لا يقول: اللَّهمَّ إنِّي أريد العمرة والحجَّ، ولا الحجَّ والعمرة، ولا يقول: فيسِّرْه لي، وتقبَّله منِّي، ولا يقول: نويتهما جميعًا، ولا يقول: أحرمت لله، ولا غير ذلك من العبادات كلِّها، ولا يقول قبل التَّلبية شيئًا، بل جعل التَّلبية في الحجِّ كالتَّكبير في الصَّلاة).
- فرعٌ: ثمَّ يشترط؛ فيقول بلسانه: (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)، ولا يصحُّ الاشتراط بقلبه فقط؛ لما تقدَّم.
- مسألةٌ: (وَإِذَا انْعَقَدَ) الإحرام (لَمْ يَبْطُلُ) بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سُكْرٍ، أو موتٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ في الَّذي وقصته ناقتُه وهو مُحْرِمٌ، وفيه: «فَإِنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّي» [البخاري: ١٨٤٩، ومسلم: ١٢٠٦] .
(إِلَّا بِالرِّدَّةِ)، فإنَّه يَبْطُلُ بها؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
- فرعٌ: (لَكِنْ يَفْسَدُ) الإحرام (بِالوَطْءِ فِي الفَرْجِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ) ولو بعد الوقوف بعرفةَ؛ لآثار الصَّحابة في ذلك، ومنها ما ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في رجلٍ وقع على امرأته وهو مُحْرِمٌ، قال: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا
стр. 414
فَتَفَرَّقَا وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأَهْدِيَا هَدْيًا» [البيهقي: ٩٧٨٢، وإسناده صحيح].
(وَلَا يَبْطُلُ) إحرامه (بَلْ يَلْزَمُ إِتْمَامُهُ) أي: المضي فيه مع فساده، اتِّفاقًا؛ لعموم قوله تعالى: (وأتمُّوا الحج والعمرة لله)، وللأثر السَّابق، (وَ) يلزمه (القَضَاءُ) على الفور بغير خلافٍ، قاله في «المبدع»، للأثر السَّابق.
(فَصْلٌ) في محظورات الإحرام
أي: المحرَّمات بسبب الإحرام.
- مسألةٌ: يحرم على المُحْرِمِ فعلُ شيءٍ من المحظورات لغير عذرٍ؛ لأنَّ الأصل في النَّهي أنَّه للتَّحريم .
- مسألةٌ: (وَمَحْظُورَاتُ الإِحْرَامِ تِسْعٌ):
الأوَّل: (إِزَالَةُ شَعْرٍ) بحلقه، أو قلعه، أو قصِّه، أو نتفه، أو غير ذلك.
وشعر البدن لا يخلو من ثلاثة أقسامٍ:
стр. 415
١ - شعر الرَّأس: وإزالته من محظورات الإحرام إجماعًا؛ لقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).
٢ - الشَّعر المتعلِّق بسنن الفطرة، من قصِّ الشَّارب، ونتف الإِبْط، وحلق العانة: فإزالته من المحظورات اتِّفاقًا؛ لقوله تعالى في آيات الحجِّ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «التَّفَثُ الرَّمْيُ، وَالذَّبْحُ، وَالحَلْقُ، وَالتَّقْصِيرُ، وَالأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ وَالأَظْفَارِ وَاللِّحْيَةِ» [ابن أبي شيبة: ١٥٦٧٣].
٣ - بقيَّة شعور البدن: إزالته من محظورات الإحرام؛ قياسًا على ما تقدَّم؛ لأنَّه يتنظَّف ويترفه به، فأشبه حلق الرَّأس.
(وَ) الثَّاني: (تَقْلِيمُ ظُفُرِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ) أو قصُّه، اتِّفاقًا؛ لما تقدَّم في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ).
(وَ) الثَّالث: (تَغْطِيَةُ رَأْسِ ذَكَرٍ) إجماعًا في الجملة، لا أنثى، فلا يحرم عليها تغطية رأسها.
ويدخل في ذلك:
١ - تغطية الرَّأس بملاصقٍ معتادٍ؛ كالعمامة، والغترة، ونحوها: فيحرم إجماعًا، لحديث ابن عمرَ ﵄: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله؛ ما يَلْبَسُ المحْرِمُ من الثِّياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ
стр. 416
فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ» [البخاري: ١٥٤٣، ومسلم: ١١٧٧].
٢ - تغطية الرَّأس بملاصقٍ غير معتادٍ؛ كقرطاسٍ، وحنَّاءٍ، ونحوها: فيحرم؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في الَّذي وقصته ناقتُه وهو مُحْرِمٌ: «وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦].
٣ - أن يعصب رأسه بسيرٍ، أو لفافةٍ، ونحو ذلك: فيحرم؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄ قال: «لَا يَعْصِب المُحْرِمُ رَأْسَهُ بِسَيْرٍ وَلَا خِرْقَةٍ» [ابن أبي شيبة: ١٣٢٨٣].
أمَّا إذا حمل على رأسه شيئًا أو وضع يده عليه: فليس من المحظورات، ولو قصد به السِّتر؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ به السِّتر عادةً.
(وَ) الرَّابع: (لُبْسُهُ) أي: الذَّكَر، (المَخِيطَ)، وهو ما خيط على البدن كلِّه، أو على عضوٍ من الأعضاء.
- فرعٌ: لباس المحرم لا يخلو من ثلاثة أمورٍ:
١ - ما كان منصوصًا على تحريمه: فيحرم إجماعًا.
٢ - ما كان في معنى المنصوص؛ كالتُّبَّان، والقَلَنْسوة، ونحوهما: فيحرم أيضًا بالاتِّفاق؛ قياسًا على المنصوص.
стр. 417
٣ - ما ليس في معنى المنصوص؛ كالخاتم، وربط الجرح، وتعليق القِرْبة، ونحوها: فلا يحرم لبسُه؛ لأنَّه ليس بمنصوصٍ ولا في معنى المنصوص.
- فرعٌ: يُمْنَعُ الرَّجُل من لبس المخيط (إِلَّا) في حالين:
١ - لُبْسُه (سَرَاوِيلَ لِعَدَمِ) قدرته على لبس (إِزَارٍ)، ولا فديةَ عليه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: خطبنا النَّبيُّ ﷺ بعرفاتٍ، فقال: «مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» [البخاري: ١٨٤٣، ومسلم: ١١٧٨].
٢ - (وَ) لُبْسُهُ (خُفَّيْنِ لِعَدَمِ) قدرته على لبس (نَعْلَيْنِ)، إمَّا لعدم وجودهما، أو لضيقهما عليه، أو غير ذلك، ولا يقطع الخفَّيْن، ولا فديةَ عليه، واختاره شيخ الإسلام؛ لظاهر حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق.
(وَ) الخامس: (الطِّيبُ) اتِّفاقًا، وهو ما أُعِدَّ للتَّطيُّب، وذلك أنَّ ما له رائحةٌ لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون مُعَدًّا للتَّطيُّب: كالمسك، والعنبر، والورد، والياسمين، والزَّعفران، والبخور، ونحوها: فَيُعَدُّ طيبًا، ويحرم على المحْرِمِ استعماله؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في الَّذي وقصته ناقته وهو مُحْرِمٌ، وفيه: «وَلا تُحَنِّطُوهُ».
٢ - ألَّا يكون مُعَدًّا للتَّطيُّب؛ كالفواكه، ونباتات الصَّحراء؛ كالخزامى،
стр. 418
والإذخر، والقرنفل، ونحوها، فلا يُعَدُّ طيبًا، ولا يُمْنَعُ منه المحْرِم؛ لأنَّه ليس بطيبٍ، ولا يُسَمَّى: «طيبًا» عادةً.
(وَ) السَّادس: (قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ الوَحْشِيِّ المَأَكُولِ)، أو اصطياده ولو لم يقتله، وهو من المحظورات إجماعًا؛ لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) [المائدة: ٩٥].
- فرعٌ: يُشْتَرَطُ لكونه محظورًا أربعة شروطٍ:
١ - أن يكون بريًّا: فلا يحرم صيد البحريِّ، إجماعًا؛ لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا) [المائدة: ٩٦].
٢ - أن يكون وحشيًّا؛ كحمامٍ، وبطٍ: فلا يحرم إن كان أهليًّا؛ كبهيمة الأنعام إجماعًا؛ لأنَّه ليس بصيدٍ، ولذلك يَذْبَح المُحْرِم الهدايا.
٣ - أن يكون أصله وحشيًّا: فلا يحرم الحيوان الإنسيُّ لو توحَّشَ؛ كإبلٍ، وبقرٍ توحَّشت، ويحرم الوحشيُّ ولو صار أهليًّا؛ لأنَّ الاعتبار يكون بالأصل لا بالعارض.
٤ - أن يكون مأكولًا: فأمَّا غير مأكول اللَّحم فلا أثرَ للإحرام في تحريم قتلها؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أوجب الجزاء في الصَّيد، وليس هذا بصيدٍ.
- فرعٌ: (وَالمُتَوَلِّدِ مِنْهُ) أي: الوحشيِّ المأكول (وَمِنْ غَيْرِهِ) كمتولِّدٍ بين وحشيٍّ وأهليٍّ، وبين وحشيٍّ وغير مأكولٍ؛ حكمه كصيد
стр. 419
الوحشيِّ المأكول؛ تغليبًا للتَّحريم.
(وَ) السَّابع: (عَقْدُ نِكَاحٍ)، فلو تزوَّج المحْرِم، أو زوَّج محْرمةً، أو كان وليًّا أو وكيلًا في النِّكاح؛ حَرُمَ، ولم يصحَّ النِّكاح؛ لحديث عثمانَ ﵁ مرفوعًا: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» [مسلم: ١٤٠٩]، والنَّهي يقتضي الفساد؛ لأنَّه يرجع إلى ذات المعاملة.
(وَ) الثَّامن: (جِمَاعٌ)، بأن يُغَيِّبَ المحْرِمُ حشفته في قبلٍ أو دبرٍ أصليٍّ، من آدميٍّ أو غيره، حيٍّ أو ميتٍ، وهو من المحظورات إجماعًا؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ) [البقرة: ١٩٧] قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «هُوَ الجِمَاعُ» [ابن أبي شيبة: ١٣٢٣٠].
(وَ) التَّاسع: (مُبَاشَرَةُ) الرَّجُلِ المرأةَ (فِيمَا دُونَ الفَرْجِ)، وهو على قسمين:
١ - بغير شهوةٍ: فيجوز اتِّفاقًا.
٢ - بشهوةٍ: فيحرم اتِّفاقًا؛ كالتَّقبيل، واللَّمس، والنَّظر، ونحوه؛ لقوله تعالى: (فَلا رَفَثَ)، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «هُوَ التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ الجِمَاعِ» [تفسير الطبري ٤/ ١٢٥].
- مسألةٌ: (وَفِي جَمِيعِ المَحْظُورَاتِ) السَّابقة (الفِدْيَةُ، إِلَّا) محظورين:
١ - (قَتْلَ القَمْلِ)، وهو مُحرَّمٌ على المحْرِم؛ لأنَّه يترفَّه بإزالته، فكان
стр. 420
كإزالة الشَّعر، ولا فديةَ فيه؛ لأنَّ كعب بن عجرةَ ﵁ حين حلق رأسه قد أذهب قملًا كثيرًا، ولم يجب عليه شيءٌ لذلك.
واختار شيخ الإسلام: إن قرصه القمل والبعوض والقُرَد فله قتلُها، ولا شيءَ عليه، وإلَّا فلا يقتلها.
٢ - (وَعَقْدَ النِّكَاحِ)؛ لعدم ورود الفدية، والأصل عدمها.
- فر عٌ: محظورات الإحرام الَّتي فيها الفدية على ثلاثة أقسامٍ:
١ - ما فيه الجزاء: وهو قتل الصَّيد؛ لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم).
٢ - ما فديته بدنةٌ: وهو أمران:
الأوَّل: الجماع قبل التَّحلُّل الأوَّل؛ لآثار الصَّحابة.
الثَّاني: المباشرة بشهوةٍ مع الإنزال في الحجِّ قبل التَّحلُّل الأوَّل؛ قياسًا على الجماع.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: عليه فديةُ أذًى؛ لارتكابه لمحظورٍ من المحظورات، ولا يصحُّ قياسه على الوطء؛ لأنَّه لا يُفْسِدُ النُّسك والوطءُ يُفْسِدُهُ.
٣ - ما فيه فديةُ أذًى: وهو باقي المحظورات.
стр. 421
- مسألةٌ: (وَفِي) إفساد (البَيْضِ) أي: بيض الصَّيد الضَّمان؛ لأنَّه كجزئه، فيضمنه بقيمته في مكانه؛ لأنَّ البيض لا مِثْلَ له، فتجب فيه القيمة كصغار الطَّير .
- فرعٌ: (وَالجَرَادِ) من صيد البر، فيضمن؛ لأنَّه طيرٌ بريٌّ أشبه العصافير، وضمانه: (قِيمَتُهُ) في (مَكَانِهِ)؛ لأنَّه متلفٌ غير مِثْلِيٍّ.
- مسألةٌ: (وَفِي) إزالة (الشَّعْرَةِ) الواحدة، (أَوِ الظُّفُرِ) الواحد: (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) واحدٍ، (وَفِي) إزالة (الِاثْنَيْنِ) أي: شعرتين أو ظفرين: (إِطْعَامُ اثْنَيْنِ) أي: مسكينين، وفي الثَّلاثة: فدية أذًى؛ لقول عطاء بن أبي رباحٍ: «في الشَّعرة مدٌّ، وفي الشَّعرتَيْنِ مُدَّانِ، وفي الثَّلاث فصاعدًا دمٌ» [البيهقي: ٩١٢٤]، وخُصَّت فدية الأذَى في حلق ثلاث شعراتٍ فأكثرَ؛ لأنَّ أقلَّ ما يصدق عليه اسم الحلق حلقُ ثلاث شعراتٍ .
- فرعٌ: (وَالضَّرُورَاتُ) إذا حصلت للمُحْرِمِ فاحتاج معها إلى ارتكاب شيءٍ من محظورات الإحرام، فإنَّها (تُبِيحُ لِلمُحْرِمِ) تلك (المَحْظُورَاتِ)، فلا إثمَ عليه إذن، (وَيَفْدِي)، ويأتي.
стр. 422
(فَصْلٌ فِي الفِدْيَةِ)
- مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الفدية لغةً: ما يُعْطَى في افتكاك الأسير، أو إنقاذٍ من هلكةٍ، واصطلاحًا: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ إِحْرَامٍ أَوْ حَرَمٍ) مكِّيٍّ .
- مسألةٌ: الفدية على قسمين:
القسم الأوَّل: أن تكون على التَّخيير، وهي على نوعين:
النَّوع الأوَّل: ما فيه فدية أذًى، وذكره بقوله: (فَيُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقٍ وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ أوْ ظُفُرَيْنِ، وَطِيبٍ، وَلُبْسِ مَخِيطٍ) لرجلٍ، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ ذَكَرٍ، وَوَجْهِ امْرَأَةٍ، بَيْنَ) ثلاثة أمورٍ:
١ - (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
٢ - (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)، لـ (كُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ قياسًا على كفَّارة اليمين.
وعنه: يجب نصف صاع في الفدية، سواءً كان من البُرِّ أو من بقيَّة الأصناف.
стр. 423
٣ - (أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لحديث كعب بن عجرةَ ﵁: حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ » فقلت: لا، فقال: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١].
(وَ) النَّوع الثَّاني: (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ) ولا يخلو ذلك من أمرين:
الأوَّل: أن يكون الصَّيد له مِثْلٌ من النَّعَم: فَيُخَيَّرُ (بَيْنَ):
١ - ذبح (مِثْلِ مِثْلِيٍّ) من النَّعم، يتصدَّق به على فقراء الحَرَمِ.
٢ - (أَوْ تَقْوِيمِهِ) أي: تقويم المِثْل لا تقويم الصَّيد؛ لقوله تعالى: (أو عدل ذلك صيامًا)، والإشارة راجعةٌ إلى المِثْل في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم).
فَيُقَوَّم المِثْل في الموضع الَّذي أُتْلِفَ الصَّيد فيه أو بقربه (بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ) إخراجه (فِي فِطْرَةٍ) على ما تقدَّم في زكاة الفطر، (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)؛ كالواجب في فدية أذًى وكفَّارةٍ.
٣ - (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا).
стр. 424
والدَّليل على ذلك: قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ)، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وتصدَّق بِلَحْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا» [التفسير لسعيد ابن منصور ٨٣٢].
(وَ) الثَّاني: أن يكون الصَّيد لا مِثْلَ له من النَّعَم: فَيُخَيَّرُ بعد أن يُقَوَّم الصَّيد بدراهمَ؛ لتعذُّر المِثْل، (بَيْنَ إِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ) على ما سبق، وأشار إلى هذا القسم بقوله: (فِي غَيْرِ مِثْلِيٍّ).
القسم الثَّاني من أقسام الفدية: أن تكون على التَّرتيب، وهي أنواعٌ، منها:
النَّوع الأوَّل: دم المتعة والقِرَان: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ عَدِمَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ الهَدْيَ)، أو عدم ثمنَه، (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ)، وسبعةً إذا رجع لأهله؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وقيس عليه القارن، وتقدَّم.
стр. 425
(وَالأَفْضَلُ جَعْلُ آخِرِهَا) أي: آخر الأيَّام الثَّلاثة صومًا (يَوْمَ عَرَفةَ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عليٍّ ﵁: «قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ» [تفسير الطبري ٣/ ٤٢٢، وفيه انقطاع].
وعنه: الأفضل كون آخرها يوم التَّروية؛ لقول ابن عمرَ وعائشةَ ﵁: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا: مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ، إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى» [البخاري ١٨٩٥، والموطأ ١/ ٤٢٦].
- فرعٌ: (وَ) يبدأ وقت صيام الأيَّام الـ (سبْعَةِ) من بعد أيَّام منًى وفراغه من أفعال الحجِّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنَّ الصَّوم وُجِدَ من أهله بعد وجود سببه، والحُجَّاج إذا صدروا من منًى فقد شرعوا في الرُّجوع إلى أهليهم، فأجزأ؛ كصوم المسافر والمريض، فلا يصحُّ الصَّوم قبل فراغه منها.
ويُسْتَحَبُّ أن يكون صيام السَّبعة: (إِذَا رَجَعَ لِأَهْلِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
(وَ) النَّوع الثَّاني من أنواع الفدية على التَّخيير: (المُحْصَرُ)، فيلزمه هديٌ إن لم يكن اشترط؛ لقوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، فـ (إِذَا لَمْ يَجِدْهُ) أي: الهدي (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بنيَّة التَّحلُّل؛ لأنَّه