← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

- مسألةٌ: (وَفِي) إفساد (البَيْضِ) أي: بيض الصَّيد الضَّمان؛ لأنَّه كجزئه، فيضمنه بقيمته في مكانه؛ لأنَّ البيض لا مِثْلَ له، فتجب فيه القيمة كصغار الطَّير . - فرعٌ: (وَالجَرَادِ) من صيد البر، فيضمن؛ لأنَّه طيرٌ بريٌّ أشبه العصافير، وضمانه: (قِيمَتُهُ) في (مَكَانِهِ)؛ لأنَّه متلفٌ غير مِثْلِيٍّ. - مسألةٌ: (وَفِي) إزالة (الشَّعْرَةِ) الواحدة، (أَوِ الظُّفُرِ) الواحد: (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) واحدٍ، (وَفِي) إزالة (الِاثْنَيْنِ) أي: شعرتين أو ظفرين: (إِطْعَامُ اثْنَيْنِ) أي: مسكينين، وفي الثَّلاثة: فدية أذًى؛ لقول عطاء بن أبي رباحٍ: «في الشَّعرة مدٌّ، وفي الشَّعرتَيْنِ مُدَّانِ، وفي الثَّلاث فصاعدًا دمٌ» [البيهقي: ٩١٢٤]، وخُصَّت فدية الأذَى في حلق ثلاث شعراتٍ فأكثرَ؛ لأنَّ أقلَّ ما يصدق عليه اسم الحلق حلقُ ثلاث شعراتٍ . - فرعٌ: (وَالضَّرُورَاتُ) إذا حصلت للمُحْرِمِ فاحتاج معها إلى ارتكاب شيءٍ من محظورات الإحرام، فإنَّها (تُبِيحُ لِلمُحْرِمِ) تلك (المَحْظُورَاتِ)، فلا إثمَ عليه إذن، (وَيَفْدِي)، ويأتي.

стр. 422

(فَصْلٌ فِي الفِدْيَةِ) - مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الفدية لغةً: ما يُعْطَى في افتكاك الأسير، أو إنقاذٍ من هلكةٍ، واصطلاحًا: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ إِحْرَامٍ أَوْ حَرَمٍ) مكِّيٍّ . - مسألةٌ: الفدية على قسمين: القسم الأوَّل: أن تكون على التَّخيير، وهي على نوعين: النَّوع الأوَّل: ما فيه فدية أذًى، وذكره بقوله: (فَيُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقٍ وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ أوْ ظُفُرَيْنِ، وَطِيبٍ، وَلُبْسِ مَخِيطٍ) لرجلٍ، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ ذَكَرٍ، وَوَجْهِ امْرَأَةٍ، بَيْنَ) ثلاثة أمورٍ: ١ - (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ). ٢ - (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)، لـ (كُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ قياسًا على كفَّارة اليمين. وعنه: يجب نصف صاع في الفدية، سواءً كان من البُرِّ أو من بقيَّة الأصناف.

стр. 423

٣ - (أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لحديث كعب بن عجرةَ ﵁: حُمِلْتُ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ » فقلت: لا، فقال: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١]. (وَ) النَّوع الثَّاني: (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ) ولا يخلو ذلك من أمرين: الأوَّل: أن يكون الصَّيد له مِثْلٌ من النَّعَم: فَيُخَيَّرُ (بَيْنَ): ١ - ذبح (مِثْلِ مِثْلِيٍّ) من النَّعم، يتصدَّق به على فقراء الحَرَمِ. ٢ - (أَوْ تَقْوِيمِهِ) أي: تقويم المِثْل لا تقويم الصَّيد؛ لقوله تعالى: (أو عدل ذلك صيامًا)، والإشارة راجعةٌ إلى المِثْل في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). فَيُقَوَّم المِثْل في الموضع الَّذي أُتْلِفَ الصَّيد فيه أو بقربه (بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ) إخراجه (فِي فِطْرَةٍ) على ما تقدَّم في زكاة الفطر، (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)؛ كالواجب في فدية أذًى وكفَّارةٍ. ٣ - (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا).

стр. 424

والدَّليل على ذلك: قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ)، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وتصدَّق بِلَحْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا» [التفسير لسعيد ابن منصور ٨٣٢]. (وَ) الثَّاني: أن يكون الصَّيد لا مِثْلَ له من النَّعَم: فَيُخَيَّرُ بعد أن يُقَوَّم الصَّيد بدراهمَ؛ لتعذُّر المِثْل، (بَيْنَ إِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ) على ما سبق، وأشار إلى هذا القسم بقوله: (فِي غَيْرِ مِثْلِيٍّ). القسم الثَّاني من أقسام الفدية: أن تكون على التَّرتيب، وهي أنواعٌ، منها: النَّوع الأوَّل: دم المتعة والقِرَان: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ عَدِمَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ الهَدْيَ)، أو عدم ثمنَه، (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ)، وسبعةً إذا رجع لأهله؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وقيس عليه القارن، وتقدَّم.

стр. 425

(وَالأَفْضَلُ جَعْلُ آخِرِهَا) أي: آخر الأيَّام الثَّلاثة صومًا (يَوْمَ عَرَفةَ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عليٍّ ﵁: «قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ» [تفسير الطبري ٣/ ٤٢٢، وفيه انقطاع]. وعنه: الأفضل كون آخرها يوم التَّروية؛ لقول ابن عمرَ وعائشةَ ﵁: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا: مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ، إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى» [البخاري ١٨٩٥، والموطأ ١/ ٤٢٦]. - فرعٌ: (وَ) يبدأ وقت صيام الأيَّام الـ (سبْعَةِ) من بعد أيَّام منًى وفراغه من أفعال الحجِّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنَّ الصَّوم وُجِدَ من أهله بعد وجود سببه، والحُجَّاج إذا صدروا من منًى فقد شرعوا في الرُّجوع إلى أهليهم، فأجزأ؛ كصوم المسافر والمريض، فلا يصحُّ الصَّوم قبل فراغه منها. ويُسْتَحَبُّ أن يكون صيام السَّبعة: (إِذَا رَجَعَ لِأَهْلِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. (وَ) النَّوع الثَّاني من أنواع الفدية على التَّخيير: (المُحْصَرُ)، فيلزمه هديٌ إن لم يكن اشترط؛ لقوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، فـ (إِذَا لَمْ يَجِدْهُ) أي: الهدي (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بنيَّة التَّحلُّل؛ لأنَّه

стр. 426

دمٌ واجبٌ للإحرام، فكان له بدلٌ، كدم التَّمتُّع، وقياسًا على الفوات، (ثُمَّ حَلَّ)، وليس له التَّحلُّل قبل صيام العشرة أيَّامٍ، واختاره ابن بازٍ؛ لأنَّ هذا الصِّيام قائمٌ مقام تمام الحجِّ والعمرة، فلا بدَّ من فعله قبل الحلِّ؛ كالهدي، بخلاف الفوات فلا يتوقَّف تحلُّله على الصِّيام، بل يحصل التَّحلُّل بإتمام النُّسك، وهو العمرة، ويأتي في الفوات. واختار ابن عثيمينَ: أنَّ المحْصَر إذا لم يجد الهدي لم يجب عليه شيءٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، ولم يذكر بدلًا كما ذكره في دم التَّمتُّع، والأصل براءة الذِّمَّة. - مسألةٌ: من فعل محظورًا من محظورات الإحرام لا يخلو من ثلاثة أحوالٍ: الأوَّل: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا بلا عذرٍ، فيأثم؛ لمخالفته النَّهي، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرةَ السَّابق، فإذا كان هذا في المعذور، فغيره من باب أَوْلَى. الثَّاني: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا معذورًا؛ كأن يحتاج للُبْسِ قميصٍ لبَرْدٍ يخاف ضررَه، أو يحلق رأسه لمرضٍ، ونحو ذلك، فلا إثمَ عليه؛ لإذن النَّبيِّ ﷺ لكعب بن عجرةَ بحلق رأسه وهو مُحْرِمٌ لمَّا آذته هوامُّ رأسه، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرةَ ﵁. الثَّالث: أن يفعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا إثمَ عليه؛

стр. 427

للعذر، وأمَّا الفدية: فلا تخلو من أمرين: ١ - ما كان من قبيل الإتلاف: وهي خمسة محظوراتٍ: الوطء، والمباشرة، والصَّيد، والتَّقليم، والحلق، فتجب فيها الفدية، ولا تسقط بالعذر؛ لأنَّه إتلافٌ، فاستوى عمدُها وسهوُها وجهلُها؛ كإتلاف مال الآدميِّ. ٢ - ما لم يكن من قبيل الإتلاف، وهي ثلاث محظوراتٍ، وأشار إليه بقوله: (وَتَسْقُطُ) أي: الفدية (بِنِسْيَانٍ فِي: لُبْسِ) مخيطٍ، (وَطِيبٍ وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديث يَعْلَى بن أُمَيَّةَ ﵁ لمَّا أحرم بعمرةٍ في جُبَّةٍ بعدما تضمخَّ بالطِّيب، قال له النَّبيُّ ﷺ : «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ» [البخاري: ١٧٨٩، ومسلم: ١١٨٠]، ولم يأمره بالفدية، ولأنَّها محظوراتٌ يمكن تداركها، بخلاف السَّابقة فلا يمكن تداركها. وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: لا فديةَ على الجاهل والنَّاسي والمُكْرَه مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والصَّيد إتلافٌ، وقد قيَّد جزاء الصَّيد بالمتعمِّد، فدلَّ أنَّ المخطئ لا جزاءَ عليه، والقاعدة: (أنَّ باب النَّواهي يُعْذَرُ فيه بالجهل والإكراه والنِّسيان). واختار شيخ الإسلام: لا فديةَ على الجاهل والنَّاسي والمُكْرَه مطلقًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، إلَّا جزاء الصَّيد؛ لأنَّه بمنزلة دية المقتول خطأً،

стр. 428

والكفَّارة فيه ثابتةٌ بالإجماع. - مسألةٌ: مصرف الفدية ينقسم إلى قسمين: القسم الأوَّل: يجب أن يُذْبَح ويُطْعَم لمساكين الحَرَمِ: وأشار إليه بقوله: (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) يتعلَّق بحَرَمٍ؛ كجزاء الصَّيد، أو إحرامٍ؛ كهدي التَّمتُّع والقران، وما وجب لترك واجبٍ، ونحو ذلك؛ (فَلِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)؛ لقوله تعالى: (هديًا بالغ الكعبة)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والمتمتِّع والقارن يحلَّان في الحَرَم، فكان موضع حلِّهما هو موضع نحرهما، وأمَّا الإطعام؛ فلأنَّه في معنى الهدي. - فرعٌ: مساكين الحَرَم: هم من كان مقيمًا فيه، أو واردًا إليه؛ من حاجٍّ وغيره، ممَّن له أخذ زكاةٍ لحاجةٍ؛ كالفقير، والمسكين، والمكاتَب، والغارم لنفسه. القسم الثَّاني: يُذْبَح ويُطْعَم حيث وُجِدَ سببه: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا): ١ - ما وجب بسبب فعل محظورٍ: كـ (فِدْيَةِ أَذًى، وَلُبْسِ) مخيطٍ (وَنَحْوِهِمَا)، كطيبٍ، (فَـ) له تفرقتها؛ دمًا كانت أو طعامًا (حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا)، ولو خارج الحَرَم؛ لحديث كعب بن عجرةَ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَه بِالفِدْيَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١]، وهي من الحلِّ، وله تفرقتها

стр. 429

بالحَرَم؛ كسائر الهدايا. ٢ - دم الإحصار: يخرجه حيث أُحْصِر، من حلٍّ أو حَرَمٍ؛ لما ورد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ٢٧٠١، ومسلم ١٧٨٦] وهي من الحلِّ، ويجزئ بالحرم أيضًا؛ كسائر الهدايا. - مسألةٌ: (وَيُجْزِئُ الصَّوْمُ) والحلق (بِكُلِّ مَكَانٍ)، قال في «المبدع»: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄ السَّابق: «الهَدي وَالإِطْعامُ بِمَكَّةَ، وَالصَّومُ حَيثُ شَاء» . - مسألةٌ: (وَالدَّمُ) المطلق: ١ - (شَاةٌ): جذع ضأنٍ، أو ثنيُّ معزٍ، ويأتي في باب الأضحيَّة والهدي. ٢ - (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، أَوْ سُبُعُ بَقَرَةٍ)؛ لقوله تعالى في التَّمتُّع: (فما استيسر من الهدي)، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ» [البخاري ١٦٨٨]. وقيل، واختاره ابن عثيمينَ: إلَّا في جزاء صيدٍ، فلا تجزئ بدنةٌ عن بقرةٍ، ولا عن سَبْعِ شِيَاهٍ؛ لأنَّ جزاء الصَّيد يُشْتَرَطُ فيه المماثلة، قال تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم).

стр. 430

(فَصْلٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ) جزاؤه: ما يستحقُّ بدله على من أتلفه، من مثل الصَّيد، أو من قيمة ما لا مِثْلَ له. - مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الصَّيد (ضَرْبَانِ): الضَّرب الأوَّل: (مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ) في الخِلْقة لا في القيمة: (فَيَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ المِثْلُ)؛ لقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). (وَهُوَ) أي: ما له مِثْلٌ من النَّعَم، (نَوْعَانِ): (أَحَدُهُمَا: قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ)، فَيُرْجَعُ فيه إلى ما قضت به، ولا يحتاج أن يُحكَم عليه مرَّةً أخرى؛ لأنَّهم أقربُ إلى الصَّواب، وأعرفُ بمواقع الخطاب، فكان حكمهم حجَّةً. (وَمِنْهُ) أي: ممَّا قضت فيه الصَّحابة: - (فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ)؛ قضى به عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وزيد بن ثابتٍ

стр. 431

رضي الله عنهم [مصنف عبد الرزاق ٨٢٠٣]. - (وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ) بقرةٌ؛ رُوِيَ عن عمرَ ﵁ [ذكره النووي ولم نقف عليه]. - (وَ) في (بَقَرِهِ) أي: الواحدة من بقر الوحش: بقرةٌ؛ رُوِيَ عن ابن مسعودٍ ﵁ [عبد الرزاق: ٨٢٠٩]. - (وَ) في (إِيَّلٍ) وهو الذَّكَر من الأوعال: بقرةٌ؛ رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ [البيهقي: ٩٨٦٧]. - (وَ) في (تَيْتَلٍ) وهو الوعل المسنُّ، (وَ) في (وَعِلٍ: بَقَرَةٌ)؛ رُوِيَ عن ابن عمرَ ﵄ [لم نقف عليه، وروي عن عطاء عند عبد الرزاق: ٨٢١١]. - (وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ)؛ قال الإمام أحمدُ: (حَكَم فيها رسولُ الله ﷺ بكبشٍ). - (وَفِي الغَزَالِ: شَاةٌ)، لقضاء عمرَ ﵁ [البيهقي: ٩٨٨١]. - (وَفِي الوَبْرِ) وهي دُوَيْبَةٌ دون السِّنَّوْر لا ذَنَبَ لها، (وَ) في (الضَّبِّ: جَدْيٌ)؛ لقضاء عمرَ [عبد الرزاق: ٨٢٢١]. - (وَفِي اليَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ)؛ رُوِيَ عن عمرَ رضي الله عنه

стр. 432

[عبد الرزاق: ٨٢٢٤]. - (وَفِي الأَرْنَبِ: عَنَاقٌ دُونَ الجَفْرَةِ)؛ رُوِيَ عن عمرَ ﵁ [عبد الرزاق: ٨٢٢٤]. - (وَفِي الحَمَامِ: وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ المَاءَ) أي: شرب بدون مصٍّ (وَهَدَرَ) أي: صوَّت؛ فيدخل فيه الفواخت، والقَطَا، والقُمْرِيُّ، وغيره: (شَاةٌ)؛ لقضاء عمرَ وعثمانَ ﵄ [البيهقي: ١٠٠٠٧]. (النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ)؛ لقوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم)، فلا يكفي واحدٌ، (خَبِيرَيْنِ)؛ لأنَّه لا يُتَمَكَّنُ من الحكم بالمِثْل إلَّا بهما، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به في النَّعَم من حيث الخِلْقة لا القيمة؛ لفعل الصَّحابة ﵃. (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ) من النَّعَم، (وَهُوَ بَاقِي الطَّيْرِ) من العصافير والبلابل ولو أكبر من الحمام؛ كالحَبَارى ونحوها: (وَ) تجب (فِيهِ قِيمَتُهُ) في (مَكَانَهُ)، أي: مكان إتلافه؛ كمال الآدميِّ غير المثليِّ.

стр. 433

(فَصْلٌ) في حكم صيد الحَرَمِ - مسألةٌ: (وَحَرُمَ) على المُحْرِمِ والحلالِ (صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ) إجماعًا ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال يوم الفتح بمكَّةَ: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العبَّاس ﵁: يا رسول الله؛ إلَّا الإذخرَ، فإنَّه لقينهم ولبيوتهم، فقال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» [البخاري ١٨٣٣، ومسلم ١٣٥٣]. - فرعٌ: (وَحُكْمُهُ) أي: صيد حرم مكة كـ (حُكْمِ صَيْدِ الإِحْرَامِ) فيه الجزاء؛ لأن الصحابة قضوا في حمام الحرم: شاة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٦٦]. - مسألةٌ: (وَحَرُمَ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر الحَرَم إجماعًا ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»، (وَ) حرم أيضًا قطعُ (حَشِيشِهِ حَتَّى الشَّوْكِ وَلَوْ ضَرَّ، وَالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ، وَالوَرَقِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»، (إِلاَّ) ثمانية أمورٍ:

стр. 434

١ - (اليَابِسَ) من شجرٍ، وحشيشٍ، وورقٍ، ونحوها؛ لأنَّه بمنزلة الميت. ٢ - (وَالإِذْخِرَ) إجماعًا، وهو نبات يُسْتَعْمَل في البيوت والقبور والحدادة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: «إِلَّا الْإِذْخِرَ». ٣ - (وَالكَمْأَةَ، وَالفَقْعَ)؛ إجماعاً، وهو نبات يُسْتَعْمَل في البيوت والقبور والحدادة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق: «إِلَّا الْإِذْخِرَ». ٤ - (وَالثَّمَرَةَ)؛ لأنَّها تُسْتَخْلَف. ٥ - (وَمَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ) من بقلٍ، ورياحينَ، وزروعٍ، (حَتَّى مِنَ الشَّجَرِ) الَّذي غُرِسَ من غير شجر الحَرَم، فَيُبَاحُ أخذه والانتفاع به؛ لأنَّ الأصل الحلُّ، والنَّهي إنَّما ورد عن شجر الحَرَم، وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحدٌ، وهذا يُضَاف إلى مالكه، فلا يعمُّه الخبر. ٦ - (وَيُبَاحُ رَعْيُ حَشِيشِهِ) أي: الحَرَم؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» [البخاري ٤٩٣، ومسلم ٥٠٤]. ٧ - (وَانْتِفَاعٌ بِمَا زَالَ) بغير فعل آدميٍّ، فيجوز الانتفاع به بغير خلافٍ؛ لأنَّ الخبر في القطع لا في الانتفاع بالمقطوع.

стр. 435

فأمَّا ما قطعه الآدميُّ ممَّا يحرم قطعه، فيحرم الانتفاع به مطلقًا؛ لأنَّه ممنوعٌ من إتلافه؛ كالصَّيد يذبحه المحْرِمُ، يحرم عليه وعلى غيره. ٨ - (أَوِ انْكَسَرَ) من شجر الحَرَم (بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ؛ وَلَوْ لَمْ يَبِنْ)؛ لتلفه، فصار كالظُّفْرِ المنكسرة. - فرعٌ: (وَتُضْمَنُ الشَّجَرَةُ الصَّغِيرَةُ عُرْفًا) إذا قُطِعَتْ أو كُسِرَتْ (بِشَاةٍ، وَ) تُضْمَنُ (مَا فَوْقَهَا) وهي: المتوسِّطة والكبيرة (بِبَقَرَةٍ)؛ لما رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «فِي الدَّوحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الجَزْلَةِ شَاةٌ» [لم نقف عليه مسندًا، وأورده ابن قدامةَ في المغني ٣/ ٣٢٢]، وعن ابن الزُّبير ﵄: «أَنَّه لَمَّا بَنَى دُورَهُ بِقُعَيْقِعَانَ قَطَعَ شَجَرًا كَانَتْ فِي دُورِهِ، وَوَدَاهُ كُلَّ دَوْحَةٍ بِبَقَرَةٍ» [أخبار مكة للفاكهي ٢٢٣٣]، والدَّوحة: الشَّجرة العظيمة، والجزلة: الصَّغيرة. (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ) أي: الشَّاة والبقرة فيذبحها ويفرِّقها لمساكين الحَرَم، (وَبَيْنَ تَقْوِيمِهِ) أي المذكور من شاةٍ أو بقرةٍ بدراهمَ، (وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَجَزَاءِ صَيْدٍ) على ما سبق. - فرعٌ: (وَ) يُضْمَنُ (حَشِيشٌ) وورقٌ (بِقِيمَتِهِ)؛ لأنَّه متقوَّم، ويُفْعَلُ بقيمته كما سبق. واختار ابن عثيمينَ: لا جزاءَ في شجر الحَرَم وحشيشه؛ لعدم الدَّليل.

стр. 436

- مسألةٌ: (وَكُرِهَ إِخْرَاجُ تُرَابِ الحَرَمِ، وَ) إخراجُ (حِجَارَتِهُ إِلَى الحِلِّ)؛ لما ورد عن عطاء عن ابن عبَّاسٍ وابن عمرَ ﵁: «أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يُنْقَلَ مِنْ تُرَابِ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ، أَوْ يُدْخَلَ تُرَابُ الحِلِّ إِلَى الحَرَمِ» [أخبار مكة للفاكهي: ٢٢٧٣] . و(لَا) يُكْرَهُ إخراج (مَاءِ زَمْزَمَ)؛ لما ورد عن عطاء، في ماء زمزمَ يُخْرَجُ به من الحَرَم، فقال: «انتقل كعبٌ بثنتي عشرةَ راويةً إلى الشَّام يستقون بها» [مصنف ابن أبي شيبة: ٢٣٧٢٢، واحتج به أحمد]. - مسألةٌ: (وَتُسْتَحَبُّ المُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ) لما يأتي في بيان فضلها . واختار شيخ الإسلام: المجاورة في مكانٍ يتمكن فيه إيمانه وتقواه؛ أفضل حيث كان. - فرعٌ: (وَهِيَ) أي: مكَّةُ (أَفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ)؛ لحديث عبد الله بن عديِّ ابن الحمراء: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول وهو واقفٌ بالحزورة في سوق مكَّةَ: «وَالله إِنَّكِ، لَخَيْرُ أَرْضِ الله، وَأَحَبُّ أَرْضِ الله إِلَيَّ، وَالله لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ» [أحمد: ١٨٧١٥، والترمذي: ٣٩٢٥، وابن ماجه: ٣١٠٨، وصححه الحافظ].

стр. 437

- مسألةٌ: (وَتُضَاعَفُ الحَسَنَةُ) بالكميَّة في مكانٍ فاضلٍ؛ كمكَّةَ والمدينة، وزمانٍ فاضلٍ؛ كالأشهر الحَرَم ورمضانَ، بلا خلافٍ بين العلماء؛ للحديث القدسيِّ الَّذي رواه ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» [البخاري: ٦٤٩١، ومسلم: ١٣١] . (وَ) تُضَاعَف (السَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ فَاضِلٍ) لما ورد عن ابن مسعودٍ ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ لَأَذَاقَهُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا» [أحمد ٤٠٧١]. واختار ابن القيِّم: أنَّ مضاعفة السَّيِّئات تكون في الكيفيَّة لا في الكميَّة؛ لقوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)، ولكنْ سيئةٌ كبيرةٌ جزاؤها مثلها، وصغيرةٌ جزاؤها مثلها. - مسألةٌ: (وَحَرُمَ صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ)؛ لحديث عامر بن سعدٍ عن أبيه ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» [مسلم ١٣٦٣] . - مسألةٌ: (وَ) حرم (قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر المدينة، (وَحَشِيشِهِ) ؛

стр. 438

لحديث أنسٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» [البخاري ١٨٦٧]. - فرعٌ: يُسْتَثْنَى من تحريم شجر المدينة وحشيشه: ١ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه للعلف، فيجوز، وأشار إليه بقوله: (لِغَيْرِ حَاجَةِ عَلَفٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عليٍّ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» [أحمد ٩٥٩، وأبو داود ٢٠٣٥]. ٢ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه لرحلِ بعيرٍ، (وَقَتَبٍ) وهو رحلٌ صغيرٌ على قدر السِّنام، (وَنَحْوِهِمَا)، كآلة الحرث وآلة الجذاذ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث كثير بن عبد الله المزنيِّ، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ بِقَطْعِ المِسَدِّ، والقَائمِتَينِ، والمُتَّخِذَةِ عَصَا الدَّابَّةِ» [الطبراني في الكبير ١٧/ ١٨]. - مسألةٌ: (وَلَا جَزَاءَ) في صيد حَرَم المدينة، ولا في قطع شجرها وحشيشها، قال أحمدُ: (لم يبلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاءٍ) .

стр. 439

(بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ) - مسألةٌ: (يُسَنُّ) عند دخول مكَّةَ: ١ - أن يدخلها (نَهَارًا)؛ لما روى نافعٌ أنَّ ابن عمرَ ﵄: «أنه كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري ٤٩١، ومسلم ١٢٥٩]. ٢ - دخول مكَّةَ (مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَخُرُوجٌ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» [البخاري ١٥٧٥، ومسلم ١٢٥٧]. ٣ - (وَدخُولُ المَسْجِدِ الحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ فِي عِقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ هَذَا البَابِ الأَعْظَمِ» [ابن خزيمة ٢٧٠٠، وصححه الألباني]. قال ابن عثيمينَ: (وباب بني شيبةَ عفا عليه الدَّهر، ولا يُوجَدُ له أثرٌ الآن).

стр. 440

- مسألةٌ: (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «تُرْفَعُ الأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: إِذَا رَأَى البَيْتَ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَفِي جَمْعٍ، وَالعَرَفَاتِ، وَعِنْدَ الجِمَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٧٤٨، وفيه ضعف]، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، ومنه: ١ - ما رواه ابن جريجٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: «اللهمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا» [البيهقي ٩٢١٣، وقال: منقطع]. واختار شيخ الإسلام: يُسْتَحَبُّ الدُّعاء بذلك لمن رأى البيت قبل دخول المسجد الحرام، أمَّا من لم يره إلَّا بعد دخول المسجد، فلا يُسْتَحَبُّ له ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أوَّل ما دخل المسجد ابتدأ بالطَّواف، ولم يُصَلِّ قبل ذلك تحيَّة المسجد ولا غير ذلك. ٢ - ما ورد عن عمرَ ﵄: أنَّه كان يقول إذا رأى البيت: «اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» [البيهقي ٩٢١٦]. ٣ - أن يقول ما يُسْتَحَبُّ عند دخول سائر المساجد. - مسألةٌ: (ثُمَّ يَطُوفُ مُتَمَتِّعٌ لِلعُمْرَةِ، وَ) يطوف (مُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لِلقُدُومِ، وَهُوَ الوُرُودُ)، وهو تحيَّة الكعبة؛ لما ورد عن عائشةَ ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ

стр. 441

بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ» [البخاري ١٦١٤، ومسلم ١٢٣٥]. - مسألةٌ: (وَيَضْطَبِعُ) في هذا الطَّواف، بأن يجعل وسط الرِّداء تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر؛ (غَيْرُ حَامِلِ) شخصٍ (مَعْذُورٍ) بردائه؛ كمريضٍ أو صغيرٍ، فلا يضطبع؛ لعذرٍ، (فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ) أي: في الأشواط السَّبعة كلِّها، استحبابًا باتِّفاق الأئمَّة؛ لما ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى» [أحمد ٢٧٩٢، وأبو داود ١٨٨٤] . ولا يُسَنُّ الاضطباع في غير طواف القدوم؛ لعدم نقله، فإذا فرغ من الطَّواف أزال الاضطباع، ولا يضطبع في السَّعي؛ لعدم نقله، قال أحمدُ: (ما سمعنا فيه شيئًا). - مسألةٌ: (وَيَبْتَدِئُهُ) أي: الطَّواف (مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ)؛ لفعله ﷺ كما سيأتي، (فَيُحَاذِيهِ) أي: الحجر (أَوْ) يحاذي (بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ)؛ لأنَّ ما لزم استقباله لزم بجميع البدن كالقِبْلة، (وَيَسْتَلِمُهُ) أي: الحجر الأسود، واستلامه على مراتبَ: ١ - أن يمسحه (بِيَدِهِ اليُمْنَى)؛ لقول جابرٍ ﵁: «أنَّ

стр. 442

رسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» [مسلم ١٢١٨]، (وَيُقبِّلُهُ)؛ لقول عمرَ ﵁: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [البخاري ١٥٩٧، ومسلم ١٢٧٠]، (وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ هَكَذَا فَفَعَلْتُ» [الحاكم ١٦٧٢، وقال: صحيح الإسناد]، وفعله ابن عبَّاسٍ ﵄ [مصنف عبد الرزاق ٨٩١٢، وحسنه أحمدُ]. ٢ - (فَإِنْ شَقَّ) استلامه وتقبيله (لَمْ يُزَاحِمْ)؛ لحديث عمرَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «يَا عُمَرُ؛ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» [أحمد ١٩٠]، (وَاسْتَلَمَهُ) أي: الحجر الأسود (بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا)؛ لما روى نافعٌ قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ» [مسلم ١٢٦٨]، ٣ - (فَإِنْ شَقَّ) استلامه بيده (فَبِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ)، أي: استقبله بشيءٍ؛ كعصا، وقَبَّلَه؛ لقول أبي الطُّفَيْل ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» [مسلم ١٢٧٥]. ٤ - (فَإِنْ شَقَّ) استلامه بشيءٍ (أَشَارَ إِلَيْهِ) أي: الحجر (بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى

стр. 443

الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ» [البخاري ١٦١٣]، (وَلَا يُقَبِّلُهُ) أي: المشار به؛ لعدم وروده. - فرعٌ: (وَاسْتَقْبَلَهُ) أي: الحجر إذا شرع في الطَّواف، (بِوَجْهِهِ) إذا شقَّ استلامه بيده، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، منه: ١ - عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِاسْمِ الله وَالله أَكْبَرُ» [مصنف عبد الرزاق ٨٨٩٤]. ٢ - عن ابن عمرَ ﵄: «أنَّه كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ قَالَ: اللهمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَسْتَلِمُهُ» [الطبرانيُّ في الأوسط ٥٤٨٦، وصححه الحافظ]. - فرعٌ: (ثُمَّ يَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ)؛ لأنَّه ﷺ طاف كذلك، وقال في حديث جابرٍ ﵁: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [مسلم: ١٢٩٧]. - مسألةٌ: (وَيَرْمُلُ) وهو إسراع المشي مع تقارب الخُطَى من غير وثبٍ، (الأُفُقِيُّ) وهو المحْرِمُ من بعيدٍ من مكَّةَ، (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط؛ لما ورد أنَّ ابن عمرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً» [البخاري ١٦٠٣، ومسلم ١٢٦١] . - مسألةٌ: (فَإِذَا فَرَغَ) من الطَّواف (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) نفْلًا؛ لما لحديث

стр. 444

ابن عمرَ ﵄ السّابق: «ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ»، والوارد فعلٌ مجردٌ، فلا يدلُّ على الوجوب. - فرعٌ: (وَالأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا) أي: الرَّكعتان (خَلْفَ المَقَامِ)، أي: مقام إبراهيمَ، وحيث ركعهما جاز إجماعًا؛ لأنَّ عمرَ ﵁ صلَّاهما بذي طوًى [مصنف عبد الرزاق ٩٠٠٨]، (وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ عَنْهُمَا) أي: عن ركعتي الطَّواف؛ كتحيَّة المسجد. - مسألةٌ: (ثُمَّ) بعد الصَّلاة يعود و (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ) الأسود؛ لقول جابرٍ ﵁: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ»، ولا يستلمه إلَّا في طوافٍ يعقبه سعيٌ؛ لأنَّه الوارد . (وَيَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَرْقَاهُ) ندبًا، والواجب أن يستوعب ما بينهما بحيث يلصق عقبه بأصلهما؛ لقوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوَّف بهما)، ولا يُشْتَرَطُ صعود الجبل، (حَتَّى يَرَى البَيْتَ، فَـ) يستقبلَه، و (يُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَيَقُولُ مَا وَرَدَ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: (إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله) [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا

стр. 445

شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، (ثُمَّ يَنْزِلُ) من الصَّفا (مَاشِيًا إِلَى العَلَمِ الأَوَّلِ) وهو العلم الأخضر المعلَّق، حتَّى يبقى بينه وبين العلم المذكور ستَّة أذرعٍ، فيسعى، واختار المجد: يسعى إذا وصل إلى العلم الأخضر، (فَيَسْعَى) ماشٍ (سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى العَلَمِ الآخَرِ)؛ لحديث حبيبةَ بنت أبي تَجراةَ ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ» [أحمد ٢٧٣٦٨]. (ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ، وَيَقُولُ مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ) من المروة (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُهُ سَبْعًا)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا»، (وَيَحسُبُ ذَهَابَهُ سَعْيَةً وَرُجُوعَهُ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالمَرْوَةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ).

стр. 446

(فَصْلٌ فِي صِفَةِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) - مسألةٌ: (يُسَنُّ لِمُحِلٍّ بِمَكَّةَ) وقربها (الإِحْرَامُ بِالحَجِّ) قبل الزَّوال من (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ) ؛ لقول جابرٍ ﵁ في حديث صفة الحجِّ المشهور: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ» [مسلم: ١٢١٨]. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (المَبِيتُ بِمِنًى) يوم التَّروية ؛ لحديث جابرٍ السَّابق، ولا يجب إجماعًا؛ لحديث عروةَ بن مضرِّسٍ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» [أحمد: ١٦٢٠٨، وأبو داود: ١٩٥٠، والترمذي: ٨٩١، والنسائي: ٣٠٣٩، وابن ماجهْ: ٣٠١٦]، فعروةُ ﵁ لم يبت ليلة التَّاسع بمنًى، ولم يأمره النَّبيُّ ﷺ بشيءٍ، فدلَّ على أنَّه سنَّةٌ. - مسألةٌ: (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) من يوم عرفةَ (سَارَ) من منًى (فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ إِلَى الزَّوَالِ، ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ)؛ لحديث جابرٍ ﵁، وفيه: «ثُمَّ مَكَثَ

стр. 447

قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ». - مسألةٌ: (وَكُلُّهَا) أي: كلُّ عرفةَ (مَوْقِفٌ) اتِّفاقًا؛ لحديث جابرٍ ﵁ مرفوعًا: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» [مسلم: ١٢١٨]، (إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) فليست من عرفةَ اتِّفاقًا؛ لحديث جابرٍ مرفوعًا: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» [ابن ماجه: ٣٠١٢] . - فرعٌ: (وَهُوَ) أي: حدُّ عرفةَ: (الجَبَلُ المُشْرِفُ عَلَى عَرَفةَ إِلَى الجِبَالِ المُقَابِلَةِ لَهُ، إِلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ)؛ لما ورد عن يزيدَ بن شيبانَ، قال: أتانا ابن مربعٍ الأنصاريُّ ونحن بعرفةَ في مكانٍ يباعده عمرو عن الإمام فقال: أما إنِّي رسول رسول الله ﷺ إليكم يقول لكم: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» [أحمد: ١٧٢٣٣، وأبو داود: ١٩١٩، والترمذي: ٨٨٣، والنسائي: ٣٠١٤، وابن ماجهْ: ٣٠١١]. - مسألةٌ: (وَيَجْمَعُ) استحبابًا من يُبَاح له الجَمْع (فِيهَا) أي: عرفةَ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ تَقْدِيمًا) إجماعًا في الجملة؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ .

стр. 448

- فرعٌ: (وَسُنَّ وُقُوفُه) أي: الحاجُّ بعرفةَ (رَاكِبًا)؛ لفعله ﷺ حيث وقف على راحلته كما يأتي، (بِخَلَافِ سَائِرِ المَنَاسِكِ) فيفعلها غير راكبٍ، (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ)؛ لحديث جابرٍ ﵄، وفيه: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» [مسلم: ١٢١٨]. - فرعٌ: (وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) أي: جبل الرحَّمة، بالإجماع. - مسألةٌ: (وَيَرْفَعُ) واقفٌ بعرفةَ (يَدَيْهِ) ندبًا، (وَيُكْثِرُ) الحاجُّ (الدُّعَاءَ) في عرفةَ، (وَمِمَّا وَرَدَ): ما في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵄ مرفوعًا: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، وفي لفظٍ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [أحمد: ٦٩٦١، والترمذي: ٣٥٨٥]، ويكثر الاستغفار والتَّضرُّع والخشوع، وإظهار الضَّعف والافتقار .

стр. 449

- مسألةٌ: (وَ) بداية (وَقْتِ الوُقُوفِ) بعرفةَ: (مِنْ فَجْرِ) يوم (عَرَفَةَ)؛ لحديث عروةَ بن مضرَّسٍ، وفيه: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، فقوله: «نَهَارًا» يشمل ما قبل الزَّوال وما بعده . وحُكِيَ روايةً، واختارها شيخ الإسلام وفاقًا: أنَّ وقت الوقوف يبدأ من الزَّوال يوم عرفةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يدخل عرفةَ إلَّا بعد الزَّوال، فكان فعلُه بيانًا لأوَّل الوقت. ونهاية الوقوف بعرفةَ: يمتدُّ (إِلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) اتِّفاقًا؛ لحديث عروةَ بن مضرِّسٍ السَّابق. - مسألةٌ: (ثُمَّ يَدْفَعُ) الحاجُّ مع الإمام أونائبه (بَعْدَ الغُرُوبِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ» . - فرعٌ: يجب أن يجمع في وقوفه بعرفةَ بين اللَّيل والنَّهار لمن وقف بها نهارًا، فليس للحاجِّ أن يدفع منها قبل غروب الشَّمس؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ -

стр. 450

لم يرخِّص للضَّعفة أن ينفروا قبل غروب الشَّمس، ولو كان مستحبًّا لرخَّص لهم فيه. - فرعٌ: لا يخلو الحاجُّ الواقف بعرفةَ من ثلاثة أحوالٍ: ١ - أن يقف بها نهارًا ثمَّ يدفع منها بعد غروب الشَّمس: فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب. ٢ - أن يقف بها نهارًا ثمَّ يدفع منها قبل غروب الشَّمس: فلا يخلو من حالين: أ) أن يعود إلى عرفةَ ويستمرَّ للغروب، أو يعود إليها قبل الفجر: فلا دمَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب؛ وهو الجمع في الوقوف باللَّيل والنَّهار. ب) أن لا يعود إلى عرفةَ: فيجب عليه دمٌ؛ لأنَّه ترك الواجب. ٣ - أن يقف بها ليلًا فقط: فيجزئه الوقوف اتِّفاقًا، ولا دمَ عليه؛ لحديث عروةَ بن مضرِّسٍ ﵃، فلم يأمر النَّبيُّ ﷺ فيه بالدَّم. - فرعٌ: يُسَنُّ كون دفعه من عرفةَ (بِسَكِينَةٍ)؛ للحديث السَّابق. - مسألةٌ: (وَيَجْمَعُ فِيهَا) أي: في مزدلفةَ (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) أي: المغرب والعشاء (تَأْخِيرًا) إن وصلها وقت العشاء، فإن وصلها وقت المغرب فيجمع ولا يؤخِّرها؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «حَتَّى أَتَى المزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» .

стр. 451

- مسألةٌ: (وَيَبِيتُ بِهَا) أي: في مزدلفةَ وجوبًا؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ»، وقال في حديث جابرٍ الآخر: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولحديث عروةَ بن مضرِّسٍ، وفيه: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ» . - فرعٌ: يبيت الحاجُّ في مزدلفةَ إلى الفجر، فإن دفع قبل ذلك فلا يخلو من أربعة أحوالٍ: ١ - أن يدفع منها بعد نصف اللَّيل: فيجوز ولا شيءَ عليه، سواءً كان معذورًا أو غير معذورٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ» [البخاري: ١٦٧٧، ومسلم: ١٢٩٣]. واختار ابن القيِّم: يجوز للضَّعفة الدَّفع بعد غيبوبة القمر، وأمَّا القادر فلا يجوز له الدَّفع إلَّا بعد طلوع الشَّمس؛ لما ورد عن أسماءَ ﵂: أنَّها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلِّي، فصلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: «يَا بُنَيَّ؛ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: لا، فصلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: «يَا بُنَيَّ؛ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ »، قلت: نعم، قالت: «فَارْتَحِلُوا»، فارتحلنا ومضينا، حتَّى رمت الجمرة، ثمَّ رجعت فصلَّت الصَّبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه؛ ما أرانا إلَّا قد غَلَّسْنا، قالت: «يَا بُنَيَّ؛ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» [البخاري: ١٦٧٩، ومسلم: ١٢٩١].

стр. 452

٢ - أن يدفع قبل نصف اللَّيل: فلا يخلو من حالتين: أ) ألَّا يرجعَ إليها: فعليه دمٌ؛ لأنَّه ترك نسكًا واجبًا. ب) أن يرجع إليها فيدفع بعد نصف اللَّيل: فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب. ٣ - أن يأتي مزدلفةَ بعد نصف اللَّيل: فله الدَّفع مباشرةً؛ لأنَّ وقت جواز الدَّفع من بعد نصف اللَّيل، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بالواجب وهو الوقوف بمزدلفةَ. ٤ - أن يأتيَ مزدلفةَ بعد طلوع الفجر: فعليه دمٌ؛ لأنَّه ترك الواجب. - مسألةٌ: (فَإِذَا صَلَّى) الحاجُّ (الصُّبْحَ) بغَلَسٍ (أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ)، وهو جبلٌ صغيرٌ بالمزدلفة سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه من علامات الحجِّ، (فَرَقِيَهُ) إن أمكنه، (وَ) إلَّا (وَقَفَ عِنْدَهُ، وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ)، (وَدَعَا بِمَا وَرَدَ)، ولم نقف على ذكرٍ مخصوصٍ في هذا الموطن عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أصحابه، وعبارة الأصحاب: فيقول: (اللَّهُمَّ كما وقَّفتنا فيه، وأريتنا إيَّاه، فوفِّقْنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، ولذلك قال: (وَقَرَأَ) قوله تعالى: ("فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ" الآيَتَيْنِ [البَقَرَة: ١٩٨ - ١٩٩]) وتمامهما: (فَاذْكُرُوا الله عِنْدَ

стр. 453

الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ). قال ابن عثيمينَ: (وقراءة هاتين الآيتين لا أعلم فيها سنَّةً، لكنَّها مناسبةٌ؛ لأنَّ الإنسان يُذَكِّرُ نفسه بما أمر الله به في كتابه). - مسألةٌ: (وَيَدْعُو) عند المشعر الحرام (حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . - مسألةٌ: (ثُمَّ يَدْفَعُ) من المشعر الحرام قبل طلوع الشَّمس (إِلَى مِنًى)؛ لحديث جابرٍ السَّابق . - مسألةٌ: يدفع الحاجُّ من المشعر الحرام إلى منًى بسكينةٍ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، وفيه: ثمَّ أردف الفضل بن عبَّاسٍ من جمعٍ إلى منًى، وهو يقول: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» [أحمد: ٢٤٢٧، وأبو داود: ١٩٢٠]، (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا)، وهو وادٍ بين مزدلفةَ ومنًى، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يحسر سالكه، (أَسْرَعَ) قدر (رَمْيَةَ حَجَرٍ)، وهي بمقدار خمسمائةٍ وخمسةٍ وأربعين ذراعًا تقريبًا، والذِّراع نصف مترٍ تقريبًا، فصار المجموع (٢٧٢.٥) متر، وذلك إن كان ماشيًا، وإلَّا حرَّك

стр. 454

دابَّتَه؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى». - مسألةٌ: (وَ) إذا دفع الحاجُّ من مزدلفةَ (أَخَذَ حَصَى الجِمَارِ)، فيأخذ (سَبْعِينَ حَصَاةً)؛ ليرميَ بها جمرةَ العقبة بسبع حصياتٍ، وأيَّام التَّشريق الثَّلاثة كلَّ يوم إحدى وعشرين حصاةً، فإن كان متعجِّلًا تخلَّص من حصى اليوم الثَّالث . - فرعٌ: تكون الحصاة (أَكْبَرَ مِنَ الحِمَّصِ وَدُونَ البُنْدُقِ) مثل حصى الخذف، فلا تجزئ صغيرةٌ جدًّا ولا كبيرةٌ؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الخَذْفِ»، فقوله: «حَصَى الخَذْفِ» لا يتناول ما لَا يُسَمَّى حصى لصغره، ولا ما يُسَمَّى حجرًا لكبره. - فرعٌ: لا يخلو مكان أخذ الحصى من ثلاثة أقسامٍ: ١ - الاستحباب: فَيُسْتَحَبُّ أخذ الحصى من طريقه إلى منًى أو من مزدلفةَ؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄: أنَّه كان يأخذ الحصى من جمعٍ. [البيهقي: ٩٥٤٤]. ٢ - الجواز: فيجوز أخذ الحصى (مِنْ حَيْثُ شَاءَ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فلقطت له حصياتٍ هنَّ حصى الخذف، فلمَّا وضعتهنَّ في يده، قال:

стр. 455

«بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [أحمد: ١٨٥١، والنسائي: ٣٠٥٧]. ٣ - الكراهة: وأشار إليه بقوله: (وَكُرِهَ) أخذ الحصى (مِن): أ) منًى؛ لئلَّا يشتغل عند قدوم منًى بشيءٍ قبل الرَّمي، لأنَّ الرَّميَ تحيَّة منًى. ب) (الحَرَمِ) أي: حرم الكعبة؛ لأنَّه يُكْرَهُ إخراج شيءٍ من حصباء الحرم وترابه. ت) (وَالحُشِّ)؛ لأنَّه مظنَّة النَّجاسة. وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يجوز أخذ الحصى حيث شاء؛ لحديث ابن عبَّاسٍ السَّابق، وكان ذلك بمنًى. وقال ابن عثيمينَ: (ظاهر السُّنَّة أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ، وأمَّا أخذهنَّ من مزدلفةَ فليس بمُسْتَحَبٍّ). - مسألةٌ: (وَ) كُرِهَ (تَكْسِيرُهُ) أي: الحصى؛ لئلَّا يطير إلى وجهه منه شيءٌ يؤذيه . - مسألةٌ: (وَلَا يُسَنُّ غَسْلُهُ) أي: الحصى، قال أحمدُ: لم يبلغنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعله .

стр. 456

(وَتُجْزِئُ حَصَاةٌ نَجِسَةٌ مَعَ الكَرَاهَةِ)؛ لإطلاق حديث ابن عبَّاسٍ لما لقط الحصى لرسول الله ﷺ ، قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ» [أحمد: ١٨٥١، والنسائي: ٣٠٥٧]. - مسألةٌ: إذا وصل منًى (فَـ) ـإنَّه (يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَحْدَهَا) دون الوسطى والصُّغرى، (بِسَبْعِ) حصياتٍ؛ واحدةً بعد أخرى؛ لحديث جابرٍ في صفة الحجِّ، وفيه: «حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا» . - فرعٌ: (وَيُشْتَرَطُ) في رمي الجمار شروطٌ، منها: ١ - (الرَّمْيُ)، بأن يرميَ الحصى رميًا، (فَلَا يُجْزِئُ الوَضْعُ)؛ لأنَّه ليس برميٍ؛ لفعله ﷺ ، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [مسلم: ١٢٩٧]. ٢ - (وَكَوْنُهُ) يرمي (وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى)، فلو رماها دفعةً واحدةً حُسِبَتْ واحدةً؛ لأنَّ المنصوص عليه تفريق الأعمال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعلٍ واحدٍ لا يكون إلَّا عن حصاةٍ واحدةٍ. - فرعٌ: يُسْتَحَبُّ أن (يَرْفَعُ يُمْنَاهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) حال الرَّمي (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنَّه أعونُ على الرَّمي. - فرعٌ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أن (يُكَبِّرُ مَعَ) رمي (كُلِّ حَصَاةٍ)؛ لحديث جابرٍ

стр. 457

رضي الله عنه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا». - مسألةٌ: (ثُمَّ يَنْحَرُ) الهدي إن كان معه، واجبًا كان أو تطوُّعًا؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ» . - مسألةٌ: (وَ) يجب على الحاجِّ أن (يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ) من جميع شعره، وهو نسكٌ من المناسك يجب بتركه دمٌ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا، وفيه: «وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ» [البخاري: ١٦٩١، ومسلم: ١٢٢٧]، فلو لم يكن نسكًا لم يتوقَّف الحلُّ عليه . - فرعٌ: يجب أن يحلقَ أو يقصرَ (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ، لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا)؛ لأنَّ ذلك يشقُّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] وهو عامٌّ في جميع شعر الرَّأس. - فرعٌ: (وَالمَرْأَةُ تُقَصِّرُ) من كلِّ قرنٍ (مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ أَنْمُلَةٍ) فأقلَّ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» [أبو داود: ١٩٨٤]. - مسألةٌ: (ثُمَّ) إذا رمى وحلق أو قصَّر فـ (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حرم عليه بالإحرام (إِلَّا النِّسَاءَ) وطئًا، ومباشرةً لشهوةٍ، وعقد نكاحٍ، وهو التَّحلُّل الأوَّل؛ لحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ

стр. 458

لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» [أحمد: ٢٥١٠٣، وفي زيادة: "حلقتم" ضعف]. واختار شيخ الإسلام: لا يحرم عقد النِّكاح بعد التَّحلُّل الأوَّل؛ لأنَّ من تحلَّلَ التَّحلُّل الأوَّل لا يُطْلَق عليه الاسم المطلق للمُحْرِم. فَصْلٌ - مسألةٌ: (ثُمَّ يُفِيضُ) الحاجُّ (إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) ويقال: طواف الإفاضة، (الَّذِي هُوَ رُكْنٌ) بالإجماع؛ لأمر الله به بقوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩] . - فرعٌ: (ثُمَّ يَسْعَى) المتمتِّع بين الصَّفا والمروة سعيًا ثانيًا اتِّفاقًا؛ لأنَّ سعيَه الأوَّل كان للعمرة، فيجب أن يسعى للحجِّ، لحديث ابن عبَّاسٍ، وفيه: «فطفنا بالبيت وبالصَّفا والمروة، وأتينا النِّساء ولبسنا الثِّياب، وقال: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثمَّ أمرنا عشيَّة التَّروية أن نُهِلَّ بالحجِّ، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصَّفا والمروة، فقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي» [البخاري معلَّقًا: ١٥٧٢، ووصله البيهقي: ٨٨٨٩]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجب على المتمتِّع سعيٌ واحدٌ؛

стр. 459

لحديث جابرٍ السَّابق: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا»، فعمَّم الفعل على جميع الصَّحابة، ولا يمكن حمله على القارنين منهم؛ لأنَّ القارنين مع النَّبيِّ ﷺ كانوا قلَّةً. - فرعٌ: القارن أو المفرد لا يخلو من حالين: ١ - أن يكون قد سعى مع طواف القدوم: فلا يعيد السَّعي؛ لحديث عائشةَ ﵂: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» [مسلم: ١٢١١]، وكانت قارنةً. ٢ - (إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) بعد طواف القدوم: فيسعى بعد طواف الزِّيارة سعي الحجِّ؛ لأنَّه من أركان الحجِّ، ويأتي. - فرعٌ: (وَ) إذا طاف الحاجُّ وسعى، وكان (قَدْ) انتهى من الرَّمي، والحلق أو التَّقصير: (حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حتَّى النِّساء، وهذا هو التَّحلُّل الثَّاني؛ لحديث عائشةَ ﵂ لما قرنت الحجَّ بالعمرة، وفيه: حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة والصَّفا والمروة، ثمَّ قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» [مسلم: ١٢١٣]. - مسألةٌ: (وَسُنَّ) له بعد طواف الزِّيارة (أَنْ يَشْرَبَ مِنْ زَمْزَمَ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: فأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهر، فأتى بني عبد المطَّلب يسقون على زمزمَ، فقال: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ

стр. 460

يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فناولوه دلوًا فشرب منه. - فرعٌ: آداب الشُّرب من ماء زمزمَ: ١ - أن يشرب منه (لِمَا أَحَبَّ) أن يعطيَه الله منه من خيري الدُّنيا والآخرة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» [الدارقطني: ٢٧٣٩]، وفي حديث أبي ذرٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» [مسلم: ٢٤٧٣]. ٢ - (وَ) سُنَّ أن (يَتَضَلَّعَ) من ماء زمزمَ، بحيث يشرب حتَّى تمتلئ أضلاعه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، إِنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ، مِنْ زَمْزَمَ» [ابن ماجهْ: ٣٠٦١، وحسنه الحافظ]. ٣ - (و) سُنَّ أن (يَرُشَّ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ في صفة الحجِّ: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ» [أحمد: ١٥٢٤٣]. ٤ - (وَ) سُنَّ عند شرب ماء زمزمَ أن (يَدْعُوَ بِمَا وَرَدَ)، ومن ذلك ما ورد عن عكرمةَ قال: كان ابن عبَّاسٍ ﵄ إذا شرب من زمزمَ قال: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» [الدارقطني: ٢٧٣٨].
следующие страницы →