← Фикх общий

Фикх общий · id 147665

مناسك الحج لابن تيمية ط ركائز

ابن تيمية

Полный текст (178 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأمَّا إذا اشترى الهَديَ (١) مِنْ مِنًى، وذَبَحَهُ فيها (٢) ففيهِ نِزَاعٌ: - فمذهبُ مالكٍ: أنَّهُ ليسَ بِهَدْيٍ (٣)، وهو منقولٌ عن ابن عمر (٤). - ومذهبُ الثلاثةِ: أنَّه هَدْيٌ (٥)، وهو منقولٌ عَنْ عائشةَ (٦). ولَهُ أنْ يَأْخُذَ الحَصَى مِنْ حيثُ شاءَ (٧)، لكنْ لَا يَرْمِي بِحَصًى قدْ رُمِيَ بهِ.

стр. 107

ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ فوقَ الِحمّصِ (١) ودُونَ البُنْدُقِ (٢). وإنْ كَسَرَه (٣): جازَ (٤)، والتِقَاطُ الحَصَى أفضلُ مِن تكسيرِهِ (٥) مِنَ الجبلِ. ثم يَحْلِقُ رأسَهُ أو يُقَصِّرُهُ (٦)، والحَلْقُ أفضلُ مِنَ التقصيرِ. وإذَا قَصَّرَهُ: جَمَعَ الشَّعرَ وقصَّر (٧) منه بقدرِ الأَنْمُلَةِ (٨) أو أقلَّ أو

стр. 108

أكثرَّ (١)، والمرأةُ لا تَقُصُّ (٢) أكثرَ مِن ذلِكَ، وأمَّا الرجلُ فلَهُ أنْ يُقَصِّر ما شاءَ (٣). وإذَا فعلَ ذلِكَ: فقدْ تَحَلَّلَ باتفاقِ المسلمِينَ التَّحَلُّلَ الأوَّلَ، فيلبَسُ الثيابَ، ويُقَلِّمُ الأظفارَ (٤)، وكذلِكَ له - على الصحيحِ - أنْ يتطيَّبَ، وأن يتزوَّجَ (٥)، وأنْ يصطادَ، ولا يبقَى عليه مِنَ المحظورَاتِ إلا النساءُ. وبعدَ (٦) ذلِكَ يدخُلُ مكةَ؛ فيطوفُ طوافَ الإفاضةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذلِكَ يومَ النحرِ، وإلَّا فَعَلَهُ بعدَ ذلِكَ، لكِنْ ينبغِي أنْ يكونَ في أيامِ التشريقِ؛ فإنَّ تأخِيرَهُ (٧) عنْ ذلِكَ فيهِ (٨) نِزَاعٌ (٩).

стр. 109

ثمَّ يسعَى بعدَ ذلِكَ سَعْيَ (١) الحَجِّ، وليس على الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ واحِدٌ. [وكذلِكَ القارِنُ عندَ جمهورِ العلماءِ. وكذلِكَ المتمتِّعُ في أَصَحِّ قولِهِمْ (٢)، وهُوَ أصحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ (٣)؛ ليسَ (٤) عليهِ (٥) إلَّا سَعْيٌ واحِدٌ] (٦)؛ فإنَّ الصحابةَ الَّذِينَ (٧)

стр. 110

تمتَّعُوا معَ النبيِّ ﷺ لم يطوفوا (١) بينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ إلَّا مرةً (٢) واحدةً قبلَ التعريفِ (٣)، فإذَا اكْتَفَى المتمتِّعُ بالسَّعْيِ الأوَّلِ؛ أَجْزَأَهُ ذلِكَ، كمَا يُجْزِئُ القارِنَ والمفرد (٤). وكذلِكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: قلت (٥) لأبِي: المتمتِّعُ كمْ يسعَى بينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ؟ قالَ: «إنْ طافَ طوَافَيْنِ -يعنِي بالبيتِ وبينَ (٦) الصَّفَا والمروةِ- فهُوَ أَجْوَدُ، وإنْ (٧) طافَ طوافًا واحدًا فلا بأسَ، وإنْ طافَ طَوَافَيْنِ فهو أَعْجَبُ إِلَيَّ» (٨).

стр. 111

وقالَ أحمدُ (١): حدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم (٢)، حدَّثَنَا الأوزاعيُّ، عنْ عطاءٍ، عنِ ابْنِ عبَّاسٍ، أنَّهُ كانَ يقولُ: «الْمُفْرِدُ والقارنُ (٣) والمتمتِّعُ؛ يُجْزِئُهُ طوافٌ بالبيت، وسَعْيٌ بينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ» (٤). وقدِ اخْتُلِفَ (٥) في الصحابة المتمتِّعِينَ معَ النبيِّ ﷺ ، معَ اتِّفَاقِ الناسِ على (٦) أنَّهُمْ طافُوا أوَّلًا بالبيتِ وبينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلمَّا رجَعُوا مِنْ عرفةَ: قِيلَ: إنَّهُمْ سَعَوْا أيضًا بعدَ طوافِ الإفاضةِ. وقِيلَ: لم يَسْعَوْا، وهذا هُوَ الذي ثَبَت (٧) في صحيحِ مسلمٍ (٨) عنْ جابِرٍ قالَ: «لم يَطُفِ (٩) النبيُّ ﷺ وأصحابُه بينَ الصفَا

стр. 112

والْمَرْوَةِ (١) إلَّا طوافًا واحدًا؛ طوافَهُ (٢) الأوَّلَ». وقدْ رُوِيَ في حديثِ عائشةَ: «أنَّهُمْ طافُوا مرَّتَيْنِ» (٣)، لكنَّ هذِه الزيادةَ قد (٤) قِيلَ: إنَّها مِن قولِ الزُّهْرِيِّ لَا مِنْ قولِ عائشةَ، وقدِ احتجَّ بها بعضُهم علَى أنَّه يُسْتَحَبُّ طوافَانِ بالبيتِ. وهذا ضعيفٌ، والأظهرُ (٥) ما (٦) في حديثِ جابِرٍ، ويؤيِّدُهُ قولُهُ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٧)، والمتمتِّعُ (٨) مِن حينَ أَحْرَمَ بالعمرةِ دخلَ في الحجِّ (٩)، لكنَّهُ فَصَلَ بتَحَلُّلٍ؛ ليكونَ أَيْسَرَ علَى الحاجِّ، وأحبُّ الدينِ إلى اللهِ الحنيفيةُ السَّمْحَةُ. ولَا يُسْتَحَبُّ للمتمتِّعِ ولَا لغيرِهِ (١٠) أنْ يطوفَ للقُدُومِ بعدَ

стр. 113

التعريفِ (١)، بلْ هذَا الطوافُ هُو (٢) السُّنَّةُ في حَقِّهِ؛ كمَا فَعَلَ الصحابةُ معَ النبيِّ ﷺ . فإذَا طافَ طواف الإفاضةِ (٣): فقدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ؛ النساءُ وغيرُ النساءِ. وليسَ بِمِنًى صلاةُ عيدٍ، بل رَمْيُ جمرةِ العقبةِ لهم كصلاةِ العِيدِ لِأَهْلِ الأمصارِ، والنبيُّ ﷺ لم يُصَلِّ جمعةً ولَا عيدًا في السفر (٤)، لا بمكة ولا غير مكة (٥)، بلْ كانتْ خُطْبَتُهُ بعرفةَ خطبةَ نُسُكٍ، لا خُطْبَةَ جمعةٍ، ولم يَجْهَرْ بالقراءةِ في الصلاةِ بعرفةَ. (٦)

стр. 114

فصلٌ ثمَّ يرجعُ إلى (١) مِنًى فيَبِيتُ بها، ويَرْمِي الجَمَراتِ الثلاثَ كلَّ يومٍ بعدَ الزَّوَالِ، يَبْتَدِئُ بالجمرةِ الأُولَى الَّتِي هي (٢) أقربُ إلى مسجدِ الْخَيْفِ (٣)، ويُسْتَحَبُّ أنْ يمشِيَ إليها فيَرْمِيَهَا بسبعِ حَصَيَاتٍ. ويُسْتَحَبُّ له (٤) أنْ يُكَبِّرَ معَ كلِّ حَصَاةٍ، وإنْ شاءَ قالَ: «اللَّهُمَّ اجعلْهُ حَجًّا مبرورًا، وسَعْيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا» (٥). ويُسْتَحَبُّ له إذا رَمَاهَا أنْ يتقدَّمَ قليلًا إلى مَوْضِعٍ (٦) لا يُصِيبُهُ الحَصَى، فيدعُوَ (٧) اللهَ تعالَى مستقْبِلَ القِبْلَةِ، رافعًا يَدَيْهِ، بِقَدْرِ قراءة (٨) سورةِ البقرةِ.

стр. 115

ثمَّ يذهبُ إلى الجمرةِ الثانِيَةِ فيرمِيهَا كذلِكَ، يتقدَّمُ (١) عَنْ يسارِهِ، يدعُو مثلَ مَا فَعَلَ عندَ الأُولَى. ثمَّ يَرْمِي الجمرة (٢) الثالِثَةَ، وهي جمرةُ العقبةِ، فيَرْمِيهَا بسبعِ حصياتٍ (٣) أيضًا، ولا يَقِفُ عندَها. ثمَّ يَرْمِي في اليومِ الثانِي مِنْ أيامِ مِنًى مثلَ مَا رَمَى فِي الأَوَّلِ. ثمَّ إنْ شاءَ رَمَى في اليومِ الثالِثِ، وهو الأفضلُ (٤)، وإنْ شاءَ (٥) تعجَّلَ في اليومِ الثانِي بنفسِه قبلَ غروبِ الشمسِ؛ كمَا قالَ تعالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإن (٦) غَرَبَتِ (٧) الشمسُ وهو بِمِنًى؛ أقامَ حتى يَرْمِيَ مع (٨) الناسِ في اليومِ الثالثِ. ولا يَنْفِرُ الإمامُ الَّذِي يُقِيمُ للناسِ المناسِكَ، بَلِ السُّنَّةُ أنْ يُقِيمَ

стр. 116

إلَى اليومِ (١) الثالثِ (٢). والسُّنَّةُ للإمامِ أنْ يصلِّيَ بالناسِ بِمِنًى، ويُصَلِّيَ أهلُ الْمَوْسِمِ خلْفَهُ (٣). ويُسْتَحَبُّ ألَّا يَدَعَ الصلاةَ في مسجدِ مِنًى -وهُوَ مسجِدُ الْخَيْفِ- معَ الإمامِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأبَا بكرٍ وعمرَ كانُوا يصلُّونَ بالناسِ قَصْرًا بلَا (٤) جَمْعٍ بِمِنًى، ويَقْصُرُ الناسُ كلُّهُمْ (٥) خَلْفَهُمْ؛ أهلُ مكةَ وغيرُ أهلِ مكةَ، وإنَّما رُوِيَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» لَمَّا صلَّى بهم (٦) بمكةَ نفسِها (٧)، فإنْ لم يكنْ للناسِ إمامٌ عامٌّ (٨)؛ صلَّى الرجلُ بأصحابِه. والمسجدُ بُنِيَ بعدَ النبيِّ ﷺ ، لم يكُنْ علَى عهدِهِ.

стр. 117

ثُمَّ يَنفِرُ (١) مِنْ مِنًى؛ فإنْ بَاتَ بالْمُحَصَّبِ - وهو الأبطحُ، وهو مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلى الْمَقْبَرَةِ - ثم نَفَرَ (٢) بعدَ ذلِكَ: فحَسَنٌ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ باتَ به وخَرَجَ (٣)، ولم يُقِمْ بمكةَ بعدَ صُدورِهِ (٤) مِنْ مِنًى، لكنَّهُ وَدَّع (٥) البيتَ، وقالَ (٦): «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ (٧)» (٨). فلَا يخرُجُ الحاجُّ حتَّى يُوَدِّعَ البيتَ، فيطوفَ طوافَ الوداعِ؛ حتَّى يكونَ آخِرُ عهدِهِ بالبيتِ (٩). ومَنْ أقامَ بمكةَ: فلا وَدَاعَ عليهِ (١٠).

стр. 118

وهذَا الطوافُ يؤخِّرُهُ الصادِرُ مِنْ (١) مكةَ حتَّى يكونَ بعدَ جَمِيعِ أمورِهِ، فلا يشتغلُ بعدَهُ بتجارَةٍ ولا نحوِهَا (٢)، لكِنْ إذا (٣) قضَى حاجَتَهُ (٤)، أوِ اشْتَرَى (٥) شيئًا في طريقِهِ بعدَ الوَدَاعِ، أو دَخَلَ إلى (٦) المنزلَ الَّذِي هو فيه لِيَحْمِلَ المتاعَ على دَابَّتِهِ، ونحوَ ذلِكَ مِمَّا هو مِنْ أسبابِ الرحيلِ: فلا إعادةَ عليهِ. وإنْ أقامَ بعدَ الوَدَاعِ: أعادَهُ. وهذا الطوافُ: واجب (٧) عندَ الجمهورِ (٨)، لَكِنْ يسقُطُ عنِ الحائِضِ.

стр. 119

وإنْ أَحَبَّ أنْ يأتِيَ الْمُلْتَزَمَ (١) -وهو ما بَيْنَ الحَجَرِ الأسودِ والبابِ- فيضعَ عليهِ صدرَهُ ووَجْهَهُ وذراعَيْهِ وكَفَّيْهِ، ويدعُوَ ويسألَ اللهَ تعالَى حاجَتَهُ: فَعَلَ ذلكَ (٢). ولهُ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ (٣) قبلَ طوافِ الوَدَاعِ؛ فإنَّ هذَا الالتزامَ لا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ حالَ الوَدَاعِ وغيرِهِ (٤)، والصحابةُ كانُوا (٥) يفعلونَ ذلك حينَ يدخلونَ مكةَ (٦).

стр. 120

وإنْ شاءَ قالَ في دُعَائِهِ الدعاءَ المأثورَ عنِ ابنِ عباسٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي عبدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ (١)، وَابنُ (٢) أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، وسَيَّرْتَنِي في بلادِكَ، حتَّى بلَّغْتَنِي بنعمتِكَ إِلى (٣) بيتِكَ، وأَعَنْتَنِي على أداءِ نُسُكِي، فإنْ كنتَ رَضِيتَ عنِّي فازْدَدْ عنِّي (٤) رضًا، وإلَّا فَمِنَ الآنَ فَارْضَ عنِّي (٥) قبلَ أنْ تنأَى عنْ بَيْتِكَ دارِي، [فهذَا (٦) أوانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْتَ لي، غيرَ مُستَبدِلٍ (٧) بكَ ولا بِبيتِكَ (٨)،

стр. 121

ولا راغِبٍ عنكَ ولا عنْ بيتِكَ] (١)، اللَّهُمَّ فأَصْحِبْنِي العافيةَ في بَدَنِي، والصحةَ في جِسْمِي، والعصمةَ في دِينِي، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وارْزُقْنِي طاعتَكَ ما أَبْقَيْتَني، واجْمَعْ لي بين (٢) خَيْرِ (٣) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ» (٤). ولوْ وَقَفَ عند البابِ ودَعَا هناك مِنْ غيرِ التزامٍ للبيتِ (٥)؛ كانَ حَسَنًا. فإذَا وَلَّى: لَا يَقِفُ ولا يلتفتُ، ولا يَمْشِي القَهْقَرَى (٦)، قال الثَّعالبِيُّ (٧) في «فقه اللغةِ» (٨): (القَهْقَرَى: مِشْيَةُ الرَّاجِعِ إلى خَلْفُ)،

стр. 122

حَتَّى قدْ (١) قِيلَ: إنَّه إذا رأى البيتَ؛ رَجَعَ فوَدَّعَ (٢). وكذلِكَ (٣) عندَ سَلَامِهِ على النبيِّ ﷺ ينصرِفُ (٤) ولَا يمشِي القَهْقَرَى، بلْ يخرُجُ كما يخرُجُ الناسُ مِنَ المساجِدِ عندَ الصلاةِ (٥). وليسَ في عَمَلِ القارِنِ زيادةٌ علَى عملِ (٦) الْمُفْرِدِ، لكن عليه وعلَى (٧) الْمُتَمَتِّعِ هَدْيٌ؛ إما (٨) بدنةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو شِرْكٌ في دمٍ.

стр. 123

ف مَنْ لم يَجِدِ الهديَ: صامَ ثلاثةَ أيامٍ قبلَ يومِ (١) النحرِ (٢)، وسبعةً إذَا رجعَ (٣). ولَهُ أنْ يصومَ الثلاثةَ مِنْ حينَ أَحْرَمَ بالعمرةِ في أَظْهَرِ أقوالِ العلماءِ، وفيها (٤) ثلاثُ رواياتٍ عنْ أحمدَ ﵁: - قِيلَ: إنَّهُ (٥) يصومُهَا قبلَ الإحرامِ بالعمرةِ (٦). - وقيل (٧): لا يصومُهَا إلَّا بعدَ الإحرامِ بالحجِّ (٨).

стр. 124

- وقيل: يصومها (١) من حين الإحرام (٢) بالعمرة، وهُوَ الأرجحُ (٣). - وقدْ قيلَ: إنه (٤) يصومُهَا بعدَ التحلُّلِ منَ العمرةِ (٥)؛ فإنَّهُ من (٦) حينئذٍ شَرَعَ في الحجِّ، ولكنْ دَخَلَتِ العمرةُ في الحجِّ [إلى يوم القيامة (٧) كما دخلَ الوُضوءُ في الغُسْلِ، قالَ النبيُّ ﷺ : «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ] (٨) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٩)، وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ كانُوا متمتِّعِينَ معهُ، وإنَّما أَحْرَمُوا بالحجِّ يوم التروية، وحينئذ فلا بدَّ من صوم بعض الثلاثة (١٠) قبل الإحرام بالحجِّ.

стр. 125

ويُسْتَحَبُّ أنْ يشرَبَ مِنْ ماءِ زمزمَ، ويتضلَّعَ منه (١)، ويدعُوَ عندَ شُرْبِه (٢) بما شاءَ (٣) مِنَ الأدْعِيَةِ الشرعيةِ (٤)، ولا يُسْتَحَبُّ الاغتسالُ مِنْهَا (٥). وأمَّا زيارَةُ المساجدِ التي بُنِيَتْ بمكَّةَ غيرَ المسجدِ الحرامِ؛ كالمسجدِ الذي تحتَ الصَّفَا، ومَا (٦) فِي سَفْحِ أبي قُبَيْسٍ، ونحوِ ذلكَ مِنَ المساجدِ الَّتِي بُنِيَتْ على آثارِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ؛ كمسجدِ الْمَوْلِدِ (٧) وغيرِه، فليسَ قَصْدُ شيءٍ مِنْ ذلِكَ مِنَ السُّنَّةِ، ولا استحبَّهُ (٨) أحدٌ مِنَ الأئمةِ، وإنَّما المشروعُ إتيانُ المسجدِ الحرامِ

стр. 126

خاصَّةً، والمشاعِرِ؛ عرفةَ، ومزدلِفَةَ، ومنىً (١)، [والصَّفَا، والمروةِ. وكذلك قَصْدُ الجبالِ والبِقَاعِ التي حَوْلَ مكةَ غيرِ المشاعِرِ؛ عرفةَ ومزدلفةَ ومِنًى] (٢)، مثلُ جبلِ حِرَاءَ، والجبلِ الذي عند مِنًى الذي يُقَالُ (٣): إنَّهُ كان فيه (٤) قُبَّةُ الفِدَاءِ، ونحوِ ذلِكَ، فإنَّهُ ليسَ مِنْ سُنَّةِ النبي ﷺ زيارةُ شيءٍ مِنْ ذلِكَ، بلْ هو بدعةٌ. وكذلِكَ ما يُوجَدُ في الطرقاتِ مِنَ المساجِدِ المبنيةِ على الآثارِ والبقاعِ الَّتِي يقالُ: إنَّها (٥) مِنَ الآثارِ؛ لم يَشْرَعِ النبيُّ ﷺ قصد (٦) شيءٍ مِنْ ذلكَ بخصوصِهِ (٧)، ولا زيارةَ شيءٍ مِنْ ذلكَ (٨). ودخولُ نفس (٩) الكعبةِ ليسَ بفرضٍ ولا سُنَّةٍ مؤكَّدَةٍ، بلْ دخولُها حَسَنٌ، والنبيُّ ﷺ لم يدخُلْها فِي الحجِّ ولَا في العمرةِ؛ لَا (١٠)

стр. 127

عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، ولا عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وإِنَّمَا دخلَها عامَ فتحِ مكةَ (١). ومَن دخلَها يُسْتَحَبُّ (٢) له أنْ يصلِّيَ فيها، ويُكَبِّرَ اللهَ ويَدْعُوَهُ ويَذْكُرَهُ، وإذَا (٣) دخلَ مِنَ (٤) البابِ تقدم (٥) حتى يصيرَ بينَهُ وبينَ الحائطِ ثلاثةُ أَذْرُعٍ والبابُ خلْفَهُ، فذلِكَ هو المكانُ الذي صلَّى فيهِ النبيُّ ﷺ ، ولَا يدخلُها إلَّا حافِيًا. والحِجْرُ أَكْثَرُهُ مِنَ البيتِ مِنْ حيثُ ينحني، وأما (٦) حائِطُه: فمَنْ دخلَهُ فهو كَمَنْ دخلَ الكعبةَ. وليسَ على داخِلِ الكعبةِ مَا ليسَ على غَيْرِهِ مِنَ (٧) الحُجَّاجِ، بل يجوزُ له مِن المشيِ حافِيًا، وغيرِ ذلِكَ ما (٨) يجوزُ لِغَيْرِهِ.

стр. 128

والإكثارُ مِنَ الطوافِ بالبيتِ؛ مِنَ الأعمالِ الصالحةِ، فهو (١) أفضلُ مِنْ أنْ يخرُجَ الرجلُ مِنَ الحرم (٢) ويأتِيَ بعمرةٍ (٣) مكيَّةٍ؛ فإنَّ هذا لم يكنْ مِنْ أعمالِ السابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ، ولا رَغَّبَ فيهِ النبيُّ ﷺ لأُمَّتِهِ (٤)، بلْ كَرِهَهُ السلفُ (٥).

стр. 129

فصلٌ وإذَا دَخَلَ المدينةَ قبلَ الحجِّ أو بعدَهُ: فإنَّهُ يأتِي مسجدَ النبيِّ ﷺ ، ويصلِّي فيهِ، والصَّلاةُ فيهِ خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ (١)، ولَا تُشَدُّ الرحالُ إلَّا إليهِ وإلَى المسجدِ الحرامِ

стр. 130

والمسجدِ الأَقْصَى، هكَذَا (١) ثَبَتَ في الصحيحَيْنِ مِنْ (٢) حديثِ أبِي هُرَيْرَةَ (٣) وأَبِي سعيدٍ (٤)، وهو مَرْوِيٌّ مِنْ طرقٍ أُخَرَ (٥). ومسجِدُهُ كانَ أصغرَ مما هو اليومَ، وكذلكَ المسجدُ الحرامُ، لكنْ زادَ فيهِمَا الخلفاءُ الرَّاشِدُونَ ومَنْ بعدَهُمْ، وحُكْمُ الزيادةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ في جميعِ الأحكامِ. ثمَّ يُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ وصاحِبَيْهِ، فإنَّهُ قدْ (٦) قالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇»، رواهُ أبُو داودَ وغيرُهُ (٧)، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ إذَا دخلَ المسجدَ يقولُ (٨): «السَّلَامُ عليكَ يَا رسولَ اللهِ، السلامُ عليكَ يَا أَبَا بكرٍ، السلامُ

стр. 131

عليكَ يَا أَبَتِ»، ثم ينصرِفُ (١)، وهكَذَا كانَ الصحابةُ يسلِّمُونَ عليه. وإذا قالَ في سَلَامِهِ (٢): السلامُ عليكَ يَا رسولَ اللهِ، السلام عليك (٣) يا نَبِيَّ اللهِ، يَا خِيَرَةَ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ، يا أَكْرَمَ الخَلْقِ على رَبِّهِ، يا إمامَ الْمُتَّقِينَ؛ فهذَا كُلُّهُ (٤) مِنْ صفاتِهِ [بِأَبِي هُوَ وأُمِّي ﷺ . وكذلِكَ] (٥) إذَا (٦) صلَّى عليهِ مَعَ السلامِ عليهِ؛ فهذَا مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ. [ويسلِّمُ عليهم (٧) مستقْبِلَ الحُجْرَةِ، مُسْتَدْبِرَ (٨) القِبْلَةِ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ كمالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمدَ (٩).

стр. 132

وأمَّا أبو حنيفةَ فإنه قالَ (١): يستقبِلُ القبلةَ. فمِنْ أصحابِهِ مَنْ قالَ: يستدبِرُ الحُجْرَةَ، ومنهم مَنْ قالَ: يَجْعَلُهَا عَنْ يسارِهِ (٢). واتَّفَقُوا على أنَّه لا يَسْتَلِمُ الحُجْرَةَ (٣)، ولا يُقَبِّلُهَا، ولا يطوفُ بها، ولَا يُصَلِّي إليها] (٤)، ولا يدعُو هناكَ مُسْتَقْبِلَ الحجرةِ؛ فإنَّ هذا كلَّهُ مَنْهِيٌّ عنه باتِّفَاقِ الأئمةِ. ومالِكٌ مِنْ أعظمِ الأئمةِ كراهيةً لذلِكَ، والحكايةُ الْمَرْوِيَّةُ عنه: أنَّهُ أَمَرَ المنصورَ أنْ يستقبِلَ الحجرةَ وقتَ الدعاءِ؛ كَذِبٌ على مالِكٍ. ولا يَقِفُ عندَ القبرِ للدعاءِ (٥) لِنَفْسِهِ؛ فإنَّ هَذَا بدعةٌ، ولَمْ يكنْ أَحَدٌ مِنَ الصحابةِ يَقِفُ عندَهُ يدعو (٦) لِنَفْسِهِ، ولكن كانوا يَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويدعونَ في مَسْجِدِهِ، فإنَّه ﷺ قالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» (٧)، وقالَ: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ

стр. 133

قبورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» (١)، وقالَ: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، فقالُوا: كيفَ تُعْرَضُ صلاتُنا عليكَ وقدْ أَرِمْتَ؟ أَيْ: بَلِيتَ. قالَ: «إِنَّ اللَّهَ تعالى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجسادَ (٢) الْأَنْبِيَاءِ» (٣)، فأخبرَ أنَّهُ يسمعُ الصلاةَ والسلامَ مِنَ القريبِ، وأنَّهُ يبُلَّغُ ذلِكَ مِنَ (٤) البعيدِ. وقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ (٥) الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا، قَالَتْ عائشةُ: «ولَوْلَا ذلِكَ لأُبْرِزَ (٦)

стр. 134

قَبْرُهُ، ولكِن (١) كَرِهَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، أخرجَاهُ في الصحيحَيْنِ (٢). فدَفَنَتْهُ الصحابَةُ في موضِعِهِ الذِي ماتَ فيهِ مِنْ حُجْرَةِ عائشةَ، وكانتْ هِيَ وسائِرُ الحُجَرِ خارجَ المسجدِ مِنْ قِبْلِيِّهِ وشَرْقِيِّهِ (٣)، لكِنْ لَمَّا كانَ في زمنِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ عمرَ (٤) هذا المسجدَ وغيرَهُ، وكانَ نائبُه على المدينةِ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، فأَمَرَ أنْ تُشْتَرى (٥) الحُجَرُ ويُزَادَ (٦) في المسجدِ، فدَخَلَتِ الحُجْرَةُ في المسجدِ مِنْ ذلِكَ الزمانِ، وبُنِيَتْ منحرفةً عنِ القبلةِ مُسَنَّمَةً؛ لئلَّا يصلِّيَ أحدٌ إليها؛ فإنَّهُ ﷺ قالَ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»، رواهُ مسلِمٌ عنْ أبِي مَرْثَدٍ (٧) الغَنَوِيِّ (٨)، والله أعلم (٩). وزيارَةُ القبورِ علَى وَجْهَيْنِ: زيارةٍ شرعيَّةٍ، وزيارةٍ بِدْعِيَّةٍ. فالشَّرعِيَّةُ: المقصودُ بِهَا السلامُ علَى الميِّتِ، والدعاءُ لَهُ، كما

стр. 135

يُقْصَدُ بالصلاةِ على جنازَتِهِ، فزيارَتُهُ بعدَ موتِهِ مِنْ جنسِ الصلاةِ عليهِ. فالسُّنَّةُ فيها (١): أنْ يُسَلِّمَ على الميِّتِ ويَدْعُوَ له، سَوَاءٌ كانَ نَبِيًّا أو غيرَ نَبِيٍّ، كمَا كانَ النبيُّ ﷺ يَأْمُرُ أصحابَهُ إذا زَارُوا القبورَ أنْ يقولَ أحدُهُمْ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، ويَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا ومِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» (٢)، «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» (٣)، وهكَذَا يقولُ إذَا زَارَ أهلَ البَقِيعِ ومَنْ بِهِ مِنَ الصحابةِ وغيرِهِمْ (٤)، أوْ زارَ (٥) شهداءَ أُحُدٍ وغيرَهُمْ. وليستِ الصَّلَاةُ عندَ قُبُورِهِمْ أو قبورِ غيرِهِمْ مُسْتَحَبَّةً عندَ أَحَدٍ منْ

стр. 136

أئمةِ المسلمِينَ، بلِ الصلَاةُ في المساجِدِ الَّتِي ليسَ فيهَا قبرُ (١) أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ والصالِحِينَ وغيرِهِمْ أفضلُ مِنَ الصلاةِ في المساجِدِ الَّتِي (٢) فيهَا ذلِكَ باتفاقِ أئمةِ المسلِمِينَ، بلِ الصلاةُ فِي المساجدِ (٣) الَّتِي علَى القبورِ إمَّا مُحَرَّمَةٌ، وإمَّا (٤) مكروهةٌ. والزيارَةُ البِدْعِيَّةُ: أنْ يكونَ مقصود الزَّائِر (٥) أنْ يطلُبَ حوائِجَهُ مِنْ ذلِكَ الميِّتِ، أو يَقْصِدَ الدعاءَ عندَ قَبْرِهِ، أوْ يقصِدَ الدعاءَ بِهِ، فهذا لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ النبيِّ ﷺ ، ولا اسْتَحَبَّهُ أحدٌ مِنْ سلفِ (٦) الأمَّةِ، بلْ هو مِنَ البِدَعِ الْمَنْهِيِّ عنهَا باتِّفاقِ سَلَفِ الأمَّةِ (٧) وأئمَّتِهَا. وقدْ كَرِهَ مالِكٌ وغيرُهُ أنْ يقولَ القائِلُ: زُرْتُ قبرَ النبيِّ ﷺ (٨)، وهذَا اللَّفْظُ لم يُنْقَلْ عنِ النبيِّ ﷺ ، بلِ الأحاديثُ المذكورَةُ فِي هذَا البابِ مثلُ قَوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي (٩) إِبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ؛

стр. 137

ضَمِنْتُ لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ» (١)، وقولِهِ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي» (٢)، ونَحْوُ ذلِكَ؛ كلُّهَا أحاديثُ ضَعِيفَةٌ، بل موضوعةٌ، لَيْسَتْ في شيءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الإسلام (٣) الَّتِي يُعْتَمَدُ علَيْهَا، ولا نَقَلَهَا إمامٌ مِنْ أئمَّةِ المسلمِينَ، لَا (٤) الأئمَّةُ الأربعةُ ولا نحوهمْ، ولكن رَوَى بَعْضَهَا البَزَّارُ والدَّارَقُطْنِيُّ ونحوُهما (٥) بأسانيدَ ضعيفةٍ؛ لأنَّ مِن (٦) عادَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وأمثالِهِ أن يذكروا (٧) هذا في السُّنَنِ (٨) ليُعْرَفَ، وهو وغيرُهُ يُبَيِّنُونَ (٩) ضَعْفَ الضعيفِ مِنْ ذلِكَ. وإذَا (١٠) كانَتْ هذِهِ الأمورُ الَّتِي فيها شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ قد (١١) نَهَى

стр. 138

عَنْهَا عندَ قبرِهِ- وهو أفضلُ الخَلْقِ-؛ فالنَّهْيُ عنْ ذلِكَ عندَ قبرِ غيرِهِ أَوْلَى وأَحْرَى. ويُسْتَحَبُّ أنْ يأتِيَ مسجدَ قُبَاءٍ ويصلِّيَ فيهِ؛ فإِنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ (١) الطُّهُورَ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ؛ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ»، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وابنُ ماجَهْ (٢)، وقالَ النبيُّ ﷺ : «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ»، قالَ الترمِذِيُّ: حديث (٣) حَسَنٌ. (٤) و السَّفَرُ إلَى المسجِدِ الأَقْصَى للصلاةِ (٥) فيهِ (٦)، والدعاءِ والذِّكْرِ والقراءةِ، والاعتكافِ: مُسْتَحَبٌّ في أَيِّ وقتٍ شاءَ، سواءٌ كانَ عامَ الحجِّ أو بَعْدَهُ، ولَا يُفْعَلُ فيهِ ولا فِي (٧) مسجدِ النبيِّ ﷺ إلَّا مَا

стр. 139

يُفْعَلُ فِي سائِرِ المساجِدِ، ليسَ (١) فِيهَا شيءٌ يُتَمَسَّحُ بِهِ، ولَا يُقَبَّلُ، ولَا يُطَافُ (٢) بِهِ، هذَا كُلُّهُ ليسَ (٣) إلَّا في المسجدِ الحَرَامِ خاصَّةً. ولَا يُسْتَحَبُّ زيارَةُ الصخرةِ، بلِ الْمُسْتَحَبُّ أنْ يُصَلِّيَ فِي قِبْلِيِّ المسجدِ الأَقْصَى الذِي بَنَاهُ عُمَرُ بنُ الخطابِ للمسلِمِينَ. ولَا يُسَافِرُ أحدٌ لِيَقِفَ (٤) بغير عرفاتٍ (٥)، ولَا (٦) يُسَافِرُ للوقوفِ بالمسجدِ الأَقْصَى، ولَا لِلْوُقُوفِ عندَ قَبْرِ أحدٍ؛ لا (٧) مِنَ الأنبياءِ ولَا المشايِخِ ولَا غَيْرِهِمْ باتِّفَاقِ المسلمِينَ، بلْ أَظْهَرُ قَوْلَيِ العلماءِ: أنَّهُ لا يُسَافِرُ أحدٌ لِزِيَارَةِ قبرٍ مِنَ القبورِ (٨)، ولكنْ تُزَارُ القبورُ بالزِّيَارَةِ

стр. 140

الشَّرْعِيَّةِ مَنْ كَانَ قريبًا، ومَنِ اجتازَ بها، كمَا أنَّ مَسْجِدَ قُبَاءٍ يُزَارُ (١) مِنَ المدينةِ، وليسَ لِأَحَدٍ أنْ يُسَافِرَ إليهِ؛ لِنَهْيِ النَّبيِّ ﷺ أنْ تُشَدَّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى الْمَسَاجدِ الثَّلاثةِ (٢). وذَلِكَ أنَّ الدِّينَ مَبْنِيٌّ علَى أَصْلَيْنِ: ألَّا يُعْبَدَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وألَّا (٣) يُعْبَد (٤) إلَّا بِمَا شَرَعَ، لا نعبدُهُ بالبِدَعِ، كمَا قالَ تعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ولهذَا كانَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ يقولُ في دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كلَّهُ صالِحًا، واجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ

стр. 141

خالصاً (١)، ولا تَجْعَلْ فيهِ لأَحَدٍ شيئًا» (٢)، وقالَ الفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ في قولِه تعالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢]، قالَ: «أَخْلَصُهُ وأَصْوَبُهُ». قِيلَ: يا أبَا عَلِيٍّ، ما أَخْلَصُهُ وأَصْوَبُهُ؟ (٣) قالَ: «إنَّ العملَ إذا كانَ خالِصًا ولم يَكُنْ صوابًا؛ لم يُقْبَلْ، وإذَا كانَ صوابًا ولم يَكُنْ خالِصًا؛ لم يُقْبَلْ، حتَّى يكونَ خالِصًا صوابًا، والخالِصُ أنْ يكونَ للَّهِ، والصوابُ أنْ يكونَ على السُّنَّةِ» (٤)، وقدْ قالَ الله تعالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. والمقصودُ بجميعِ العباداتِ: أنْ يكونَ الدِّينُ كلُّهُ لِلَّهِ وحده (٥)، فاللهُ هو الْمَعْبُودُ والمسؤولُ الذِي يُرْجَى ويخاف (٦)، ويُسْأَلُ ويُعْبَدُ، فله الدِّينُ خالِصًا، وله أَسْلَمَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ طَوْعًا وكَرْهًا، والقرآنُ مملوءٌ مِنْ هذَا، كمَا قالَ تعالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ

стр. 142

مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقالَ تعالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقالَ تعالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تحويلاً أولئك الَّذين يدعون يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦] (١)، قَالَ (٢) طائفةٌ مِنَ السَّلَفِ: كانَ أقوامٌ (٣) يَدْعُونَ الملائكةَ والأنبياءَ كالمسيحِ والعُزَيْرِ (٤)، فأنزلَ اللهُ تعالَى هذِهِ الآيةَ (٥).

стр. 143

وقالَ تعالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٩]. ومثلُ (١) هذَا في القرآنِ كثيرٌ، بلْ هذا (٢) مقصودُ القرآنِ ولبُّه (٣)، وهو مقصودُ دعوةِ الرُّسُلِ كلِّهِمْ، ولهُ خُلِقَ الخَلْقُ، كمَا قالَ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فيَجِبُ على المسلمِ أنْ يعلمَ أنَّ الحجَّ مِنْ جنسِ الصلاةِ ونحوِها مِنَ العباداتِ الَّتِي يُعْبَدُ اللهُ بها وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ الصلاةَ علَى الجنائِزِ وزيارةَ قُبُورِ الأمواتِ مِنْ جنسِ الدعاءِ لهم، والدعاءُ للخَلْقِ مِنْ جنسِ المعروفِ والإحسانِ الَّذِي هو مِنْ جنسِ الزكاةِ، والعباداتُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بها توحيدٌ وسُنَّةٌ (٤)، وغيرُها فيها (٥) شِرْكٌ وبِدْعَةٌ؛ كعباداتِ النصارَى ومَنْ أَشْبَهَهُمْ، مثلُ قَصْدِ البُقْعَةِ لغيرِ

стр. 144

العباداتِ (١) الَّتِي أَمَرَ اللهُ بها؛ فإنَّهُ ليسَ مِنَ الدِّينِ، ولهذَا كانَ أئمةُ العُلَمَاءِ يَعُدُّونَ مِنْ جملةِ البِدَعِ المنكرَةِ: السفرَ لزيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالِحِينَ، وهذا في أَصَحِّ القولَيْنِ غيرُ مشروعٍ، حتَّى صَرَّحَ بعضُ مَنْ قالَ ذلكَ: أنَّ مَنْ سافَرَ هذا السَّفَرَ لا يَقْصُرُ فيهِ (٢) الصلاةَ (٣)؛ لأنَّهُ سَفَرُ معصيةٍ. وكذلِكَ مَنْ يَقْصِدُ (٤) بقعةً لأجلِ الطَّلب مِنْ مخلوقٍ هي منسوبةٌ إليهِ؛ كالقَبْرِ والمقامِ، أو لأجلِ الاستعاذَةِ بِهِ ونحوِ ذلِكَ؛ فهذَا شِرْكٌ

стр. 145

وبِدْعَةٌ، كما يفعلُ (١) النَّصارَى ومَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ مُبْتَدِعَةِ هذِه الأُمَّةِ، حيثُ (٢) يجعلونَ الحجَّ والصلاةَ مِنْ جنسِ ما يفعلونَهُ مِنَ الشِّرْكِ والبِدَعِ، ولهذَا قالَ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ له بعضُ أَزْوَاجِهِ كنيسةً بأرضِ الحبشةِ، وذُكِرَ له منْ حُسْنِهَا ومَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ، فقالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ (٣)؛ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤). ولهذَا نَهَى العلماءُ عَمَّا فيهِ عبادةٌ لغيرِ اللهِ، وسؤالٌ لِمَنْ ماتَ مِنَ الأنبياءِ والصالِحِينَ (٥)؛ مثلُ مَنْ يكتبُ رُقْعَةً ويعلِّقُهَا عندَ قبرِ نَبِيٍّ أوْ صالِحٍ، أو يسجدُ لِقَبْره (٦) أو يدعُوهُ، أو يرغبُ إليهِ، وقالُوا (٧): إنَّهُ لا يجوزُ بناءُ المساجدِ على القبورِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ قبلَ أَنْ يموتَ بخمسِ ليالٍ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»
следующие страницы →