← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فهذه الآية تبين أن للنبي ﷺ أن يحكم باجتهاده، وقد استدل بها علماء الأصول على ذلك. وفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن رسول الله ﷺ سمع جَلبة خَصْمٍ بباب حُجْرَتِه، فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون أَلْحَق بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من نار فَلْيَحْمِلْها أو لِيَذَرها] (١). وتفصيل هذا الحديث في مسند أحمد، قالت أم سلمة: [جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بَيّنةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقِّي لأخي. فقال رسول الله ﷺ : أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخَّيا الحق بينكما ثم اسْتهِمَا، ثم ليُحْلِلْ كل واحد منكما صاحبه] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فيه نهي عن الدفاع عن المبطل والمتَّهم في الجور والخصومة أو عضده والنيابة عنه. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال ابن عطية: (وهذا ليس بذنب، لأن النبي ﷺ إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم). قيل: فالمعنى استغفر الله للمذنبين، وقيل: أمر بالاستغفار على طريق التسبيح. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، ذكره القرطبي. وذهب ابن جرير إلى أن المخاطب النبي ﷺ ليستغفر من ذنبه في خصام الخائن، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم. قلت: والعبد يحتاج إلى الاستغفار في كل أحواله، وكذلك الحاكم والعالم

стр. 1017

والمجتهد ليسلم منهاجه عند الله حتى لو اجتهد فأصاب، فالاستغفار تطهير للنفس من حظوظها، وكلما رقيت مرتبة العبد بين الناس احتاج لذلك الاستغفار أكثر، فالخطاب وإن كان موجهًا للنبي ﷺ ، فهو للولاة والقضاة والحكام بعده من باب أولى. وفي صحيح مسلم عن الأغر بن يسار المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة المخاصمة. قيل من الجدل: الفتل، أو من الجَدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يُلقي صاحبه عليها. والخوّان: الخائن، إلا أنه في لفظ أبلغ، لعظم خيانته. وقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: يستترون من الناس لئلا يفتضحوا، وقد غفلوا عن رؤية الله لهم ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أي بعلمه وسمعه وبصره. وقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. أي: يقولون ما لا يرضاه تعالى لأهل طاعته. قاله ابن عباس. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. أي: محصيًا حافظًا لا يخفى عليه من أمرهم شيء حتى يوافيهم ويجازيهم به يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار، فهو يشمل كل من خاصم عن الخونة وقام بتدبير أمورهم والدفاع عنهم في أكلهم أموال الناس وحقوقهم بالباطل، فهم إن عبروا في الدنيا ولم يكشف أمرهم أو ظهروا بمظهر مزيف كاذب، فمن لهم يوم القيامة يقوم

стр. 1018

بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار، ومن يتوكل للدفاع عنهم يومئذ، وقد جُعل الوكيل والموكل له في نقاش الحساب، ومن نوقش الحساب فقد هلك. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن النبي ﷺ قال: ليس أحد يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١). وفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع] (٢). وله شاهد عند أبي داود في السنن، وعند الحاكم والسياق له عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دينٌ فليس ثَمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال] (٣). ١١٠ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾. في هذه الآيات: تَرغيبٌ في التوبة مما اكتسب العبد من الظلم واجترح من الآثام،

стр. 1019

وتَحْذيرٌ من الإصرار والتعمد، أو الافتراء والظلم ونسب المعصية إلى غير صاحبها، وتَفضُّلٌ من الله على نبينا ﷺ بالرعاية والحماية من الزلل، وإنزال الكتاب والسنة عليه وتعليمه الحق والحكم وكان فضل الله عليه عظيمًا. قال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه، وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال). وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. المعنى: لا يغني أحد عن أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهذا من علم الله وحكمته. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. هذا في الذي يرمي بما أتى من المعصية من هو بريء، فقد أتى فرية وكذبًا وهو البهتان، وتحمل وزرًا عظيمًا، يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أن النبي ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكْرُكَ أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه] (١). وفي لغة العرب: بَهَتَه بَهْتًا وبَهُتًا وبُهْتانًا إذا قال عليه ما لم يفعله. وبُهِتَ: دُهِشَ وتحيّر. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾. قيل: بأن نبهك للحق، وقيل: بالنبوءة والعصمة. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق، وذلك في شأن سؤالهم رسول الله ﷺ أن يبرئ ابن أُبيرق من التهمة ويُلحقها اليهودي. وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ - لأن وبال ذلك راجع عليهم. وقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ - لأنك معصوم وقد تكفل الله بحمايتك من الزلل. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أي: القرآن والسنة. قيل هذا ابتداء، وقيل الواو للحال.

стр. 1020

قال القرطبي: (فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. "والحكمة" القضاء بالوحي). وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. أي من التشريع وفصل القضاء والأحكام. وقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ - بكل ما سبق بيانه وبغيره من النعم الكبيرة الأخرى. ١١٤ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. في هذه الآيات: الندب إلى الصدقة وفعل الخيرات والإصلاح بين الناس والنجوى بنحو ذلك، والتحذير من ترك سنة الرسول ﷺ ومنهاج المؤمنين. قال ابن جرير: (لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا). وقوله: " ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. المعروف: هو ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير. والإصلاح بين الناس: يعني بين المتخاصمين ليعودوا إلى الألفة ووحدة الكلمة ويسدوا الباب على الشياطين. أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ليس الكذاب الذي يُصْلِحُ بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقول خيرًا] (١). وقالت: [لم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها] (٢). وفي سنن أبي داود والترمذي بسند جيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1021

[ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البَيْن. قال: وفساد ذات البين هي الحالقة] (١). وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي: من يأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس يريد بذلك وجه الله سبحانه، فإن الله سبحانه قد تكفل له بأعظم الثواب وأحسن الأجر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. أي: من يفارق طريق رسول الله أو يعاديه، ويمضي على غير سبيل ومنهاج أصحابه المؤمنين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فإن الله يتوعده أسوأ العذاب في جهنم وبئس المصير. وقد عوّل الشافعي ﵀ في هذه الآية على الاحتجاج بكون الإجماع حُجّة تَحْرُم مخالفته. ١١٦ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾. في هذه الآيات: ترهيب من مغبة الشرك وسوء عاقبته عند الله وإمكانية مغفرة ما دونه

стр. 1022

من الكبائر والصغائر، فالشرك ضلال بعيد، إنهم يدعون أوثانًا ويزعمون الملائكة بناتًا، وهم يدعون شيطانًا مريدًا استحق لعنة الله فتوعد بإضلال الذرية من بني آدم، بأمرهم بتغيير خلق الله وتبتيك آذان الأنعام واتباع الجاهلية، فيتوعد الله من يطيعه بصلي نار جهنم. وأما المؤمنون الذين يعملون الصالحات فقد وعدهم ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار فيها نعيم وخلود، والله أصدق القائلين. قال السدي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، يقول: من يجتنب الكبائر من المسلمين). وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي زال بشركه عن قصد السبيل، وطريق الحق زوالًا شديدًا، فالضياع كل الضياع، والضلال كل الضلال في الشرك. وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ - فيه أكثر من تأويل: ١ - إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى ومناة، فسماهن الله إناثًا بتسمية المشركين إياهنّ بتسمية الإناث. قال السدي. (يسمونهم "إناثًا": لاتٌ ومناة وعُزَّى). وقال أبو مالك: (اللات والعزى ومناة، كلها مؤنث). وقال ابن زيد: (آلهتهم، اللات والعزى ويَسَاف ونائلة، إناث، يدعونهم من دون الله. وقرأ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾). ٢ - قيل بل المعنى: إن يدعون من دونه إلا مواتًا لا رُوح فيه. قال ابن عباس: (﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يقول: مَيْتًا). وقال قتادة: (إلا ميتًا لا رُوح فيه). وقال الحسن: (و"الإناث" كل شيء ميت ليس فيه روح: خشبة يابسة أو حجر يابس). ٣ - قيل بل عني بذلك قول المشركين: الملائكة بنات الله. قال الضحاك: (﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، قال: الملائكة، يزعمون أنهم بنات الله). ٤ - قيل بل المعنى: (الإناث: الأوثان). قال مجاهد: ("إناثًا". أوثانًا). والقول الأول هو الراجح وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير ﵀.

стр. 1023

وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. قال قتادة: (تَمَرَّدَ على معاصي الله). والمقصود أنه متمرد على الله بمخالفة أمره وتكبّره وغروره. وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. أي: أخزاه وأقصاه وأبعده من كل خير، فهو ملعون رجيم. وقوله: ﴿وَقَال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال الضحاك: (معلومًا). فالشيطان أخذ على نفسه إذ أبعده الله إغواء ذرية بني آدم حسدًا وعلوًا وبغيًا، بتزيين الضلالة لهم حتى يزيلهم عن منهج طريق الهدى ويركبوا طريق الضلال، فمن اتبع ذلك فهو من نصيبه المعلوم، وحَظِّهِ المقسوم، ويكون قد صدّق بذلك ظن إبليس وأمانيه إذ رضي لنفسه أن يكون جزءًا من حظ أماني إبليس اللعين. وقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾. أي: لأصدنهم عن الطريق، ولأزيغنهم بالأماني الكاذبة التي تملأ نفوسهم. وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. قال قتادة: (البتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم). وقال السدي: (فيشقونها، فيجعلونها بحيرة). وقال عكرمة: (دينٌ شرعه لهم إبليس، كهيئة البحائر والسُّيَب). والمقصود: تشقيق آذان بعض الأنعام وجعلها علامة وَسِمَةً للبحيرة والسائبة والوصيلة. فكانت العرب في الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي المنقطع به لم يركبها. وهذه هي البحيرة. وأما السائبة: فهي الناقة تسيّب للأصنام لنحو بُرْء من مرض أو نجاة في حرب. وسيأتي تفصيل ذلك في آية المائدة إن شاء الله. وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك خصاء الدواب). وقال الحسن: (الوشم). وقال مجاهد: (الفطرة، دين الله). قلت: وكل ما يجري اليوم من عمليات التجميل والوشم والنمص وتغيير لون البشرة وتفليج الأسنان للحسن وغير ذلك مما يشير إلى عدم الرضا عن الله في خلقه داخل في مفهوم هذه الآية ووعيدها.

стр. 1024

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵁: [أن رسول الله ﷺ لعن الواصِلَة والمُسْتَوْصِلَة والواشِمة والمُسْتَوشِمة] (١). والواشمة هي التي تغرز إبرًا في الجلد ليخرج الدم وتذرّ بموضعه كحل أو نيل ليتلون به، والمستوشمة من تطلب أن يفعل بها ذلك. والوشر تحديد الأسنان، وقد جاء النهي عن تفليج الأسنان للحسن. ففي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [لعن الله الواشمات والمستوشِمات، والنامِصات والمتنمصات، والمتفلّجات للحُسْن، المغيّرات خلقَ الله] (٢). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : إني خلقت عبادي حُنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجْتالتهُم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم] (٣). والمقصود أن خلق الله هو الأقوم والأمثل، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وفطرة الله التي فطر الناس عليها هي الأحسن والأكمل، ومخالفة ذلك اتباع لسبيل الشياطين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يمجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاءَ، هل تُحسّون فيها من جدعاء] (٤). وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾. أي: من يطع الشيطان ويرضاه ويواليه نصيرًا من دون الله فقد أورد نفسه موارد العطب والخسارة والهلاك. وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. قال ابن جرير: (يعد الشيطان المَرِيدُ أولياءَه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم

стр. 1025

منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم). وقال ابن كثير: (يعد أولياءه ويمنِّيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك). وقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. أي: إلا باطلًا وكذبًا ومكرًا. وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. أي: جهنم مأوى الذين اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله، ولا يجدون عنها مَعْدِلًا يعدلون إليه، ولا مندوحة ولا مناص ولا خلاص. وفي لغة العرب: حاصَ فلان عن أمر فهو يحيص حَيْصًا إذا عدل عنه. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. هذه هي الصورة المقابلة لتلك الصورة، بساتين نعيم وجمال وخلود، وأنهار تجري في ربوعها، أعدّها الله نزلًا للقائمين بأمره المتنكرين لسبل الشيطان وغروره ومنهاجه، وَعْدٌ من الله وهو أصدق من وعد ، وأصدق من قال. وفي صحيح مسلم من حديث جابر: [كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صَوْتُه، واشتد غضبُه، حتى كأنه مُنْذِرُ جيش يقول: صبّحكم مَساكُم ... ويقول: أما بعدُ، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد]. وفي روايات أخرى عند النسائي والبيهقي وابن ماجة وأحمد - واللفظ للنسائي: [إن أصدق الحديث كلام الله، وخيرُ الهَدْي هَدْيُ محمد ﷺ ، وشرُّ الأمور مُحْدَثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار] (١). ١٢٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ

стр. 1026

نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. في هذه الآيات: تأكيدٌ على مجازاة الذنوب والخطايا في الدنيا والآخرة وما يدفع الله أكثر، وترغيب في اتباع الخطايا بالتوبة والعمل الصالح، فإنّ ذلك من أحسن ما يعالج به الزلل، ثم تنبيه لثواب الإخلاص لله في المنهج واتباع ملة التوحيد ملة أبينا إبراهيم ﵊، فهو أعلى مقامات العمل، والله له كل ما في هذا الكون الفسيح، وهو محيط بكل شيء، قد وسع كل شيء علمًا. يروي ابن جرير بسنده عن مسروق قال: (تفاخر النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم! قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. وكذلك روى عن قتادة قال: (ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيُّنا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم! وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبيُّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله! فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، فأفلج الله حُجَّة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان). وذكر عن السدي نحوه وفي آخره: (ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. ثم قال ابن جرير: (إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان. وما إليه صائرة أمانيهم، مع سيِّئ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جل ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنِّيهموها بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾). وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. أي كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به. وفي هذا المعنى أحاديث:

стр. 1027

الحديث الأول: أخرج سعيد بن منصور بسند حسن عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة: [أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: إنا لنُجْزى بكل عمل؟ هلكنا إذن. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: نعم يُجْزَى به المؤمن في الدنيا في نفسه وفي جسده فيما يؤذيه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: [لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغَتْ من المسلمين مَبْلغًا شديدًا، فقال رسول الله ﷺ : قاربوا وسدِّدوا، ففي كلِّ ما يُصابُ به المسلم كفَّارةٌ، حتى النَّكبَةِ يُنكَبُها، أو الشوكةِ يشُاكها] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: [ما يُصيبُ المسلم من نصب ولا وصب ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حتى الهمِّ يُهَمُّه إلا كفَّر الله بها من سيئاته] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن زينب بنت كعب بن عُجرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : أرأيت هذه الأمراض التي تُصيبنا، ما لنا بها؟ قال: كفارات. قال أُبيّ: وإن قَلَّت. قال: وإن شوكة فما فوقها. قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعكُ حتى يموت، في أن لا يشغله عن حَجّ ولا عُمْرة ولا جهاد في سبيل الله، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسَّه إنسان إلا وجد حرَّه، حتى مات ﵁] (٤). وذكر ابن جرير بسنده عن الربيع بن زياد قال: (قلت لأبيّ بن كعب: قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا! قال: والله إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى! لا يُصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللَّدغة والنَّفْحة).

стр. 1028

ثم روى عن أبي المهلب قال: دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا). والخلاصة: لَا مَفَرَّ من تذوق أثر الخطايا والذنوب في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وما يدفع الله أكثر، ثم إن من تاب وتاب الله عليه نجّاه يوم القيامة وستر عليه. يروى الطبراني بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اختلج عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بذَنْبٍ، وما يدفَعُ الله عنه أكثر] (١) وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي لا يجد فاعل المعصية من بعد الله من يحميه من غضب الله وبأسه أو ينصره من عقاب الله وألمه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال السدي: (أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان). والمقصود: لابد من العمل الصالح مع الإيمان، فإن الإيمان يشمل القول والعمل معًا، والموعد الجنة ولا يظلم أحد نقيرًا. قال مجاهد: (النقير، الذي يكون في ظهر النواة). وقال عطية: (النقير، الذي في وسط النواة). وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فإن شرط القبول: الإخلاص وسلامة المنهج. والمنهج هو ملة إبراهيم ﵊، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم. قال القاسمي ﵀: ("وهو محسن" أي آت بالحسنات تارك للسيئات. أو آت بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي). فخلاصة المعنى: أحسن الدين عند الله ما كان:

стр. 1029

١ - على الإخلاص ابتغاء وجهه تعالى لا شريك له. أي على منهاج التوحيد ملة أبينا إبراهيم. ٢ - على منهج الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ في العمل الصالح وبلوغ مرتبة الإحسان. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. أي: وليًّا. والخلة أرفع درجات المحبة، وقد ثبتت لنبينا محمد ﷺ أيضًا. ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: [أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله] (١). وفي صحيح مسلم من حديث جُندب بن عبد الله البَجلي وعبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. المعنى: كل ما في هذا الكون الفسيح: مخلوقاته وجماداته وما في أرجاء سماواته رأرضه تحت تصرفه سبحانه، وعلمُه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية فله الكبرياء وحده لا شريك له. ١٢٧. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾. في هذه الآية: ١ - تحذير من نكاح اليتيمة - في حجر صاحبها - دون أن يمهرها مهر مثلها. ٢ - وتحذير إن لم يكن له رغبة في نكاحها أن يعضلها ويمنعها عن الأزواج خشية

стр. 1030

أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها. ٣ - دعوة إلى العدل في القسمة والمواريث. أخرج البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير: [أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - فذكرت نحو ما تقدم في أول السورة - قال: قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾]. وفي لفظ البخاري عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليّها ووارثها، قد شركته في ماله حتى في العَذْقِ، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلًا فيشركه في ماله بما شرِكته، فيعضُلها، فنزلت هذه الآية] (١). وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: [وقول الله : ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حِجْرِه حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن] (٢). ويلخص معنى الآية ما ذكره علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قال ابن عباس: (كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيُلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها فحَرَّم الله ذلك ونهى عنه). وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال السدي: (كانوا لا يورثون جارية ولا غلامًا صغيرًا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. و"القسط": أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى،

стр. 1031

الصغير منهم بمنزلة الكبير). وبنحوه عن ابن عباس وفيه: (كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: "لا تؤتونهن ما كتب لهن"). وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. دعوة إلى التجارة الرابحة - مع الله سبحانه -، فإن الله لم يزل عالمًا بما يكون منكم، وهو يحصي ذلك ليجازيكم به يوم الحساب. ١٢٨ - ١٣٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾. في هذه الآيات: إرشاد للمرأة الخائفة من إعراض زوجها عنها لبغض أو كراهة أن تترك له يومها أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه لاستدامة مُقامه على عقدها والصلح خير من الفراق عند المشاحة. وإرشاد للزوج أن يتجاوز ما يجده من كراهية ويحسن لزوجته والله لا يخفى عليه هذا الإحسان ويجزي به. ثم في الآيات تَنْبيه لعدم طاقه الرجال غالبًا في العدل بين النساء في المحبة، وتحذير من الجور عند الميل لواحدة دون أخرى، وإن تصلحوا وتعدلوا يستر عليكم سبحانه ما فات من الجور. فإن أبت المرأة التي أعرض عنها زوجها إلى ضرتها لجمال أو شباب أو شيء مما تميل إليه النفوس الصلحَ بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها وطلبت حقها كاملًا بالقَسْم والنفقة وأبى الزوج الإحسان وتفرقا بطلاق فإن الله يغني كلًّا من سعته وكان الله واسعًا لهما في رزقه حكيمًا فيما قضى بينهما من الفرقة والطلاق. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها

стр. 1032

فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك] (١). وأخرج أبو داود والحاكم عن عائشة - قالت لعروة -: [يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قَلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسَنّتْ وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائشة، فقبل رسول الله ﷺ ذلك منها. قالت: تقول في ذلك أنزل الله وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾] (٢). وأخرج الحاكم بسند صحيح عن رافع بن خديج: [أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر البكر عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقرّ على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأمر، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني أصبر على الأثرة، ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة، فطلقها الأخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله قد أنزل فيه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (٣). وخلاصة المعنى: لو خافت المرأة نفور زوجها عنها فلها أن تُسقط عنه بعض حقها في النفقة أو الكسوة أو المبيت، وله أن يقبل ذلك منها. يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، أي: من الفراق. وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. أي: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهم.

стр. 1033

قال ابن عباس: (﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، قال: نصيبها منه). وقال عطاء: (في الأيام والنفقة). وقال سعيد بن جبير: (المرأة تشحُّ على مال زوجها ونفسه). وقيل: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة، الشحَّ بحقه قِبل صاحبه. والأول أرجح واختاره ابن جرير. فتأويل المعنى: وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن. قال ابن عباس: (والشح: هواه في الشيء يحرص عليه). فالصلح خير من الفراق عند المشاحة، ولذلك صالحت سودة بنت زمعة رسول الله ﷺ حين كبرت وعزم على فراقها، على أن يمسكها وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: [لما كَبرتَ سَوْدَةُ بنت زَمْعة وهبَتْ يومها لعائشة، فكان النبي ﷺ يَقْسِمُ لها بيوم سَوْدَةَ] (١). وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. قال ابن كثير: (وإن تَتَجشّموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتَقْسِموا لهنَّ أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء). وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال مجاهد: (واجب، أن لا تستطيعوا العدل بينهن). وقال عبيدة: (﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾. قال: بنفسه في الحب والجماع). والمقصود: مهما حاول الرجل العدل الظاهر في المبيت والنفقة، فإنه لا بد من التفاوت في أمر المحبة والشهوة والجماع. وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. أي: إن حصل الميل فانتبهوا من المبالغة المؤذية. وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. أي: فتبقى الأخرى معلقة. قال قتادة: (كالمسجونة). وقال ابن عباس: (تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج). وقال الربيع: (لا مطلقة ولا ذات بعل). وقال الضحاك: (لا تدعها كأنها ليس لها زوج). أخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال

стр. 1034

رسول الله ﷺ : [من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط] (١). وفي رواية: (وشقّه مائل). وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: إن تداركتم ما حصل منكم من ميل أو ظلم فأصلحتم واتقيتم الله عاد عليكم سبحانه بالمغفرة والتوبة والرحمة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾. يعني إن تعذر كل ما فيه إصلاح وكان الفراق آخر المطاف، فإن الله سبحانه بكرمه يغني كل واحد منهما فيعوضه خيرًا من صاحبه، ويبارك له في حياة جديدة أفضل، إنه سبحانه واسع الفضل والكرم، عظيم المنّ والعطاء، حكيمٌ في كل ما يقدر ويشرع. ١٣١ - ١٣٤. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أنه الحاكم لهذا الكون، فكل ما في السماوات والأرض ملك له يمضي بأمره، وليس للإنسان في ذلك من شيء إلا أن يتقي الله، فهي وصية الله لكل الأمم والله هو الغني الحميد، وهو الوكيل القائم على كل نفس بما كسبت، ولو شاء أذهبكم وأتى بقوم آخرين يطيعونه ولا يعصونه، فمن أراد هذه الدنيا فليعلم أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليكن سعيه لهما جميعًا وإن الآخرة خير وأبقى.

стр. 1035

فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (ولله جميع مُلك ما حوته السماوات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، تنبيهًا منه خلقَه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوَحشة بفراق سكنه وزوجته، وتذكيرًا منه له أنه الذي له الأشياء كلها، وأن من كان له ملك جميع الأشياء، فغير متعذر عليه أن يغنيه وكلَّ ذي فاقة وحاجة، ويؤنس كلَّ ذي وحشة). وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. التقوى عماد كل أمر، وعنوان كل عمل، فبدونها يهزل العمل ويصبح صورة وحركة بلا مضمون. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقال جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. والتقوى حالة في القلب يرجح بها تعظيم أمر الله ومحابه، فتنعكس بالخوف منه سبحانه على أعمال الجوارح. وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان قول ابن عمر ﵁: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقِرُه، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ... ] (١). ولأهمية التقوى، أوصى الله بها أهل الكتاب قبلنا -أهل التوارة والإنجيل- كما أوصانا بها، "اتقوا الله" أي احذروا الوقوع في ما يسخطه ويغضبه. وقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. أي: إن كفرتم فلا تضرون بخلافكم وصيته سبحانه، ورضاكم بالكفر إلا أنفسكم فالله ملك هذا الكون الفسيح ذي السماوات السبع والأرضين السبع.

стр. 1036

وعن علي ﵁: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، قال: غنيًّا عن خلقه، "حميدًا"، قال: مستحمدًا إليهم) ذكره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال قتادة: (حفيظًا). وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. قال سعيد، عن قتادة: (قادرٌ والله ربنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم). وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قال ابن كثير: (أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرَنَّ قاصرُ الهمَّة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن هِمَّتُه ساميةً إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كلِّه إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة، بين الناس وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾). قلت: بل طلب العبد سعادة الآخرة بصدق يورثه سعادة الدنيا والآخرة، وحرصه على الآخرة بصدق يقابله مجيء الدنيا إليه وهي راغمة. أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له] (١). ١٣٥ - ١٣٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي

стр. 1037

أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله عباده بإقامة العدل والقسط وأداء الشهادة ابتغاء وجه الله دون تحريف أو كتمان، وإن كانت الشهادة على الوالدين أو الأقربين أو على غني أو فقير، فإياكم والهوى أو التحاكم إلى العواطف وميل النفس فإن فعلتم نالكم الوعيد والتهديد. ثم أَمْرٌ للمؤمنين بالاستمرار على منهج الإيمان والثبات عليه فإن منْ كفر به أو حاد عنه فقد سلك سبيل الضلال يعقبه الهلاك. قال قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية، هذا في الشهادة. فأقم الشهادة، يا ابن آدم، ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو شَرَفِ (١) قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يردّ الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق). وقال ابن زيد: (لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد). وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾. أي عن الحق، فتجوروا. وفيه ثلاثة أقوال متقاربة: ١ - إن عدلتم عن الحق كنتم من الجائرين ممن يتبع الهوى. ٢ - لا تتبعوا أهواء نفوسكم هربًا من القسط في إقامة الشهادة. ٣ - لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، بمعنى النهي عن ذلك لأجل إقامة العدل. والخلاصة: نهي عن اتباع الهوى وتقديم العصبية والتحاكم إلى العاطفة عند الحكم، فإن ذلك يباعد من القسط وإقامة العدل. وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.

стр. 1038

وقوله. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. اللَّي: هو التحريف وتعمد الكذب، والإعراض: كتمان الشهادة وتركها. فإلى أقوال أهل التفسير: ١ - قال ابن عباس: (يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض: الترك). ٢ - قال مجاهد: ("وإن تلووا"، بتبديل الشهادة، و"الإعراض" كتمانها). وقال: (إن تحرفوا أَو تتركوا). ٣ - عن ابن عباس قال: (هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون ليُّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر). فوجه الخطاب هنا إلى الحكام، عندما يميل الحاكم في الحكم لأحد الخصمين على الآخر. واختار ابن جرير المعنى الأول والثاني. قلت: والبيان الإلهي يحتمل التأويل الثالث والله تعالى أعلم. وفي مسند أحمد بسند حسن عن الشريد بن سويد عن النبي ﷺ قال: [ليُّ الواجِدِ يُحِلّ عرضه وعقوبته] (١). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. أي: مطلع على قضائكم وشهادتكم ليجازيكم بها. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبهِ وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه). وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ يشمل جميع الكتب المتقدمة. والفرق بين "نزّل" و"أنزل" أن القرآن نزل منجمًا مفرقًا على الوقائع، بينما أنزلت الكتب السابقة دفعة واحدة.

стр. 1039

وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي: من يخرج عن سبيل المؤمنين في منهاج الإيمان فقد رضي لنفسه الضلال عن قصد الطريق وما يعقبه من الهلاك والعطب. ١٣٧ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. في هذه الآيات: تحذيرٌ من سلوك المنافقين في أمر الإيمان، الذين يتقلبون يتذبذبون بين الإيمان والكفر، ثم يختم الله لهم بالكفر مقابل نفاقهم ولا يغفر لهم، ولهم عذاب أليم. ذلك بأنهم اتخذوا الكافرين بطانة لهم من دون المؤمنين يبتغون عزة فارغة جوفاء، والعزة الحقيقية هى بالله ودينه وبالمؤمنين. لقد حذر الله المؤمنين من الجلوس مع قوم يستهزئون بالله أو رسله أو دينه ووعد ليجمعن الكافرين والمنافقين في جهنم جميعًا. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾. أي دخلوا في الإيمان ثم رجعوا ثم عادوا فيه ثم رجعوا واستمروا على الضلال حتى ماتوا. قال ابن عباس: (تمّوا على كفرهم حتى ماتوا). وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. أي: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم، بل الأمر غير ذلك، سيفضحهم بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، ولا سبيل لهم إلى هدايته سبيل التوفيق والنجاة. ١ - قيل: لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه. ٢ - وقيل: "لا ليهديهم سبيلًا": طريقًا إلى الجنة.

стр. 1040

يروي ابن أبي حاتم وابن جرير عن عامر الشعبي، عن علي ﵁، أنه قال: (يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾). وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: موجعًا في نار جهنم. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، وإذا خلوا بهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون. يعني بأهل الإيمان، يحرصون على عرض الدنيا ورياستها وزينتها الفانية على حساب نصرة الدين الحق والجهاد في سبيل الله. وقوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. هل يريد هؤلاء الذين ينافقون للذين كفروا العزة من هؤلاء؟ ! فهؤلاء الكفار هم الأذلاء في الدنيا والآخرة، رغم ما يظهر للناس من سلطانهم وكبرهم وغرورهم، فإن هذا الظاهر من أسباب العلو والبغي سيفنى عما قريب، وتبقى العزة لله جميعًا. كما قال جل ذكره: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وكما قال جل ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. إن فخر الأمة بالانتساب لغير الإسلام والاعتزاز بغير الله هو مصدر ذلها وشقائها، فلا فخر للأمة ولا فرح لها إلا لنصر هذا الدين العظيم، وانهيار كل مناهج النفاق والكفر والانحراف في الأرض، فلا بد أن يرتبط أي فرح للأمة بمعنى من معاني نصر دينها. أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ أهونَ على الله من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِه الخُرْءَ بأنفه، إن الله أذهبَ عنكم عُبِّيَةَ الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من التراب] (١). وكذلك أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن أُبيّ، عن النبي ﷺ قال: [انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان، حتى عدَّ

стр. 1041

تسعة فمن أنت لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلانُ بن فلان ابن الإسلام. فأوحى الله إلى موسى، أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم في النار، وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة] (١). وقوله. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. هذه الآية العظيمة -آية المفاصلة- أو -آية الولاء والبراء- بين المؤمنين والمنافقين أو الكافرين، فلا يجوز للمسلم أن يجلس في مكان يُستهزأ به في دين الله، ولا يجوز له أن يقعد مع قوم ينالون من أمر الله أو منهاجه أو من رسله، أو يتحاكمون لغير هذا الدين العظيم، الذي ارتضاه سبحانه منهجًا فريدًا للعالمين. فإن استمر في الجلوس معهم وهم على ذلك كان مثلهم، وتوعده الله أن يجمعه معهم في العذاب يوم القيامة. وقد كان الوعيد أخف في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهي مكية. فجاء التهديد الشديد في آية النساء -وهي مدنية-: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. أي في المأثم. أخرج الترمذي والدارمي والحاكم بسند حسن عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمّام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخل حليلتَه الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلسْ على مائدة يُدار عليها الخمر] (٢). قال الشيخ الإسلام: (فاتباع سنة رسوله ﷺ واتباع شريعته باطنًا وظاهرًا هو موجب محبة الله، كما أن الجهاد في سبيل الله، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها) (٣). وفي الصحيحين وسنن ابن ماجة عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: [تكون دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا،

стр. 1042

فالزم جماعة المسلمين وإمامهم، فإن لم تكن جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كُلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت كذلك] (١). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي: كما اشتركوا في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال، وشراب الحميم والغسلين لا الزُلال). ١٤١ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. في هذه الآيات: فَضْحٌ لسلوك المنافقين وطبيعة قلوبهم المريضة الهزيلة، فهم ينتظرون السوء والمصائب أن تحل بالمؤمنين ليفرحوا وليشمتوا، فإن ظهر المسلمون جاؤوا يدّعون النصرة ويطالبون بالاشتراك في الغنيمة. إنهم يخادعون أنفسهم والله يمكر بهم لقاء قيامهم الهزيل إلى الصلاة، ومقابل الرياء الذي شغل عليهم قلوبهم، حتى أصبحوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولا سبيل ولا فلاح لمن أعماه الله عن سواء السبيل. قال ابن جريج: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾: المنافقون يتربصون بالمسلمين، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾، قال: إن أصاب المسلمون من عدوهم غنيمة قال المنافقون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قد كنا معكم فأعطونا غنيمة مثل ما تأخذون، ﴿وَإِنْ

стр. 1043

كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾، يصيبونه من المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قد كنا نثبِّطهم عنكم). وقوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ من الاستحواذ، وهو الغلبة. قال السدي: (نغلب عليكم). وقال ابن جرير: (ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه). وفي التنزيل: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال السدي: (حُجّة). وقال ابن عباس: (ذاك يوم القيامة). وقد يكون المعنى في الدنيا، أي: لن تكون العاقبة والغلبة للكفار على المؤمنين وإن كانت لهم جولة، فالنهاية لابد أن تكون بالنصر الأكيد للمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. ولقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن كثير: (وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصحِّ قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر، لما في صحّة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال). وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. قال السدي: (يعطيهم يوم القيامة نورًا يمشون به مع المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم، ويُضرب بينهم بالسُّور). والمقصود أن الله سبحانه يستدرجهم في طغيانهم ويخذلهم عن الحق الذي عادوه إلى حيث هلاكهم وهم لا يشعرون، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث جندب، عن النبي ﷺ قال: [من سَمَّعَ سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إذا

стр. 1044

أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلته] (٢). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعلَ له وزيرَ سوء، إن نسيَ لم يذكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٣). وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾. قال ابن زيد: (هم المنافقون، لولا الرياء ما صلوا). وقال قتادة: (والله لولا الناس ما صلّى المنافق، ولا يُصَلي إلا رياء وسُمْعة). وقال ابن عباس: (يكرهُ أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طَلْق الوجه عظيم الرَّغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى﴾. رواه ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس. وقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال الحسن: (إنما قلَّ لأنه كان لغير الله). وقال قتادة: (إنما قلّ ذكر المنافق، لأن الله لم يقبله. وكل ما ردَّ الله قليل، وكل ما قبل الله كثير). والمقصود أن المنافقين هذه صفتهم في أجل الأعمال وأشرفها وهي الصلاة، فقد أفسدت عليهم نيّتهم كل خشية أو خوف من الله، فقاموا بين يديه كسالى مستهترين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حُزَمٌ

стр. 1045

من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار] (١). وفي رواية للبخاري: [والذي نفسي بيده، لو عَلِمَ أحدهم أنه يجد غَرْقًا سمينًا أو مَرْماتَيْن حَسَنَتين، لشَهِدَ الصلاة] (٢). زاد أحمد في رواية: [ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرَّقْتُ عليهم بيوتهم بالنار]. وفي الموطأ ومسند أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُبُ الشمس حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا] (٣). وقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. قال مجاهد: (يقول: لا إلى أصحاب محمد ﷺ ، ولا إلى هؤلاء اليهود). وقال ابن زيد: (بين الإسلام والكفر). وقال ابن جريج: (لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [مَثَلُ المنافق كمثل الشاة العائِرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذاه مرة، ولا تدري أيتهما تَتْبَع] (٤). وفي مسند أحمد بسند صحيح، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: [بينما عُبيد بن عُمَير يقُصُّ وعنده عبد الله بن عمر، فقال عُبيد بن عمير: قال رسول الله ﷺ : مثلُ المنافق كالشاة بين رَبيضَين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها. فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ : كشاة بين غنمين. قال: فاحتفظ الشيخ وغَضِبَ، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردُدْ ذلك عليك] (٥).

стр. 1046

وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. أي: من صرفه الله عن سبيل المؤمنين مقابل النفاق الذي مشى عليه ورضيه لنفسه منهجًا، فلا طريق له ولا منقذ ولا هادي له، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١). ١٤٤ - ١٤٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾. في هذه الآيات: نَهْيٌ عَنْ موالاة الكفار، ومناصحتهم وإطلاعهم على أسرار المؤمنين، ومن فعل ذلك كان من المنافقين، ممن يجعلون لله عليهم حجة يوم القيامة، وقد وعد الله المنافقين أسفل دركات جهنم، إلا من تاب وأصلح وأخلص لله من جديد فإن الله يقبله مع المؤمنين، أصحاب الأجر العظيم، فما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم وتبتم وشكرتم، فإن من شكر شكر الله له، ومن آمن قلبه به علمه، وأحسن جزاءه وثوابه. وعن قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ

стр. 1047

تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذرًا مبينًا). قال عكرمة: (ما كان في القرآن من "سلطان"، فهو حجة). وفي التنزيل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. أي في الطبق الأسفل من أطباق جهنم، وبئس المقر وبئس المصير، حيث لا نصير لهم. وقرأها كذلك قراء الكوفة "الدرْك" بتسكين الراء، في حين قرأها قراء المدينة والبصرة "الدَّرَك" بفتح الراء، وهما قراءتان مشهورتان. قال ابن عباس: (﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار﴾، يعني: في أسفل النار). وروى ابن جرير، عن خيثمة، عن عبد الله قال: (توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم). وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: فمن ندم وتاب وأصلح ما كان أفسد من علاقة بالله سبحانه ودينه وعباده المؤمنين -بنفاقه أو موالاته الكفار أو ركوبه معصية الله- فرجع واعتصم بالله وأخلص له السريرة والعمل، فبدل الرياء بالإخلاص فإن الله سبحانه بكرمه يقبله مع المؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾. أي ما يصنع الله بعذاب المنافقين إن تابوا وآمنوا وأحسنوا الرجوع والشكر لله.

стр. 1048

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. أي: يشكر سبحانه من يشكر له، ويعلم من آمن وصدق قلبه الإيمان، فيجزيه أحسن الثواب. ١٤٨ - ١٤٩. قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. في هذه الآيات: لا يحب الله سوء القول وأن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فالله يسمع ويعلم ما يكون، وإن تقولوا جميلًا من القول أو لا تجهروا به أو تصفحوا فالله يحب العفو ويعفو عن خلقه، وهو ذو قدرة على الانتقام منهم. لقد ورد الجهر بسوء القول بمعنيين أو أكثر: ١ - عند الظلم واسترجاع الحقوق: قال ابن عباس: (لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أَرْخَصَ له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، وإن صبر فهو خير له). وقال قتادة: (عذر الله المظلوم كما تسمعون: أن يدعو). وقال السدي: (إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظُلم، فليس عليه جناح). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [المُسْتَبّانِ ما قالا، فعلى البادئ، ما لمْ يعتد المظلوم] (١). فإن تمكن المظلوم من استرجاع حقه دون تشهير بمن ظلمه، أو عفا عنه فذلك أرفع. ففي صحيح مسلم أيضًا عنه، عن رسول الله ﷺ قال: [ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله] (٢).

стр. 1049

٢ - عند التفريط بحق الضيافة. فقد روى ابن جرير بسنده إلى مجاهد قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية. قال: ضاف رجل رجلًا فلم يؤدِّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: ضفت فلانًا فلم يؤد حق ضيافتي! فذلك جهرٌ بالسوء إلا من ظلم، حين لم يؤد إليه ضيافته). وقال: (هو في الضيافة، يأتي الرجل القوم، فينزل عليهم فلا يضيفونه، رخَّصَ الله له أن يقول فيهم). وفي الصحيحين واللفظ للبخاري، عن عقبة بن عامر قال: [قلنا للنبي ﷺ : إنك تَبْعَثُنا فنَنْزِلُ بقومٍ لا يَقْرونَنا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فَأُمِرَ لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف] (١). وله شاهد أخرجه أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ بقدر قِراه، ولا حرج عليه] (٢). وشاهد آخر أخرجه أحمد عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله ﷺ يقول: [ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دينًا له عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه] (٣). ٣ - عند اشتداد أذى الجار. أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي جحيفة قال: [شكا رجل إلى النبي ﷺ جاره، فقال: احمل متاعَكَ فضعه على الطريق فمن مر به يلعنه. فجعل كل من مرَّ به يلعنه. فجاء إلى النبي ﷺ فقال: ما لقيت من الناس؟ فقال: إنَّ لعنة الله فوق لعنتهم. ثم قال للذي شكا: كُفيتَ أو نحوه] (٤).

стр. 1050

ورواه البزار من حديث أبي هرِيرة: [أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني. فقال له: أخرج متاعك فَضَعْه على الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرَحَهُ على الطريق، فكل من مَرَّ به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أؤذيك أبدًا]. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. أي: كان الله ولم يزل ﴿سَمِيعًا﴾ بما تجهرون به من سوء القول ومن جميع كلامكم، ﴿عَلِيمًا﴾ بما تخفون وما تعلنون من قولكم وكلامكم، وسيجازيكم على إحسانكم أو إساءتكم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾. المعنى: إن إخفاءكم خير القول أو إظهاره، أو عفوكم عمن أساء إليكم، هو مما يقربكم عند ربكم. والله هو العفو القدير: يعفو عن مسيئكم إن تاب ويصفح عنه، وهو ذو قدرة على الانتقام من كل مسيء بقول أو عمل. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثٌ أُقْسِمُ عليهن: ما نقصَ مالٌ قط من صدقة، فتصدقوا. ولا عفا رجل عن مظلمة ظُلِمَها إلا زاده الله تعالى بها عِزًّا، فاعفوا يزدكم الله عِزًّا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر] (١). ١٥٠ - ١٥٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا

стр. 1051

مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. في هذه الآيات: تَوَعُّدٌ من الله للذين يكفرون به وبرسله من اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كما فعلت اليهود بتكذيبهم عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، فأولئك توعدهم الله عذابًا مهينًا. وأما المؤمنون الذين آمنوا بالله وبجميع رسله دون تمييز في ذلك فأولئك أعد لهم نزلًا كريمًا. قال قتادة: (أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ ) وقال السدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، يقولون: محمد ليس برسولٍ لله، وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرقوا بين الله وبين رسله، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض). وقال ابن جريج: (آمنت اليهود بُعزيرٍ وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزير، وكانوا يؤمنون بالنبي ويكفرون بالآخر، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قال: دينًا يدينون به الله). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. إن منهاج الإيمان عند المؤمنين أن يؤمنوا بالله ويعظموه وحده لا شريك له، ولا يفرقوا بين أحد من رسله، بل يقرون أن الجميع جاؤوا بالحق من عند الله، وأن خاتمهم محمدًا ﷺ جاء بشرع ناسخ لكل الشرائع قبله فيفردوه بالمتابعة فهو أسوة الأمة إلى يوم القيامة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر ما سلف من الآثام والتقصير لمن شاء من عباده، ﴿رَحِيمًا﴾ لم يزل كذلك بتفضله على المخلصين بالهداية في الدنيا والنجاة يوم الحساب.

стр. 1052

١٥٣ - ١٥٤. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾. في هذه الآيات: يسألك يا محمد أهل التوراة من اليهود أن تنزل عليهم كتابًا خاصًّا بهم على سبيل التعنت والعناد والكبر والإلحاد، شأن كفار قريش سألوا نحو ذلك، فاعلم يا محمد أن هؤلاء اليهود أحفاد من سلفهم من أجدادهم الذين عاجزوا موسى بالأسئلة ومحاولات التشكيك فسألوا رؤية الله فنالتهم صاعقة من الله سبحانه بتنطعهم، ثم عبدوا العجل وانتكسوا عن عبادة الله بعدما هداهم بالبينات الواضحات، ثم عفا عنهم وأكرم موسى ﵇ بالحجج الدالة على نبوته وصدقه، فلما عادوا إلى التشكيك رفعنا الطور فوقهم بما أعطوا الله الميثاق والعهد بالعمل بالتوراة، وقلنا لهم اختبارًا ادخلوا باب بيت المقدس سجدًا، وألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، وواثقناهم على ذلك. قال السدي: (﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قالت اليهود: إن كنت صادقًا أنك رسول الله، فآتنا كتابًا مكتوبًا من السماء، كما جاء به موسى). وقال قتادة: (أي: كتابًا، خاصة). وقال محمد بن كعب القرظي: (جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾). وقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعني أسلاف هؤلاء اليهود. وقوله: ﴿فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أي: عيانًا نعاينه وننظر إليه. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾. أي: فصعقوا بظلمهم لأن مسألتهم رؤية الله مما لم يكن لهم مسألته.

стр. 1053

وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]. وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. أي: من بعد ما رأوا من المعجزات الكبيرة كإغراق فرعون وجنوده، وآيات على يد موسى ﷺ . فلما مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ثم اتخذوا العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇، إلهًا يعبدونه من دون الله، كل ذلك من بعد ما أراهم الله الآيات الواضحات على صدق موسى ووجوب اتباعه ونبذ كل أشكال الهوى. وقوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. أي: فعفونا عن عبدة العجل صنيعهم بتوبتهم، وعن السائلين رؤية الله حين أنابوا إلى الطريق وأعطينا موسى زيادة من الحجج التي تبين صدقه وحقيقة نبوته. وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾. قال ابن كثير: (وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جَبَلًا، ثم أُلزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقُطَ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]). وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال قتادة: (كنا نحدّث أنه باب من أبواب بيت المقدس). أمروا أن يدخلوه سجدًا مع قولهم حطة، أي: اللهم حُطَّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونُكولنا عنه، حتى تُهنا في التيه أربعين سنة، وكانوا أمروا بتلك الهيئة في الدخول ليظهر منهم التواضع لله سبحانه والشعور الحقيقي بندم التقصير والزلل، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يستهزئون ويقولون: حِنْطة في شعيرة. وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾. أي: بترك أكل الحيتان يوم السبت أو صيدها، وكذلك ترك التحايل عليها يوم السبت، فمكروا وتحايلوا ونصبوا لها الشباك ليأخذوها في اليوم التالي.

стр. 1054

وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. أي: عهدًا مؤكدًا بالعمل بهذه الأوامر وترك كل ما جاء النهي عنه. ١٥٥ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. في هذه الآيات: ومن ذنوبهم وإجرامهم نقض المواثيق والعهود، وإنكار المعجزات والآيات وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا في غطاء لا تعي ما يقال، وإنما ختم الله عليها بكفرهم وعنادهم فَقَلَّ ما آمنوا حق الإيمان، بل كفروا وتجرؤوا على مريم بالبهتان، وادّعوا تطاولًا وغرورًا قتل المسيح ﵇، ولم يفعلوا بل شبه لهم شبهًا له، وقد التبس عليهم وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه، وسيعود قبل يوم القيامة ويؤمن به أهل الكئاب، أو يضرب رقابهم بالسيف، وسيحتج عليهم يوم القيامة ويشهد بما كذبوه أو صدقوه. فعن قتادة: (﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعنّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا نفقه، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعنهم حين فعلوا ذلك). وقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنهم رموها بالزنا). وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. فكذبهم الله بادعائهم وسفاهتهم وجراءتهم ووقاحتهم فقال جل ذكره: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال ابن إسحاق: حدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: (أن عيسى حين جاءه من الله: "إني رافعك إليّ" قال: يا معشر الحواريين، أيّكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، على أن يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله! قال:

стр. 1055

فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفِعَ عيسى صلوات الله عليه. فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبِّه لهم به) - ذكره ابن جرير بسنده عنه. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، اليهود الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله. وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت قبل دخولهم، فيما ذكر. فلما دخلوا عليهم، فقدوا واحدًا منهم، فالتبس أمرُ عيسى عليهم بفقدهم واحدًا من العدَّة التي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في أمر عيسى). وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال ابن عباس: (يعني لم يقتلوا ظنَّهم يقينًا). وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. أي: رفع الله المسيح إليه، وهذه من الآيات العظيمة الدالة على علو الله على جميع خلقه، وأنه على السماء واستوى على العرش، وكل المخلوقات دونه، سبحانه وتعالى عما يضل الجهال به علوًا كبيرًا. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. أي: في انتقامه من أعدائه وأعداء رسله وأوليائه. ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيره وخلقه وقدره وتشريعه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به). قال الحسن: (قبل موت عيسى. والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون). وقال ابن جريج: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، أنه قد أبلغهم ما أُرسل به إليهم). وقال قتادة: (يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة على أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه). قلت: يحكم عيسى بن مريم ﵊ حين ينزل بالقرآن والسنة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام فلا يقبل الجزية بل الإسلام أو السيف، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. فمن أدركه من أهل الكتاب آمن به واتبع منهجه في الحكم بالكتاب والسنة، وإلا كان بينه وبينهم السيف. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
следующие страницы →