← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. في هذه الآيات: تَوَعُّدٌ من الله للذين يكفرون به وبرسله من اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كما فعلت اليهود بتكذيبهم عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، فأولئك توعدهم الله عذابًا مهينًا. وأما المؤمنون الذين آمنوا بالله وبجميع رسله دون تمييز في ذلك فأولئك أعد لهم نزلًا كريمًا. قال قتادة: (أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ ) وقال السدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، يقولون: محمد ليس برسولٍ لله، وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرقوا بين الله وبين رسله، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض). وقال ابن جريج: (آمنت اليهود بُعزيرٍ وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزير، وكانوا يؤمنون بالنبي ويكفرون بالآخر، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قال: دينًا يدينون به الله). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. إن منهاج الإيمان عند المؤمنين أن يؤمنوا بالله ويعظموه وحده لا شريك له، ولا يفرقوا بين أحد من رسله، بل يقرون أن الجميع جاؤوا بالحق من عند الله، وأن خاتمهم محمدًا ﷺ جاء بشرع ناسخ لكل الشرائع قبله فيفردوه بالمتابعة فهو أسوة الأمة إلى يوم القيامة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر ما سلف من الآثام والتقصير لمن شاء من عباده، ﴿رَحِيمًا﴾ لم يزل كذلك بتفضله على المخلصين بالهداية في الدنيا والنجاة يوم الحساب.

стр. 1052

١٥٣ - ١٥٤. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾. في هذه الآيات: يسألك يا محمد أهل التوراة من اليهود أن تنزل عليهم كتابًا خاصًّا بهم على سبيل التعنت والعناد والكبر والإلحاد، شأن كفار قريش سألوا نحو ذلك، فاعلم يا محمد أن هؤلاء اليهود أحفاد من سلفهم من أجدادهم الذين عاجزوا موسى بالأسئلة ومحاولات التشكيك فسألوا رؤية الله فنالتهم صاعقة من الله سبحانه بتنطعهم، ثم عبدوا العجل وانتكسوا عن عبادة الله بعدما هداهم بالبينات الواضحات، ثم عفا عنهم وأكرم موسى ﵇ بالحجج الدالة على نبوته وصدقه، فلما عادوا إلى التشكيك رفعنا الطور فوقهم بما أعطوا الله الميثاق والعهد بالعمل بالتوراة، وقلنا لهم اختبارًا ادخلوا باب بيت المقدس سجدًا، وألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، وواثقناهم على ذلك. قال السدي: (﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قالت اليهود: إن كنت صادقًا أنك رسول الله، فآتنا كتابًا مكتوبًا من السماء، كما جاء به موسى). وقال قتادة: (أي: كتابًا، خاصة). وقال محمد بن كعب القرظي: (جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾). وقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعني أسلاف هؤلاء اليهود. وقوله: ﴿فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أي: عيانًا نعاينه وننظر إليه. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾. أي: فصعقوا بظلمهم لأن مسألتهم رؤية الله مما لم يكن لهم مسألته.

стр. 1053

وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]. وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. أي: من بعد ما رأوا من المعجزات الكبيرة كإغراق فرعون وجنوده، وآيات على يد موسى ﷺ . فلما مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ثم اتخذوا العجل الذي كان السامري نبذ فيه ما نبذ من القبضة التي قبضها من أثر فرس جبريل ﵇، إلهًا يعبدونه من دون الله، كل ذلك من بعد ما أراهم الله الآيات الواضحات على صدق موسى ووجوب اتباعه ونبذ كل أشكال الهوى. وقوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. أي: فعفونا عن عبدة العجل صنيعهم بتوبتهم، وعن السائلين رؤية الله حين أنابوا إلى الطريق وأعطينا موسى زيادة من الحجج التي تبين صدقه وحقيقة نبوته. وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾. قال ابن كثير: (وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جَبَلًا، ثم أُلزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقُطَ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١]). وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال قتادة: (كنا نحدّث أنه باب من أبواب بيت المقدس). أمروا أن يدخلوه سجدًا مع قولهم حطة، أي: اللهم حُطَّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونُكولنا عنه، حتى تُهنا في التيه أربعين سنة، وكانوا أمروا بتلك الهيئة في الدخول ليظهر منهم التواضع لله سبحانه والشعور الحقيقي بندم التقصير والزلل، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يستهزئون ويقولون: حِنْطة في شعيرة. وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾. أي: بترك أكل الحيتان يوم السبت أو صيدها، وكذلك ترك التحايل عليها يوم السبت، فمكروا وتحايلوا ونصبوا لها الشباك ليأخذوها في اليوم التالي.

стр. 1054

وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. أي: عهدًا مؤكدًا بالعمل بهذه الأوامر وترك كل ما جاء النهي عنه. ١٥٥ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. في هذه الآيات: ومن ذنوبهم وإجرامهم نقض المواثيق والعهود، وإنكار المعجزات والآيات وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا في غطاء لا تعي ما يقال، وإنما ختم الله عليها بكفرهم وعنادهم فَقَلَّ ما آمنوا حق الإيمان، بل كفروا وتجرؤوا على مريم بالبهتان، وادّعوا تطاولًا وغرورًا قتل المسيح ﵇، ولم يفعلوا بل شبه لهم شبهًا له، وقد التبس عليهم وما قتلوه يقينًا، بل رفعه الله إليه، وسيعود قبل يوم القيامة ويؤمن به أهل الكئاب، أو يضرب رقابهم بالسيف، وسيحتج عليهم يوم القيامة ويشهد بما كذبوه أو صدقوه. فعن قتادة: (﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعنّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا نفقه، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعنهم حين فعلوا ذلك). وقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنهم رموها بالزنا). وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. فكذبهم الله بادعائهم وسفاهتهم وجراءتهم ووقاحتهم فقال جل ذكره: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال ابن إسحاق: حدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: (أن عيسى حين جاءه من الله: "إني رافعك إليّ" قال: يا معشر الحواريين، أيّكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، على أن يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا، يا روح الله! قال:

стр. 1055

فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفِعَ عيسى صلوات الله عليه. فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه وشُبِّه لهم به) - ذكره ابن جرير بسنده عنه. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، اليهود الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله. وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت قبل دخولهم، فيما ذكر. فلما دخلوا عليهم، فقدوا واحدًا منهم، فالتبس أمرُ عيسى عليهم بفقدهم واحدًا من العدَّة التي كانوا قد أحصوها، وقتلوا من قتلوا على شك منهم في أمر عيسى). وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال ابن عباس: (يعني لم يقتلوا ظنَّهم يقينًا). وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. أي: رفع الله المسيح إليه، وهذه من الآيات العظيمة الدالة على علو الله على جميع خلقه، وأنه على السماء واستوى على العرش، وكل المخلوقات دونه، سبحانه وتعالى عما يضل الجهال به علوًا كبيرًا. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. أي: في انتقامه من أعدائه وأعداء رسله وأوليائه. ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيره وخلقه وقدره وتشريعه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به). قال الحسن: (قبل موت عيسى. والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون). وقال ابن جريج: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، أنه قد أبلغهم ما أُرسل به إليهم). وقال قتادة: (يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة على أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه). قلت: يحكم عيسى بن مريم ﵊ حين ينزل بالقرآن والسنة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام فلا يقبل الجزية بل الإسلام أو السيف، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. فمن أدركه من أهل الكتاب آمن به واتبع منهجه في الحكم بالكتاب والسنة، وإلا كان بينه وبينهم السيف. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1056

[والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابنُ مريم، حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: [ليس بيني وبينه نبيُّ - يعني عيسى - وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مَرْبوعٌ، إلى الحمرة والبياض، بين ممَصَّرتَيْن - الممصرة: ثياب فيها صفرة خفيفة - كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدقُّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون] (٢). الحديث الثالث: يروي ابن ماجة والحاكم وابن خزيمة بسند صحيح من حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [ .. فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ... وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها .... ] الحديث (٣). وقد فصلت كل هذه الأحوال - من صفات عيسى ﵊، ونزوله وأعماله إلى موته - في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فَلِلّه الحمد والمنة. ١٦٠ - ١٦٢. قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ

стр. 1057

بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾. في هذه الآيات: إنه بسبب ظلم اليهود واجتراحهم الذنوب والآثام حرم الله عليهم طيبات كان أحلها لهم، ومن هذه الآثام نقض الميثاق مع ربهم، وكفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء وقول البهتان على مريم، والصد عن سبيل الله وأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وفي الآخرة عذاب أليم. واسثتنى الله من أهل الكتاب من آمن بالله واليوم الآخر وما أنزل عليهم وما أنزل على محمد ﷺ فأولئك لهم أجر عظيم. قال قتادة: (﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم). وعن مجاهد: (﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق). وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. يعني: انتشار الربا بينهم وهو محرم يعرفونه. وقوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يعني أخذهم الرُّشا على الحكم، وأخذهم أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم ثم يقولون ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وفي التنزيل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]. وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: للكافرين بالله ورسوله محمد ﷺ من هؤلاء اليهود، أعد الله لهم عذابًا مؤلمًا موجعًا. وقوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال قتادة: (استثنى الله أُثْبِيَّةً (١) من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم).

стр. 1058

وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. ذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. والراجح أنها ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ وهي كذلك في مصاحف الأئمة، ومصحف أبي بن كعب، والأشهر عند جماهير القراء. فيكون التأويل بأحد طريقين: ١ - وأمدح ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ للصلاة، أو: وأخص ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ الصلاة منهم. فيكون لفظ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ قد نصب على المدح أو الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. . أي: وأخص الصابرين، أو: وأمدح الصابرين. ٢ - أن يكون مخفوضًا، أي: في محل جر، والتأويل: (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة) - أي: بالعطف على ما سبقها، والتقدير: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها ويقرون بكتابتها عليهم. وذهب ابن جرير إلى أن المقصود الملائكة، ولا وجه له ولا يدل عليه السياق، بل الأنسب أن يقال: استثنى أهل الرسوخ في العلم من يهود من المؤمنين الذين يؤمنون بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد ﷺ وخاصة الذين يقيمون الصلاة مع المؤمنين ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ - زكاة الأموال، وزكاة النفوس. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: يشهدون لله بالوحدانية ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب. وقوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي: الجنة، لقاء هذا التحول في تجديد الإيمان من رسولهم إلى خاتم المرسلين، ﵊، ومتابعتهم له بمنهج الإيمان والعمل الصالح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بُردة بن أبي موسى عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة يؤتون أجوهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أذّى حق الله عليه وحق سَيّده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غِذاءها ثم أدّبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران] (١).

стр. 1059

١٦٣ - ١٦٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾. في هذه الآيات: إنا أرسلنا إليك يا محمد بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين سميتهم من بعده، والذين لم أسمهم لك، واختص الله موسى بالتكليم فكلّمه كما كلّمك يوم المعراج، وأراد الله بإرسال جميع الرسل إقامة الحجة على عباده، لئلا يكون لأحد من خلقه حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا. قال الربيع بن خُثَيم: (﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، قال: أوحى إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله). وقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ - وهو الكتاب المسمى (زبورًا)، . وقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. يعني: وأوحينا إلى رسل قد قَصَصْناهُم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك. وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. أي: كلامًا مباشرًا دون جبريل ﵇. وهو تشريف لموسى ﷺ . ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني؟ فحجّ آدم موسى] (١).

стр. 1060

وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. التقدير: أرسلتهم رسلًا إلى جميع عبادي مبشرين برحمتي وثوابي وجنتي لمن أطاعني، منذرين غضبي وعقابي وناري لمن عصاني، فلا حجة لأحد بعد ذلك. وفي الصحيحين والمسند عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أحد أغْيَرُ من الله، من أجل ذلك حَرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحبُّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين] (١). وفي لفظ عند الإمام مسلم: [من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه] (٢). ١٦٦ - ١٧٠. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾. في هذه الآيات: فإن يكفر هؤلاء -ممن أشرك وكفر من أهل الكتاب وأنكر نبوتك والتنزيل- فالله يشهد بتنزيله إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه وخليله وصفيّه، وكذلك الملائكة يشهدون بذلك، فلا يحزنك تكذيب من كذب فالله خير الشاهدين. إن جزاء المكذبين بك يا محمد، وبأن الله اصطفاك وأوحى إليك هذا القرآن، هو الحرمان من المغفرة والهداية إلا إلى طريق جهنم، وهو أمر يسير على الله فالخلق خلقه والكل مقهور بإرادته. فأنيبوا أيها الناس إلى ربكم وتابعوا نبيّه وصدقوه خير لكم، فإن أبيتم

стр. 1061

فالله ملك هذا الكون يعلم ما تبيتون وما أنتم صائرون إليه من طاعة أو كفر، وهو الحكيم في إيرادكم المصير الذي ينتظركم، وفي كل أمر قدره وشرعه. وعن قتادة: (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال: شهودٌ والله غيرُ مُتَّهمة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أي: جاروا عن قصد السبيل جورًا أكيدًا شديدًا، حين وضعوا مكرهم أمام تقدم الناس لمتابعة الرسل لإقامة الحق في الأرض وتحكيم شرع الله العظيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. هذه هي الهداية إلى النار يوم القيامة. فمراتب الضلال ثلاثة: ١ - مرتبة الضياع والانحراف. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]. ٢ - مرتبة الخذلان والحرمان. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]. ٣ - هداية إلى النار يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (ومن أشبههم من الظلمة). وقال أبو العالية: (الذين ظلموا وأشياعهم). وبنحو هذا قوله تعالى في آية النساء السابقة: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ فهي الهداية إلى النار يوم القيامة بعد تجاوز مرحلة الضياع إلى مرحلة الخذلان إلى بئس المصير. أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى

стр. 1062

بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال] (١)، وتفصيل هذا البحث - مراتب الهداية والضلال - في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فَلِلَّه الحمد والمنة وعليه التكلان. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. قال ابن جرير: (وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ... لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. التأويل -أيها الناس: قد جاءكم محمد ﷺ بدين الحق الذي لا يقبل الله سواه، فآمنوا والتمسوا طريق النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تفعلوا فالله غني عنكم وعن إيمانكم ولا يؤثر كفركم على ملكوته، وهو العليم بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الضلال فيضله ويشقيه، وهو الحكيم في أمره ونهيه وقدره وشرعه وفي كل شأنه. ١٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾. في هذه الآية: نهي الله سبحانه أهل الكتاب عن الغلو والتنطع في الدين، كما أبعدوا الإطراء والوصف في شأن عيسى ﵇، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ودعوة لهم للإيمان بالله ورسله ونبذ عقيدة التثليث التي خاضوا فيها، فإنما الله إله واحد لا شريك له ولا ولد، له ما في هذا الكون الفسيح، وحسب

стр. 1063

ما في السماوات وما في الأرض بالله قيّمًا ومدبّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره. قال الربيع: (صاروا فريقين: فريق غَلوا في الدين، فكان غلوهم فيه الشك فيه والرغبة عنه، وفريق منهم قصّروا عنه، ففسقوا عن أمر ربهم). وأصل الغلو في لغة العرب مجاوزة الحد. وهذا واقع في النصارى إذ تجاوزوا الحد في أمر عيسى فرفعوه من مرتبة النبوة لمرتبة الألوهية، وغلوا في أتباعه فنسبوا العصمة لهم. كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن ابن عباس، عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله] (١). فحذّر النبي ﷺ من سلوك سبيلهم بالغلو في المدح، والمبالغة في الإطراء. وأخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس بن مالك: [أن رجلًا قال: يا محمد، يا سيدَنا وابن سيِّدنا، وخَيْرَنا وابن خيرنا، فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينَّكُم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. أي: لا تتجرؤوا على الله بوصفه بغير صفاته سبحانه، فلا تنسبوا له صاحبة ولا ولدًا ولا غير ذلك مما يسخطه سبحانه، تنزهت أسماؤه وصفاته، وتفرّد با لتعظيم والوحدانية والتقديس والكبرياء. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. قال قتادة: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: هو قوله: "كن"، فكان). وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. قال مجاهد: (ورسول منه). وقال غيره: (ومحبة منه). وقال غيره: (ورحمة منه). وخلاصة المعنى: أي إنَّ عيسى ﵊ مخلوق من روح مخلوقة،

стр. 1064

خلقها سبحانه، ثم أرسلها إلى مريم فدخلت بها، فَصَيَّرَها الله تعالى روحَ عيسى ﵇، وقد أضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف. أخرج البخاري عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: [من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل] (١). وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. أي: الزموا منهج الإيمان بالله ورسوله دون تحريف أو تشبيه، فالله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم تكن له صاحبة، وعيسى بن مريم عبده ورسوله. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعني: ولا تقولوا: الأرباب ثلاثة. قال: انتهوا أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، عما تقولون من الزور والشرك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم - على قيلكم ذلك، إن أقمتم عليه). وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. وكذلك: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢]. وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]. أي: تعالى الله وتقدس أن يكون له صاحبة أو ولد، فهو الملك له جميع ما في السماوات والأرض، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. فإن من كان له ولد لا يستحق الإلهية، وكذلك من كان له صاحبة، لا يصح أن يكون إلهًا معبودًا. قال تعالى: ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ

стр. 1065

وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وحسب ما في السماوات وما في الأرض بالله قيِّمًا ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره). ١٧٢ - ١٧٣. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾. في هذه الآيات: لن يأنف المسيح عيسى ﵊ أن يكون عبدًا خاضعًا لله ولن يتكبر عن ذلك، وكذلك الملائكة المقربون، لا يمتنعون من الإقرار لله بالعبادة والتعظيم وحده لا شريك له، فمن يأنف من التذلل لله ويستكبر فالجميع قادمون يوم الحشر لموعده. فيعز المؤمنين الخاضعين ويزيدهم من الثواب ويضاعف لهم أعمالهم الصالحات، ويعذب الذين تكبروا عن عبادته عذابًا مخزيًا لا نصير لهم ولا منقذ ولا سبيل لمنعه عن أنفسهم. قال قتادة: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة). وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾. أى: الذين قرّبهم الله ورفع منازلهم واختصهم بمراتب مميزة. وقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. أي: - كما قال شيخ المفسرين -: (ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعده عنده). وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يعني: يثيبهم على الأعمال الصالحة، ويزيد في بعضها من الثواب ورفع الدرجات مما

стр. 1066

لا يعلمه إلا هو سبحانه، فإن الأعمال تتفاوت أحوالها وأوزانها عند الله. أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لَوَسِعَت، فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١). وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي: وأما الذين تعظموا عن عبادته سبحانه وإفراده بالإلهية والتعظيم فينتظرهم عذاب موجع لا منقذ منه ولا دافع ولا مانع. أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال] (٢). ١٧٤ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾. في هذه الآيات: يا أيها الناس من كل الأصناف والملل - التي مضى ذكرها في هذه السورة - قد أتتكم حجة الله عليكم وهي نبوة محمد ﷺ ، والوحي الذي أنزله الله عليه، فآمنوا بالله واعتصموا بمنهجه وهدي نبيّه، يدخلكم في رحمة منه تنجيكم من عقابه، ويهديكم إلى سبيل النعيم في الدنيا والآخرة.

стр. 1067

فعن مجاهد: (﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال: حجة). وقال قتادة: (بينة من ربكم). وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. قال ابن جريج: (القرآن). وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾. قال ابن جريج: (بالقرآن). وقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾. قال ابن جرير: (فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما لَحِقَ أهل الإيمان به والتصديق برسله). وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي ة في الدنيا والآخرة. أي: طريقًا واضحًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. قال ابن كثير: (وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات). ١٧٦. قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. هذه الآية: هي آية الميراث، أو آية الفرائض، وفيها تفصيل لأحكام كثيرة. أخرج الإمام مسلم والترمذي وابن ماجة عن محمد بن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: [مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين فَأُغمي عليَّ، فتوضأ ثم صَبَّ عليَّ من وضوئه فأفقت، قلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾] (١). وفي لفظ عند الإمام أحمد والبخاري - قال محمد بن المنكدر: سمعت جابر بن عبد الله قال: [دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صبَّ عَلَيَّ - أو

стр. 1068

قال: صُبّوا عليه - فَعَقَلْتُ فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض] (١). قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: [آخر سورة نزلت: "براءة"، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾] (٢). وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾ فيه محذوف، والتقدير: يستفتونك عن الكلالة! ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾. والكلالة مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. قال ابن كثير: (ولهذا فسَّرَها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد. ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾). قلت: ولا شك أن فهم الكلالة وأحكامها يحتاج إلى رسوخ في العلم، وصبر في متابعة علم الفرائض وأحكام المواريث، وحسن فقه واستنباط. ففي الصحيحين عن عمر أنه قال: [ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله ﷺ ، كان عَهِدَ إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا] (٣). وفي صحيح مسلم عن مَعْدان بن أبي طلحة قال: قال عمر بن الخطاب: [ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طَعَنَ بإصبعه في صَدْري وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء] (٤). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن البراء قال: [آخر آية أنزلت، أو آخر شيء أنزل ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾] (٥).

стр. 1069

وفيه عن البراء قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾ فقال له النبي ﷺ : "تجزئك آيةُ الصيف"] (١). وذكر ابن جرير بسنده عن قتادة قال: (وذُكِرَ لنا أنّ أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرَّت الرحم من العَصَبَة). وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. أي: مات. قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (تمسَّكَ به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الولد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الوالد. وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي يُرْجَعُ إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه الذي لا ولد له ولا والد، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا، لأنه يحجبها بالإجماع، فدلَّ على أنه من لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا، لأن الأُخت لا يُفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية). وقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾. أخرج البخاري عن هُزيل بن شُرَحبيل قال: [سئل أبو موسى الأشعري عن ابنةٍ، وابنة ابن، وأخحط. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائْتِ ابن مسعود فَسَيُتابِعُني. فَسُئِل ابن مسعود - وأُخْبِرَ بقول أبي موسى - فقال: لقد ضَلَلْتُ إذن وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : للابنة النصف، ولابنة الابن السُّدُسُ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْرْ فيكم] (٢).

стр. 1070

وقد ثقل ابن جرير عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا: إنه لا شيء للأخت، لقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قال: (فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا فلا شيء للأخت). قال ابن كثير: (وخالفهما الجمهور فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفَرْض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية، وهذه الآية نَصَّت أن يُفْرْض لها في هذه الصورة. وأما وراثَتُها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود قال: [قضَى فينا مُعاذ بن جَبَل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للبنت، والنصف للأخت] (١)). وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾. المعنى: إذا ماتت كلالة فإن الأخ يرث كل مالها، وذلك حالة ليس لها ولد، أي: ولا والد. فإذ الأخ لا يرث مع وجود الوالد. قال ابن كثير: (فإن فرض أن معه من له فَرْضٌ صُرِفَ إليه فرضُه، كزوج أو أخ من أم، وصُرِف الباقي إلى الأخ. لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: [أَلحِقُوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأَوْلى رجل ذكر] (٢)). وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾. أي: إن ترك الميت كلالة أختين فلهما الثلثان، وما زاد على الأختين فهو في حكمهما. ويشبه ذلك حكم البنتين فأكثر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. أي: إن كان المتروكون من إخوته رجالًا ونساءً فيخصص للذكر منهم مثل نصيب اثنتين من أخواته. قال ابن جرير: (وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه).

стр. 1071

وقال ابن كثير: (هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين ومن الإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أُعطي الذكر منهم مثل حظ الأنثيين). وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: يبين الله لكم القسمة الشرعية للمواريث، وحكم الكلالة، وكل ما تحتاجونه من الحق لئلا تقعوا في الجور أو الإثم. قال ابن جريج: (﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، قال: في شأن المواريث). والله عليم بمصالح عباده، وأفضل القسمة لمواريثهم، وبعواقب الأمور في الدنيا والآخرة. تم تفسير سورة النساء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

стр. 1072

دروس ونتائج وأحكام ١ - ربط الله تعالى التقوى بصلة الرحم، فإن الرحم معلقة بالعرش، وهي شجنة من الرحمان، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه. ٢ - تحريم أكل المهور، وخير النكاح أيسره، ولليتيمة مهر مثلها. ولا زواج فوق أربع، ويجب العدل في المبيت والنفقة. ٣ - تعليق إجابة دعوة واضع ماله بيد السفهاء. والسفهاء هم: الصغار، المجانين، قليل الدين، المفلس. ٤ - ولي اليتيم الغني يستفف، والفقير يأكل بالمعروف، وآكل مال اليتيم ظلمًا إنما يأكل في بطنه نارًا. ٥ - ترك توريث النساء والأطفال من عادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام. فللذكر مثل حظ الأنثيين، وللنساء فوق اثنتين الثلثان، فإن كانت واحدة فلها النصف. ٦ - الدَّين مقدّم على الوصية، وأقصى الوصية الثلث. ٧ - الكلالة: من لا ولد له ولا والد، ولا وصية لوارث. ٨ - حدّ الزنا: الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن. وحدّ عَمل قوم لوط: قتل الفاعل والمفعول به. ٩ - تحريم الجمع بين الأختين، وتحريم نكاح ما نكح الآباء، فذلك من أمور الجاهلية. ١٠ - العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. ١١ - الرضاعة تحرّم ما يحرّم النسب والولادة، ولا تحرّم إلا خمسُ رضعات.

стр. 1073

١٢ - الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن. ١٣ - تحرم زوجات الأبناء من الأصلاب، والجمع بين الأختين حرائر أو إماء. ١٤ - نكاح الأمة بإذن سيدها، أو بإذن وليِّ سيدتها. ١٥ - حدّ المملوك نصف حدّ الحر، ولا رجم عليه. ١٦ - قتل النفس بحديدة أو بِسُمّ مصير صاحبه إلى النار. ١٧ - نشوز الزوجهّ يُعالج بالوَعظ والهجر والضرب غير المبرّح. ١٨ - النهي عن اقتراب السكران الصلاة، وكل مسكر حرام. ١٩ - جواز مرور الجنب والحائض في المسجد، وإباحة التيمم لفقدان الماء، والتيمم ضربة للوجه والكفين، فإن وجد الماء بعد ذلك لزمه أن يمسه بشرته. ٢٠ - لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والمقصود بـ ﴿لَامَسْتُمُ﴾ الجماع. ٢١ - الطاغوت كل ما عُبد من دون الله، كالأصنام والشيطان والطغاة. ٢٢ - أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل هو جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة. ٢٣ - وجوب تولية ولي الأمر على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده. ٢٤ - إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ٢٥ - التحاكم للكتاب والسنة دليل الإيمان، وإلى سواهما دليل الكفر. ٢٦ - جواز التوسل بالرسول ﷺ أي بدعائه - في حياته، وامتناع ذلك بعد وفاته. ٢٧ - الجنة وعد الله المجاهد إن قتل، وإن عاد فبالأجر والغنيمة. ٢٨ - الجهاد لم يشرع بمكة، لقلة عدد المؤمنين وعدم اكتمال بناء الجماعة، فلما اكتمل البناء في المدينة شرع الله الجهاد وأذن بقتال الأعداء. ٢٩ - الأصل طاعة الله وطاعة رسوله، والتماري بين المؤمنين شر، والجهل بالقرآن يعالج بالرد إلى عالمه. ٣٠ - إفشاء السلام بين المؤمنين سبيل عظيم إلى تحابب قلوبهم، ورد السلام واجب من الواجبات، وحق من حقوق المسلم على أخيه.

стр. 1074

٣١ - الولاء للمؤمنين، والبراء من الكفار والمنافقين: من اتخاذهم أولياء، أو الاستنصار بهم على الأعداء. ٣٢ - دية قتل الخطأ على العاقلة، وخطأ الإمام أو نائبه يضمنه بيت المال. ٣٣ - الدية مخففة ومغلظة، فالمخففة تجب في قتل الخطأ، والمغلظه تجب في شبه العمد. وأما دية قتل إلعمد إذا عفا وليّ الدم فهي ما اصطلحوا عليه. ٣٤ - الدية المغلظة: مئة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها. ٣٥ - ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ الحُرَّ المسلم، ودية عَقْل الكافر نِصْفُ عَقْلِ المؤمن. ٣٦ - النطق بـ "لا إله إلا الله" يعصم المال والنفس، وحساب صاحبه على الله. ٣٧ - المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما، والهجرة واجبة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام. ٣٨ - المسافر يقصر الصلاة ما دام لم ينو الإقامة ببلد السفر. ٣٩ - صلاة الخوف تجزئ ركعة واحدة عند المسايفة إيماء. ٤٠ - إن للصلاة وقتًا كوقت الحج، لا تجوز بعد فواته، فويل لمؤخريها. ٤١ - سنة الرسول ﷺ هي المنهاج، وسبيل المؤمنين هو التفسير والبيان. ٤٢ - عضل اليتامى اللاتي في حجور المسلمين ظلم، فإما الزواج بهن أو تزويجهن، والمرأة إذا خافت نشوز بعلها فلها أن تسقط عن حقها. ٤٣ - وجوب العدل بين الزوجات في المبيت والنفقة، وأما ميل القلب فلا ملك للرجل فيه. ٤٤ - النهي عن الجلوس في مجلس ينتقص فيه من دين الله، ومن فعل ذلك فإنه مثلهم، وكلمة "مصلحة الدعوة" قد تكون مزلة من الشيطان، غفل عن ذلك كثير من المسلمين. ٤٥ - صلاة الجماعة واجبة في المسجد لمن سمع النداء، والمتخلفون عن صلاة الجماعة في المساجد همّ الرسول بتحريق بيوتهم عليهم. ٤٦ - اليهود أمكر خلق الله، قتلوا الأنبياء، وهموا بقتل عيسى ﵇، فرفعه الله خزيًا لهم.

стр. 1075

٤٧ - نزول عيسى بن مريم ﵇ آخر الزمان في مدينة دمشق، وحكمه في المؤمنين بالإسلام، وبيده يكون قتل المسيح الدجال. ٤٨ - المسيح ﵇ سيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. ٤٩ - ما من نبي إلا حذر أمته الأعور الكذاب، إنه أعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب. ٥٠ - المسيح عيسى ﵇ لا يستنكف أن يكون عبدًا لله فما بال هؤلاء القوم يؤلهونه! ! وإنما الحجة الخالدة في البيان القرآن والسنة المطهرة. ٥١ - الكلالة: من ليس له ولد ولا والد. ٥٢ - رجوع عمر بن الخطاب إلى قول أبي بكر في تعريف الكلالة. * * *

стр. 1076

٥ - سورة المائدة وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٢٠). أخرج الحاكم بسند جيد عن جُبير بن نُفَير قال: [حَجَجْتُ فدخلتُ على عائشة، فقالت لي: يا جُبير! تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه] (١). ورواه أحمد عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن معاويةَ بن صالحٍ، وزاد: [وسألتها عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: القرآن]. موضوع السورة العقود والصيد وقصة المائدة والتنطع في الدين، وذم أهل الكتابين في تحريفهم وتركهم العمل بالوحي المبين. - منهاج السورة - ١ - أمْرُ الله تعالى عبادهُ المؤمنين الوفاء بالعقود والعهود والمواثيق.

стр. 1077

٢ - إعلام الله تعالى عباده بكون بهيمة الأنعام حلالًا إلا ما استثني بنص تحريم الميتة والدم وما أهل لغير الله وما شابهها. ٣ - الصيد محرم حالة الإحرام. ٤ - ما ذبح لغير الله نجس وأكله حرام. ٥ - يعفى أكل جوارح السباع المعلمة. ٦ - إكمال الله تعالى هذا الدين، وكل بدعة ضلالة ولو سموها حسنة. ٧ - إباحة كل المحرمات للمضطر، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه. ٨ - الصبد بالجوارح المعلمة مع التسمية عند الانطلاق حلال أكله. ٩ - طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم حلال لنا. ١٠ - لا يقبل الله صلاة بغير طَهُور، وأركان الوصوء: غسل اليدين إلى المرافق وغسل الوجه ومسح جميع الرأس وغسل القدمين، مع النية والتتابع. ١١ - العدل واجب حتى على الأعداء والخصوم، فلا يجوز جعل البغض مانعًا من العدل. ١٢ - تذكير الله المؤمنين بنعمهِ عليهم بأن أنجاهم من غدر اليهود. ١٣ - أَخْذُ الله الميثاق على بني إسرائيل، وحلول لعنة الله بهم بنقضهم العهد. ١٤ - أَخْذُ الله الميثاق على النصارى، وحلول العداوة والبغضاء فيهم بإخلافهم. ١٥ - تِبيانُ الرسول ﷺ ما أخفى أهل الكتاب وما بدلوا وما حرّفوا. ١٦ - إثبات كفر من قال إن الله هو المسيح، وتكذيب اليهود والنصارى في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، ١٧ - قطْعُ الله ببعث محمد ﷺ حجة من سيقول: ما جاءنا من نذير. ومحمد ﷺ هدى الخلائق وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء. ١٨ - أَمْرُ الله بني إسرائيل استرداد بيت المقدس من العمالقة، وتحريم الله على اليهود دخول بيت المقدس أربعين سنة لعصيانهم. ١٩ - اليهود هم المغضوب عليهم من الله، ويزعمون أنهم أحباؤه. ٢٠ - هابيل أول مقتول، وقابيل أول قاتل، وتَقَبُّل الله قربان هابيل، وسخَطُه على قابيل الذي قتل أخاه حسدًا.

стр. 1078

٢١ - قاتِلُ النفس ظلمًا كأنما قتل الناس جميعًا، والحاكم مُحَيَّرٌ في قطاع الطريق بين القتل والقطع والنفي. ٢٢ - مفهوم التوسل، وإثبات الخلود في النار للكافرين، وعدم الخلود لعصاة الموحدين. ٢٣ - تشريع قطع اليد في السرقة. ٢٤ - تحاكم اليهود إلى محمد ﷺ بشرط موافقة أهوائهم، والرسول يحكم في زناة يهود بالرجم الذي حرفوه وأخفوه في توراتهم. ٢٥ - من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ٢٦ - تشريع القصاص في الجراح، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. ٢٧ - الإنجيل تصديق للتوراة، وأهل الإنجيل مأمورون بالتحاكم لما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. ٢٨ - الأمر بالتحاكم إلى القرآن، فهو أمين وشاهد وحاكم على الكتب قبله، وأحكامه هي النافذة، ولا أحسن من الله حكمًا للمؤمنين الموقنين. ٢٩ - النهي عن اتخاذ المؤمنين أولياء من غيرهم، ومن يفعل ذلكَ فإنه منهم، ورسول الله والمؤمنون هم حزب الله، وإنهم هم الغالبون. ٣٠ - غضب الله على بعض اليهود فمسخهم قردة وخنازير. ٣١ - علماء اليهود ورؤساؤهم لم ينهوهم عن قول الإثم وأكل السحت. ٣٢ - قول اليهود: يد الله مغلولة -غلت أيديهم- بل يداه مبسوطتان. ٣٣ - لو اتبع أهل الكتابين كتابيهما لقادهم ذلكَ إلى الحق. ٣٤ - بلاع الرسول الحق جعله الله له حصانة فاستغنى عن الحراسة. ٣٥ - إخبار أهل الكتاب أنهم ليسوا على شيء من الدين حتى يتبعوا محمدًا ﷺ . ٣٦ - اليهود حكموا بأهوائهم وشهواتهم وقدموها على ما جاءت به الشرائع. ٣٧ - إثبات كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم أو إن الله ثالث ثلاثة، وتبرئة عيسى ﵊ من هذا الزيغ والضلال. ٣٨ - لَعْنُ الكافرين من بني إسرائيل لتآمرهم على فشو المنكر وعدم التناهي عن فعله. ٣٩ - اليهود والمشركون أشد الناس عداوة للمؤمنين، والنصارى أقربهم مودة لهم.

стр. 1079

٤٠ - نهي الله المؤمنين عن تحريم طيبات أحلت لهم، فالحرام ما حرّم الله ورسوله. ٤١ - لا عبرة للغو اليمين، وإنما العبرةُ باليمين المنعقدة، والكفارة إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ٤٢ - آية تحريم الخمر، والخمر ما خامر العقل، وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام. ٤٣ - ما يقتل من الحيوانات المضرة في الحل والحرم.؟ ٤٤ - الحكم بذبح مثل ما قتل يجب أن يصدر عن عدلين مسلمين، فإن لم يجد مثل ما قتل فإطعام أو صيام بحسب نوع الصيد. ٤٥ - صيد البحر حلال، وصيد البر محرم حالة الإحرام. ٤٦ - النهي عن السؤال عن أشياء إذا علمت ساءت سائلها. ٤٧ - الإنكار على أهل الجاهلية أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتشريع ما لم يأذن به الله استجابة لضلالهم وضلال آبائهم. ٤٨ - المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم لا يضرهم من ضل إذا اهتدوا. ٤٩ - جواز استشهاد الذميين في الوصية عند فقدان المسلمين في السفر، وأولياء الميت يحلفون الشاهدين الذميين بعد الصلاة إذا ارتابوا منهما، فإن تبين خيانتهما حلف شاهدان من أولياء الميت ببطلان شهادة الذميين، وعند ذلك يستحقون ما يدعون عليهما. ٥٠ - الغيب لا يعلمه إلا الله، وعلم المرسلين بالنسبة لِعِلْمِ الرَّبِ كَلا علم. ٥١ - امتنان الله تعالى على المسيح ابن مريم وعلى والدته. ٥٢ - طَلَبُ أصحاب عيسى ﷺ أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، ونزول المائدة فعلًا، امتحانًا لهم. ٥٣ - سؤال الله تعالى عيسى ﷺ غدًا: أَأَنْتَ قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وبراءة عيسى من ذلك. ٥٤ - شفاعة رسول الله ﷺ لا تنال المشركين، بل هي للمؤمنين الموحِّدين. ٥٥ - الله تعالى جَلَّ عن النظير والعديل والصاحبة والوالدة والولد. * * *

стр. 1080

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله لعباده المؤمنين بالوفاء بالعهود والمواثيق. وإعْلامٌ بكون بهيمة الأنعام حلالًا إلا ما استثني بنص تحريم الميتة والدم وما أهل لغير الله وما شابهه، وكذلك حالة الإحرام حرم عليكم الصيد، والله سبحانه له الحكم يحكم ما يشاء. ثم فيها نهي عن تعدي حرمات الله وحدوده، والقتال في الشهر الحرام - إلا حالة الاعتداء - ولا تتركوا الإهداء إلى البيت، ففيه تعظيم لشعائر الله، وكذلك لا تتركوا تقليدها في أعناقها، لِيُعْلَمَ أنها هَدْيٌ إلى الكعبة، ولا تستحلوا قتال القاصدين بيت الله الحرام فمن دخله كان آمنًا، فإذا فرغتم من إحرامكم وحَلَلْتُم حَلَّ لكم الصيد، ولا يَحْمِلَنَّكُم بغض قوم كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام - عام الحديبية - أن تقتصوا منهم ظلمًا، بل أقيموا العدل في كل أحد، وتعاونوا على فعل الخيرات، ولا تعاونوا على فعل الآثام والمنكرات، واتقوا الله واحذروا أن تنزل بكم العقوبات.

стр. 1081

وتفصيل ذلك: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال ابن عباس: (العهود). وقال مجاهد: (ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرّم عليهم). وقال عبد الله بن عبيدة: (العقود خمس: عُقدة الأَيمان، وعُقدة النكاح، وعقدة العَهد، وعقدة البيع، وعقدة الحِلف). وقال ابن زيد: (العقود خمس: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقد اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف). والعقود: جمع عَقْد. وعقد الشي بغيره هو وصله به. ومنه قولهم: يعقد الحبل بالحبل. وعقد فلان مع فلان عقدًا: إذا واثقه وعاهده على الوفاء بما في العقد. قلت: ولا شك أن الآية عامة في الوفاء بجميع العهود والمواثيق ووجوب القيام بمقتضاها. وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال الحسن: (بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم)، وهو قول قتادة والربيع. أتي يشمل الأنعام كلها. والجنين يباح أكله إذا وجد في بطن البقرة أو الشاة المذبوحة ولو كان ميتًا. وفي ذلك حديثان: الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن لغيره عن أبي سعيد قال: [قلنا: يا رسول الله! ! ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه] (١). وهو قول ابن عمر، وابن عباس، والشافعي وأحمد. الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم وابن حبان بسند صحيح عن أبي سعيد،

стр. 1082

وكذلك أبو داود والحاكم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [ذكاة الجنين ذكاةُ أمه] (١). وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك: الميتةَ، والدمَ، ولحمَ الخنزير). وقال قتادة: (يعني بذلك: الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه). قال ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم- أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه. ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، أي: إلا ما سَيُتْلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال). وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال القرطبي: (أي ما كان صيدًا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيدًا فهو حلال في الحالين). والإحرام يشمل الحج والعمرة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. أي له الحكم يشرع لعباده ما يشاء، كما يشاء. وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. أي لا تتعدوا حدود الله - والخطاب للمؤمنين - والشعائر جمع شعيرة. قال ابن عباس: (يعني بذلك: مناسك الحج). وقال مجاهد: (الصفا، والمروة، والهدي، والبدنُ من شعائر الله). قلت: ويبدو أن الآية تعم أكثر من ذلك. كما قال عطاء: (شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه). وقال الحسن: (دين الله كله). فالمراد تعظيم حرمات الله والتحذير من انتهاكها، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾.

стр. 1083

وقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. المقصود النهي عن استحلال القتال فيه، إلا إن اعتدى العدو وبادر إلى انتهاك هذه الحرمات. كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبْرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل: وإذا الحبيبُ أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع فكيف يُقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (١). وقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. نَهْيٌ عن استحلال الهَدْي جملة، ثم خصّ ذوات القلائد تأكيدًا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد. والهديُ ما أُهدي إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة. والقلائد كل ما عُلّق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه. قال ابن كثير: (﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت، فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هَدْي إلى الكعبة، فيجتنبها من يريدُها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثلُ أجور من اتبعه، ومن غير أن ينقص من أجورهم شيئًا).

стр. 1084

أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: [أهدى رسول الله ﷺ مرّة إلى البيت غَنَمًا فقلّدها] (١). وهو قول الشافعي وأحمد، وأنكر ذلك مالك وأصحاب الرأي، وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم. والصواب أن التقليد سنة بالغنم والبقر. وأما البقر إن كان لها أسنمة أُشعرت كالبُدن، وهو قول ابن عمر، وبه قال مالك. وقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. المعنى: نَهْيٌ عن قتال من قصد البيت الحرام طالبًا فضل الله ورضوانه أو التجارة. قال ابن عباس: (﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: يعني من توجه قبل البيت الحرام). وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال مطرف بن الشِّخِّير: (التجارة في الحج، والرضوان في الحج). وقال ابن عباس: (يعني: أنهم يترضّون الله بحجهم). وقال مجاهد: (يبتغون الأجر والتجارة). وذكر ابن جرير الإجماع أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أمّ البيت الحرام أو بيت المقدس، وروى عن قتادة قال: (نسخ من "المائدة": ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، نسختها "براءة" قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .. (٥)﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ .. (١٧)﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا .. (٢٨)﴾. وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، فنادى فيه بالأذان). ولا شك أن من قَصَد البيت بالإلحاد فيه، والشرك عنده، والكفر به، يمنع للآية السابقة. وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. فيه إباحة الصيد عند الفراغ من الإحرام والتحلل. قال مجاهد: (هي رخصة). وقال: (إذا حلّ، فإن شاء صاد، وإن شاء لم يصطد). وكان مجاهد لا يرى الأكل من هدي المتعة واجبًا ويتأول الآية السابقة.

стр. 1085

وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. الشنآن: البُغْض. قال ابن عباس: (لا يحملنكم شنآن قوم) - أي على العدوان. والمقصود: الحكم بالعدل وترك الاقتصاص ممن منع المسلمين يوم الحديبية من الوصول إلى المسجد الحرام. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (٨)﴾. وهو أمر بالعدل في جميع الأحوال. أخرج البزار والطبراني بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثٌ مهلكات، وثلاثٌ منجياتٌ، فقال: ثلاث مهلكات: شُحٌّ مطاع، وهوىً مُتَّبَعٌ، وإعجاب المرءِ بنفسه. وثلاث مُنْجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (١). قال بعض السلف: (ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعَدْلُ به قامت السماوات والأرض). وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. أَمْرٌ من الله عباده بالتعاون في فعل الخيرات وأعمال البر والتقوى، وترك المنكرات والمآثم وعدم المعاونة عليها. وفي السنة الصحيحة كنوز كثيرة في هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قيل: يا رسول الله! هذا نصرتُه مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: تحجُزُه وتمنعه، فإن ذلك نصره] (٢). وفي رواية: [تمنعه من الظلم فذاك نصْرك إياه]. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن يحيى بن وثّاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أظنه ابن عمر -عن النبي ﷺ قال: [المؤمن الذي يُخالط

стр. 1086

الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم] (١). وفي رواية: (خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم وأبو داود من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أُبْدِعَ بي (٢) فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله! أنا أَدُلُّه على من يَحْمِلُهُ، فقال رسول الله ﷺ : من دَلَّ على خير فله مِثْلُ أجرِ فاعِله] (٣). وله شاهد عند البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: [الدال على الخير كفاعله]. الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من جَهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا] (٤). وله شاهد عند ابن خزيمة والنسائي عنه بلفظ: [من جهز غازيًا، أو جهز حاجًّا، أو خلفه في أهله، أو فطّر صائمًا، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء]. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أَمْرٌ بالتقوى، وتحذير من عقوبة المتجرئ بالمعصية. ٣. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى

стр. 1087

النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. في هذه الآية: إخبار من الله عن بعض المحرمات: كالميتة - وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه -، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، وما مات خنقًا، أو بالضرب، أو بالتردي من شاهق، أو بسبب نطح غيرها، أو بسبب اعتداء السبع عليها، إلا ما أمكن تداركه من هذه الأنواع بالذبح الشرعي، وكذلك حرّم من الحيوان ما ذبح عند الأصنام أو الآلهة المزيفة ولو ذكر اسم الله عليها، كما يحرم الاستقسام بالأزلام، فإن تعاطيه فسق وغي وضلال وشرك، فاليوم يئس الكفار أن تراجعوا دينهم فأفردوا الله بالخشية، فقد أتم لكم دينكم في هذا اليوم وأكمل بيان تشريعه لكم، فمن وقع في العنت وألجأته الضرورة لأكل بعض ما سبق من المحرمات فبالحد الأدنى ويستغفر الله الغفور الرحيم. وتفصيل ذلك: قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. أي ما مات حَتْف أنفه دون صيد أو ذكاة شرعية، والتحريم خير، لما تتضمن الميتة عادة من المضرّة كالدم المحتقن الفاسد، وإمكانية تجمع الجراثيم وتشكل الأوبئة والأمراض. ويستثنى من الميتة السمك والجراد. وفي ذلك حديثان: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر. ونحمل معنا القليل من

стр. 1088

الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ ميتَتُه] (١). وقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾. يعني به: الدم المسفوح. ويؤيده قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. قلت: والنهي عن أكل الدم لا يعني نجاسة الدم، فنجاسته في الأكل مثل نجاسة الخمر -أي نجاسة معنوية. وإلا فدم مأكول اللحم طاهر غير نجس، وكذلك دم الإنسان طاهر- إلا دم الحيض والنفاس فهو نجس. أخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: [جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: تحتّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه] (٢). وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁: [أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟ قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه. قالت يا رسول الله: إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره] (٣). وقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. يعني: حُرِّم عليكم لحم الخنزير -أهْلِيُّه وبَرِّيُهُ، إِنْسِيُّه وَوَحْشِيُّه. واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم. أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول وهو بمكةَ عام الفتح: إن الله ورسولَه حَرَّم بَيْعَ الخمرِ والمَيْتَةِ والخِنْزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ المَيْتَةِ فإنَّها يُطْلى بها السُّفُن

стр. 1089

ويُدْهَنُ بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرّم شحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكلوه ثمنَه] (١). وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمِيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من لعبَ بالنَّرْدَشِير (٢) فكأنما صبغَ يده في لحم الخنزير ودمه] (٣). وفي لفظ أحمد: (فكأنما غمس يده في لحم الخِنزير ودمِه). قال ابن كثير -في التفسير-: (فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به. وفيه دلالة على شُمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره). وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. هو كل ما ذُبح فذكر عليه اسم غير الله، من صنم أو وثن أو طاغوت أو أي مخلوق، فهو حرام لاقترانه بالشرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غيَّر منار الأرض] (٤). قال شيخ الإسلام: (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا) (٥). وقال الزمخشري: (كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة

стр. 1090

خوفًا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك). وذكر إبراهيم المروزي: (أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهل لغير الله). وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [نهى رسول الله ﷺ ، عن مُعَاقَرَةِ الأعراب] (١). قال الخطابي في معالم السنن (٢٧٠٢): (والمعاقرة: هو أن يتبارى الرجلان كل واحد يجادل صاحبه فيعقر هذا عددًا من إبله، ويعقر صاحبه فأيهما كان أكثر عقرًا غلب صاحبه. وكره أكل لحومها لئلا يكون مما أهل لغير الله به). أي: كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا ويعقر هذا إبلًا حتى يعجز أحدهما رياء وسمعة وتفاخرًا ولا يقصدون به وجه الله، فشبه به ما ذبح لغير الله. ويشهد لهذا ما روى أبو داود أيضًا بسند حسن عن عكرمة يقول: وكان ابن عباس يقول: [إن رسول الله ﷺ نهى عن طعامِ المتبارِيَيْنِ أن يُؤْكَل] (٢). وقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. هي التي تموت خنقًا عمدًا أم دون قصد، فهي حرام. وقوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. هي التي تموت بالضرب. قال الضحاك: (﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تضرب حتى تموت). وقال قتادة: (كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصِيّ، حتى إذا ماتت أكلوها). وقال عبيد بن سليمان: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: (كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها). أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المِعْراض فقال: [إذا أصَبْتَ بحَدِّه فكل، فإذا أصاب بعَرْضه فَقَتَلَ فإنه وقيذٌ فلا تأكل] (٣).
следующие страницы →