← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٨٤ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله لرسوله ﷺ بمجاهدة المشركين أعداء الله وقتالهم، ثم لا عليك يا محمد بمن نكل عنك، وإنما عليك أن تحرض المؤمنين وتحثهم على قتال الكفار لعل الله أن يكف قتال من جحد وعاند، والله أشد نكاية في عدوه من هؤلاء الكفار في المؤمنين. ثم إن من يسعى في أمر فيترتب عليه خير يناله من ذلك نصيب، ومن يسعى في أمر يترتب منه شر يناله من ذلك الوزر والله حفيظ على كل ذلك. ثم مَن سلم عليكم فردوا عليه بمثل ما سلم أو أحسنوا والله حفيظ كذلك على كل ذلك. فهو إلإله المعبود وحده لا شريك له ليبعثنكم بعد مماتكم وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب فهو وعْدُه، ومن أصدق من الله حديثًا. أخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: [قلت للبراء: الرجلُ يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التَّهلُكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله ﷺ وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك في النفقة] (١). وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: وحضهم على قتال من أمرت بقتاله. وقد امتلأت السنة الصحيحة بكنوز في الحث على الجهاد والترغيب بأجره ومقامه. الحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى ألزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها. قالوا:

стр. 982

يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: إن في الجنة مئة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفجَّرُ أنهار الجنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: أيا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا ونبيًّا، وجَبَتْ له الجنة. قال: فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أَعِدها عَليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله ﷺ : وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإِمام مسلم عن أنس -في غزوة بدر حين دنا المشركون-: [فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض] (٣). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ راح روحةً في سبيل الله، كان له بمثل ما أصابه من الغبار مِسْكًا يوم القيامة] (٤). الحديث الخامس: يروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم] (٥). وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هِمَمُهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حَوزَةِ الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم).

стр. 983

وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. قال قتادة: (أي عقوبة). وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال مجاهد: (شفاعة بعض الناس لبعض). وقال الحسن: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، كتب له أجرها ما جرت منفعتها). وقال السدي: (أما "الكفل" فالحَظّ). وقال الربيع: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ قال: حَظّ منها، فبئس الحظّ). وخلاصة المعنى: أنَّ من يسعى في أمر يترتب عليه نفع وخير كان له نصيب من ذلك، كما لو سعى في أمر ترتبت عليه مفسدة في حياة الناس كان له من ذلك الوزر. وفي الصحيحين والمسند من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [اشفعوا تُؤْجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء] (١). وأصل الشفاعة والشّفعة من الشَّفع وهو الزوج من العدد، ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعًا. والشفاعة تشمل البر والطاعة والدعاء وكل وجوه الخير. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء، قال رسول الله ﷺ : [منْ دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بِمثل] (٢). وفي لفظ: [دعوة المرء المسلم لأخيه -بِظَهْرِ الغَيْبِ- مستجابة، عند رأسه ملك مُوَكَّلٌ، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بمثل]. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال ابن عباس: (حفيظًا). وقال مجاهد: (شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا). وقال السدي: (قديرًا). وقال الضحاك: (المقيت الرزاق). وقال عبد الله بن كثير: (المُقيت: الواصب). أي القائم على الأمر أحسن القيام. قلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي، وهي تزيد المعنى ثراء وتوضح آفاقه.

стр. 984

وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال ابن زيد: قال أبي: حق على كل مسلم حيِّي بتحية أن يحيِّيَ بأحسن منها، وإذا حيّاه غير أهل الإِسلام أن يردّ عليه مثل ما قال). وقال ابن كثير: (أي: إذا سَلّم عليكم المُسَلِّم فرُدوا عليه أفضل مما سلَّم، أو ردوا عليه بمثل ما سَلَّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة). وقال الحسن البصري: (السلام تطوع، والردّ فريضة). أخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن عِمْران بن حُصَين: [أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس. فقال: عَشْرٌ. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه، ثم جلس فقال: ثلاثون] (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطرُّوهم إلى أضيقه] (٣). قلت: "السلام" اسم من أسماء الله تعالى وضعه بين المؤمنين في الأرض ليفشوه بينهم، فإذا فعلوا تحاببوا، وزادت المودة والأخوة بينهم. فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم] (٤). ورواه البيهقي من حديث ابن مسعود بلفظ: [السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم]. ورواه البزار وزاد: [فإن الرجلَ المسلمَ إذا مرَّ بقوم فسَلَّمَ عليهم

стр. 985

فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة، فإن لم يردوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. قال مجاهد: (حفيظًا). أي حتى يجازيكم بها جزاءه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. المعنى: هو الإله المعبود سبحانه الذي لا تنبغي الألوهية إلَّا له، ولا يليق التعظيم والكبرياء إلا به، ليبعثنكم من بعد مماتكم، ثم ليحشرنكم في مشهد الحساب، ثم يضع الميزان سبحانه ليزن أعمالكم، فيجازي كلًّا حسب عمله، قوله الصدق وخبره الحق وليس في الوجود أصدق من الله حديثًا وخبرًا، سبحانه وتعالى عما يشك المنافقون علوًا كبيرًا. ٨٨ - ٩١. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ

стр. 986

فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾. في هذه الآيات: إنكار من الله على المؤمنين اختلافهم في شأن المنافقين الذين تخاذلوا يوم أحد، وهؤلاء المنافقون كانوا يتمنّون أن تجحدوا وحدانية ربكم وتصديق نبيكم كما جحدوا، فإياكم أن توالوهم حتى يهاجروا من دار الشرك إلى دار الإِسلام ابتغاء دين الله ونصره، فإن أبوا الإيمان والهجرة فخذوهم واقتلوهم، إلا من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وميثاق فدخلوا فيهم، أو جاؤوكم ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، ولو شاء الله لسلط هذين الفريقين عليكم ولكنه كفّهم سبحانه، فإن اعتزلكم هذان الفريقان: مَنْ دخل منهم مع قوم بينهم وبينكم موادعة أو ضاقت نفوسهم عن قتالكم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا بالقتل والسبي. وهناك قوم آخرون من المنافقين يظهرون الإِسلام لرسول الله ﷺ وأصحابه خوف القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، كُلما خلوا إلى قومهم عبدوا الأوثان معهم وأشركوا بالله، فهؤلاء إن لم يستسلموا إليكم بالصلح ويكفوا أيديهم عن قتالكم فخذوهم أين أصبتموهم فاقتلوهم ولكم عليهم حجة بذلك وسلطان. أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: [لما خرج رسول الله باب إلى أحد رجع ناس ممن خرج، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين: فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد] (١). وفي لفظ: [إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال ابن عباس: (أوقعهم). وقال قتادة: (أهلكهم). وقال السدي: (أضلهم). أي بسبب عصيانهم رسول الله ﷺ وتخاذلهم عنه، والمراد عبد الله بن أبي بن سلول حين رجع بثلث الجيش يوم أحد، وبقي النبي ﷺ في سبع مئة.

стр. 987

وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. خطاب من الله للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين، أتريدون هدايتهم وقد أعمى الله قلوبهم بنفاقهم وخشيتهم على دنياهم، ومن يضله الله فلا طريق له إلى الهدى والنور، بل إلى العمى والظلام والأفول. وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: تمنى هؤلاء المنافقون أنكم نافقتم مثلهم، وجحدتم أمر الله كما جحدوا لتكونوا سواء، وما ذلك إلا لشدة بغضهم لكم وشدة عداوتهم. فإياكم أن توالوهم حتى يخلصوا لله ويهاجروا كما هاجرتم. قال ابن عباس: (يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم، يعني الهجرة في سبيل الله). وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: (فإن تولوا عن الهجرة). وقال السدي: (يقول: إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي: لا توالوهم ولا تناصروا بهم على عدوكم. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. استثناء لبعض هؤلاء القوم. قال السدي: (يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة). وقال ابن زيد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء). وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال السدي: (رجعوا فدخلوا فيكم، .. ، ضاقت صدورهم، ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. فهؤلاء لا لكم ولا عليكم، يبغضون أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أن يقاتلوا قومهم. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾. أي: من رحمته سبحانه بكم كفّهم عنكم. وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: صالحوكم وسالموكم. وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أي: لم يجعل الله لكم إذنًا بقتل فيهم أو سباء.

стр. 988

قال ابن كثير: (أي: فليس لكم أن تقتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره). وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. هؤلاء منافقون أظهروا الإِسلام حقنًا لدمائهم وأموالهم وذراريهم، وهم يصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾. وقوله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال قتادة: (كما عرض لهم بلاءً، هلكوا فيه). والفتنة في كلام العرب: الاختبار، والإركاس: الرجوع. والمقصود كما دعاهم قومهم إلى الماضي المشترك المليء بالوثنية والشرك وتعظيم الآبائية في منهجها الجاهلي، ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم. قال مجاهد في هذه الآية: (ناس كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا وها هنا. فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا) ذكره ابن جرير. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال الربيع: (الصلح). والمقصود أن هؤلاء لا بد أن يستسلموا وينقادوا إلى الحق وإلى طريق المؤمنين. وقوله: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. أي عن قتالكم، فيصالحوكم ويعطوكم المقاد. وقوله؛ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يعني: خذوهم أين أصبتموهم فاقتلوهم إن لم يفعلوا ما أمروا به. ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال السدي: (أما السلطان المبين فهو الحجة). وقال عكرمة: (ما كان في القرآن من "سلطان"، فهو الحجة). ٩٢ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ

стр. 989

لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. في هذه الآيات: تحذير ووعيد أن يقتل مؤمن أخاه المؤمن، فإن حصل فالمسوِّغُ الوحيد هو الخطأ، ومع ذلك ففيه الكفارة والدية. فإلى تفصيل ذلك كما ذكر الفقهاء: القتل ثلاثة أنواع: ١ - القتل العمد: وهو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بأداة يغلب الظن أنه يقتل بها. كالإحراق بالنار، والإغراق بالماء، والإلقاء من شاهق، أو إلقاء حائط عليه، أو خنق الأنفاس، أو حبس الإنسان ومنعه من الطعام والشراب، أو تقديمه لحيوان مفترس، أو تقديم الطعام المسموم له. فقد ثبت في صحيح أبي داود أن النبي ﷺ أمر بقتل اليهودية التي سمت النبي ﷺ في طعام قدّمته إليه فمات منه بشر بن البراء بن معرور. أخرج الطبراني بسند صحيح لغيره من حديث عمرو بن حزم مرفوعًا: [العَمْدُ قَوَدٌ، والخطأ دِيَةٌ] (١). وله شاهد عند الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: [العمد قود، والخطأ عقل لا قود فيه]. ومعنى: "قَوَد": قصاص، وهو مجازاة الجاني بمثل صنيعه. وولي المقتول -في القتل العمد- بالخيار بين القود والعفو على الدية، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].

стр. 990

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودي وإما أن يقاد] (١). وليست هذه الدية هي الواجبة بالقتل، بل بَدل عن القصاص، ومن ثم فإن لهم أن يصالحوا على غير الدية، ولو بالزيادة عليها. فقد أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: [مَنْ قتَلَ مُتعَمدًا دُفِعَ إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتَلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيَة، وهي ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعونَ خَلِفَةً، وما صالحوا عليه فهو لهم. وذلك لتشديد العَقْل] (٢). وأما العفو مجانًا فهو أفضل عند الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولقوله ﷺ : [وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا] (٣). ٢ - القتل شبه العمد: وهو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما لا يقتل عادة، كأن يضربه بعصا خفيفة، أو حجر صغير، أو لكزة بيده، أو سوط. فإن مات فشبه عمد، وفيه دية مغلظه: مئة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وجماهير الفقهاء. خالف مالك والليث، قالوا: يعتبر عمدًا وفيه القصاص. إذ الأصل عندهم عدم اعتبار الآلة في إزهاق الروح، فكل ما أزهق الروح أوجب القصاص. أخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الفتح فقال: ألا إن دية الخطأِ العمد بالسوط أو العصا مغلظةٌ مئة من الإبل منها أربعون خلِفة في بطونها أولادها] (٤).

стр. 991

وأخرج أبو داود بسند حسن من حديث ابن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [عقلُ شبه العمد مُغَلظٌ مثل عقل العمد، ولا يُقْتَلُ صاحبُه] (١). ٣ - القتل الخطأ: وهو أن يفعل المكلف ما يباح له فعله، كأن يرمي صيدًا، أو يقصد غرضًا، فيصيب إنسانًا معصوم الدم فيقتله، وكأن يحفر بئرًا فيتردى فيها إنسان، أو ينصب شبكة حيث لا يجوز فيعلق بها رجل فيقتل. وكأن يقود سيارة مسرعًا فيقفز طفل إلى الطريق من مدخل بيته أو البناء الذي هو فيه، إلى غير ذلك مما فيه نوع تقصير من الذي رُمي بالقتل الخطأ. موجب القتل الخطأ: ١ - الدية المخففة. ٢ - الكفارة: (عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما بنص الآية السابقة). أخرج الإِمام أحمد بسند حسن من حديث ابن عمرو، قال رسول الله ﷺ : [منْ قُتل خطأً فديته مئةٌ من الإبل: ثلاثون بنتَ مخاض، وثلاثون بنتَ لبون، وثلاثون حِقّة، وعشرة بني لبون] (٢). والدية تسمى العقل لأن القاتل يجمع الدية من الإبل فيعقلها بفناء أولياء المقتول، أي يشدها بعقالها ليسلمها إليهم. فقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال قتادة: (ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه). وقوله: "إلا خطأ" استثناء منقطع. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم

стр. 992

يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (١). فإن وقع المسلم في خصلة مما سبق، فلا يحل لأي واحد أن يقتله، بل إن ذلك راجع إلى الإِمام العام أو نائبه، فلا ينتقل ذلك إلى آحاد المسلمين. ففي المسند بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لا يزال العبدُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا] (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالمؤمنة: من قد عقل الإيمان وصام وصلى. فإن لم يجد رقبة، فصيام شهرين متتابعين، وعليه دية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا بها عليه). وقال قتادة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي). وفي مسند الإِمام أحمد بسند صحيح عن الزُّهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: [أنه جاء بأمَةٍ سوداء فقال: يا رسول الله، إنّ عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها] (٣). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعني: إلا أن يضعوها. ذكره ابن زيد. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال إبراهيم: (هو الرجل يُسْلم في دار الحرب فيقتل. قال: ليس فيه دية، وفيه الكفّارة). وقال عكرمة: (يعني المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار. قال: فليس له دية، ولكن تحرير رقبة مؤمنة). وقال ابن زيد: (لا يؤدي إليهم الدية فيتقوون بها عليكم). قلت: فإن أسلم العدو أثناء القتال وجب إيقاف السيف، فإن حصل خطأ وجبت الدية. أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر قال: [بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنا صَبَأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فرفع يديه وقال: اللهم

стр. 993

إني أبرأ إليك مما صنع خالد. وبعث عليًّا فوَدى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى مِيْلغَةَ الكلب] (١). قال الحافظ ابن كثير -وذكر هذا الحديث في التفسير-: (وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإِمام أو نائبه يكون في بيت المال). وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يعني: إن كان المقتول أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم (دية المؤمن كاملة، ودية الكافر نصف دية المسلم)، ويجب على القاتل أيضًا تحرير رقبة مؤمنة. أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [دية المعاهدِ نصف ديةِ الحرّ] (٢) أي المسلم، فقد صح من حديث ابن عمر بلفظ: [دية المسلم]. وله شاهد عند الترمذي عنه بلفظ: [ديةُ عَقْلِ الكافرِ نصْفُ معقل المؤمن]. وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. يعني من لم يجد عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين لا إفطار بينهما، فإن أفطر لعذر: مرض أو حيض أو نفاس، استأنف ولا حرج. وقول: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يعني: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم، بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها، بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي: لم يزل سبحانه "عليمًا" بما رفع أمر عباده وما هو الأمثل لهم في التكليف "حكيمًا" بما يشرع لهم ويقضي فيهم ويأمر وينهى ويريد.

стр. 994

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جُبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرَحلْت إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: [نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء] (١). وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن زيد بن ثابت قال: [لما نزلت هذه الآية التي في "الفرقان": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ عَجِبْنا لِلِيْنِها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت ضد التي في "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ حتى فرغ] (٢). وروى ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: (إن الرجل إذا عرف الإِسلام وشرائع الإِسلام ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له). فذكرت ذلك لمجاهد فقال: "إلا من ندم". وقد جاءت السنة الصحيحة بالتهديد والوعيد لمن أهدر دم مسلم أو أصاب من ذلك. الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم صْ ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء] (٣). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ

стр. 995

قال: [لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصب دمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ] (١). والمعنى: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير. وقوله: "بَلَّحَ" أي: أعيا وانقطع وتعرض للهلاك. الحديث الثالث: وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدا] (٢). الحديث الرابع: أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [لزوال الدنيا أهونُ عند الله من قتل رجل مسلم] (٣). الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرْفا ولا عدْلا] (٤). وروى عن أبي مجلز في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: (هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عنه فعل) (٥). وعند ابن جرير عن ابن عباس قال: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن مسعود في هذه الآية: (إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدّة). ٩٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ

стр. 996

فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ في هذه الآية: أمْرٌ من الله سبحانه بالتأني أثناء القتال وعدم التعجل بقتل من التبس أمره، وعدم الإسراع في القتل إلا لمن كان حربًا لله ورسوله، فإن ما عند الله أكبر من غنيمة الدنيا بأسرها، وإسلام الناس أحب إلى الله من سفك الدماء حتى لو كان ظاهره الخوف من أهوال السلاح والحرب، فقد كنتم أيها المؤمنون في جاهلية وامتن الله عليكم وأنقذكم منها فتمهلوا والله خبير بنواياكم وأعمالكم. أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. قال: قال ابن عباس: [كان رجل في غُنَيْمةٍ له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتَه، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن عباس: عَرَض الدنيا تلك الغنيمة] (١). ولفظ الترمذي: [مرّ رجل من بني سُليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومعه غنم له، فسلم عليهم، قالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا وقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾]. وأخرج الإِمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن أبي حدرد ﵁ قال: [بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربْعيّ، ومُحَلِّم بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم، مَرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له، معه مُتَيّع له وَوَطْبٌ (٢) من لبن، فلما مرَّ بنا سَلَّم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحلِّم بن جَثَّامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومُتَيِّعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَبِيرًا﴾] (٣). وأخرج الحافظ أبو بكر البزار بسند جيد عن ابن عباس قال: [بعث رسول الله ﷺ

стр. 997

سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجَدُوهم وقد تفرّقوا، وبقي رجل له قال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلتَ رجلًا شهدَ أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ . فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهدَ أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكَيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. فقال رسول الله ﷺ للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل] (١). وله شاهد عند البخاري عن سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: [إذا كان رجل مؤمن يُخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل] (٢). وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي من الخير والنعيم والخلود مما هو أجمل وأطيب من كل ما حرصتم عليه من هذه الدنيا الفانية، إذ حملكم ذلك على قتل من شهد أن لا إله, لا الله، واعتبرتموها تقية وتجاوزتم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ - فيه تأويلان: ١ - قال سعيد بن جبير: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه). وقال في لفظ: (تكتمون إيمانكم في المشركين). واختاره ابن جرير. ٢ - قال ابن زيد: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، كفارًا مثله، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾). قلت: وكلاهما يحتمله البيان الإلهي.

стр. 998

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. قال سعيد بن جبير: (هذا تهديد ووعيد). ٩٥ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾. في هذه الآيات: معذرة أولي الضرر من الجهاد، وفضيلة المجاهدين على القاعدين، فالجهاد ذروة سنام الإِسلام، ويترتب عليه الدرجات العظيمة والمغفرة والرحمة، والله هو الغفور الكريم الرحيم. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء ﵁ يقول: [لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فجاءه بكتف فكتبها وشكى ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١). وفي الصحيحين عن البراء قال: [لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ : ادع فلانًا. فجاءه ومعه الدواةُ واللوحُ والكتف، فقال: اكتب: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله"، وخَلْف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؟ فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "] (٢). وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي: [أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلتُ حتى جلست إلى جنْبهِ، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله ﷺ أملى عليَّ: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل

стр. 999

الله". فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ وكان فخذه على فخذي، فثقلت عليَّ حتى خفت أن تُرَضَّ فخذي، ثم سُرِّيَ عنه، فأنزل الله: "غير أولي الضرر"] (١). وقد جاءت رواية صحيحة عند الإِمام أحمد وأبي داود تفصل ما حصل، قال زيد بن ثابت: [إني قاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه، قال: وغَشِيته السكينة، قال: فوقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سُرِّيَ عنه فقال: اكتب يا زيد. فأخذت كتفًا فقال: اكتب: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" إلى قوله: "أجرًا عظيمًا" فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم -وكان رجلًا أعمى- فقام حين سمع فضيلة المجاهدين وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه -أو ما هو إلا أن قضى كلامه- غَشِيَت النبي ﷺ السكينةُ، فوقعت فخِذُه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرّة الأولى، ثم سُرِّيَ عنه فقال: اقرأ. فقرأت عليه: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" فقال النبي ﷺ : "غير أولي الضرر". قال زيد: فألحقتُها، فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقِها عند صَدْع كان في الكتف] (٢). وقد جاء تفسير عن ابن عباس للآية رواه البخاري من حديث مِقْسم: [أن ابن عباس أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر] (٣). قال الحافظ ابن كثير: (فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مُطْلقًا، فلما نزل بوحيٍ سريعٍ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد -من العمى والعَرَج والمَرَض- عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم).

стр. 1000

قلت: فالمؤمن قد يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله، وهؤلاء قوم علم الله في قلوبهم الصدق فأنزل الوحي ليستدرك ما يشمل أعذارهم ويشركهم بالأجر والفضيلة. وفي صحيح البخاري عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: [إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مسير ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه. قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حَبَسَهُم العذر] (١). وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال ابن جريج: (على أهل الضرر). وقال ابن جرير: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، درجة واحدة -يعني: فضيلة واحدة- وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان). وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال السدي: (الجنة). وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. تأكيد لرجوح مباشرة الجهاد وقتال الأعداء، فإن ركوب أهوال الحرب ودخول ساحات الموت له ثوابه الخاص عند الله. ففي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (٢). وقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. تأكيد لدرجات اختصهم الله بها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها سبحانه على القاعدين لقاء ما أبلوا في ذات الله أثناء مواجهة الأعداء في ساحات القتال. قال قتادة: (كان يقال: الإِسلام درجة، والهجرة في الإِسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة). وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: أيا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا ونبيًّا، وجَبت له الجنة. قال: فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال

стр. 1001

رسول الله ﷺ : وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (١). ثم أضاف سبحانه إلى الدرجات، مغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، فهو سبحانه لم يزل ﴿غَفُورًا﴾ لذنوب عباده المؤمنين، يصفح عنهم ما يقلقهم من الخطايا وركام التقصير، ﴿رَحِيمًا﴾ يتفضل عليهم بنعمه، مع ما كان منهم من خلاف أمره ونهيه، ووقوعهم وركوبهم معاصيه. ٩٧ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. في هذه الآيات: تَحْذيرٌ من التهاون في الدين بحجة الظروف وتحكّم الطغاة وكثرة الفساد، فإن أرض الله واسعة والهجرة ممكنة إلى حيث الأمن على الدين والإيمان، فمن اختار التهاون والمذلة في الدين فإن سوء المصير ينتظره ويتوعده، ولا استثناء في ذلك إلا للمستضعفين من الرجال الشيوخ أو النساء والولدان لا حيلة لهم، فأولئك عسى أن يصفح الله عنهم. ثم إن في الهجرة خيرًا كثيرًا وأجرًا كبيرًا وَكان الله غفورًا رحيمًا. أخرج البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود قال: [قُطِعَ على أهلَ المدينة بَعْثٌ، فاكتتبتُ فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبَرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ ، يأتي السهمُ يُرْمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو

стр. 1002

يُضْرَب فيُقْتَل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾] (١). وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فكتبوا إليهم بذلك: "إن الله قد جعل لكم مخرجًا"، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل] (٢). وفي سنن أبي داود بسند حسن عن سَمُرَة بن جندب قال: [أما بعد، قال رسول الله ﷺ : من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله] (٣). وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. أي بالمكوث في جو الكفر وترك الهجرة. وقوله: ﴿قَالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي لا نقدر على إقامة ديننا في بلادنا بسبب تسلط الكفار. وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ - استنكار عليهم بعدم خروجهم في أرض وبلاد الله الواسعة يلتمسون فيها أمن دينهم وتوحيد ربهم وتعظيمه لا شريك له. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يعني مسكنهم ومصيرهم. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: ساءت مسكنًا ومستقرًا لمن كانت مسكنه ومصيره في الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية. قال ابن جرير: (وهم العجزة عن الهجرة، بالعُسْرة، وقلّة الحيلة، وسوء البصر والمعرفة بالطريق، من أرضهم أرض الشرك إلى أرض الإسلام). وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. أي يصفح عنهم لعذرهم في ترك الهجرة.

стр. 1003

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. أي ذو صفح سبحانه عن ذنوب عباده، وذو مغفرة وستر لذنوبهم بعفوه عنها. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بَيْنا رسول الله ﷺ يُصلي العِشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم أنج عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف] (١). وأخرج عبد الرزاق في "التفسير" بسند صحيح عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: (كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان) (٢). وذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس: "إلا المستضعفين" قال: (كانت أمي ممن عذر الله (٣). وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال ابن عباس: (المُراغَم التحول من أرض إلى أرض). وقال مجاهد: ("مراغمًا كثيرًا": يعني مُتَزحزحًا عما يكره). وقال سفيان بن عيينة: ("مراغمًا كثيرًا": يعني بروجًا). وقال ابن جرير: ("مراغمًا كثيرًا": وهو المضطرب في البلاد والمذهب). وقال ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم - أنه الممتَنَعُ الذي يُتحصَّن به، ويُراغَمُ به الأعداء). والمقصود ترغيب المؤمن بمفارقة دار الكفر والفساد وحياة المشركين، إلى دار الإيمان وأخوة الإسلام، فإنه حيثما اتجه المؤمن يجد بإذن الله مندوحة وملجأ يتحصن فيه ويفرّ بدينه. والمُراغَمُ في كلام العرب المذهَبُ والمَهْرب. وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾. قال ابن عباس: (السعة في الرزق). وقال قتادة: (إي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن العَيْلة إلى الغنى).

стр. 1004

وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ضمان من الله سبحانه بكامل الأجر ووافي الثواب لمن خرج من منزله بنية الهجرة فمات أثناء الطريق، أي فله أجر من هاجر دون نقصان. أخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فكان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضًا فقال لأهله: أخرجوني من مكة فإني أجد الحر، فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية] (١). ورواه أبو يعلى وفيها: (فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ ). وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في تمام أجر من خرج مهاجرًا إلى الله ومات في الطريق: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن والمسانيد عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يُخْرِجُهُ إلا إيمانٌ بي وتصديق بِرُسلي أن أرْجِعَهُ بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخِلَه الجنة، ولولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولودِدْتُ أني أُقتل في سبيل الله، ثم أُحيا، ثم أُقتل، ثم أُحيا ثم أقتل] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: [كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله فقال له: توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قريةَ كذا وكذا، فأدْركه الموت فناءَ بصدْرِه نحوَها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة

стр. 1005

العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقرّبي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجِدَ إلى هذه أقربَ بشبرٍ فغُفِرَ له] (١). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يعني لم يزل ساترًا ذنوب عباده المؤمنين، يصفح عن ذنوبهم ويتجاوز عن كثير مما سقطوا فيه من الآثام إذا تابوا إليه، "رحيمًا" بهم رفيقًا ورؤوفًا وحليمًا. ١٠١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. في هذه الآية: ترخيصٌ من الله سبحانه في قصر الصلاة لمطلق السفر والضرب في الأرض. فقوله: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾. أي: سافرتم. وفي التنزيل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [إن الصلاة فُرضت في الخضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة] (٢). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن يعلى بن أمية قال: [سألت عمر بن الخطاب قلت له: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمَّنَ الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبْتُ مما عجِبْتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته] (٣). فبقيت الرخصة قائمة في مطلق السفر ومطلق الظروف، فالآية تدل على تشريع القصر، وتحدده بالخوف من الكفار، والسنة تطلقه في جميع الأحوال.

стр. 1006

أخرج الترمذي بسند صحيح عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: بأن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين] (١). وله شاهد عند ابن أبي شيبة عنه بلفظ: [صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، ونحن آمنون لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين] (٢). وأخرج البخاري عن حارثة بن وَهْب قال: [صلّى بنا رسول الله ﷺ آمَن ما كان بمنى ركعتين] (٣). وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: [فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فَأُقِرَّت صلاة السفر، وزيدَ في صلاة الحضر] (٤). قلت: والورع هو الأخذ بالرخصة في السفر وقصر الصلاة فهو الأحب إلى الله ورسوله، وليس الإتمام. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحبُ أن تؤتى عزائِمه] (٥). وفي لفظ: (كما يكره أن تؤتى معصيته). ويرى مالك أن القصر فرض، في حين أكثر العلماء أنه سنة وهو مذهب الشافعي. وقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. أي: قد أبانوا عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله ورسوله، فتمسكوا بدينكم فهو عزّكم وبه تغيظون عدوكم، واحرصوا على رخصة ربكم، ففيها إظهار لجمال شعائركم وهديكم. ١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ

стр. 1007

أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ في هذه الآية: تشريعُ صلاة الخوف أثناء القتال في المعركة: للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة، ولها أيضًا أشكال كثيرة. فإلى تفصيل ذلك التشريع الرهيب. أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي قال: [كنا مع رسول الله ﷺ بِعُسْفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا .. ] (١). قلت: وقد وردت صلاة الخوف في السيرة في أشكال مختلفة، راعى فيها النبي ﷺ ظروف القتال. قال الخطابي: (صلاة الخوف أنواع صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتوقى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة). وتفصيل ذلك: الشكل الأول: صف مع الإمام وصف وُجَاه العدو، فيصلي بالذين يلونه ركعة ثم يقوم قائمًا حتى يصلي الذين معه ركعة أخرى، ثم ينصرفون وجاه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى التي دخلت معه بالصلاة ليصلي بهم ركعة، ويثبت جالسًا، فيُتِمُّونَ لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يسلم بهم جميعًا. والدليل ما روى البخاري من حديث أبي حثمةَ ﵁: [أن النبي ﷺ صلى

стр. 1008

بأصحابه في خوف (١) فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قُدّامَهُمْ، فصلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم] (٢). الشكل الثاني: صفان خلف الإمام، يركع بهم جميعًا، ثم يسجد بالصف الأول والآخرون قيام يحرسونهم، فإذا قاموا سجد الآخرون، ثم تأخر الصف الأول لمكان الثاني، وتقدم الثاني لمكان الأول، ثم يركع بهما ويسجد بالأول والآخرون يحرسونهم، فإذا جلس الإمام والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعًا ثم سلم بهم جميعًا. والدليل ما روى أبو داود عن أبي عياش الزرقي قال: [كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة. لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله ﷺ ، مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصَفَّ خلفَ رسول الله ﷺ صف، وصفَّ بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونَهُ، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم. فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعُسْفان، وصلاها يوم بني سليم] (٣). الشكل الثالث: صف خلف الإمام وصف وجاه العدو، فيصلي بالأول ركعة ويثبت قائمًا، ويتموا لأنفسهم ركعة ثم يسلموا وينصرفوا وجاه العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى، واختلف في السلام.

стр. 1009

والدليلَ ما في الصحيحين عن صالح بن خوّات: عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: [أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم] (١). وفي سنن أبي داود عن سهل بن أبي حثمة نحوه قال: [ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد بهم، ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون] (٢). ورواه البخاري دون ذكر التسليم. قال الألباني ﵀: (وهو موقوف، وما قبله مرفوع، وفيه سلام الإمام بالطائفة الثانية وهو الأصح). الشكل الرابع: يكبرون معًا وإن كانوا مستدبري القبلة ثم يصلي بمن معه ركعة، ثم يأتون مصاف أصحابهم ويجيء الآخرون فيركعون لأنفسهم ركعة، ثم يصلي بهم ركعة ثم تقبل الطائفة التي كانت مقابل العدو فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم بهم جميعًا. فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن مروان بن الحكم: [أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، ظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعًا الذين معه والذين مقابلي العدو، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثم لم سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله ﷺ ، وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم كان

стр. 1010

السلام، فسلم رسول الله ﷺ وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة] (١). الشكل الخامس: يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم، فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعة. والدليل ما في الصحيحين عن ابن عمر: [أن رسول الله ﷺ صلّى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، فقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم عليهم، ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم] (٢). الشكل السادس: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون. والدليل ما روى أبو داود بسند صحيح عن ثعلبة بن زهدم، قال: [كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا] (٣). وقد مضى حديث ابن عباس عند الإمام مسلم وفيه فرض الله تعالى الصلاة في الخوف ركعة. الشكل السابع: يصلي بكل طائفة ركعتين. فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي بكرة قال: [صلّى النبي ﷺ في خوف الظهر، فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلّم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتيان] (٤). قال أبو داود: (وبذلك كان يفتي الحسن). وجملة القول: فصلاة الخوف تُصلى بأشكال مختلفة، وذلك حسب ما يقرره القائد المسلم.

стр. 1011

قال الحافظ ابن كثير: (وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالًا وركبانًا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة). ثم ذكر قول الأوزاعي ﵀: (إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين). وقال: ومن العلماء من قال: (يصلون والحالة هذه ركعة واحدة). وبه قال أحمد بن حنبل. وقال إسحاق بن راهويه: (أما عند المسابقة فيجزيك ركعة واحدة تؤمئ بها إيماء) (١). قلت: فَيَا وَيْلَ من ضيّع صلاة الجماعة في الحضر والرخاء دون عذر، وقد أبى الله إلا الجماعة حتى في القتال وأثناء الخوف واقتراب العدو، وقد استدل كثير من الفقهاء من صلاة الخوف وتشريعها على وجوب الصلاة في المسجد مع الجماعة لمن سمع النداء إلا من عذر، كمرض أو سفر. وقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. المعنى: تمنى الكفار لو تشتغلون بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم ليحملوا عليكم حملة واحدة، ولينالوا منكم غِرَّة يكون فيها قتلكم واستباحة عسكركم. وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾. أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄: [﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: عبد الرحمن بن عوف وكان جريحًا] (٢). قال الحافظ ابن حجر: (أي فنزلت الآية). قلت: والتصريح بلفظ النزول أخرجه الحاكم (٣).

стр. 1012

وقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. أَمْرٌ بأخذ الحذر، لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. أي: عذابًا مذلًا موجعًا فيه الألم والذل والمهانة. ١٠٣ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾. في هذه الآيات: تأكيد على ذكر الله عقب صلاة الخوف مع ورود الترغيب فيه عقب كل صلاة، إلا أنه أثناء المعركة وفي ساحات القتال أمر أبلغ، فإن حاجة المجاهد إلى عون الله ومدده شديدة لإحداث الهزيمة في العدو. ثم تأكيد على وجوب صلاة الجماعة والمحافظة على أوقات الصلوات المكتوبات. ثم حث على تحمل آلام القتال والنزال فإن العدو يألم كما تألمون معشر المسلمين مع أنهم لا يرجون ما ترجون، وكل أمر يمضي بعلمه وحكمته . فقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسّر والعلانية، وعلى كل حال). وقال ابن كثير: (أي في سائر أحوالكم). وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعني: إذا ذهب الخوف فصلوا صلاتكم بإقامة أركانها وواجباتها وخشوعها وجميع شؤونها، ويشمل ذلك عند انتهاء القتال أو العودة إلى حياة السلم. قال قتادة: (يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم، فأتموا الصلاة). وقال السدي: (فإذا اطمأننتم بعد الخوف). وقال ابن زيد: (فإذا اطمأننتم فصلوا الصلاة، لا تصلّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا). وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال ابن عباس: (أي مفروضًا).

стр. 1013

وقال ابن مسعود: (إن للصلاة وقتًا كوقت الحج). وقال زيد بن أسلم: (منجَّمًا، كلما مضى نجم جاء نجْم آخر. يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر) ذكره ابن جرير. وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله الأجر والثواب ما لا يرجون). أي: كما ينزل بكم ألم الجراح والقتل، فإنه ينزل بعدوكم، وأنتم أولى بالصبر منه فإنكم: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ يعني المثوبة والجنة مقابل القتال والجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض. وفي التنزيل: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي يعلم أمثل القضاء والتقدير فيمضيه بحكمته الكاملة، فهو أحكم الحاكمين. ١٠٥ - ١٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾. في هذه الآيات: خِطاب من الله لرسوله بأن الكتاب المخزل عليه حق من الله ويتضمن الحق في كل أمره وخبره، ليحكم به بين الناس ووفق منهاجه، فلا تدافع به عن خائن. وأَمْرٌ من الله لرسوله باستغفاره عما سلف من خصومته لذلك الخائن أو هَمّ بذلك. ثم تحذير من المجادلة عن الخونة ومرتكبي الخيانة والآثام فإن الله لا يحب أهل الخيانة والإثم. الذين يستخفون في الدنيا والله مطلع على سرائرهم ومكرهم وتنتظرهم فضيحة الآخرة، فإنه إن وجد من يجادل عنهم في الدنيا فمن لهم بين يدي الله يوم القيامة، ومن يتوكل بالدفاع عنهم؟ !

стр. 1014

أخرج الترمذي وابن جرير بسند حسن ... حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جدّه قتادة بن النعمان ﵁ قال: [كان أهل بيت منا يقال لهم: بَنُو أُبيرق: بِشْر وبُشَير ومُبَشَّر، وكان بُشَير رجلًا منافقًا، يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم يَنْحَلُهُ، لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدِمت ضافِطَةٌ (١) من الشام من الدَّرْمَكِ (٢) ابتاع الرجل منها فخصَّ بها نفسَهُ، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافِطةٌ من الشام فابتاع عمي رفاعةُ بن زيد حمْلًا من الدَّرْمَكِ فجعله في مَشْرَبة له، وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعُدِي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت الْمشربة، وأخد الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمّي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فَنُقِبَتْ مشربتنا، فذُهِبَ بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسَّسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبَيرقٍ استوقَدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم. قال: وكان بنو أُبَيرقٍ قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ ! والله ليخالطنَّكم هذا السيف أو لتُبَينُنَّ هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نَشُكّ أنهم أصحابُها، فقال لي عمّي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عَمَدُوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنَقَبُوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبي ﷺ : سآمر في ذلك. فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أُسير بن عُروة فكلّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمَّه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينةٍ ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت النبي ﷺ فكلّمتُه، فقال: عَمَدْتَ إلى أهل بيت ذُكِرَ منهم إسلام وصلاح،

стр. 1015

ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت؟ قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلِّم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، ما صنعتَ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ ، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمًا﴾ أي لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ - إلى قوله - ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عشا أو عسا -الشك من أبي عيسى- في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فلما نزل على سلافة بنت سعد، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير] (١). وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. قال القرطبي: (معناه على قوانين الشرع، إما بِوَحيٍ وَنَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوحي. وهذا أصل في القياس، وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا رأى شيئًا أصاب، لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمة، فأما أحدنا إذا رأى شيئًا يظنه فلا قطع فيما رآه).

стр. 1016

فهذه الآية تبين أن للنبي ﷺ أن يحكم باجتهاده، وقد استدل بها علماء الأصول على ذلك. وفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن رسول الله ﷺ سمع جَلبة خَصْمٍ بباب حُجْرَتِه، فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون أَلْحَق بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من نار فَلْيَحْمِلْها أو لِيَذَرها] (١). وتفصيل هذا الحديث في مسند أحمد، قالت أم سلمة: [جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بَيّنةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقِّي لأخي. فقال رسول الله ﷺ : أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخَّيا الحق بينكما ثم اسْتهِمَا، ثم ليُحْلِلْ كل واحد منكما صاحبه] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. فيه نهي عن الدفاع عن المبطل والمتَّهم في الجور والخصومة أو عضده والنيابة عنه. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال ابن عطية: (وهذا ليس بذنب، لأن النبي ﷺ إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم). قيل: فالمعنى استغفر الله للمذنبين، وقيل: أمر بالاستغفار على طريق التسبيح. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾، ذكره القرطبي. وذهب ابن جرير إلى أن المخاطب النبي ﷺ ليستغفر من ذنبه في خصام الخائن، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم. قلت: والعبد يحتاج إلى الاستغفار في كل أحواله، وكذلك الحاكم والعالم

стр. 1017

والمجتهد ليسلم منهاجه عند الله حتى لو اجتهد فأصاب، فالاستغفار تطهير للنفس من حظوظها، وكلما رقيت مرتبة العبد بين الناس احتاج لذلك الاستغفار أكثر، فالخطاب وإن كان موجهًا للنبي ﷺ ، فهو للولاة والقضاة والحكام بعده من باب أولى. وفي صحيح مسلم عن الأغر بن يسار المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة المخاصمة. قيل من الجدل: الفتل، أو من الجَدالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يُلقي صاحبه عليها. والخوّان: الخائن، إلا أنه في لفظ أبلغ، لعظم خيانته. وقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: يستترون من الناس لئلا يفتضحوا، وقد غفلوا عن رؤية الله لهم ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أي بعلمه وسمعه وبصره. وقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. أي: يقولون ما لا يرضاه تعالى لأهل طاعته. قاله ابن عباس. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. أي: محصيًا حافظًا لا يخفى عليه من أمرهم شيء حتى يوافيهم ويجازيهم به يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار، فهو يشمل كل من خاصم عن الخونة وقام بتدبير أمورهم والدفاع عنهم في أكلهم أموال الناس وحقوقهم بالباطل، فهم إن عبروا في الدنيا ولم يكشف أمرهم أو ظهروا بمظهر مزيف كاذب، فمن لهم يوم القيامة يقوم

стр. 1018

بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار، ومن يتوكل للدفاع عنهم يومئذ، وقد جُعل الوكيل والموكل له في نقاش الحساب، ومن نوقش الحساب فقد هلك. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة: [أن النبي ﷺ قال: ليس أحد يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أو ليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١). وفي سنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع] (٢). وله شاهد عند أبي داود في السنن، وعند الحاكم والسياق له عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دينٌ فليس ثَمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حبس في ردغة الخبال، حتى يأتي بالمخرج مما قال] (٣). ١١٠ - ١١٣. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾. في هذه الآيات: تَرغيبٌ في التوبة مما اكتسب العبد من الظلم واجترح من الآثام،

стр. 1019

وتَحْذيرٌ من الإصرار والتعمد، أو الافتراء والظلم ونسب المعصية إلى غير صاحبها، وتَفضُّلٌ من الله على نبينا ﷺ بالرعاية والحماية من الزلل، وإنزال الكتاب والسنة عليه وتعليمه الحق والحكم وكان فضل الله عليه عظيمًا. قال ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه، وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال). وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. المعنى: لا يغني أحد عن أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهذا من علم الله وحكمته. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. هذا في الذي يرمي بما أتى من المعصية من هو بريء، فقد أتى فرية وكذبًا وهو البهتان، وتحمل وزرًا عظيمًا، يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أن النبي ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكْرُكَ أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه] (١). وفي لغة العرب: بَهَتَه بَهْتًا وبَهُتًا وبُهْتانًا إذا قال عليه ما لم يفعله. وبُهِتَ: دُهِشَ وتحيّر. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾. قيل: بأن نبهك للحق، وقيل: بالنبوءة والعصمة. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق، وذلك في شأن سؤالهم رسول الله ﷺ أن يبرئ ابن أُبيرق من التهمة ويُلحقها اليهودي. وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ - لأن وبال ذلك راجع عليهم. وقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ - لأنك معصوم وقد تكفل الله بحمايتك من الزلل. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أي: القرآن والسنة. قيل هذا ابتداء، وقيل الواو للحال.

стр. 1020

قال القرطبي: (فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. "والحكمة" القضاء بالوحي). وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. أي من التشريع وفصل القضاء والأحكام. وقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ - بكل ما سبق بيانه وبغيره من النعم الكبيرة الأخرى. ١١٤ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. في هذه الآيات: الندب إلى الصدقة وفعل الخيرات والإصلاح بين الناس والنجوى بنحو ذلك، والتحذير من ترك سنة الرسول ﷺ ومنهاج المؤمنين. قال ابن جرير: (لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا). وقوله: " ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. المعروف: هو ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير. والإصلاح بين الناس: يعني بين المتخاصمين ليعودوا إلى الألفة ووحدة الكلمة ويسدوا الباب على الشياطين. أخرج الإمام البخاري في صحيحه، عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ليس الكذاب الذي يُصْلِحُ بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقول خيرًا] (١). وقالت: [لم أسمعه يرخِّص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها] (٢). وفي سنن أبي داود والترمذي بسند جيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ :
следующие страницы →