الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم] (١).
وفي رواية: (خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم وأبو داود من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أُبْدِعَ بي (٢) فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله! أنا أَدُلُّه على من يَحْمِلُهُ، فقال رسول الله ﷺ : من دَلَّ على خير فله مِثْلُ أجرِ فاعِله] (٣).
وله شاهد عند البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: [الدال على الخير كفاعله].
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من جَهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا] (٤).
وله شاهد عند ابن خزيمة والنسائي عنه بلفظ: [من جهز غازيًا، أو جهز حاجًّا، أو خلفه في أهله، أو فطّر صائمًا، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء].
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
أَمْرٌ بالتقوى، وتحذير من عقوبة المتجرئ بالمعصية.
٣. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
стр. 1087
النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.
في هذه الآية: إخبار من الله عن بعض المحرمات: كالميتة - وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه -، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، وما مات خنقًا، أو بالضرب، أو بالتردي من شاهق، أو بسبب نطح غيرها، أو بسبب اعتداء السبع عليها، إلا ما أمكن تداركه من هذه الأنواع بالذبح الشرعي، وكذلك حرّم من الحيوان ما ذبح عند الأصنام أو الآلهة المزيفة ولو ذكر اسم الله عليها، كما يحرم الاستقسام بالأزلام، فإن تعاطيه فسق وغي وضلال وشرك، فاليوم يئس الكفار أن تراجعوا دينهم فأفردوا الله بالخشية، فقد أتم لكم دينكم في هذا اليوم وأكمل بيان تشريعه لكم، فمن وقع في العنت وألجأته الضرورة لأكل بعض ما سبق من المحرمات فبالحد الأدنى ويستغفر الله الغفور الرحيم.
وتفصيل ذلك:
قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.
أي ما مات حَتْف أنفه دون صيد أو ذكاة شرعية، والتحريم خير، لما تتضمن الميتة عادة من المضرّة كالدم المحتقن الفاسد، وإمكانية تجمع الجراثيم وتشكل الأوبئة والأمراض.
ويستثنى من الميتة السمك والجراد. وفي ذلك حديثان:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر. ونحمل معنا القليل من
стр. 1088
الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ ميتَتُه] (١).
وقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾. يعني به: الدم المسفوح. ويؤيده قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾.
قلت: والنهي عن أكل الدم لا يعني نجاسة الدم، فنجاسته في الأكل مثل نجاسة الخمر -أي نجاسة معنوية. وإلا فدم مأكول اللحم طاهر غير نجس، وكذلك دم الإنسان طاهر- إلا دم الحيض والنفاس فهو نجس.
أخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: [جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع؟ فقال: تحتّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه، ثم تصلي فيه] (٢).
وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁: [أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه؟ قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه. قالت يا رسول الله: إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره] (٣).
وقوله: ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾.
يعني: حُرِّم عليكم لحم الخنزير -أهْلِيُّه وبَرِّيُهُ، إِنْسِيُّه وَوَحْشِيُّه. واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم.
أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول وهو بمكةَ عام الفتح: إن الله ورسولَه حَرَّم بَيْعَ الخمرِ والمَيْتَةِ والخِنْزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ المَيْتَةِ فإنَّها يُطْلى بها السُّفُن
стр. 1089
ويُدْهَنُ بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرّم شحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكلوه ثمنَه] (١).
وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمِيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من لعبَ بالنَّرْدَشِير (٢) فكأنما صبغَ يده في لحم الخنزير ودمه] (٣). وفي لفظ أحمد: (فكأنما غمس يده في لحم الخِنزير ودمِه).
قال ابن كثير -في التفسير-: (فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به. وفيه دلالة على شُمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره).
وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
هو كل ما ذُبح فذكر عليه اسم غير الله، من صنم أو وثن أو طاغوت أو أي مخلوق، فهو حرام لاقترانه بالشرك.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غيَّر منار الأرض] (٤).
قال شيخ الإسلام: (﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا) (٥).
وقال الزمخشري: (كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة
стр. 1090
خوفًا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك).
وذكر إبراهيم المروزي: (أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهل لغير الله).
وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [نهى رسول الله ﷺ ، عن مُعَاقَرَةِ الأعراب] (١).
قال الخطابي في معالم السنن (٢٧٠٢): (والمعاقرة: هو أن يتبارى الرجلان كل واحد يجادل صاحبه فيعقر هذا عددًا من إبله، ويعقر صاحبه فأيهما كان أكثر عقرًا غلب صاحبه. وكره أكل لحومها لئلا يكون مما أهل لغير الله به).
أي: كان يتبارى الرجلان في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا ويعقر هذا إبلًا حتى يعجز أحدهما رياء وسمعة وتفاخرًا ولا يقصدون به وجه الله، فشبه به ما ذبح لغير الله.
ويشهد لهذا ما روى أبو داود أيضًا بسند حسن عن عكرمة يقول: وكان ابن عباس يقول: [إن رسول الله ﷺ نهى عن طعامِ المتبارِيَيْنِ أن يُؤْكَل] (٢).
وقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾. هي التي تموت خنقًا عمدًا أم دون قصد، فهي حرام.
وقوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. هي التي تموت بالضرب. قال الضحاك: (﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي تضرب حتى تموت). وقال قتادة: (كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصِيّ، حتى إذا ماتت أكلوها). وقال عبيد بن سليمان: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: (كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها).
أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المِعْراض فقال: [إذا أصَبْتَ بحَدِّه فكل، فإذا أصاب بعَرْضه فَقَتَلَ فإنه وقيذٌ فلا تأكل] (٣).
стр. 1091
وفي لفظ: [قلت يا رسول الله! إني أرمي بالمِعْراض الصيدَ فأصيب. قال: إذا رميت بالمِعْراض فَخَرق فَكُلْه، وإن أصابه بعرضه فإنما هو وقيذٌ فلا تأكله].
وقوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ - هي التي تسقط من شاهق فتموت.
قال ابن عباس: (التي تتردّى من الجبل). وقال قتادة: (كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها). وقال السدي: (هي التي ترَدّى من الجبل، أو في البئر، فتموت).
وقوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ - هي التي تموت بسبب نطح غيرها لها. فهي نطيحة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة - أي منطوحة. فهي حرام ولو خرج الدم بسبب النطح. قال ابن عباس: (﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: الشاة تنطح الشاة). وقال الضحاك: (الشاتان تنتطحان فتموتان). وقال السدي: (هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت).
وقال قتادة: (كان الكبشان ينتطحان، فيموت أحدهما، فيأكلونه).
وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ - أي ما عدا عليها حيوان مفترس فأكل بعضها فماتت، ولو سال الدم من افتراس ذلك الحيوان لها، والسَّبُعُ يدخل في اسمه الأسد والفهد والنمر والذئب والكلب ونحو ذلك.
قال قتادة: (كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه، أكلوا ما بقي). فجاء التحريم: أي حرَّم عليكم ما أخذ السبع، أو ما أكل السبع غير المُعَلَّم من الصوائد.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
أي: إلا ما تداركتم من الأنواع السابقة بالذبح الشرعي قبل خروج الروح منه.
قال ابن عباس: (يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه، فهو ذَكِيّ).
وقال أيضًا: (ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين، فاذبح واذكروا اسم الله عليه، فهو حلال).
وروى ابن جرير بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: (إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها، فقد أجزأ).
قال الضحاك: (كان أهل الجاهلية يأكلون هذا، فحرّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّيَ
стр. 1092
منه، فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرْف، فذكِّي، فهو حلال).
وخلاصة القول: إن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال، وبه قال الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل. خالف الإمام مالك وقد سئل عن الضَّبعُ يعدو على الكبش فيَدُق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت، فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّحرة -وفي لفظ: إن كان بلغ السَّحْر- أي الرئة - فلا أرى أن يؤكل، وإن كان إنما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدَقّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل. ذكره ابن جرير بسنده عن يونس عن أشهب.
قلت: ولا دليل على هذا التخصيص، فالآية عامة لا استثناء فيها، والقول قول الجمهور، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
أخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خَدِيج أنه قال: [قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غَدًا، وليس معنا مُدىً، أفنذبحُ بالقصب؟ فقال: ما أنهرَ الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السِّنَ والظفرَ، وسأحدِّثكم عن ذلك، أما السِّنُ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة] (١).
وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. هو نوع من الشرك كان عليه أهل الجاهلية.
قال مجاهد: (كانت النُّصب حجارة حول الكعبة). وقال ابن جريج: (وهي ثلاث مئة وستون نُصُبًا، كان العرب في جاهليتها يذبحون عندها، ويَنْضَحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويُشَرِّحون اللحم ويضعونه على النُّصب).
قال ابن كثير: (فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحَرَّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فُعِلت عند النُّصب حتى ولو كان يُذكر عليها اسم الله في الذبح عند النُّصُب، من الشرك الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تمّ تحريم ما أُهِلَّ به لغير الله).
وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾.
نوع آخر من الشرك بالله، والأزلام قداح ثلاثة: مكتوب على أحدها: "افْعَل"،
стр. 1093
وعلى الآخر: "لا تَفْعَلْ"، والثالث غُفْل ليس عليه شيء. وقيل مكتوب على أحدها: "أمرني ربي"، وعلى الآخر: "نهاني ربي"، والثالث دون شيء. فإذا أجالها فخرَج السهم الآمر فَعَل، أو الناهي ترك، وإن ظهر الذي ليس عليه شيء أعاد الاستقسام.
والاستقسام مأخوذ من طلب القَسْم من الأزلام، والأزلام: جمع زَلَم أو زُلَم.
قال ابن عباس: (والأزلام قِداحٌ، كانوا يستقسِمون بها في الأمور).
وقال سعيد بن جبير: (﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: القداح، كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا، وإن وقع الجلوس جلسوا). وقال أيضًا فيها: (حصىً بيض كانوا يضربون بها). وقال مجاهد: (حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها "القِداح").
أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [إن رسول الله ﷺ لما قدِمَ أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فَأُخرِجَتْ، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيلَ في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : قاتلهم الله، أمَا والله لقد عَلِموا أنهما لم يستقسِما بها قط] (١).
وفي صحيح البخاري أيضًا - من حديث سراقة بن مالك في قصة لحاقه بالنبي ﷺ وصاحبه أثناء الهجرة -: [فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستَقْسَمْتُ بها: أضُرّهم أمْ لا؟ فخرَج الذي أكْرَه، فركبت فرسي وعَصَيْتُ الأزلام] (٢).
وأخرج الطبراني بسند حسن عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [لن يلجَ الدرجات العُلا من تكهَّنَ، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيُّرًا] (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.
قال ابن عباس: (يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق). فيدخل في ذلك أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وكل ما ذكر من المحرمات في الأكل، والاستقسام بالأزلام. فإن الله سبحانه قد حرّم الخبائث واباح الطيبات، ونهى عن كل ألوان الشرك وأمو بالتوكل عليه وإقامة منهاج التوحيد.
стр. 1094
فالبديل عن المحرمات هو ألوان الطيبات التي لا تُحصى، والبديل عن الذبح على النصب هو النسك لوجه الله، والبديل عن الاستقسام بالأزلام هو التوكل على الله وطرق باب الاستخارة.
أخرج الإمام البخاري وأحمد وأهل السنن عن جابر قال: [كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: إذا همّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدِركَ بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر -ويسميه باسمه- خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدُرْه لي ويسِّره لي وبارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلمه شرًّا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرِفْني عنه، واصْرفْه عني، واقْدُر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به] (١).
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ - فيه تفاسير متكاملة، منها:
١ - الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود من دينكم أن تتركوه فترتدوا عنه راجعين إلى الشرك.
قال ابن عباس: (﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا).
وقال السدي: (أظن، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم).
٢ - قيل بل المراد: يئسوا من مشابهة المسلمين، بما تميّز به المسلمون من صفات المخالفة للشرك وأهله.
٣ - وقيل: بل المراد يئس المشركون من أي تنازل يكون في دينكم لصالحهم.
وقد صنّف الإمام مسلم في صحيحه بابًا في هذا المعنى: "باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا".
روى فيه عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).
стр. 1095
وروى فيه عن جابر أيضًا، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [يَبْعَثُ الشيطان سراياه فَيَفْتِنُون الناسَ، فأعْظَمُهُم عنده منزلة أعظمهم فتنة].
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.
قال ابن جريج: (فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم).
وقال ابن جرير: (فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذي قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار، ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردوكم عن دينكم، ... ولكن خافون، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدّيتم حدودي، أن أُحل بكم عقابي وأنزل بكم عذابي).
قال ابن كثير: (أي: لا تخافوا منهم في مخالفتكم إياهم واخشوني، أنصرُكم عليهم، وأُبيدُهم، وأُظْفِركُم بهم، وأَشْفي صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة).
والخشية تعرف بضدها كما قال الحسن: (عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا).
قال ابن القيم ﵀: (والوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة).
وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. هو وصف لحال قلوب المؤمنين.
أخرج الإمام أحمد في المسند، عن عائشة ﵂: [أنها قالت: يا رسول الله! الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات] (١).
وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
قال ابن عباس: (وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيهُ الله فلا يَسْخَطه أبدًا).
стр. 1096
وهذه الآية شرف عظيم لهذه الأمة، إذ كمل دينها فلا تحتاج إلى أحد بزيادة أو حذف، ولا إلى نبيّ يقدّم لها بعد وفاة نبيّها، فهو ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، وقد بعث إلى الجن والإنس، والدِّين هو ما تركنا عليه يوم مات، لا يحيد عن منهاجه إلا هالك، والحلال والحرام هو الذي استقر عليه الأمر بمغادرة النبي ﷺ .
أخرج البخاري عن طارق بن شهاب، عن عمرَ بن الخطاب ﵁: [أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمثين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا مَعْشَر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال عمر: قد عَرَفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يَوْمَ جُمُعَة] (١).
وأخرج ابن جرير وإسناده على شرط الصحيح - عن عمّار- مولى بني هشام -[أن ابن عباس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومَها عيدًا. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيدٍ ويوم جمعة] (٢).
وقوله. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال ابن عباس: (﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾، يعني: في مجاعة). وقال السدي: (ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار، ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾، يقول: في مجاعة). وقال ابن زيد: (المخمصة: الجوع).
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.
قال ابن عباس: (غير متعمد لإثم). وقال ابن زيد: (لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم، ولا جراءة عليه).
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يعني من ألجاته الضرورة لأكل بعض هذه المحرمات فلا حرج والله غفور له رحيم، يتجاوز عن عبده ما أوقعه فيه العنت والهلاك.
стр. 1097
٤. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾.
في هذه الآية: يسألك يا محمد أصحابك عن حلال الطعام فأخبرهم أنه ما كان من الطيبات. يعني الذبائح الحلال الطيبة. وما اصطدتموه بالحوارح المعلمة. فكلوا منه واذكروا اسم الله واشكروه وعظموه.
قال مقاتل: (فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق).
وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
الجوارح: هنّ الكواسب من سباع البهائم: من الكلاب والفُهود والصُّقور وأشباه ذلك. يعني أحل لكم ما اصطدتموه بهذه الجوارح. سميت كذلك من الجَرْح، وهو الكَسْبُ. والعرب تقول: جر فلان لأهله خيرًا: إذا أكسبهم خيرًا. وفلان جارحةُ أهله: يعني كاسبهم. ولا جارح لفلان، أي: لا كاسب له. وفي التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]- يعني ما كسبتم وعملتم من خير أو شر.
والجمهور على أن صيد الطيور كصيد الكلاب، لأنها تَكْلَبُ الصيدَ بمخالبها، كما تَكْلَبُهُ الكلاب. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وكذلك الإمام أحمد إلا أنه استثنى صيدَ الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه. وفي ذلك حديثان:
الحديث الأول: روى مسلم عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: [يقطع الصلاة الحمارُ والمرأة والكلب الأسود. فقلت: ما بالُ الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم وأحمد وأبو داود عن مُطَرِّفِ بن عبد الله يحدث
стр. 1098
عن ابن المُغَفَّل قال: [أمر رسول الله ﷺ بقَتْلِ الكلاب. ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رَخَّصَ في كلب الصيد وكلب الغنم] (١).
وفي حديث أبي داود عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : [لولا أن الكلاب أُمَّةٌ من الأمم لأمرت بقَتْلِها، فاقتلوا منها الأسود البهيم] (٢).
قلت: والراجح قول الجمهور، فإن الكلب الأسود المعلّم يَجوز صيده، ولا حرج. فكونه يقطع الصلاة أو يستحب قتله أمر آخر- والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
المعنى: إذا كان الجارح مُعَلَّمًا وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه عند إرساله حلَّ ذلك الصيد وإن قتله بالإجماع. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن عدي بن حاتم قال: [سألت النبي ﷺ ، قلت: إني أرسل الكلاب المُعْلَمة فتمسك عَليَّ أفآكل؟ قال: إذا أَرْسَلْتَ الكلاب المُعْلَمَة، وذكَرْتَ اسمَ الله، فكلْ ممّا أمْسَكْنَ عليك. قلت: وإن قَتَلْنَ؟ قال: وإن قَتَلْنَ ما لم يَشْرَكْهَا كلبٌ ليس منها. قلت: أرمي بالمعراض فأصيب أفآكل؟ قال: إذا رَمَيْتَ بالمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسمَ الله، فأصابَ فخَرَّقَ فَكُلْ، وإن أصابَ بِعَرْضِه فلا تأكُلْ] (٣).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عدي بن حاتم قال: [سألت النبي ﷺ ، قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب؟ فقال لي: إذا أرسلت كِلَابَكَ المُعْلَمَةَ وذكرتَ اسم الله عليها فكل مما أمْسَكْنَ عليك، وإن قَتَلَ، إلا أن يأكل الكلبُ، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمْسَكَهُ على نفسه] (٤).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال: [إذا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وذكرتَ اسم الله فوجدتَه من الغد ولم تجده في ماء ولا فيه أثرٌ
стр. 1099
غَيْرَ سهمك فكلْ، وإذا اخْتَلَط بكلابك كَلْبٌ مِن غيرها، فلا تأكلْ، لا تَدْري لعلَّهُ قَتَله الذي ليس منها] (١).
وفي رواية: [أرسل كلبي فأجد عليه كلبًا آخر، فقال: لا تأكلْ لأنك إنما سميت على كَلبك].
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله، إني أصيد بكلبي المعلم، وبكلبي الذي ليس بمعلم، قال: [ما صدت بكلبك المُعْلَم، فاذكر اسم الله وكُلْ، وما أَصَّدْتَ بكلبك الذي ليس بِمُعْلَمٍ، فأدْرَكت ذكاتَهُ فكل] (٢).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
أي: احذروا مخالفة حدود ربكم، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلّمة، أو مما أمسكت على نفسها، أو أن تطعموا ذبائح المشركين عبدة الأوثان، فإن الله سريع حسابه، يجازي الشكور والمطيع، ويعاقب العاصي بمعصيته.
٥. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.
في هذه الآية: اليوم أحل لكم أيها المؤمنون حلال الطعام وذبائح أهل الكتاب دون غيرهم من سائر أهل الشرك، وذبائحكم أيها المؤمنون حِلّ لأهل الكتاب، وأحل لكم نكاح المحصنات - أي العفيفات - من نسائكم ونساء أهل الكتاب إذا دفعتم لهن مهورهن وأنتم أعفاء لا معالنين بسفاح ولا متخذي أخدان - ذات الخدن، ذات الخليل
стр. 1100
الواحد - ومن يجحد ما أمر الله بالإيمان به بطل ثواب عمله وهو في الآخرة من الهالكين.
فقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.
يعني الحلال من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها. ذكره ابن جرير.
وقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
قال مجاهد: (ذبائحهم). وقال الضحاك: (أحل الله لنا طعامهم ونساءهم) - وبه قال ابن عباس.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [لما فُتحت خَيْبَرُ أُهدِيَت للنبي ﷺ شاة فيها سُمّ .... ] الحديث (١).
قال ابن إسحاق: (فلما اطمأن رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلاّم بن مِشْكم، شاة مَصْلِيَّة - أي مشوية -، وقد سألت أي عُضْو من الشاة أحبُّ إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السُّم، ثم سمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدى رسول الله ﷺ ، تناول الذراع فلاكَ منها مضغة، فلم يُسغها، ومعه بِشْرُ بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فأما بِشْر فأَساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليُخبرني أنه مسموم).
قال ابن كثير: (ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم: هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شَحْمِها أم لا؟ . قال: وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ أضافه يهوديٌّ على خُبْزِ شَعير وإهالة سَنِخَةٍ (٢)، يعني: وَدَكًا زَنخًا).
وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.
المعنى: ولكم أن تجازوهم بإطعامهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، فهو من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. ذكره ابن كثير ثم قال: (فأما الحديث الذي فيه:
стр. 1101
"لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" (١)، فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم).
وقال القرطبي: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾: دليلٌ على أنهم مخاطبون بتفاصيل شَرْعنا، أي إذا اشتروا منا اللحم يَحِلُّ لهم اللحم ويَحِلّ لنا الثمن المأخوذ منهم).
وخلاصة المعنى: لكم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا ثمن اللحوم التي يشترونها منكم، ولكم أن تكافئوهم على إطعامكم ذبائحهم بإطعامهم من ذبائحكم، ولهم أن يأكلوا من ذبائحكم فهي حل لهم، يعلمون ذلك عندهم.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
يعني أحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات. وقد تقدم المعنى في "البقرة" و"النساء" ولله الحمد.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
أي يحل لكم نكاح نساء أهل الكتاب بشروطٍ:
١ - أن تكون من العفيفات العاقلات.
٢ - أن تكون تحصن فرجها فلا تزني.
٣ - أن يكون المؤمن صلبًا في دينه لا يترك دينه لدينها ولا يتأثر بمحاولاتها في ذلك.
٤ - أن لا يتزوج من نساء أهل الكتاب إلا عندما تلجئه الحاجة إلى ذلك، فالأصل نكاح المؤمنات الطاهرات، والنظر القويم إلى مستقبل أولاده وأسرته.
فعن مجاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قال: العفائف).
وقال الشعبي: (إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني).
وعن سعيد بن المسيب والحسن: (أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا: أحلّه الله على علم).
يروى ابن جرير بسنده عن الحسن - وسأله رجل: أيتزوج الرجل المرأة من أهل
стр. 1102
الكتاب؟ - قال: (ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات، فإن كان لا بد فاعلًا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة).
ولا فرق بين الحرة والأمة، فالعفاف أهم شوط في نكاح الذمية، وهو قول الجمهور.
وقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (يعني: مهورهن).
وقال ابن جرير: (فإن "الأجر": العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها، وهو المهر).
وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.
قال ابن عباس: (يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة، غير مسافحين متعالنين بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ يعني: يسرّون بالزنا).
قال رجل للحسن: ما المسافحة؟ قال: (هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتّبعته).
وقال ابن كثير: (﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.، فكما شرط الإحصان في النساء، هي العفة عن الزنا، كذلك شَرَطها في الرجال وهو أن يكون الرجل أيضًا مُحْصِنًا عفيفًا، ولهذ! قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدِعون عن معصية، ولا يَرُدّون أنفسَهم عمن جاءهم، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾، أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾.
قال مجاهد: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾، قال: بالله). وقال عطاء: (الإيمان: التوحيد).
وقال ابن عباس: (أخبر الله سبحانه أن "الإيمان" هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملًا إلا به، ولا يحرِّم الجَنَّة إلا على من تركه).
ومن ذلك الإيمان ما أحل الله من تزوج نساء أهل الكتاب على تلك الشروط.
وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
أي من الهالكين، نتيجة الكفر بأوامر الله أو بعضها.
стр. 1103
٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.
في هذه الآية: ذكر أحكام شرعية تتعلق بالطهارة، من أركان الوضوء وأحكام تخص التيمم ومشروعيته، وبيان نعمة الله سبحانه على المؤمنين بهذا التشريع، وغير ذلك.
أخرج البخاري عن عائشة قالت: [خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذاتِ الجَيْش - انقطع عِقْدٌ لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعتْ عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام. فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعَن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رأس رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمُّم، فتيمُّموا. فقال أُسَيْدُ بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العِقْدَ تحتَه] (١).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾.
أي على غير طهر. وعليه أقوال المفسرين:
٤ - سئل عكرمة عن قول الله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
стр. 1104
الْمَرَافِقِ﴾، فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: (لا وضوءَ إلا من حَدَث).
وقال عكرمة: (كان سعد بن أبي وقاص يُصلي الصلوات بوضوء واحد).
وقال: (كان سعد بن أبي وقاص يقول: صلّ بطهورك ما لم تحدث) رواه ابن جرير.
٢ - عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد بن طريف - أو: طريف بن يزيد: (أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة، فتوضؤوا، فصلَّوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضؤون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث).
٣ - عن زيد بن أسلم قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قال: (يعني: إذا قمتم من النوم).
أخرج الإمام أحمد والبخاري عن أنس قال: [كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلتُ (١): فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوءٍ واحد ما لم نُحْدِث] (٢).
وقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (قد استدل طائفة من العلماء بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها).
قلت: بل النية ركن من أركان الوضوء الذي بيّن الله في هذه الآية، فأركان الوضوء:
١ - النية: ومحلها القلب، وتعني القصد والإرادة، والتلفظ بها لا أصل له. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمر: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى] (٣).
٢ - غسل الوجه: عرضًا من شحمة الأذن اليمنى إلى شحمة الأذن اليسرى، ومن منبت الشعر من الرأس إلى أسفل اللحيين طولًا. لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
стр. 1105
أخرج الإمام الترمذي بسند جيد عن أبي وائل قال: [رأيت عثمان توضأ - فذكر الحديث - قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت] (١).
وأخرج البخاري عن عطاء عن ابن عباس: [أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غَرْفَة من ماء فمَضْمَضَ بها واسْتَنْشَق، ثم أخَذَ غَرْفَةً من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فَغَسَل بها وَجْهَهُ، ثم أخذ غَرفَة من ماء فغسل بها يدَه اليمنى، ثم أَخَذَ غَرْفَةً من ماء فغسل بها يده اليُسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرْفَةً من ماء فَرَشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرْفَةً أُخْرى فغسل بها رِجْلَهُ يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ] (٢).
٣ - غسل اليدين إلى المرافق.
المرفق هو العظم "المفصل" الذي بين العضد والساعد. لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
٤ - مسح الرأس كله. لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
والباء تفيد الإلصاق - وفعله ﷺ يدل على ذلك - ومن ذهب إلى التبعيض فالحديث التالي حجة عليه، إذ فيه وصف مسحه ﷺ الذي علينا أن نتابعه فيه.
أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد والبيهقي وابن حبان - من حديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجُلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جدّ عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فَأَفْرَغ على يديه فغسل مرتين، ثم مَضْمَضَ واستنثر ثلاثًا، ثم غَسَل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بِمُقَدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غَسَلَ رجليه] (٣).
стр. 1106
فالحديث يدل على وجوب تكميل مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك وأحمد.
٥ - غسل القدمين إلى الكعبين. لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
ونصبت ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالعطف على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (رجعت إلى الغسل).
والكعبان هما العظمان الناتئان على جانبي مشط القدم، ويدخل مع القدم العقب وهو العظم الناتئ أسفل القدم آخر المشط الذي يرتكز عليه الإنسان إذا مال إلى الخلف ويسمى عند الناس أحيانًا "كاحلًا" فيجب غسله مع القدم.
ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال: [تخلَّف عنا رسول الله ﷺ في سَفْرَةٍ سافرناها، فأدرَكَنا وقد أَرْهَقَتنَا الصلاةُ صلاة العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: أَسْبِغُوا الوضوءَ، ويل للأعقاب من النار] (١). وفي لفظ عند أحمد: [ويل للعراقيب من النار].
وفي لفظ آخر: [ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار] (٢).
٦ - الموالاة: أي غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بلا فارق زمني.
ففي مسند أحمد وسنن داود من حديث خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ : [أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، وفي ظَهْر قَدَمِه لُمْعَةٌ قدرُ الدِّرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء] (٣).
زاد أبو داود: [والصلاة].
وأما واجبات الوضوء وسننه فلها مكان آخر في الفقه سيأتي في موسوعة خاصة به إن شاء الله تعالى.
стр. 1107
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
تقدم الكلام عن تفصيل ذلك في سورة النساء، وبيان أسباب النزول في ذلك.
وقد أخرج البخاري - حول هذه الآية - عن عائشة ﵂: [سقطت قِلادةٌ لي بالبيداء ونحن داخِلون المدينة، فأناخ النبيُّ ﷺ ونَزَلَ، فثنى رأسَهُ في حِجْري راقِدًا، أَقْبَلَ أبو بكر فلكزَني لكْزَةً شديدة وقال: حبست الناس في قِلادَةٍ، فَبِيَ الموتُ، لِمكانِ رسول الله ﷺ وقد أوْجَعني، ثم إن النبي ﷺ استيقظَ وحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالتُمِسَ الماء فلم يوجدْ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، فقال أُسيد بن حُضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ لهم] (١).
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.
قال عكرمة: (من ضيق). أي أباح سبحانه لكم التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ولئلا يعنتكم.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، ولكن الله يريد أن يطهركم، بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث، والغسلِ من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظّفوا وتطهّروا بذلك أجسامكم من الذنوب).
أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا توضأ العبدُ المسلمُ - أو المؤمن - فغسل وَجْهَهُ، خرج من وجهه كُلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو: مع آخِر قطْرِ الماء - فإذا غسل يديه خرجَ من يديه كُلُّ خطيئة بطشتها يداه مع الماء - أو: مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو: مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًّا من الذنوب] (٢).
وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : [من
стр. 1108
توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سَمْعه وبصره ويديه ورجليه] (١).
وروى أحمد وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن عثمان بن عفان ﵁، أنه دعا بماء فتوضأ ثم ضحكَ، فقال لأصحابه: ألا تسألوني ما أضحكني؟ فقالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: [رأيت رسولَ الله ﷺ توضأ كما توضأت، ثم ضحك فقال: ألا تسألوني: مَا أضحكك؟ فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: إن العبد إذا دَعَا بِوَضوءٍ، فغسل وَجْهَهُ، حَطَّ الله عنه كلَّ خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذِراعَيْه كان كذلك، وإذا طَهّرَ قَدَميه كان كذلك. زاد البزار: فإذا مسح رأسَه كان كذلك] (٢).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي كي تشكروا الله على هذه النعم الجليلة عليكم، بطاعتكم إياه وتعظيمكم لأوامره، فقد خصّكم بجزيل الثواب على الطاعة والتعظيم.
٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
في هذه الآياتِ: تَوْجِيهٌ من الله سبحانه لذكر نعمته عليكم - أيها المؤمنون - في
стр. 1109
ما هداكم له من ميثاق طاعته ونجاتكم من الضلالة والرّدى. وأَمْرٌ منه سبحانه أن تكونوا قائمين بالحق لا يحملكم بُغض قوم على ترك العدل، وهو سبحانه عليمٌ بذات الصدور، خبيرٌ بأعمالكم، وقد وعد المؤمنيمن القائمين بمنهاج العمل الصالح مغفرة وأجرًا عظيمًا، في حين وعد الكافرين عذابًا أليمًا. ثم ذكرهم إذ نجّاهم من مكر قوم من أعدائهم هموا ببسط الأذى لهم - أفلا يحملكم هذا كله على التقوى وصدق التوكل على الله جل ثناؤه. فإلى تفصيل ذلك:
فعن مجاهد: (﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، قال: النعم، آلاء الله).
وعن ابن عباس: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية، يعني: حيث بعث الله النبي ﷺ وأنزل عليه الكتاب، فقالوا: "آمنا بالنبي ﷺ وبالكتاب وأقررنا بما في التوراة"، فذكَّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به). فالنعمة الإسلام، والميثاق كما قال ابن جرير: (يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدًا ﷺ على السمع والطاعة له في المنَشط والمكره والعُسر واليسر).
ففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: [بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في مَنْشْطِنا ومكرهنا، وعُسْرِنَا ويُسْرنا، وأَثرةٍ علينا، وأن لا نُنَازعَ الأمر أهله. قال: إلا أن تَرَوْا كُفرًا بَوَاحًا عندكم فيه من الله برهان] (١).
- وقيل هو العهد المأخوذ على ذرية آدم يوم استخرجها من صلبه، وقيل بل هو العهد المأخوذ على اليهود في متابعة محمد ﷺ والأول أظهر ورجّحه ابن جرير.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
أَمْرٌ بالتقوى، وتَحْذِيرٌ من مخالفة عهد من يعلم السر وأخفى.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: كونوا قائمين بالحق لله لا لأجل الناس والسمعة).
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.
أَمْرٌ بإقامة العدل وتحذير من انظلم والجَوْر.
стр. 1110
وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
أي لا تقحموا حظوظ نفوسكم في القضاء والحكم بين الناس، بل أقيموا العدل على كل أحد، قريبًا كان أم بعيدًا، صديقًا كان أم عدوًا.
وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
أي مقام العدل هو الذي يحبه الله ويرضاه، وأما الظلم فهو بغيض إليه جلت عظمته.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه الوصية من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أنه قال: [نَحَلني أبي نَحلًا، فقالت أمي عَمْرَةُ بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ . فجاءه لِيُشْهِدَه على صدقتي، فقال: أَكُلَّ ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدِلُوا في أولادكم. وقال: إني لا أشهد على جَور. قال: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم - أيضًا - من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء من الشاة القرناء] (٣).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
أي: احذروا معشر المؤمنين الجور ومغبة الظلم، فإن الله قد اطلع على أعمالكم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)
стр. 1111
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.
هذا من تمام عدله سبحانه: موافاة المؤمنين نتيجة أعمالهم وإقامة الحق والعدل المغفرة والأجر العظيم، في حين ينتظر الكافرين: الظالمين أنفسهم بالكفر وغيرهم بالظلم والجور، عذاب الجحيم.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: قيل نزلت في شأن بني النضير حين همّوا بإلقاء الرّحى على رأس رسول الله ﷺ ، حين ذهب إليهم ليعينوه في دية الرجلين من بني كلاب اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة، فكانت نعمة الله بفضحهم وإجلائهم.
قال مجاهد: (﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: اليهود، دخل عليهم النبي ﷺ حائطًا لهم وأصحابُه من وراء جداره، فاستعانهم في مَغْرَمِ دِية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله. فخرج يمشي القهقرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلًا رجلًا حتى تتاموا إليه) (١).
ويروي ابن جرير في التفسير أن حيي بن أخطب قال لهم: ألا ترون أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا، فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل).
التأويل الثاني: قيل بل نعمة الله المذكورة هنا إعلام الله نبيّه بطعام قدمه له يهود أرادوا به قتله وقتل أصحابه. قال ابن عباس في الآية: (وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله وأصحابه طعامًا، ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه).
التأويل الثالث: قيل بل النعمة هنا إطلاع الله نبيّه ﷺ على محاولة عدوه المشرك قتله في بَطْن نَخْل حين استلّ سيفه، وتشريع صلاة الخوف للأمة.
стр. 1112
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [أَقْبَلْنَا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بذاتِ الرِّقاع قال: كُنَّا إذا أتَيْنَا على شجرة ظَليلةٍ تَركْناها لرسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين وسيفُ رسول الله ﷺ مُعَلَّقٌ بشجرة، فأخذ سيف نبيّ الله ﷺ فاخترطَه - أي سَلّهُ - فقال لرسول الله ﷺ : أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يَمْنَعُني مِنْك. قال: فتهدَّدَهُ أصحاب رسول الله ﷺ ، فَأَغْمَدَ السيف وعَلّقَهُ، قال: فنودي بالصلاة، فَصَلَّى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربعُ ركعات، وللقوم ركعتان" (١).
قال معمر: (وكان قتادة يذكر نحو هذا، وذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ ، فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأوّل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية) ذكره ابن جرير.
قلت: والراجح التأويل الأول، ورجحه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀، وقد بسطت القول في ذلك في كتابي السيرة النبوية - على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - عند إجلاء بني النضير، فلله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
أَمْر من الله بالتقوى فهي سرّ كل فلاح، وإِخْبَارٌ عن صفة المؤمنين بتوكلهم على الله واعتمادهم عليه كما عَلَّمَهُم ذلك نبيّهم، فالله يحب المتوكلين، ومن توكل على الله كفاه وعصمه وحفظه.
١٢ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ
стр. 1113
ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.
في هذه الآياتِ: ذِكْرٌ للعهود والمواثيق التي أخذها الله على أهل الكتابين: اليهود والنصارى، وبيان مغبة نقضهم تلك العهود وما حلّ بهم من ضنك العيش في الدنيا، وما ينتظرهم من شقاء يوم القيامة. فإلى تفصيل ذلك:
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.
قال الحسن: (اليهود من أهل الكتاب). وقال أبو العالية: (أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدوا غيره).
والنقيب في لغة العرب كالعريف، بل هو فوقه، وهو الأمين الضامن على القوم.
يقال: نقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نقْبًا. ويقال: عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافة.
قال قتادة: (﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، من كل سِبْط رجل شاهد على قومه). وقال الربيع: (النقباء: الأمناء).
والمقصود أنهم عرفاء القوم ينوبون عن في قبائلهم بالتمثيل والمبايعة، قال ابن كثير: (يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة، والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه).
وقال ابن جرير: (إنما كانَ الله عز ذكره أمر موسى نبيه ﷺ ببعثة النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل على أرض الجبابرة بالشام، ليتحسَّسوا لموسى أخبارَهم، إذْ أراد هلاكهم، وأن يورِّث أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل، بعدما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر. فبعث موسى الذين أمره ببعثهم إليها من النقباء).
وقد بايع رسول الله ﷺ ليلةَ العقبة اثنا عشر نقيبًا من الأنصار، هم الذين وَلُوا
стр. 1114
المبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة. منهم عشرة من الخزرج واثنان من الأوس.
أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت - أحد النقباء - أن رسول الله ﷺ قال: [تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعته - وفي رواية: فبايعناه على ذلك] (١).
وكذلك فإن الخلفاء في هذه الأمة الذين هم على منهاج النبوة عددهم اثنا عشر خليفة. ففي الصحيحين والمسند عن جابر بن سَمُرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليَهم اثنا عشر رجلًا. ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خَفِيَتْ عليّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: كلهم من قريش] (٢).
وقد مضى منهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃. وكذلك عمر بن عبد العزيز، وقيل عبد الله بن الزبير أيضًا. ويبدو أن البقية الستة يكونون مع عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة مرّة أخرى كما في حديث حذيفة:
فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: [كنا قعودًا في المسجد، وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفض خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة يرفعه إلى النبي ﷺ : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن
стр. 1115
تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (١).
وقوله: ﴿وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾.
أي بحفظي وكَلاءتي، بسمعي وبصري، وإني ناصركم على عدوكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم.
وقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾.
أي حافظتم على إقامة الصلاة وإعطاء الزكاة، وصدقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني.
وقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾.
قال مجاهد: (نصرتموهم). وقال ابن زيد: (التعزيز والتوقير: الطاعة والنصرة).
وقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. أي أنفقتم في سبيله وابتغاء مرضاته.
وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
أي أستر عليكم ذنوبكم، وأتجاوز عنها فأمحوها، وأتحفكم بدخول جنات النعيم التي تجري من تحتها الأنهار.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
أي: فمن جحد هذا الميثاق منكم - يا بني إسرائيل - بعد شدّه وتوكيده، فقد أخطأ طريق النجاة، وَزَلَّ في طريق الهلاك.
وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.
قال ابن عباس: (هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه). وقال قتادة: (فبنقضهم ميثاقهم لعناهم). - أي طردناهم عن الهدى والحق.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
أي: فلا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا لغلظتها وقسوتها.
стр. 1116
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال ابن عباس: (يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا).
والمقصود أنهم حملوا كلام الله في التوراة على غير مراده ومعناه، وأشاعوا فهمًا منحرفًا له يوافق أهواءهم وشهواتهم.
وقوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
قال السدي: (يقول: تركوا نصيبًا).
وقال الحسن: (تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقبل الأعمال إلا بها).
والمقصود: أنَّهم تركوا العمل بما ذكروا به رغبة عنه إلى دنيا عكفوا عليها.
وقوله: ﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
يعني الغدر من أكثرهم والخيانة.
قال قتادة: ﴿وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، قال: على خيانة وكذب وفجور).
وقال مجاهد: (هم يهودُ، مِثْلُ الذي هموا به من النبي ﷺ يوم دخل حائطهم).
وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾.
قال ابن كثير: (وهذا هو عينُ النَّصر والظفر، كما قال بعض السلف: "ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه". وبهذا يحصُلُ لهم تأليفٌ وجَمْعٌ على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يعني به: الصفح عمن أساء إليك).
وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
أي: وكذلك الذين زعموا أنهم على دين عيسى ﵊، وأنهم متابعوه على هديه ومناصروه ومآزروه، وقد عقدوا لذلك المواثيق والعهود - كما فعل اليهود من قبل - على الإيمان به وبكل نبي يرسله الله بعده إلى الأرض، إلا أنهم كانوا كسابقيهم عند أسوأ الظن. قال قتادة: (نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهدَ الله الذي
стр. 1117
عهده إليهم، وأمر الله الذي أمرهم به). وقال السدي: (قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظًا مما ذكروا به).
وقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
يعني: أوقع الله بينهم، فأصبحوا طوائف يأكل البغض والحسد بعضُهم بعضًا.
قال إبراهيم النخعي: (هذه الأهواء المختلفة والتباغض، فهو الإغراء).
وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.
فيه تَوَعُّدٌ من الله بالانتقام منهم إذ كذبوا على الله ورسوله، وجعلوا لله صاحبة وولدًا، ونقضوا العهود والمواثيق، وحرّفوا التنزيل والأمر والنهي، تعالى الله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، وتقدست أسماؤه وجلت عظمته.
١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.
في هذه الآياتِ: عالمية دعوة محمد ﷺ : إلى الناس كافة، إلى الجن والإنس، إلى الأمم جميعها من أهل الكتاب وغيرهم. وبيان ما حصل من التحريف والتبديل في الكتب المتقدمة، وإخبار عن القرآن العظيم وما فيه من النور المبين، وطريق السعادتين في الدنيا والآخرة.
فعن قتادة: (﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: وهو محمد ﷺ ).
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: (من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب. قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، فكان الرجم مما أخفوا) رواه ابن جرير والحاكم.
стр. 1118
وقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. أي يسكت عن أشياء أخرى مما غيّروا وبدلوا وحرّفوا لا فائدة ببيانها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾.
قال ابن جرير: (يعني بالنور محمدًا ﷺ الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، .. ومن إنارته الحق، تبيينه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من لكتاب. وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يقول جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور لذي أنار لكم به معالم الحق، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ ، يبيِّن للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله).
وعن السَّدي: (﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا به، لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية).
قال القرطبي: (قوله ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: ما رضيه. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة).
وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
أي من ظلمات الجاهلية والكفر إلى نور الحق والإسلام.
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
قال ابن جرير: (تحبيبُه إياه الإيمان، برفع طابع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبل السلام).
فمن باشر السير في طريق رضوان الله سبحانه، هيّأَ له سُبلًا من الخير والتوفيق والإلهام، وأسبابًا لسعادة الدنيا والآخرة.
وأصل الهداية في لغة العرب من الهدى، وهو الرشاد والدلالة، وهو يذكر ويؤنث.
стр. 1119
والهداية هنا تعني هداية التوفيق والإلهام، وهي هداية خاصة بالمؤمنين الذين صدقوا الرسل واتبعوهم، وصار لهم قدم صدق في الإسلام والإيمان والإحسان، وتعلقت قلوبهم بالله ومحابه، فهناك يكرمهم ربهم تباركت أسماؤه وصفاته بهداية خاصة بعد هداية الدلالة والإرشاد. فإن مراتب الهداية كما وردت في الكتاب والسنة:
١ - هداية الخلق العامة.
٢ - هداية الدلالة والإرشاد.
٣ - هداية التوفيق والإلهام.
٤ - هداية إلى طريق الجَنَّة يوم القيامة.
فقوله هنا: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وكقوله في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأُعْطِيَنَّهُ، وإن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).
وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.
أي: يرشدهم إلى دين الله القويم، ويسدِّد خُطاهم إليه، وينجيهم من فساد واعوجاج بقية المسالك، فليس بعد الحق إلا الضلال.
١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ
стр. 1120
مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.
في هذه الآياتِ: حكم الله في الذين ادعوا الألوهية في عيسى ﵊، وإثبات عبودية المسيح وأمه لله الملك سبحانه، وتكذيب الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه من أهل الكتابين، وإثبات العذاب على المكذبين بالله ورسله وتوحيده يوم القيامة.
فقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
قال القرطبي: (وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم على جهة الدينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا).
وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. أي: أخبر الله المسيح ﵊ أن لو كان إلهًا لقدر على دفع الضرّ عنه مما أصابه، فقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع ذلك عنها، وكذلك لو أراد سبحانه إهلاكه وإهلاك جميع أهل الأرض.
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.
أي: كل المخلوقات والموجودات في هذا الكون الفسيح تحت تصرفه سبحانه وفي ملكه ينفذ فيها أمره، فلو كان المسيح وأمه إلهين فأين سيكونان؟ إن المسيح وأمه ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أي مخلوقان محصوران بين السماوات والأرض، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للإلهية، والله وحده على كل شيء قدير.
وقوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
فرأوا لأنفسهم فضلًا وشرفًا. قال ابن عباس: (خوّف رسول الله ﷺ قومًا من اليهود العقاب فقالوا: لا نخاف فإنا أبناء الله وأحِبّاؤه، فنزلت الآية).
стр. 1121
قال ابن كثير: (أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبُّنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: "أنت ابني بكري". فحملوا هذا على غير تأويله وحرّفوه. وقد ردّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يُطلَقُ عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربِّي وربِّكم. ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البُنُوَّةِ ما ادعوها في عيسى ﵇، وإنما أرادوا بذلك مَعَزَّتهم لديه وحُظْوَتَهم عنده، ولهذا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه).
وقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾. تكذيب لهم من الله في ادعائهم.
وفيه أكثر من تأويل:
١ - التأويل الأول: قيل معنى ﴿يُعَذِّبُكُمْ﴾ عَذَّبكم. أي حين مسخهم قردة وخنازير. ذكره القرطبي.
٢ - التأويل الثاني: قيل فلم أعدّ لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم. ذكره ابن كثير.
٣ - التأويل الثالث: هو اعتراف اليهود أن الله سيعذبهم أربعين يومًا عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. ذكره ابن جرير.
قلت: والبيان الإلهي يحتمل بإعجازه كل ما سبق ذكره. والسنة الصحيحة تؤيده في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن حبان في صحيحه، والطبراني في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [الحيَّات مسخُ الجن، كما مُسِخَت القردة والخنازير من بني إسرائيل] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [لما فُتحت خَيْبَرُ أُهديت للنبي ﷺ شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال النبي ﷺ : اجمعوا إليَّ من كان هاهنا من يهود. فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادِقيَّ عنه. فقالوا: نعم، قال لهم النبي ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان.
стр. 1122
قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادِقيَّ عن شيءٍ إن سألْتُ عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كما عرفْتَه في أبينا، فقال لهم: مَنْ أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلفونا فيها، فقال النبي ﷺ : اخسؤوا فيها، واللهِ لا نخلفكم فيها أبدًا. ثم قال: هل أنتم صادِقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يَضُرَّك] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).
وقد استدل قوم بهذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أن الحبيب لا يعذب حبيبه. وهذا استدلال طيب، فإن اليهود لو قالوا لا يعذبنا كذّبوا ما في كتبهم من أن الله سيعذب العصاة، ولو قالوا يعذبنا أقرّوا أنهم ليسوا أبناء الله وأحباءه.
أخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: [مرّ النبي ﷺ بأناس من أصحابه، وصبي بين ظهراني الطريق، فلما رأت أمه الدواب خشيت على ابنها أن يوطأ، فسعت والهة، فقالت: ابني! ابني! فاحتملت ابنها، فقال القوم: يا نبي الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال رسول الله ﷺ : لا والله، لا يلقي اللهُ حبيبَه في النار] (٣).
وأخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال: [لن يُوافِيَ عَبْدٌ يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله، إلا حَرَّمَ الله عليه النار] (٤).
стр. 1123
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال السدي: (يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.
أي جميع الخلق في هذا الكون ملك لله، والمرد إليه سبحانه لا محالة. وفيه تهديد ووعيد للمغترين بالأماني وفضائل الآباء والأسلاف كأولئك القائلين: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
١٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.
في هذه الآية: الخطاب لأهل الكتابين في أن الله أرسل لهم محمدًا ﷺ ، وهو خاتم النبيين والمرسلين.
قال قتادة: (وهو محمد ﷺ ، جاء بالفرقان الذي فَرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به).
وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
أي على انقطاع من الرسل. وقد روى ابن جرير في التفسير قال: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، ذكر لنا أنَّها كانت ست مئة سنة، أو ما شاء من ذلك والله أعلم). ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وهناك أقوال أخرى ولكن ذكرت الراجح، وربما يعود اختلاف الأرقام بين المفسرين لاختلاف السنة الشمسية والقمرية. ثم إنه لم يكن بين عيسى ﵊ ونبينا محمد ﷺ بعثة نبي.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياءُ أولادُ عَلّات، ليس بيني وبينه نبيّ] (١).
стр. 1124
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (والمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطُمُوس من السُّبُل، وتَغَيُّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمةُ به أتمَّ النعم، والحاجة إليه أمرٌ عَمَمٌ، فإن الفساد كان قد عمَّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهرَ في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعُبَّاد النصارى والصابئين).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياضِ بن حِمَارٍ المُجَاشِعيِّ، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خُطْبَتِه: [ألا! إن ربي أَمَرَني أن أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُم مِمَّا عَلَّمَني، يَوْمي هذا، كُلُّ مال نَحَلْتُهُ عبدًا، حلالٌ، وإني خَلقْتُ عبادي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنهم أَتَتْهُم الشياطين فاجْتالتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أن يُشركوا بي ما لمْ أُنْزِلْ به سلطانًا، وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُك لأبتليك وأَبْتَلِيَ بك، وأَنْزَلْتُ عليك كتابًا لا يَغْسِلُه الماءُ، تَقْرَؤُه نائِمًا ويَقْظانَ، وإن الله أَمَرَني أن أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فقلتُ: ربِّ! إذن يَتْلَغُوا رأسيِ فيَدَعوه خُبْزَةً، فقال: استَخْرِجْهُم كما استخرجوك، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأَنْفِقْ فسَيُنْفقَ عليك، وابْعَث جَيْشًا نبعثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وقاتِلْ بِمَنْ أطاعك من عصاكَ، قال: وأهل الجَنَّة ثلاثة: ذو سُلطان مُقْسِطٌ مُتَصَدِّق مُوَفَّقٌ، ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قُربى ومُسْلِم، وعفيفٌ ومُتعففٌ ذو عيال. قال: وأهل النار خَمْسَةٌ: الضعيفُ الذي لا زَبْرَ لَهُ، الذين هم فيكم تَبَعًا لا يَتْبَعونَ أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى لَهُ طَمَعٌ - وإن دَقَّ - إلا خانَهُ، ورجُلٌ لا يُصْبحُ ولا يُمْسي إلا وهو يخادِعُكَ عنْ أهلِكَ ومالِكَ. وذكر البُخْلَ أو الكذِبَ وَالشِّنْظيرُ: "الفَحَّاشُ"] (١).
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
أي كي لا تقولوا، أو أن لا تقولوا. قال ابن جرير: (كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عزّ ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله ﷺ ، وأبلغ إليهم في الحجة).
والبشير المبشِّر بالثواب لمن أطاع الله وآمن برسوله، والنذير المنذر بالعقاب لمن عصى الله وكذب رسوله.
стр. 1125
وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
تأكيد لنبوة محمد ﷺ وإرساله إلى الأمم كافة، والله لا يعجزه مجازاة من أطاع، ولا معاقبة من كذب وتولى، فهو القادر على كل شيء، والفعال لما يريد.
٢٠ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله عن تذكير موسى ﵇ قومه نعم الله المتراكمة عليهم في تتابع الأنبياء فيهم، وجمع الله أسباب الدنيا وخيرها عليهم، وجعلهم أشراف الناس في زمانهم. ثم تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول في بيت المقدس، الذي كان بأيديهم زمان أبيهم يعقوب ﵇، وبشرهم بالنصر والظفر فنكلوا وعصوا، وتخوفوا قومًا جبارين فيها، حتى حرَّضهم رجلان ممن يخاف أمر الله وحلول عقابه ولهم في مهابة، بأنكم إن توكَّلْتُم على الله وواجهتم عدوكم ينصركم سبحانه، فنكلوا بأشبع وجه وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، فهنالك دعا موسى ربه أن يقضي بينه وبينهم وقال لا أملك إلا نفسي وأخي، فحكم الله عليهم بتحريم دخولها مدة أربعين سنة يقعون في التيه ولا يهتدون للخروج منه. وتفصيل ذلك: