← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قال ابن كثير: (أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبُّنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: "أنت ابني بكري". فحملوا هذا على غير تأويله وحرّفوه. وقد ردّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يُطلَقُ عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربِّي وربِّكم. ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البُنُوَّةِ ما ادعوها في عيسى ﵇، وإنما أرادوا بذلك مَعَزَّتهم لديه وحُظْوَتَهم عنده، ولهذا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه). وقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾. تكذيب لهم من الله في ادعائهم. وفيه أكثر من تأويل: ١ - التأويل الأول: قيل معنى ﴿يُعَذِّبُكُمْ﴾ عَذَّبكم. أي حين مسخهم قردة وخنازير. ذكره القرطبي. ٢ - التأويل الثاني: قيل فلم أعدّ لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم. ذكره ابن كثير. ٣ - التأويل الثالث: هو اعتراف اليهود أن الله سيعذبهم أربعين يومًا عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. ذكره ابن جرير. قلت: والبيان الإلهي يحتمل بإعجازه كل ما سبق ذكره. والسنة الصحيحة تؤيده في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن حبان في صحيحه، والطبراني في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [الحيَّات مسخُ الجن، كما مُسِخَت القردة والخنازير من بني إسرائيل] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [لما فُتحت خَيْبَرُ أُهديت للنبي ﷺ شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال النبي ﷺ : اجمعوا إليَّ من كان هاهنا من يهود. فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادِقيَّ عنه. فقالوا: نعم، قال لهم النبي ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان.

стр. 1122

قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادِقيَّ عن شيءٍ إن سألْتُ عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كما عرفْتَه في أبينا، فقال لهم: مَنْ أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلفونا فيها، فقال النبي ﷺ : اخسؤوا فيها، واللهِ لا نخلفكم فيها أبدًا. ثم قال: هل أنتم صادِقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ قالوا: نعم. قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يَضُرَّك] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢). وقد استدل قوم بهذه الآية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أن الحبيب لا يعذب حبيبه. وهذا استدلال طيب، فإن اليهود لو قالوا لا يعذبنا كذّبوا ما في كتبهم من أن الله سيعذب العصاة، ولو قالوا يعذبنا أقرّوا أنهم ليسوا أبناء الله وأحباءه. أخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: [مرّ النبي ﷺ بأناس من أصحابه، وصبي بين ظهراني الطريق، فلما رأت أمه الدواب خشيت على ابنها أن يوطأ، فسعت والهة، فقالت: ابني! ابني! فاحتملت ابنها، فقال القوم: يا نبي الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال رسول الله ﷺ : لا والله، لا يلقي اللهُ حبيبَه في النار] (٣). وأخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال: [لن يُوافِيَ عَبْدٌ يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله، إلا حَرَّمَ الله عليه النار] (٤).

стр. 1123

وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال السدي: (يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه). وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾. أي جميع الخلق في هذا الكون ملك لله، والمرد إليه سبحانه لا محالة. وفيه تهديد ووعيد للمغترين بالأماني وفضائل الآباء والأسلاف كأولئك القائلين: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. ١٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾. في هذه الآية: الخطاب لأهل الكتابين في أن الله أرسل لهم محمدًا ﷺ ، وهو خاتم النبيين والمرسلين. قال قتادة: (وهو محمد ﷺ ، جاء بالفرقان الذي فَرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به). وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. أي على انقطاع من الرسل. وقد روى ابن جرير في التفسير قال: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: (كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، ذكر لنا أنَّها كانت ست مئة سنة، أو ما شاء من ذلك والله أعلم). ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وهناك أقوال أخرى ولكن ذكرت الراجح، وربما يعود اختلاف الأرقام بين المفسرين لاختلاف السنة الشمسية والقمرية. ثم إنه لم يكن بين عيسى ﵊ ونبينا محمد ﷺ بعثة نبي. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياءُ أولادُ عَلّات، ليس بيني وبينه نبيّ] (١).

стр. 1124

قال الحافظ ابن كثير ﵀: (والمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطُمُوس من السُّبُل، وتَغَيُّر الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمةُ به أتمَّ النعم، والحاجة إليه أمرٌ عَمَمٌ، فإن الفساد كان قد عمَّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهرَ في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعُبَّاد النصارى والصابئين). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياضِ بن حِمَارٍ المُجَاشِعيِّ، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خُطْبَتِه: [ألا! إن ربي أَمَرَني أن أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُم مِمَّا عَلَّمَني، يَوْمي هذا، كُلُّ مال نَحَلْتُهُ عبدًا، حلالٌ، وإني خَلقْتُ عبادي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنهم أَتَتْهُم الشياطين فاجْتالتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أن يُشركوا بي ما لمْ أُنْزِلْ به سلطانًا، وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُك لأبتليك وأَبْتَلِيَ بك، وأَنْزَلْتُ عليك كتابًا لا يَغْسِلُه الماءُ، تَقْرَؤُه نائِمًا ويَقْظانَ، وإن الله أَمَرَني أن أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فقلتُ: ربِّ! إذن يَتْلَغُوا رأسيِ فيَدَعوه خُبْزَةً، فقال: استَخْرِجْهُم كما استخرجوك، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأَنْفِقْ فسَيُنْفقَ عليك، وابْعَث جَيْشًا نبعثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وقاتِلْ بِمَنْ أطاعك من عصاكَ، قال: وأهل الجَنَّة ثلاثة: ذو سُلطان مُقْسِطٌ مُتَصَدِّق مُوَفَّقٌ، ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكل ذي قُربى ومُسْلِم، وعفيفٌ ومُتعففٌ ذو عيال. قال: وأهل النار خَمْسَةٌ: الضعيفُ الذي لا زَبْرَ لَهُ، الذين هم فيكم تَبَعًا لا يَتْبَعونَ أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى لَهُ طَمَعٌ - وإن دَقَّ - إلا خانَهُ، ورجُلٌ لا يُصْبحُ ولا يُمْسي إلا وهو يخادِعُكَ عنْ أهلِكَ ومالِكَ. وذكر البُخْلَ أو الكذِبَ وَالشِّنْظيرُ: "الفَحَّاشُ"] (١). وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾. أي كي لا تقولوا، أو أن لا تقولوا. قال ابن جرير: (كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عزّ ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله ﷺ ، وأبلغ إليهم في الحجة). والبشير المبشِّر بالثواب لمن أطاع الله وآمن برسوله، والنذير المنذر بالعقاب لمن عصى الله وكذب رسوله.

стр. 1125

وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تأكيد لنبوة محمد ﷺ وإرساله إلى الأمم كافة، والله لا يعجزه مجازاة من أطاع، ولا معاقبة من كذب وتولى، فهو القادر على كل شيء، والفعال لما يريد. ٢٠ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله عن تذكير موسى ﵇ قومه نعم الله المتراكمة عليهم في تتابع الأنبياء فيهم، وجمع الله أسباب الدنيا وخيرها عليهم، وجعلهم أشراف الناس في زمانهم. ثم تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول في بيت المقدس، الذي كان بأيديهم زمان أبيهم يعقوب ﵇، وبشرهم بالنصر والظفر فنكلوا وعصوا، وتخوفوا قومًا جبارين فيها، حتى حرَّضهم رجلان ممن يخاف أمر الله وحلول عقابه ولهم في مهابة، بأنكم إن توكَّلْتُم على الله وواجهتم عدوكم ينصركم سبحانه، فنكلوا بأشبع وجه وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، فهنالك دعا موسى ربه أن يقضي بينه وبينهم وقال لا أملك إلا نفسي وأخي، فحكم الله عليهم بتحريم دخولها مدة أربعين سنة يقعون في التيه ولا يهتدون للخروج منه. وتفصيل ذلك:

стр. 1126

قوله: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عباس: (عافية الله . وقال ابن عيشة: (أيادي الله عندكم وأيامه). وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾. قال ابن كثير: (أي: كلما هَلَكَ نبيٌّ قام فيكم نبيٌّ، من لَدُن أبيكم إبراهيم وإلى ما بعده وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعُونَ إلى الله ويُحذرون نقمتَه، حتى خُتموا بعيسى بن مريم ﵇ ثم أوحى الله إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵇، وهو أشرف من كل من تقدَّمه منهم، ﷺ ). وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال ابن جرير: (سخَّر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم). قال قتادة: (كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا). وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: (الزوجة والخادم والبيت). وقال: (كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكًا). وعن السدي قال: (يملك الرجل منكم نفسه وأهلَه وماله). وذكر الطبري بسنده إلى أبي عبد الرحمن الحُبُلي قال: (سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكنٌ تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إن لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك) - ورواه مسلم (١). أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن محصن، عن النبي ﷺ قال: [من أصبح منكم معافىً في جسده، آمِنًا في سِرْبِهِ، عنده قوت يومِه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرها] (٢). وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. كانوا أفضل أهل زمانهم، وأشرف من سائر بني آدم. كما قال تعالى في سورة

стр. 1127

الجاثية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦)﴾. وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧)﴾. وعن مجاهد: (﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾، قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام). ولكن هذه الأمة أفضل عند الله منهم، وأشرف منزلة يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وذلك لحسن صحبتها لنبيِّها محمد ﷺ يوم كان بين ظهرانيهم، ولبشائر استمرار طائفة على الحق في حراسة هذا الدين ومنهاجه في الأرض إلى يوم القيامة. فإلى ذكر بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يَضُرّهم من خَذَلَهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: [قام معاوية خطيبًا فقال: أين علماؤكم؟ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقوم الساعة إلا وطائفة من أمتي ظاهرون على الناس، لا يبالون من خذلهم وَلا من نصرهم" (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد بسند جيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [أمتي أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابُها في الدنيا الفتنُ والزلازل والقتل]. وفي لفظ: [أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا] (٣).

стр. 1128

وقوله: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فيه أقوال متكاملة، مفادها أن الأرض المقدسة هي بيت المقدس. ١ - قال مجاهد: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الطور وما حوله). ٢ - قال قتادة: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: هي الشأم). ٣ - قال ابن زيد: (﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: أريحا) - والمراد بيت المقدس. ٤ - وقيل: إن ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، دمشق وفلسطين وبعض الأرْدن. ذكره ابن جرير، ثم روى عن مجاهد: (﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قال: المباركة). قال ابن كثير: (قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبَنُوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف ﵇ ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوَذُوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى ﵇ بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبَشَّرهم بالنصرة والظَّفَر عليهم، فنكَلُوا وعَصَوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سَيْرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجَّهونَ فيه إلى مَقْصِدٍ مُدّةَ أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مُخبرًا عن موسى أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المُطَهَّرَة). وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال القرطبي: (أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم). والقصود أنَّ الله سبحانه قد وعدهم دخولها على لسان أبيهم إسرائيل أنه وراثةُ من آمن منكم. وقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ تحذير لهم من تضييع الجهاد وتركه والركون إلى الدنيا. ولذلك قال: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. فاعتذروا عن الدخول والقتال بقولهم إن فيها رجالًا عمالقة ذوي خِلَق هائلة وقوى شديدة: ﴿قَالوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. يريدون بذلك أن لا طاقة لهم على الصمود أمامهم ولا مصاولتهم، فإن خرجوا دخلوها آمنين مستقرين. فلما نكلَ بنو إسرائيل عن طاعة الله ورسوله

стр. 1129

موسى ﷺ : ﴿قَال رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي حثّهم على الجهاد رجلان صالحان منهم ممن يخاف بأس الله وعقابه، قد أنعم الله عليهما بالإيمان واليقين والصلاح، فأشارا إلى بني إسرائيل أن لا يهولَنَّكُم عظم أجسامهم فقلوبهم مُلئت رُعبًا وحرصًا على الدنيا، فالأجسام عظيمة والقلوب خاوية ضعيفة، وهذا شأن الكفار على مدار الزمان، فثقوا بالله وأقدموا، وقد وعد الله المؤمنين المتوكلين عليه النصر والظفر. فأجابوا مرّة أخرى بالجبن والخوف، وبالموقف المخزي في تاريخهم مع موسى ﵇ الذين قاسى منهم الكثير، ومن ضعف إيمانهم وتردد قلوبهم وظهور النفاق الذي تكشفه الشدائد: ﴿قَالوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ومن هنا تدرك أفضلية هذه الأمة - أمة محمد ﷺ يوم عُرضت عليها الشدائد كما عرضت على بني إسرائيل قبلها، فأجابوا بقوة الدين والصدق عند اللقاء، النابع من علو الثقة بالله ونصره: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). فإلى استعراض هذه الصفحات المشرقة والمواقف المشرفة من تاريخ هذه الأمة: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس: [أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان (١) قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغُمَاد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا] (٢). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس: [أن

стр. 1130

رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عُمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشرَ الأنصار، إياكم يريدُ رسول الله ﷺ . قالوا: إذن لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْتَ أكبادها إلى بَرْكِ الغُمَاد لاتبعناك] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والبخاري - واللفظ لأحمد - عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله - هو ابن مسعود ﵁: [لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبَه أحبُّ إليّ مما عُدِلَ به: أتى رسول الله وهو يدعو على المشركين، فقال: والله - يا رسول الله - لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يَسارك، ومن بين يديك ومن خلفِكَ. فرأيت وَجْهَ رسول الله ﷺ يُشْرِقُ لذلك، وسَرَّه بذلك] (٢). الحديث الرابع: يروي ابن إسحاق بسند صحيح إلى ابن عباس، وكذلك الطبراني بسند حسن، وبنحوه البيهقي وأحمد في خبر أحداث بدر، يقول ابن عباس ﵄: [وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم، فاستشار الناس (٣)، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقدادُ بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغُمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تَبْلغه، فقال له رسول الله ﷺ خَيْرًا، ودعا له به] (٤).

стр. 1131

وقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: اقض بيني وبينهم). وقال السدي: (غضب موسى ﷺ حين قال له القوم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، فدعا عليهم فقال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾). والمعنى: لقد غضب موسى ﵊ حين أظهروا الخوار والضعف وعدم الأهلية لحمل الأمانة وراية الجهاد، فقال داعيًا: رب إني لا أقدر على أحد أن أحمله على أمرك لقتال عدوك إلا نفسي وأخي، فافصل بيننا وبين هؤلاء القوم الخارجين عن طاعتك بما تحب وترضى لهم. فأجابه الله سبحانه: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: قضى الله عليهم أن حرَّم عليهم - حين أبوا حَرْب الجبارين - دخول مدينتهم أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وقيل هنا حصل لهم من الخوارق العجيبة: كتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وإخراج الماء الجاري من صخرة صماء تُحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شَعْبٍ عين، والله تعالى أعلم. وأصل التِّيه في لغة العرب الحَيرة، يقال: تاه يتيه إذا تَحَيَّرَ، والأرض التَّيْهاء هي الأرض التي لا يُهتدى فيها، فكانت عقوبة من الله لبني إسرائيل مقابل نكولهم عن الجهاد وركونهم إلى الدنيا والشهوات، أن حرّم عليهم دخول مدينتهم أربعين سنة يتيهون، ثم فتحها عليهم وأسكنهموها وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد انقضاء الأربعين سنة وخروجهم من التيه. وعن السدي: (لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى ﷺ ، فلما ندم أوحى الله إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، لا تحزن على القوم الذين سمّيتهم فاسقين، فلم يحزن). وهذه الآيات تحمل الدرس البليغ لهذه الأمة أَنَّ تركها الجهاد هو تشبه منها بأمة يهود التي حلّ بها غضب الله سبحانه وعقوبته، عندما جبنوا عن لقاء عدوهم، وخافوا على دنياهم، فالجهاد عِزُّ المسلمين وشوكتهم إلى يوم القيامة. أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [عليكم

стр. 1132

بالجهاد في سبيل الله ﵎، فإنه باب من أبواب الجَنَّة، يُذهِبُ الله به الهَمَّ والغَمِّ] (١). ٢٧ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَال لَأَقْتُلَنَّكَ قَال إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾. في هذه الآياتِ: بيان ما يؤول إليه البغي والحسد، ويوقع الإنسان في شباك الندم، وبيان مرتبة التقوى والصلاح وما تؤول إليه من القبول عند الله، وبيان أثر إحداث المعصية في الأرض وما يؤول إليه من تراكم الآثام على محدث الذَّنْب الأول. كل ذلك يرد في قصة ابن آدم القاتل الأول مع أخيه التقي المقتول. فقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. أي: اتل يا محمد على هؤلاء المكرة اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم، وعلى أشباههم من الظلمة، وعلى أصحابك كذلك خبرَ ابني آدم - قابيل وهابيل -، وعرِّفهم بذلك ما يعقب الظلم من وخيم العاقبة وسوء المنقلب. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي على اليقين الذي لا يشوبه لبس أو كذب. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. قال ابن كثير: (وكان من خبرهما، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى كان قد شرع لآدم ﵇ أن يَزَوِّجَ بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن

стр. 1133

قالوا: كان يُولَد له في كل بطن ذكرٌ وأنثى، فكان يزوِّجُ أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيلَ دَمِيمةً، وأخت قابيلَ وضيئةً، فأراد أن يستأثِر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرِّبا قربانًا، فمن تُقُبِّلَ منه فهي له، فقرَّبا فَتُقُبِّلَ من هابيل ولم يُتَقَبَّل من قابيل، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه). وقوله: ﴿قَال لَأَقْتُلَنَّكَ قَال إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾. قال قتادة: (ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمدَ إلى خير ماشيته فتقرَّب بها، فنزلت عليه نار فأكلته - وكان القربان إذا تُقبِّلَ منهم، نزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطّير والسباع - وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردأ زرعه فتقرب به، فلم تنزل عليه النار.، فحسد أخاه عند ذلك فقال: للأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين) ذكره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن عباس: (ما أنا بمنتصر، ولأمسكنَّ يدي عنك). وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: ايم الله، إن كان المقتول لأَشَدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسط إلى أخيه) (١). والتحرج: الورع. وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. أي: أخاف في بسط يدي إليك لقتلك مالكَ الخلائق كلها عقوبته. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (إثم قتلي، إلى إثمك الذي في عنقك). وقال قتادة: (يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك). وقال مجاهد: (إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعًا). وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال مجاهد: (﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾: شجعته على قتل أخيه).

стр. 1134

وقال قتادة: (زينت له نفسه قتل أخيه فقَتله). وأصل "طوّعت" من الطوع: وهو الانقياد. أي آتته نفسه وساعدته عليه. قيل: قتله بحديدة في يده، وقيل بل وجده نائمًا فشدخ رأسه بصخرة، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. أي في الدنيا والآخرة، فقد وقع في شباك ذنبه فلا رجوع ولا استئناف، إذ ترك نفسه للشيطان فتسلَّط عليها حتى أوقعه. وفي القصة فوائد كثيرة أخبرنا بها نبيِّنا ﷺ : الفائدة الأولى: تحريم التقاء المسلمين بالسلاح. فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: [إذا تواجَهَ المسلمان بسيفيهما، فانقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه] (١). الفائدة الثانية: اعتزال الفتن وعدم المشاركة فيها. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن بينَ يدي الساعةِ فِتَنًا كَقِطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، القاعدُ فيها خير من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسروا قسيكم، وقَطعوا أوتاركُمْ، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخِل - يعني: على أحد منكم - فليكن كخير ابْنَي آدم] (٢). وفي مسند الإمام أحمد عن بُسر بن سعيد، أن سَعْدَ بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي. قال: أفرأيت إن دَخَلَ عليَّ بيتي

стр. 1135

فبسط يده إلي ليقتلني؟ ! قال: كن كابن آدم] (١). ورواه أبو داود من طريقه عن يزيد بن خالد الرملي عن المفَضَّل عن عيّاش بن عباس عن بُكير عن بُسر. وقال فيه: [وتلا يزيد: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾]. الفائدة الثالثة: لزوم الصبر عند اختلاط الأمور، وبيت الرجل خير له من مشاهدة الفتن، والتماس التقوى والعمل الصالح للنجاة. أخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : أيا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: كيف أنت إذا أصاب الناسَ موتٌ يكون البيت فيه بالوصيف - وفي لفظ: بالعَبْدِ: يعني القبر -؟ قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بالصَّبْر. أو قال: تَصْبر. ثم قال لي: يا أبا ذر! قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحْجار الزيت (٢)، قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: عليك بمن أنت منه. قلت: يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القومَ إذنْ. قلت: فما تأمرني؟ قال: تَلْزمُ بيتك. قلت: فإن دُخِلَ على بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يَبْهَرَكَ شعاعُ السيف، فألقِ ثوبك على وجهك، يبوءُ بإثمك وإثمه] (٣). وأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [إن بين أيديكم فِتنًا كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم] (٤). وفيه من حديث المقداد بن الأسود قال: ايم الله! لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 1136

[إن السعيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَن، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبَرَ فواهًا] (١). الفائدة الرابعة: تعلّق الآثام بمحدثها ومن سنّ أمرها. فهذا ابن آدم الأول القاتل يتحمل تبعة كل قتل ظلم في الأرض إلى يوم القيامة. فقد أخرج البخاري ومسلم عن مسروق، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دَمِها؛ لأنه أَوَّل من سَنَّ القتل] (٢). وفي لفظ: [ليس من نفس تُقْتَلُ ظُلْمًا إلا كان على ابن آدَمَ الأول كِفْلٌ منها - وفي رواية: من دمها - لأنه سنَّ القتل أولًا]. وفي صحيح مسلم من حديث المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجْرُها، وأجْرُ من عَمِلَ بها بعدَه، من غيرِ أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ، ومنْ سَنَّ في الإسلام سنَّةً سيئة، كان عليه وزْرُها وَوزْرُ من عمِلَ بها من بعدِه، مِنْ غَير أن يَنْقُصَ من أوزارهم شيءٌ] (٣). وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. قال السدي: (لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يُدفن، فبعث الله غرابين أخَوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه). وقال ابن عباس: (جاء غراب إلى غراب مَيت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾).

стр. 1137

وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. قال القرطبي: (حيث رأى إكرام الله هابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفيًا شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه). قال ابن عباس: (ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه). قلت: ويؤيد هذا ما أخرج الطبراني عن أبي سعيد الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: [الندم توبة، والتائب من الذَّنْبَ كمن لا ذنب له] (١). فلو استوفى العبد لشروط التوبة - وأهمها الندم على ما وقع منه يعقبه الاستغفار والعزم على ألا يعود، تاب الله عليه وقبل منه. ٣٢ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾. في هذه الآياتِ: تشريع القصاص على بني إسىرائيل من أثر جناية ابن آدم القاتل ظلمًا، وَبِأَنَّ سَفْكَ دَمٍ ظلمًا هو بمثابة سفك للدماء وانتشار للفساد والهرج في الأرض إن لم يُردع بحد القصاص، فحياة النفس هي حياة للنفوس جميعًا، ثم في الآياتِ تشريع حد المحاربة والإفساد في الأرض: القتل والصلب وقطع اليد والرِّجل من خلاف

стр. 1138

أو النفي من الأرض حسب المصلحة التي يراها الحاكم المسلم خزيًا ورعًا للمفسدين، ثم من لم يتب فينتظره في الآخر عذاب عظيم. فقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾. أي: من جريرة وجناية القاتل الأول من ولد آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا. وقوله: (﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ - أي شرعنا القصاص لهم. قال الضحاك: (﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يقول: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلمًا). وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: من قتل نبيًّا أو إمامًا عادلًا فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. قال ابن عباس: (من شدّ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا). وقال: (يقول: من قتل نفسًا واحدة حَرّمْتُها، فهو مثل من قتل الناس جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ يقول: من ترك قتل نفس واحدة حرمتها مخافتي، واستحياها أن يقتلها، فهو مثل استحياء الناس جميعًا، يعني بذلك الأنبياء). التأويل الثاني: من قتل نفسًا ظلمًا فكأنه ققل الناس جميعًا عند المقتول في الإثم، والعكس بالعكس. يروي ابن جرير بسنده عن مرّة الهمداني، عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : (قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، عند المقتول، يقول في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، فاستنقذها من هلكة، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، عند المستنقَذ). التأويل الثالث: قاتل النفس ظلمًا يصلى النار كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا. قال مجاهد: (لو قتل الناس جميعًا، كان جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه

стр. 1139

ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا). وقال: (يصير إلى جهنم بقتل المؤمن، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنم). وقال: (من لم يقتل أحدًا فقد استراح الناس منه). التأويل الرابع: القصاص الواجب على القاتل للنفس ظلمًا مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا. قال ابن زيد: (يجب عليه من القتل مثلُ لو أنه قتل الناس جميعًا). وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. أي: من عفا عمن وجب له القِصاص منه فلم يقتله. قال الحسن: (مَنْ قُتِلَ حَميمٌ له فعفا عن دمه). التأويل الخامس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ - أي من أنجاها من غرق أو حرق. قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من أنجاها من غَرَق أو حَرَقٍ أو هَلَكة). أو قال: (من غَرَقٍ أو حَرَقٍ أو هَدَمٍ). وقال الضحاك: (لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحلّ محرمًا). قلت: وكلها تدل على آفاق المعنى، وتزيد في بيان أبعاده ومعانيه. وإن كان الأظهر منها - كما قال سعيد بن جبير: (من استحل دم مسلم فكأنما استحلّ دماء الناس جميعًا، ومن حَرَّم دمَ مسلم فكأنما حَرّم دماء الناس جميعًا). ويدل عليه قول النبي ﷺ : [المسلمون تتكافأ دماؤهم]. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [المُسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمَّتِهم أدناهم، ويجير عَليهم أقصاهم، وهم يَدٌ على من سواهم، يَرُد مُشِدُّهُمْ على مُضْعِفِهم، ومُتَسرعهم على قاعِدهم، لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عَهْد في عهده] (١). وذكر ابن جرير بإسناده عن سليمان بن علي الربعي قال: (قلت للحسن: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية، أهي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل! وما جعل دماءَ بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا).

стр. 1140

وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي من حديث عثمان، عن النبي ﵊، قال: [لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: رجل زنى بعدَ إحصان، أو ارتد بعد إسسلام، أو قتل نفسًا بغير حق، فيقتل به] (١). وأصله في الصحيحين والمسند والسنن من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيِّبُ الزاني، والمفارق لدينه التاركُ للجماعة] (٢). وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. أي بالآيات الواضحات، والأدلة والحجج والبراهين القاطعات. وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعني اليهود من بني إسرائيل كما ذكر ابن جرير. قال ابن كثير: (وهذا تقريع لهم وتوبيخٌ على ارتكابهم المحارِمَ بعد عِلْمِهم بها، كما كانت بنو قُرَيظَةَ والنَّضير وغيرهم من بني قَينُقاع ممن حَوْل المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فَدَوا من أسروه، وَوَدَوا من قتلوه). وقد عاب الله عليهم خيانة العهد والميثاق بذلك بقوله في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا

стр. 1141

أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فيه سببان للنزول: السبب الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس بن مالك - في حديث العرنيين - قال فيه: [فبعث رسول الله ﷺ ، في طلبهم قافَة (١)، فأتى بهم، قال: فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية] (٢). وأصله في الصحيحين من حديث أنس بن مالك: [أن نفرًا من عُكْلٍ ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسَقِمت أجسامُهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى، فخرجوا، فشربو من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا، فقتلوا الراعِيَ وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم، فأُدْرِكوا، فجيء بهم، فَأَمر بهم فقطْعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِرت أعينهم، ثم نُبِذُوا في الشمس حتى ماتوا] (٣). وفي لفظ لهما: [من عُكل أو عُرينة]. وفي لفظ عند البخاري وأبي داود: قال أبو قلابة: (فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إِيمانهم، وحاربوا الله ورسوله). وقال أنس: (فلقد رأيت أحدهم يَكْدِمُ الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا). وفي لفظ لمسلم والنسائي عن أنس قال: (إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك، لأنهم سَملوأ أعين الرعاة) (٤). وفي لفظ لأبي داود عن ابن عمر قال: (ونزلت فيهم آية المحاربة). وقوله: (سمل أعينهم): أي فاقأ أعينهم بمسمار أو حديدة محماة. وثبت في صحيح البخاري: أنَّ النبي ﷺ [أمر بمسامير فأحميت فكَحلهم].

стр. 1142

السبب الثاني: أخرج أبو داود والنسائي واللفط للنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية قال: [نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يُقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست هذه الآية للرجل المسلم، فمن قتل وأفسد في الأرض، وحارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يُقام فيه الحَدُّ الذي أصاب] (١). والمحاربة: هي المضادّة والمخالفة. قال ابن كثير: (وهي صادِقَةٌ على الكفر، وعلى قَطْعِ الطويق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يُطلق على أنواع من الشر). وقد جاء في تفسيرها أقوال متقاربة ومتكاملة: ١ - قال قتادة وعطاء: (هذا اللص الذي يقطع الطريق، فهو محارب) - وهو قول الأوزاعي. ٢ - قال الوليد بن مسلم: وأخبرني مالك: (أن قتل الغيلة عنده بمنزلة المحاربة). قلت: وما قتل الغيلَة؟ قال: (هو الرجل يخدَع الرجلَ والصبيَّ فيدخِله بيتًا أو يخلو به، فيقتله، ويأخذ ماله. فالإمام وليّ قتل هذا، وليس لولي الدم والجرح قَوَد ولا قصاص). وهو قول الشافعي. ٣ - قال مجاهد: (الزنا، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاك الحرث والنسل). ٤ - قال أبو حنيفة: (لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لِبُعده ممن يُغِيثُه ويُعينه). قلت: والراجح أن الحرابة هي خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام، لإحداث الفوضى، وسفك الدماء وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدِّية بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون (٢). وقوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يبدو أن الأمر للتخيير، وهو يرجع إلى قرار الحاكم المسلم، وبه قال الإمام مالك.

стр. 1143

قال ابن عباس: (من شهر السلاح في قبّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِرَ به وقُدِر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله). وقال الحسن: (ذلك إلى الإمام). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا التخيير. فقد أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا يحِلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها] (١). وقد وَرَدَتْ "أو" في موضع التخيير كثيرًا من القرآن، من ذلك: ١ - في جزاء الصيد. قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ....... ﴾ [المائدة: ٩٥]. ٢ - في كفارة الفدية. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٣ - في كفارة اليمين. قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ﴾ [المائدة: ٨٩]. واختلف الفقهاء هل يُصَلَّبُ حيًّا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب أو يُقتل ثم يُصَلّب تنكيلًا وتشديدًا وعبرة لغيره من المفسدين. والذي يبدو لي أنه راجع إلى قرار الحاكم من خلال رؤيته لطبيعة إفساده أو مماثلته بصنيع مثل صنيعه - والله تعالى أعلم. وأما النفي من الأرض فيه أقوال: ١ - قال ابن عباس: (نفيُه أن يطلب). وقال الزهري: (نفيه أن يُطلب فلا يقدر عليه، كلما سُمِعَ به في أرض طُلِبَ). ٢ - قال سعيد بن جبير: (من أخاف سبيل المسلمين، نُفي من بلده إلى غيره، لقول

стр. 1144

الله جل وعز: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾). وقال الضحاك: (إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام). ٣ - وقيل: (النفي من الأرض هنا الحبس) - وهو قول أبي حنيفة. قال ابن جرير: (هو نفيه من بلد إلى بلد غيره، وحبْسُه في السجن في البلد الذي نفي إليه، حتى تظهر توبته من فسوقه، ونزوعه عن معصية ربِّه). قلت: وكل ما سبق محتمل، والقرار في اختيار الشكل يعود للحاكم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾. أي هو لهؤلاء المحاربين شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، فإن لم يتوبوا كان ينتظرهم عذاب أشد خزيًا في نار جهنم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هذه الآية تؤيد أن المحاربة هي من خروج طائفة مسلمة في دار الإسلام لإحداث الفوضى من سفكٍ للدماء أو سلبٍ للأموال، أو هَتْكٍ للأعراض، أو غير ذلك على ما سبق بيانه. قال القرطبي: (ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحوالهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة - دون المحاربة - ولا يُنفى ولا تُقطع يده ولا رجله ولا يخلّى سبيله بل يقتل إن لم يُسلم، ولا يصلب أيضًا). وقال القاسمي: (دلَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ على أن توبة المحاربين قبل الظفر بهم تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية. سواء كانوا مشركين أو مسلمين). وقال ابن كثير: (أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر). أي: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم، سقط عنهم جميع الحدود المذكورة. فلا يطالبون بشيء مما أصابوا من مالٍ أو دم. قال: (وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم انحتام القَتْل والصَّلْب وقطع الرجل، وهل يسقط قطعُ اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة). قال القرطبي: (استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه

стр. 1145

عنهم بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط). وفي مذهب الشافعي أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. قلت: وهذا هو الراجح، فالحدود كفارات لأهلها وتبقى حقوق الآدميين. أخرج الإمام البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: [تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعناه على ذلك] (١). ٣٥ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾. في هذه الآياتِ: أَمْرٌ من الله سبحانه المؤمنين بلزوم طاعته والخوف منه والتقرب إليه بالتقوى والعمل الصالح والجهاد، وإخبار منه جل ذكره عن خزي موقف الكفار يوم القيامة وهم يتمنون كل ما في الدنيا وأمثاله لو كان لديهم ليفتدوا به من عذاب جهنم وما الله بقابل ذلك، وقد قضى عليهم لزوم عذاب السعير وبئس المصير. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. يعني القربة.

стр. 1146

وفي لغة العرب: توسلت إلى فلان بكذا، أي تقربت منه. وأقوال المفسرين على ذلك: ١ - قال عطاء: (﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة). وقال أبو وائل: (القربة في الأعمال). ٢ - وقال قتادة: (أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه). ٣ - وعن السدي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: فهي المسألة والقربة). ٤ - وقال ابن زيد: (المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾). والوسيلة أيضًا هي منزلة خاصة برسول الله ﷺ يوم القيامة، جاءت الأحاديث الصحيحة تحث المؤمنين أن يسألوها لنبيّهم، لتنالهم شفاعته بإذن ربهم. الحديث الأول: أخرج البخاري وأحمد وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [من قال حين يَسْمَعُ النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاةِ القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إلا حَلَّت له الشفاعة يوم القيامة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم وأحمد وأكثر أهل السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يَقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنه مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجَنَّة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلَّت عليه الشفاعة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد، عن

стр. 1147

النبي ﷺ قال: [الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقَها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة] (١). وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾. أي: جاهدوا أيها المؤمنون أعداء الله الذين يحادون الله ورسوله، والذين يعادون دينه وشرعه ويحولون دون ظهوره على الدين كله، لعلكم تبلغون فلاح الدنيا وفلاح الآخرة. أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم وألسنتكم] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تُشرك بي]. وفي لفظ آخر: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب (وفي رواية: ظهر) آدم، أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (٣). وفي التنزيل: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. [الحج: ٢٢].

стр. 1148

وكذلك قوله جلت عظمته: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]. فلا مندوحة للكافر عن العذاب يوم القيامة ولا محيص له ولا مناص، فقد قضى الله تعالى ليملأن جهنم من المشركين والمجرمين، وأنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به، وأَنَّ ذَهَبَ الأرض وكنوزها لا تنفع أحدًا منهم يوم الحساب. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾. أي عذاب دائم مستمر ثابت لا يزول عنهم ولا يتحول، هو للذين كفروا بربهم يوم القيامة. يروي ابن جرير بسنده عن عكرمة: أنَّ نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵀: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُمُ أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ فقال ابن عباس: (ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفار). وفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَته] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع] (٢). ٣٨ - ٤٠ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾. في هذه الآياتِ: تشريع قطع يد السارق، وأنَّ الله يقبل توبته بعد سرقته إذا أناب

стр. 1149

إلى الله وأصلح، وأن الله له ملك كل شيء وهو الحكم وإليه المرجع في كل تشريع وفي كل أمر، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وهو على كل شيء قدير. السرقة: هي أخذ مال الغير على وجه الخفية والاستتار، وهي من الكبائر، وحدّها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وأما السنة ففيها أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [لَعَنَ الله السارقَ، يَسرِقُ البيضة فَتُقطعُ يده، ويسرِقُ الحَبْلَ فتقطع يده] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: [لا تُقطعُ يد السارق إلا في رُبع دينار فصاعدًا] (٣). فقه الأحاديث والمسألة: ١ - قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان، مسلمان حرّان) (٤). فإذا سرق البالغ العاقل مختارًا فقد وجب عليه الحدُّ بإقراره أو بشهادة عدلين. ٢ - ويشترط أن يبلغ المسروق نصابًا، وأن يكون محروزًا.

стр. 1150

قال ابن المنذر: (وأجمعوا أن القطع إنما يجب على من سرق ما يجب فيه قطعٌ من الحرز) (١)، والحرز هو ما يُصَانُ في مثله المال ويحفظُ، كالدار المغلقة، والخزانة، والمحل المغلق، ونحو ذلك. قال صاحب "الروضة الندية" (٢/ ٢٧٧): (والحرز ما يعدُه الناس حرزًا لمثل ذلك المال، فالمتبن حرزٌ للتبن، والاصطبل للدواب، والمراح للغنم، والجرين للثمار). والجرين: مثل البيدر للقمح، يجفف فيه التمر. أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ : أنَّه سُئِل عن الثَمر المعلق فقال: [من أصابَ بفِيهِ مِن ذي حاجَة، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَة، فلا شيء عليه، ومَنْ خَرَجَ بشيء منه فَعَلَيْه غَرامَةُ مِثْلَيْهِ (٢) والعقوبة، ومَنْ سَرَقَ منه شيئًا بعد أن يؤوِيَه الجَرينُ فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطع] (٣). والمجن: الترس. ٣ - وللمسروق منه أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطان. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن صفوان بن أمية قال: [كنت نائمًا في المسجد عَليَّ خميصة لي ثمنُ ثلاثين درهمًا، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخذ الرجلُ فأَتي به رسول الله فأُمِر به ليُقطَعَ. قال: فأتيتهُ، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: فهلّا كان هذا قبل أن تأتيني به] (٤). وفي سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [تعافَوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني من حَدٍّ فقد وجب] (٥). ٤ - حكم تكرر السرقة من السارق. قال صاحب "الروضة الندية" (٢/ ٢٧٩): (اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق

стр. 1151

أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثًا بعد قطع يده ورجله، فذهب أكثرهم إلى أن تقطع يده اليسرى- قلت: قد صحّ هذا عن أبي بكر وعمر عند البيهقي (٨/ ٢٨٤) - ثم إذا سرق أيضًا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق أيضًا يعزّر ويحبس). وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾. قال قتادة: (لا تَرْثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قطُ إلا وهو فساد). وقوله: ﴿نَكَالًا﴾. أي: تنكيلًا من الله بهما مقابل ما اقترفاه. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: في انتقامه من السارق والسارقة وأهل المعاصي والآثام. ﴿حَكِيمٌ﴾ في تشريعه وحكمه وقضائه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾. أي: من أناب إلى الله وتاب من هذا الصنيع وأصلح نفسه وزكاها بطاعة الله فإن الله يتوب عليه، ولكن لا بد من ردّ الحقوق إلى أهلها. أخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر: [كانت امرأة مخزومية تَستعِيرُ متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحَدُه، فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها] (١). وفي لفظ آخر: [أن امرأة كانت تستعيرُ الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ : لتتب هذِه المرأة إلى الله ورسوله وتَرُدَّ ما تأخذُ على القوم، ثم قال رسول الله ﷺ : قمْ يا بلال فخذ بيدها فاقطعها] (٢). ويبدو أن المرأة قد تابت وحسنت توبتها، بعد أن قطعت يدها. ففي الصحيحين عن عائشة: [أن قُريشًا أهمهم شأنُ المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومَنْ يَجْتَرِئ عليه إلا أسامةُ بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ ؟ فَأُتيَ بها رسول الله ﷺ فكلّمَهُ فيها أسامة بن زيد، فتَلَوَّنَ وجْه رسول الله ﷺ فقال: أتشفعُ في حَدٍّ من حدود الله ؟ فقال له أسامة:

стр. 1152

استغفِر لي يا رسول الله. فلما كان العَشِيّ قام رسول الله ﷺ فاختَطَبَ، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمةَ بنت محمد سَرَقَتْ لقطعتُ يدها. ثم أمر بتلك المرأة التي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يدُها. قالت عائشة: فَحَسُنَتْ توبتُها بعدُ، وتزوَّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتَها إلى رسول الله ﷺ ] (١). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: الله سبحانه هو المالك لجميع ما في هذا الكون، وهو الحكم يحكم بين عباده، وشرعه أعلى من كل تشريع، والرحمة والمغفرة أو العذاب بأمره وحكمته، فيغفر لمن يشاء أو يعذب من يشاء، وهو القادر على ذلك لا شريك له. ٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا

стр. 1153

النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ في هذه الآيات: التقريع على اليهود الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المتحاكمين لأهوائهم وما تعارفوا عليه في أقوامهم، المعرضين بذلك عن حدود الله وتعظيمها. بيان أسباب النزول: السبب الأول للنزول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: [مُرَّ على النبي ﷺ بيهودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلودًا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أَنْشُدُكَ بالله الذي أَنْزَلَ التوراة على موسى! أهكذا تجدون حَدَّ الزاني في كِتابِكُم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتني بهذا لم أخبركَ، نَجِدْهُ الرَّجْمَ، ولكنه كثُرَ في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف، أقَمْنا عليه الحَدّ، قلنا: تَعَالوا فلنَجْتَمِعْ على شيءٍ نُقيمُهُ على الشريف والوَضِيع، فجعلنا التحميم والجَلْدَ مكانَ الرَّجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أَوَّلُ من أَحْيا أَمْرَك إذ أماتوه. فأمَرَ به فَرُجم، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾. يقول: ائتوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فإن أَمَرَكُم بالتحميم والجَلْدِ فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْمِ فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الكفار كُلُّهَا] (١). السبب الثاني للنزول: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: [كان قريظة، والنضير، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة، فكان إذا قَتَل رجل من قريظة رجلًا من

стр. 1154

النضير قُتِلَ به، وإذا قتَلَ رجلٌ من النضير رجلًا من قريظة، فودِيَ بمئة وَسْقٍ من تمر. فلما بعث النبي ﷺ ، قتلَ رجلٌ من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ ، فائتوه، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾] (١). قلت: ولا مانع من اجتماع السببين معًا في نزول الآيات- والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. فيه أقوال يفسر بعضمها بعضًا: القول الأول: يروي ابن جرير بسنده عن علقمة ومسروق: (أنهما سألا ابنَ مسعود عن الرَّشوة، فقال: مِنَ السُّحت. قال: فقالا: وفي الحُكم؟ قال: ذاك الكفر! ثم تلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾). القول الثّاني: قار السُّدي: (يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركَه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين). القول الثالث: قال ابن عباس: (من جَحَد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق). قلت: والفصل في هذه المسألة أن من ترك التحاكم لشرع الله جحودًا وعنادًا فهو الكفر المخرج من الملة، ومن تركه لشهوة أو ظلم مع إقراره به فهو كفر دون كفر، قال طاووس: (ليس بكفر ينقل عن المِلّة). وقال ابن عباس: (ليس بالكفر الذي يذهبون إليه). وقال في تفسير الآية: (هي به كفر). وقال عطاء: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق) رواه ابن جرير وقال ابن طاووس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) ذكره ابن كثير. وقد فضلت في هذه المسألة في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في بحث توحيد التشريع، فلله الحمد والمنة. فائدة (١): الحكم بغير ما أنزل الله سبب إلى الفقر. فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [خمسٌ بخمس:

стр. 1155

ما نقض قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوُّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهمُ الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفُوا المِكيال إلا مُنِعوا النبات، وأُخِذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القَطر] (١). فائدة (٢): ترك الحكام التحاكم لشرع الله هو عقوبة الله للأمة عند استهتارها. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. وفي المسند ومعجم الطبراني بسند صحيح عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ قال: [بادروا بالأعمال سِتًّا: إمارةَ السفهاء، وكثرةَ الشُّرَط، وبيعَ الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا يتخذون القرآن مزاميرَ، يقدمون أحدَهم ليغنيهم، وإن كان أقَلَّهم فِقْهًا] (٢). ٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: تأكيد على العدل في القصاص الذي أنكره اليهود وخالفوا كتابهم التوراة وفي نصه: أن النفس بالنفس، أي: تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة، وكذلك: العين بالعين -تفقأ عين المعتدي بالعين المفقوءة- والأنف بالأنف -يجدع الأنف بالأنف- وتقطع الأذن بالأذن، وتقلع السن بالسن، ويقتص من الجارح غَيْرَهُ ظلمًا للمجروح، فمن تصدق به فهو كفارة -للمجروح- وقيل للجارح، ومن ترك

стр. 1156

التحاكم لما أنزل الله كان من الظالمين. وفي الآيات: أن عيسى بن مريم جاء بالإنجيل من عند الله يُصَدّق التوراة في المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في العبادة والتحاكم، فمن ترك التحاكم له من النصارى كان من الفاسقين. وتفصيل ذلك: قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. ١ - يراعى في القصاص اختلاف الدين فلا يقتل مسلم بكافر. أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يقتل مسلم بكافر] (١). ٢ - لا فرق بين الرجل والمرأة في القصاص. فقد أخرج النسائي والحاكم: أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: [أن الرجل يُقْتَلُ بالمرأة] (٢). وقد مضى قوله ﵇: [المسلمون تتكافأ دماؤهم]- أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣). ٣ - القصاص من حق الحاكم. قال القرطبي: (لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وغير ذلك). وعلة ذلك ما ذكره الصاوي -حاشيته على الجلالين- قال: (فحيث ثبت أن القتل عمدًا عدوانٌ، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم، لأن فيه فسادًا وتخريبًا. فإذا قتله قبل إذن الحاكم عُزِّر) (٤).

стр. 1157

وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. هذا الحكم وإن كان قد كتب على من قبلنا من أمم أهل الكتاب إلا أنه في التحقيق شرع لنا، وذلك لتقرير النبي ﷺ له في أمته. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: [أن الرُّبَيِّع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الأَرْش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله تكسر ثنية الربيع! والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم وعفوا. فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرّه] (١). وشروط القصاص فيما دون النفس: ١ - تكليف الجاني. ٢ - تعمد الجناية. فالخطأ لا يوجب القصاص في النفس فما دونها أولى. ٣ - تكافؤ دم المجني عليه والجاني. فلا يقتص من مسلم جرح ذميًّا، ولا من حرّ جرح عبدًا، ولا من والد جرح ولدًا. شروط القصاص في الأطراف: ١ - إمكان الاستيفاء بلا حيف. بأن يكون القطع من مفصل كالمرفق والكوع. ٢ - المماثلة في الاسم والموضع. فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر. ٣ - استواء طرف الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال. فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل، ولا يد صحيحة بيد ناقصة الأصابع، ويجوز العكس. وأما دية الأعضاء. إذا أتلف إنسان من آخر عضوًا وجبت الدية كاملة، ولو أتلف أحد زوجي العضو وجب نصف الدية. فتجب الدية كاملة في الأنف، والعينين، وفي العين الواحدة

стр. 1158

نصفها، وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان كامل الدية، وفي كل سن خمس من الإبل. ففي سنن النسائي والبيهقي بسند صحيح لغيره عن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [في الأنف الدية إذا استُوعب جدعُه مئة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي العين خمسون، وفي الآمة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السنّ خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر] (١). الآمّة أو المأمومة: هي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة. وفيها ثلث الدية. الجائفة: هي كل ما يصل إلى الجوف: كبطن، وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة. وفيها ثلث الدية أيضًا. المُنَقِّلَة: هي التي ينقل منها العظم من موضع إلى موضع. وفيها خمس عشرة من الإبل. المُوضِحة: هي الإصابة التي تبلغ إلى العظم، وفيها خمس من الإبل. دية المرأة: دية المرأة إذا قُتِلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته. فعن شريح قال: [أتاني عروة البارقي من عند عمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل] (٢). دية أهل الكتاب: إن دية أهل الكتاب إذا قتلوا خطأ نصف دية المسلم، فدية الذكر منهم نصف دية المسلم، ودية المرأة من نسائهم نصف دية المرأة المسلمة.

стр. 1159

ففي سنن الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى] (١). وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. أي: مقاصّة. قال القرطبي: (ولا قصاص في كل مَخُوف ولا فيما لا يُوصَلُ إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص). وأخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين: [أنّ رجلًا عضَّ يد رجل فنزع يده فوقعت ثنيتاه فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أخاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ، لا دِيةَ لك". فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾] (٢). وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. أي: تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي: للمتصدق. وقيل: بل كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، والقول الأول أظهر وعليه أكثر الصحابة، وهو أحد قولي ابن عباس، والسنة الصحيحة تؤيده: فقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلاّ رفعه الله به درجة وحَطّ عنه به خطيئة] (٣). وله شاهد عند النسائي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من رجل يُجْرَح مِن جسده جراحة، فيتصدَّق بها، إلا كفّر الله عنه مثل ما تَصَدَّق به] (٤). وشاهد آخر عند أحمد من حديث أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: [من أصيب بشيء من جسده، فتركه لله، كان كفارة له] (٥).

стр. 1160

قال ابن العربي: (والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى له) (١). وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال طاووس: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق). والمقصود أن جحود التحاكم إلى الله وإنكاره بالكلية هو الكفر الثاني المخرج من الملة وهو الظلم والفسق الثاني الذي دونه الظلم الأول والفسق الأول. وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾. أي: أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين من قبله، وبعثناه بالإنجيل مصدقًا لكتاب موسى من قبل، وفيه هدى للحق، وهو نور لكشف الشبهات والمعضلات وحل المشكلات. وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾. قال ابن جرير: (يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه). وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ - أَمْرٌ لأهل الإنجيل أن يعظموا الوحي النازل إليهم من ربهم. وقوله ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فيه قراءتان: القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب- قراءة جماعة من قراء الكوفة. والمعنى: وآتيناه الإنجيل كي يحكنمَ أَهلُهُ بِمَا فيه من حكم الله. أو: وآتيناه الإنجيل ليحكمَ أهل مِلّتِه به في زمانهم. القراءة الثانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتَسْكين اللام- قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين. أي: على وجه الأمر. والتقدير: وآتيناه الإنجيل وأمرنا أهله أن يحكموا بما فيه. وكلاهما قراءتان مشهورتان، ومن ثمّ فإن الآية تحتمل آفاق المعنيين، وهذا من إعجاز هذا الكتاب الكريم.
следующие страницы →