دونَ نوعٍ بِخبرٍ ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يَشُبْهُ حرام).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
قال ابن عباس: (أي يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوا هم به من ربهم).
وقال صاحب الظلال: (وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة وارثة العقائد السماوية ووارثة النبوات منذ فجر البشرية).
والآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا.
وقد قيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة. والإيقان هو إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي لغة العرب: أيقنت واستيقنت وتيقّنْت كله بمعنى واحد وهو اليقين أي العلم وزوال الشك. وربما استعمل العرب اليقين بالتعبير عن الظن أو عبروا عن اليقين بالظن. فوصف الله أولئك المتقين بالإيمان بالوحي واليقين بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان والحشر وكل ما أخبر الله ورسوله عن أمر الآخرة فهم مصدقون به معتقدون بحصوله يدينون الله بالإيمان به، وهم من ذكر هذه الأهوال مشفقون خائفون وجلون.
والوحي الذي أنزل الله على رسوله ﷺ هو القرآن والشرع العظيم المجموع في هديه وسنته، وأما الوحي الذي أخبرنا الله أنه أنزل من قبله فهو الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم.
فالتوراة: كتاب من كتب الله سبحانه، أنزله على كليمه موسى ﵊، لبيان الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة المَرْضية، والتبشير بظهور نبي من بني إسماعيل تختم به النبوة للبشرية، ويهديهم إلى لشرع الكمال والجمال.
قال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤].
стр. 107
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولكن التوراة الموجودة اليوم بين أيدي اليهود محرفة أصابها ما أصابها. قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
ومما يدل على تحريفها أنه ليس فيها ذكر الجنة والنار وحال البعث والحشر والجزاء مع أن ذلك من أهم ما يذكر في الكتب الإلهية. ومما يدل على تحريفها أيضًا ذكر وفاةِ موسى ﵇ فيها في الباب الأخير منها والحال أنه هو الذي أنزلت عليه.
أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١).
وأما الزبور فهو كتاب الله تعالى أنزله على نبيِّه داود ﵊، كما قال سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
والزبور كتاب كريم فيه أدعية وأذكار ومواعظ وحكم، ولكن ليس فيه أحكام شرعية، لأن داود ﵇ كان مأمورًا باتباع الشريعة الموسوية.
وأما الإنجيل ففيه دعوة الخلق إلى توحيد الخالق ، ونسخ بعض أحكام التوراة الفرعية على حسب الاقتضاء، والتبشير بظهور خاتم الأنبياء محمد ﵊، كما قال سبحانه في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وأخرج ابن عساكر بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ
стр. 108
قال: [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخر من بشّر بي عيسى بن مريم] (١).
ولكن الإنجيل بصفته التي أنزله الله على عيسى ﵇ قد أصابه ما أصابه من التحريف والتبديل، وظهرت بعد رفْعِ المسيح ﵊ إلى السماء أناجيل كثيرة، حتى تم إلغاؤها بعد أكثر من مئتي سنة من رفعه، تخلصًا من التناقضات التي لحقت بها، وذلك في مجمع نيقيا سنة ٣٢٥ للميلاد، حيث اجتمع كثير من البطارقة والأساقفة وتوصلوا بعد حوار ونقاش إلى الإذعان للملك قسطنطين ومَنْ قال بألوهية المسيح، ونسخ جميع تلك الأناجيل إلا أربعة، وهي أناجيل (متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا) وهؤلاء قد ألفوها وبعضهم لم ير المسيح ﵇ أصلًا.
ويقال إن متى هو أحد حواريّي المسيح عيسى ﵇ الاثني عشر، جال في البلاد مبشرًا حتى وصل الحبشة، فأقام فيها نحوًا من ثلاث وعشرين سنة إلى أن قتل سنة ٧٠ للميلاد.
وأما مرقص فيقال إن اسمه يوحنا ولقبه مرقص، وليس من الحواريين، ولكنه لازم خاله برنابا، وقتل في سجنه سنة ٦٢ للميلاد، وقيل إنه كان يكره القول بألوهية المسيح ﵇.
وأما لوقا: فولد في أنطاكية ودرس الطب ونجح فيه، ولم ير المسيح ولم يسمع منه، ولكنه لازم بولس (المسمى بالرسول) والمعروف بتحريفه للديانة النصرانية، وقد حدثت أكثر المجازر بتخطيطه فقد كان يهوديًّا.
وأما يوحنا: فهو أحد الحواريين الاثني عشر، مات سنة ٦٥ للميلاد بعد اضطهاد.
وجملة القول: إن الإنجيل هو كلام الله أنزله على عيسى وبشر فيه بنبوة محمد ﷺ وهو كتاب كريم يدعو إلى التوحيد ودين الإسلام.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريمَ في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).
стр. 109
وبنو العلات. هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى.
ثم كان بعد ذلك يا محمد ما أنزل إليك وهو القرآن العظيم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
والقرآن هو آخر كتاب من الله إلى البشر، يُسألون عن التحاكم إليه يوم القيامة، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١).
وقد روي عن بعض السلف وصف هذا القرآن بقوله: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سعته حتى قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حَكَمَ به عَدَل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم).
وقد اختلف فيهم من هم المعنيون بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ على ثلاثة أقوال:
١ - هم الموصوفون أولًا، هم الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم كما قال مجاهد وأبو العالية، ورجحه الحافظ ابن كثير ﵏ حميعًا.
٢ - هما واحد مؤمنو أهل الكتاب والواو عاطفة.
٣ - الموصوفون أولًا مؤمنو العرب والموصوفون ثانيًا هم مؤمنو أهل الكتاب. وقد روي هذا عن ابن مسعود وعن ابن عباس واختاره ابن جرير.
стр. 110
قلت: والراجح أن الآية عامة في كل مؤمن ومؤمنة، عربي أو عجمي، كتابي وغير كتابي، إنسي أو جني، فلا تصح أي صفة من الأوصاف السابقة دون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا مع الإيمان بما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبما جاء به نبيّنا محمد ﵊ خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال مجاهد: (أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين).
وفي التنزيل:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩].
وقال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢].
فالأمر لجميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه وباليوم الآخر، ولكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، أنهم يؤمنون بما في أيديهم مفصلًا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا بمحمد ﷺ وما أنزل إليه كان لهم الأجر مرتين.
ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثة يؤتون أَجْرَهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بِنبيِّه، وأدرك النبي ﷺ فآمن به،
стр. 111
واتبعه وصدَّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق سيده، فله أجران، ورجل كانت له أمَةٌ فغذّاها فأحسن غِذاءها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران] (١).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
وفي المسند بإسناد حسن عن أبي أمامة الباهلي قال: [كنت تحت راحلة رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال قولًا حسنًا فقال فيما قال: من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا] (٢).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].
وروى أبو داود في كتاب العلم عن الزُّهْري قال: أخبرني ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيه أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ وعِنْده رجلٌ من اليهود مُرَّ بجنازة فقال يا رسول الله! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم.
فقال اليهودي: إنها تتكلم. فقال رسول الله ﷺ : [ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه] (٣).
وفي لفظ آخر: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم، ولكن قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم].
стр. 112
قلت: ولكن قد يكون هناك من هذه الأمة - أمة محمد ﷺ من يزيد ثوابه على الأجرين السابقين لمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بنبيهم ونبينا عليهم الصلاة والسلام، قول النبي ﷺ : [إن من أمتي قومًا يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر] (١).
وفي تقديم الآخرة وبناء (يوقنون) على (هم) تعويض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته كزعمهم أنه لا يدخلها إلا من كان هودًا أو نصارى، وكتخيلهم أن النار لا تمسهم إلا أيامًا معدودات، وكاختلافهم في نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أوْ لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ (ذكره القاسمي ﵀.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
قال ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ أي الذيان أدركوا ما طلبوا، ونَجَوْا من شر ما منه هربوا).
وقال ابن جرير: (﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أى أولئك هم المنجِحون المُدْركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله ﵎ لأعدائه من العقاب).
وقد اختلف فيهم من هم المعنيون بهذه الآية على ثلاثة أقوال:
١ - قيل المراد أهل الصفتين المتقدمتين: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل إلى محمد ﷺ ومن قبله من الرسل.
فعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ : (أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فهم المؤمون من العرب، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾) ذكره ابن جرير.
стр. 113
٢ - وقيل: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وهم الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد والرسل من قبله.
٣ - وقيل: بل المراد أهل الكتاب خاصة ممن آمن بنبيّه ثم آمن بمحمد ﷺ .
والراجح كما أفاد الحافظ ابن كثير أن الآية عامة في المتصفين بالصفات المتقدمة من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق، والإيمان بالرسل، والدار الآخرة المستلزم للعمل الصالح والاستعداد لها بامتثال الطاعات واجتناب المحرمات.
ويجوز أن تكون ﴿هُمُ﴾ مبتدأ ثانيًا وخبره ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، أو تكون زائدة - يسميها البصريون فاصلة - و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. ذكره القرطبي.
وأما جملة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فهي في محل رفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ، وإلا فلا محل لها.
قال النسفي ﵀: (ومعنى الاستعلاء في ﴿عَلَى هُدًى﴾ مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه).
وقال القرطبي ﵀: (وقال علماؤنا: إن في قوله تعالى ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ردًّا على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم! ولو كان كما قالوا لقال: "من أنفسهم").
وأصل الفَلْح في لغة العرب الشق والقطع. وفَلَحَ الأرض شقّها للحرث. والفلاح: الفوزُ والبقاء والنجاة. والمْلاحُ أيضًا السُّحور. وقيل إنما سُمِّي بذلك لأن به بقاءَ الصوم. وحي على الفلاح أي أقْبِل على النجاة.
وفي جامع الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر] (١).
стр. 114
٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ صِفات الكافرين، ونعت سبيل الجاحدين، فإن النذارة لا تنفعهم إذ أغلقوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم عن قبول الحق والإصغاء له والتواضع لأمره تعالى. فسواء عليك - يا محمد - الإنذار وعدمه. لقد قابلهم ربهم تعالى حين أغلقوا قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مستكبرين على الوحي العظيم أن طبع على قلوبهم فأقفلها، وختم على أسماعهم فأغلقها، وجعل على أبصارهم أغطية فأعماها، فهم يكملون ما بقي من أعمارهم على تلك الهيئة حتى تنقضي آجالهم، ثم ينتظرهم بعد ذلك في الآخرة عذاب عظيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
كفروا: أي غطوا الحق وستروه. قال الرازي: (و ﴿الكافر﴾ الليل المُظْلِم لأنه سَتَرَ بظُلمته كُلَّ شيء. وكل شيء غطّى شيئًا فقد كفره). قال: (والكافر: الزارع لأنه يغطي البَذْر بالتراب. والكفار الزُّراع).
وقال ابن السِّكِّيت: (ومنه سُمِّي (الكافر) لأنه يَسْتُر نِعم الله عليه). والإنذار: الإعلام مع تخويف. واختلف فيمن عُني بهذه الآية على أقوال:
١ - قيل: هم اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوه.
قال ابن عباس: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك من ربك, وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك). وعنه أيضًا: (أن صدر سورة البقرة إلى المئة منها، نزل في رجال سَمّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود، من المنافقين من الأوس والخزرج).
٢ - قيل: بل هم الذين قتلوا يوم بدر من المشركين.
فعن الربيع بن أنس قال: (آيتان في قادة الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
стр. 115
نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر).
٣ - وقيل: بل هي عامة في كل شقي بكفره.
فقد قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يحرصُ أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول).
وهذا المعنى الأخير أشمل وأوسع مما قبله، وهو يناسب سياق الآيات، فقد كتب الله الشقاء على من اختار جحود أمره وشرعه ونعمته، فسواء عليهم إنذارك يا محمد وعدمه. كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
لقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن، بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سدِّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).
قال القاسمي ﵀: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا
стр. 116
يُؤْمِنُونَ﴾: تناهوا في الغواية والضلال، إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير).
وسواء: مأخوذ من التساوي أي معتدل، فأي الأمرين كان منك إليهم الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون، فقد خُتِمَت القلوبُ وطُبعَ عليها نتيجة تراكم الجحود فيها. فيَكون قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جملة مؤكِّدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أو تكون خبرًا والتقدير: (إن الذين كفروا لا يؤمنون) ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة اعتراضية، وهي مبتدأ وخبر: ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر مقدم و ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في موضع الابتداء، وتقديرها: (سواء عليهم إنذارك وعدمه) والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الختم أصله الطَّبع. قال الرازي: (ختم الشيء من باب ضرَب فهو مختوم).
والخاتِم والخاتَم بفتح التاء وكسرها كله بمعنىً. وخاتمة الشيء آخِرُه. وختمتُ الكتاب إذا طبعته. وفي مفهوم الختم أقوال متقاربة ذكرها أهل التفسير:
١ - القول الأول: قال السدي: (ختم الله: أي طبع الله).
٢ - القول الثاني: قال قتادة: (استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون).
٣ - القول الثالث: قال مجاهد: (﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب فحفَّت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم).
٤ - القول الرابع: قال ابن جريج: (الختم على القلب والسمع. قال: وحدثني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: الرَّانُ أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله).
٥ - القول الخامس: قال الأعمش: (أرانا مُجاهد بيده فقال: كانوا يروْن أن القلب في مثل هذا -يعني الكف- فإذا أذنب العبد ذنبًا ضُمّ منه -وقال بإصبعه الخنصر هكذا- فإذا أذنب ضُمَّ -وقال بإصبع أخرى- فإذا أذنب ضُمَّ -وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى
стр. 117
ضم أصابعه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابع. قال مجاهد. وكانوا يُرَوْن أن ذلك: الرَّينُ).
٦ - القول السادس: قال ابن جرير: (وقال بعضهم: إنما معنى قوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لِما دُعُوا إليه من الحق, كما يقال: "إن فلانًا لأصَمُّ عن هذا الكلام" إذا امتنع من سَماعه، ورفع نفسه عن تَفَهُّمه تكبرًا). وردّه ابن جرير بحجة أن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
والآية ردّ على المعتزلة الذين ينكرون الختم على القلوب ومنعها من وصول الحق إليها.
قال القرطبي: (وأجمعت الأمة على أن الله قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين، مجازاة لكفرهم كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾).
وقال: (وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرَّين والموت والقساوة والانصراف والحمِيّة والإنكار.
فقال في الإنكار: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال في الحمية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾. وقال في الانصراف: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وقال في القساوة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ﴾. وقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. وقال في الموت: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾. وقال في الرَّين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال في المرض: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. وقال في الضيق: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. وقال في الطبع: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وقال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. وقال في الختم: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾).
فوائد مستنبطة:
١ - الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان، فإذا تكبر العبد على أوامر ربه فربما عاقبه بالختم والران، والطبع والغشاوة والحرمان. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن حذيفة ﵁ قال: [كنا عند عمر فقال:
стр. 118
أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنون فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر التي تمُوج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسْكَتَ القومُ، فقلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تُعرض الفِتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أُشْرِبَها (١) نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصيرَ على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا (٢) كالكوز مُجَخِّيًا (٣)، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر مُنكرًا، إلا ما أُشرِبَ من هواه] (٤).
٢ - تشبيه القلوب بالأوعية والظروف والغلف.
قال ابن جرير: (فإن قلوب العباد أوعية لما أُودعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور. فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات، ومن قِبَلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء من المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف).
٣ - قوله ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح.
قال القرطبي: (والقلب للإنسان وغيرِه. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قَلبْتُ الشيء أقلِبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء: رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل:
ما سُمِّيَ القلب إلا من تقلُّبِه ... فاحذر على القلب من قَلْبٍ وتحويل
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا المعنى.
стр. 119
ففي صحيح ابن ماجة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثلُ القلب مثلُ الريشةِ، تُقَلِّبُها الرياح بفلاة] (١).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين أصبُعينِ من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد، يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك] (٢).
وفي صحيح ابن ماجة ومسند أحمد من حديث النواس بن سمعان أن النبي ﷺ كان يقول: [اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك]، [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك] (٣).
وفي المسند عن المقداد مرفوعًا: [لَقَلْبُ ابن آدم أشد انقلابًا مِنَ القِدْرِ إذا اجْتَمَعَتْ غَلَيانا] (٤).
وأما فضل القلب على سائر البدن فمأخوذ من قوله ﵊: [ألا وإن في الجسد مُضغة: إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسدَ الجسد كلُّه، ألا وهي القلب] (٥).
٤ - القلب هو مركز الفهم والفقه في الإنسان.
قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
стр. 120
فالقلب هو مركز التفكير والفقه، وليس العقل الذي في الدماغ، وقد صدرت دراسات حديثة لعلماء في مجال الطب تثبت ذلك. وقد بسطت القول في ذلك في كتابي "تحصيل السعادتين على منهج الوحيين".
وقد ورد عن الإمام القرطبي ﵀: (قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي عقل، لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد، والله أعلم). وقال القاسمي: (قال الراغب: المراد بالقلب في كثير من الآيات: العقل والمعرفة).
قلت: ولكن هذا من باب التأويل، فأما آية الأعراف فتخصص كل عضو بوظيفته، فالبصر للعين والسمع للأذن، فتأويل القلب بالعقل يسمح بتأويل العين والأذن إلى غيرها من الأعضاء وهو باب لا نهاية له.
٥ - تفضيل السمع على البصر.
فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يدل على ذلك، ونحوه قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ٤٦]. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ... ﴾ [الملك: ٢٣].
قال القرطبي: (والسمع يُدْرك به من الجهات الست، وفيَ النور والظلمة، ولا يُدْرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع).
٦ - الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة على البصر.
قال ابن جريج: (الختم علي القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ... ﴾ [الشورى: ٢٤]. وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ... ﴾ [الجاثية: ٢٣]).
فبتتابع الذنوب على القلب يأتي الختم من الله جزاء الاستهتار، وبالإعراض عن سماع الحق والوحي يطبع الله على السمع فلا يسمع إلا ما أشرب من هواه، وبترك إعمال البصر في الحق وصرفه لرؤية الفواحش وما يسخط الله تأتي عليه الغشاوة من الله.
وفي جامع الترمذي بسند حسن من حديث محمد بن عجلان، قال رسول الله ﷺ : [إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سودَاء في قلبه، فإن تاب ونَزَع واستعتب صقُل قلبُه،
قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: ذكر صفات المنافقين وأحوالهم وتقلباتهم المختلفة وفضح أساليبهم. فهم:
أ- يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.
ب- استحوذ مرض النفاق على قلوبهم، فهو مرض في الدين لا في الأبدان.
ج- المنافقون يدعون الإصلاح إذا نهيتهم عن الفساد، ويدعون الإيمان عند المؤمنين، ثم يعتذرون لرؤسائهم بأنهم كانوا يسخرون.
د - اشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى.
هـ- المنافقون يعلمون الحق ويرتكسون في الكفر متحيرين.
فإلى تفصيل ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
قال مجاهد: (هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نعت المنافقين).
وقال ابن عباس: (﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾)، يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم).
قال ابن جرير: (وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم).
والناس: جمع لا واحد له من لَفْظهِ، وإنما واحدهم "إنسان" وواحدتهم "إنسانة". أو قد يكون أصله "أناس" أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها. وأما النفاق: فهو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان:
١ - اعتقادي.
٢ - عملي.
النفاق الاعتقادي: هو نقاق في أصل الدين، يخلد صاحبه في النار، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين لعدم إظهار كفره. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
стр. 123
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: [أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه فقال: آذني أصلي عليه فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁ فقال: أليس قد نهاك (١) أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين، قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فصلى عليه فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾] (٢).
وأما النفاق العملي: فهو من أكبر الذنوب، وهو يشمل الكذب والخيانة والغدر وإخلاف العهد.
قال ابن جريج: (المنافق يخالف قَوْلُهُ فِعْلَه، وسِرُّه علانيته، ومدخلهُ مخرجَه، ومشهده مغيبه).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [آيةُ المنافِقِ ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخْلف، وإذا اؤتمن خان] (٣).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عَمْروٍ ﵄: أن النبي ﷺ قال: [أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خَصْلة منهن كانت فيه خصْلَةٌ من النِّفاق حتى يدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَر] (٤).
وقد عُرِف النفاق في المدينة والسور المدنية، إذ إن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان فيها من يُكره على النطق بالكفر وهو مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج على جاهليتهم يعبدون الأصنام شأن مشركي العرب، وبها اليهود ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فأسلم من أسلم من الأنصار من الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، فلما أظهر الله شوكة نَبيِّه والمؤمنين ببدر قال
стр. 124
عبد الله بن سلول: (هذا أمر قد توجه) فأظهر الدخول في الإسلام -وكان رأس المنافقين- وسيد الطائفتين في الجاهلية وكادوا يملكوه فانشغلوا عنه بالإسلام، فنافق وطائفة ممن معه وآخرون من أهل الكتاب، ثم وُجد النفاق في المدينة وفي الأعراب ممن حول المدينة. وأما المهاجرون فما ظهر فيهم النفاق، إذ لم يهاجر أحد منهم مكرهًا، بل ترك ماله وولده وأرضه وبيته رغبة فيما وعد الله سبحانه في الدار الآخرة.
قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يعني بالبعث يوم القيامة، وإنما سمي يومُ القيامة (اليومَ الآخر)، لأنه آخر يوم، لا يوم بعده سواه). قال: (فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة ولا فناء ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند اعرب إنما سُمِّيَ يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يُسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليل بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام).
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ - أي: بل هم مكذبون كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم وما تخفي قلوبهم أكبر.
وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا) ذكره ابن جرير.
وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يخادعون رسول الله ﷺ ، ذكره القرطبي عن الحسن وغيره.
وفي لغة العرب: (خدعه) ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. وقيل أصل الخدع: الفساد. وقيل أصله: الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء.
قال ابن جريج: (يخادعون الله: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يُحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم. وفي أنفسهم غير ذلك).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].
стр. 125
وقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ نفي وإيجاب، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿وَمَا يَخْادعُونَ﴾ بالألف. وقرأها مُوَرِّق العجلي: "يُخَدِّعون الله". واختار ابن جرير ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ دون "وما يخادعون" لأن لفظ "المخادع" غير موجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة، قال: (ولا شك أن المنافق قد أوجب خديعة الله لنفسِه بما ركِبَ من خداعِه ربَّه ورسولَه والمؤمنين بنفاقه، فلذلك وجبت الصِّحة لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾).
قال النسفي: (﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾): أي وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم وحاصل خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم فكأنهم خدعوا أنفسهم).
وقال القاسمي: (فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأموال وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم، بإهلاكها، وتحسيرها, وإيراثها الوبال والنكال -بازدياد الظلمة، والكفر والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾).
وقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. أي: وهم من غاية غرقهم في جهلهم وغرورهم لا يحسون ما يُحاك لهم وما يُبَيَّتُ ضدهم.
قال ابن زيد: (ما يشعرون أنهم ضرّوا أنفسهم، بما أسرّوا من الكفر والنفاق).
وفي لغة العرب: شعر بالشيء إذا فَطِنَ له. ومنه قولهم: (ليت شِعْري) أي ليتني عَلِمْتُ.
قال الأخفش: (والشاعر: أي صاحب شِعر وسمي شاعرًا لفطنته).
وقال القرطبي: (وما يشعرون: أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون
стр. 126
أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾).
وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك. فهم في تردد في أمر محمد ﷺ وأمر نبوته. فزادهم الله بما أنزل من الوحي من الحدود والفرائض شكًّا وحيرة. في حين زاد المؤمنين بذلك إيمانًا وتسليمًا.
وقد فسّر المفسِّرون ﴿المرض﴾ بتفاسير متشابهة:
الأول: الشك. قال السّدِّيُّ عن ابن عباس وغيره: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ , قال: شك، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: شكًّا). وعن ابن مسعود: (فزادهم الله ريبة وشكًّا).
الثاني: الرياء. قال طاووس وعكرمة: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الرياء).
الثالث: النفاق. قال الضحاك، عن ابن عباس: (﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: نفاق ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: نفاقًا).
الرابع: المرض في الدين. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ... ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]. قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم).
قال الحافظ ابن كثير: (وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حَسَنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]).
وقال القرطبي: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: قيل: هو دعاء عليهم).
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي مؤلم موجع. ففي لغة العرب: الألم: الوَجع، والتألُّم: التوجُّع. قال الرازي: (و"الإيلام" الإيجاع، و"الأليم" المؤلم كالسميع بمعنى المُسْمِع).
стр. 127
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. قرأها معظم قراء الكوفة ﴿يَكْذِبُونَ﴾. وقرأها قراء أهل المدينة والحجاز والبصرة ﴿يُكْذِّبُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كَذَبة ويكذبون بالحق).
قال الإمام مالك: (وإنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبيّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يُشْهد على المنافقين).
وقال الشافعي: (وإنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم).
وقد ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي في التفسير فقال: (إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى بقوله لعمر: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" أخرجه البخاري ومسلم).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
أما قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ - ففيه تأويلان:
التأويل الأول: لم يجئ هؤلاء بعد. فعن سَلْمان الفارسي ﵁ قال: (ما جاء هؤلاء بعد، الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾).
التأويل الثاني: هم المنافقون. فعن ابن عباس: (هم المنافقون. أما ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن الفساد هو الكفر والعملُ بالمعصية).
وعن الرَّبيع: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تعصوا في الأرض ﴿قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، قال: فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة).
واختار ابن جرير أنها نزلت في المنافقين على عهده ﷺ وتشمل كل من شابههم في النفاق إلى يوم القيامة. ثم قال: (وقد يَحْتَمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: "ما جاء هؤلاء بعد"، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله ﷺ ).
стр. 128
ثم قال: (فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربَّهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذين لا يُقْبَل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذِبهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها).
وكذلك قوله: ﴿قَالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ - فيه تأويلان:
التأويل الأول: قاله ابن عباس: (قالوا إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب).
التأويل الثاني: قال مجاهد: (قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون (١)).
قلت: والفساد في اللغة خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعًا به، والمفسَدَة ضد المصلحة، قال الراغب: (تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح لما في قلوبهم من المرض).
وقال القاشاني: (كانوا يَرَوْن الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا -لأنفسهم خاصة- لتوغّلهم في محبة الدنيا، وانهماكهم في اللذات البدنية) ذكره القاسمي.
فأجابهم سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وهما معًا في محل رفع خبر إن. وقد تكون هم فاصلة و ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ خبر إن، والتقدير: ألا إنهم المفسدون. والمعنى كما قال ابن جرير: (ألا إنهم هم المفسدون المخالفون أمر الله ، المتعدون حُدودَه، الراكبون معصيتَه، التاركون فروضَه، وهم لا يشعرون ولا يدرون أنهم كذلك - لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين، وينهونهم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين).
стр. 129
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال ابن كَيْسان: (يقال: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم. قال: ففيه جوابان: أحدهما - أنهم كانوا يعملون الفساد سرًّا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي ﷺ . والوجه الآخر: أن يكون فسادهم عندهم صلاحًا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
قال ابن عباس: (وإذا قيل لهم صدقوا كما صدق أصحاب محمد، قولوا: إنه نبي ورسول، وإن ما أنزل عليه حق، وصدِّقوا بالآخرة، وأنكم مبعوثون من بعد الموت). قال: (يقولون: أنقول كما تقول السفهاء؟ يعنون أصحاب محمد ﷺ لخلافهم لدينهم).
وعن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي ﷺ : (﴿قَالوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، يعنون أصحاب النبي ﷺ ).
وقال زيد بن أسلم: (هذا قول المنافقين، يريدون أصحاب النبي ﷺ ).
وأصل السّفه في لغة العرب: الخِفّة والرّقة. قال الرازي: (السَّفه: ضد الحلم وأصله الخِفة والحركة). والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار. فأراد المنافقون القول: (أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟ ) فكذبهم الله سبحانه بقوله:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
قال ابن عباس: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، يقول: الجهال، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: ولكن لا يعاقلون).
قال القرطبي ﵀: (وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء، فأطلع الله نبيّه والمؤمنين على ذلك، وقرّر أن السَّفه ورِقّة الحُلُوم وفساد البصائر إنما هي في حيِّزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرَّيْن الذي على قلوبهم).
стр. 130
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
يقول جلّ ثناؤه: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين أظهروا لهم الإيمان نفاقًا ومصانعة ليصيبوا معهم من الأموال والغنائم من جهة، وليحفظوا بالخداع دماءهم وأموالهم وذراريهم من جهة أخرى، ثم إذا انصرفوا إلى شياطينهم وخَلَوْا بمردتهم من أهل العُتوّ والخبث قالوا: إنا معكم على العهد وأولياؤكم ضد محمد وأصحابه. ثم هناك تأويلان في الذين عُنوا بهذه الآية:
التأويل الأول: هم قوم من منافقي اليهود.
قال ابن عباس: (كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي ﷺ أو بعضهم، قالوا: إنا على دينكم. وإذا دخلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينُهم، قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون).
التأويل الثاني: هم قوم من منافقي العرب.
قال سعيد بن جبير: (إذا خلوا إلى شياطينهم من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﴿قَالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾).
وأمّا شياطينهم فهم رؤوسهم في الكفر والنفاق.
قال ابن مسعود وناس من الصحابة: (أما شياطينهم، فهم رؤوسهم في الكفر).
وقال قتادة: (﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾، أي رؤسائهم في الشر).
وقال مجاهد: (إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفار). أو قال: (إخوانهم من المشركين).
وقال ابن جريج: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا﴾، قال: إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا: إنا نحن معكم، إنما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزؤوا بالمؤمنين).
وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: (ساخرون بأصحاب محمد ﷺ ).
стр. 131
وقال: (أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم) وكذلك قال قتادة والربيع.
وهزئ في لغة العرب: سخر. فأجابهم الله تعالى مقابلة على صنيعهم:
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
قال ابن عباس: (يسخر بهم للنقمة منهم. ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ يملي لهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون).
وفي صفة استهزاء الله سبحانه بالمنافقين أكثر من تأويل:
التأويل الأول: مَكْرُهُ بهم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [لحديد].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران].
قال ابن جرير: (فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلَّ وعزَّ وسخريتهِ ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلي هذا القول، ومتأولي هذا التأويل).
التأويل الثاني: استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.
فقد ذكر القرطبي في التفسير عن ابن عباس: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يَسْبَحون في النار، والمؤمنون على الأرائك -وهي السرر- في الحِجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قول الله : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غُلِّقت دونهم الأبواب، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ إلى أهل النار ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾).
التأويل الثالث: الاستهزاء والخداع والمكر والسخرية والنسيان المذكورة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٧٩]. ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٦٧]. إخبار أنه تعالى مجازيهم جزاء
стр. 132
الاستهزاء ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي استحقوا عليه العقاب.
قال النسفي: (الله يستهزئ بهم: أي يجازيهم على استهزائهم فسمى جزاء الاستهزاء باسمه). وقال الزجاج: (هو الوجه المختار، واستئناف قوله "الله يستهزئ بهم" من غير عطف في غاية الجزالة والفخامة، وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء لما ينزل بهم من النكال والذل والهوان. ولما كانت نكايات الله وبلاياه تنزل عليهم ساعة فساعة قيل: الله يستهزئ بهم ولم يقل الله مستهزئ بهم).
التأويل الرابع: يستهزئ بهم بأن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا مما فيه عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة من العذاب والنكال. واختاره ابن جرير.
ومنه قول ابن عباس - فيما رواه عنه الضحاك -: (يسخر بهم للنقمة منهم).
التأويل الخامس: قيل بل هذا وأمثاله على سبيل الجواب. (نفاه ابن جرير) وقال: (وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله ما قد أثبته الله لنفسه، وأوجبه لها).
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.
قال ابن عباس: (يملي لهم) وقال مجاهد: (يزيدهم).
قال القرطبي: (يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾).
وقال القاسمي: (يزيدهم على وجه الإملاء، والترك لهم فيم عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾).
وقال الحافظ ابن كثير: (قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنْبًا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة).
قلت: وفي السنة الصحيحة ما يدل على هذا المعنى.
стр. 133
فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحِبُّ، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال ابن عباس: (في كفرهم يترددون).
وقال: (يعمهون: يتمادون). وقال ابن مسعود: (يتمادون في كفرهم). قال ابن كثير: (والطغيان: هو المجاوزة في الشيء). وقال ابن جرير: (والعَمَهُ: الضلال، يقال: عَمِهَ فلان يَعْمَهُ عَمَهًا وعُمُوها، إذا ضلّ).
قال القرطبي: (والعمى في العين، والعمه في القلب، وفي التنزيل: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ - فيه أكثر من قول:
١ - عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾، أي الكفر بالإيمان).
٢ - عن ابن مسعود: (أخذوا الضلالة وتركوا الهدى).
٣ - عن قتادة: (استحبوا الضلالة على الهدى).
٤ - عن مجاهد: (آمنوا ثم كفروا).
وهي أقوال متقاربة مفادها أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال وبذلوا الهدى ثمنًا للضلالة والشهوات.
وقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
قال قتادة: (قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى
стр. 134
الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة).
قال القرطبي: (أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: رَبحَ بيعُكَ، وخسِرَت صفقتُك .. أي فما ربحوا في تجارتهم).
قال القاسمي: (وفائدته: المبالغة في تخسيرهم، لِما فيه من الإشعار بكثرة الخسار).
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إشارة لعدم اهتدائهم لطرق التجارة كما يهتدي إليه التجار البصراء، بل كانوا تجارًا فاشلين لا يصلحون للتصدي لها وتحقيق الأرباح. والمراد أنهم ما كانوا رُشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالتصديق والإقرار- كما أفاد ابن جرير.
وقيل: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي في سابق علم الله. ذكره القرطبي.
وقيل: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: لزوال استعدادهم، وتكدير قلوبهم بالرَّين الموجب للحجاب والحرمان الأبدي. ذكره القاسمي.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
شبه الله سبحانه المنافقين حين اشتروا الضلالة بالهدى وصاروا بعد البصيرة إلى العمى بمن استوقد نارًا فأضاءت له وانتفع بها وأبصر بها ما غيّبه الظلام من حوله وتأنَّس بها، فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره وعاد إلى الظلام الشديد، فلا يبصر ولا يهتدي. ثم شبه المنافقين أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى كالصم لايسمعون وكالبكم لا ينطقون وكالعُمي لا يبصرون طريقهم.
فقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ نزل في المنافقين، فإلى ذكر أقوال علماء التفسير وأعلامه:
القول الأول: عن ابن عباس قال: (أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفؤوه بكفرهم به ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق).
стр. 135
القول الثاني: مروي أيضًا عن ابن عباس قال: (هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضوءَه. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ يقول: في عذاب).
القول الثالث: عن ابن مسعود - وناس من أصحاب النبي ﷺ : (زعم أن أناسًا دخلوا في الإسلام مقدمَ النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قذىً أو أذىً فأبصره حتى عرف ما يتَّقي. فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد ﷺ . وكانت الظلمة نفاقهم).
القول الرابع: عن ابن عباس: (ضربه الله مثلًا للمنافق. قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتُهم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم، فَعَتَوْا بعد ذلك).
القول الخامس: عن قتادة: (وأن المنافقَ تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، ووارثَ بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه). وفي رواية: (هي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون).
وقال الضحاك: (أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم).
القول السادس: عن مجاهد قال: (أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة).
القول السابع: عن الربيع بن أنس قال: (إنما ضوءُ النار ونورها ما أوقَدتها، فإذا
стр. 136
خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة).
وقوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - عن ابن عباس: (أي: فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق).
٢ - وقال السدي: (فكانت الظلمة نفاقهم).
٣ - وقال الحسن البصري: (فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملًا من خيرٍ عَمِلَ به يصدق به قول: لا إله إلا الله).
وفي السنة الصحيحة ما يصف هذا المصير للمنافقين:
ففي الصحيحين والمسند عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: [مثلُ المؤمن كمثلِ الخامة (١) من الزرع، تُفيؤُها الريحُ مرة وتعدِلُها مرةً، ومثل المنافق كمثل الأرْزَةِ، لا تزال حتى يكون انجعافُها مرة واحدة] (٢).
وفي المسند وجامع الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريحُ تُفيؤُه، ولا يزال المؤمنُ يصيبُه بلاءٌ، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزِ، لا يهتز حتى يستحصدَ] (٣).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : [مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرة] (٤).
والشاة العائرة بين الغنمين هي المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع فهي تعير أي تتردّد وتذهب.
стр. 137
وأما قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. ففيه أقوال متشابهة:
١ - قال ابن عباس: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ عن الخير. يقول: لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه).
٢ - وقال ابن مسعود وغيره: ﴿بُكْمٌ﴾، هم الخرس). وقال السدي: (فهم خرس عمي).
٣ - وقال قتادة: (صم عن الحق فلا يسمعونه، عمي عن الحق فلا يبصرونه، بُكم عن الحق فلا ينطقون به).
وقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. فيه أقوال متقاربة:
١ - قال قتادة: (أي: لا يتوبون ولا يَذَّكَّرون).
٢ - قال ابن مسعود وغيره: (فهم لا يرجعون إلى الإسلام).
٣ - قال ابن عباس: (أي: فلا يرجعون إلى الهدى ولا إلى خير، فلا يصيبون نجاةَ ما كانوا على ما هم عليه).
واستبعد ابن جرير القول الثالث بدعوى أنه محصور على وقت وأن لهم السبيل إلى الرجوع عنه، وذهب إلى أن قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ من غير حصر على وقت دون وقت أو حال دون حال. قال: (وقوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهُدى، وصممِهم عن سَماع الخير والحق، وبَكَمهم عن القيل بهما، وعَماهم عن إبصارهما - أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم، ولا يتوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيسَ المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا، أو يقولوا حقًّا، أو يسمعوا داعيًا إلى الهدى، أو أن يذّكروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفّار أهل الكتاب والمشركين وأحبارهم، الذين وصفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وغشّى على أبصارهم).
قلت: وهذه الآية من الآيات التي يُفهم بها القدر وأنواع الكتابة في اللوح المحفوظ.
قال القرطبي: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ
стр. 138
الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
(الصَّوْب) في لغة العرب نُزول المطر، و (الصيِّب): السحاب ذو الصوب. و (صابَه) المطر أي مُطِر. قال ابن عباس: (الصيِّب: المطر). وقال: (القطر). وعن مجاهد: (الصيِّب: الربيع). وعن عبد الرحمان بن زيد: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كَغَيْثٍ من السماء).
والظلمات جمع ظُلمة. والرعد مَلَكُ يزجُر السحاب، أو قيل: ريح تختنق تحت السحاب فتصاعد فيكون منه ذلك الصوت.
وفي القول الأول أقوال يوضح بعضها بعضًا:
١ - قال ابن عباس: (الرعد: ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته).
وقال: (الرعد: ملك يزجرُ السحاب بالتسبيح والتكبير).
وقال: (الرعد: اسم ملك، وصوتُه هذا تسبيحه، فإذا اشتد زَجْره السحابَ، اضطرب السحابُ واحتكَّ. فتخرج الصواعق من بينه).
وقال: (الرعدُ: ملك يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحُدائه).
٢ - قال مجاهد: (الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته).
٣ - قال عكرمة: (الرعد ملك في السحاب، يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل).
وقال: (إن الرعد ملكٌ يُؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّفُ بينه، فذلك الصوت تسبيحه).
وقال: (كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سُبحان الذي سبَّحتَ له. قال: وكان يقول: إن الرعد ملكٌ ينعَق بالغيث كما ينعقُ الراعي بغنمه).
٤ - قال قتادة: (الرعد خَلْقٌ من خلق الله جل وعز، سامعٌ مطيع لله جل وعز).
وأما القول الثاني فذكر ابن جرير أنه من طريق الحسن بن الفرات عن أبيه قال: (كتب ابن عباس إلى ابن أبي الجَلد يسأله عن الرعد، فقال: الرعد ريح).
وفي رواية: (كتبتَ تسألني عن الرعد، فالرعد ريح).
стр. 139
قلت: والقول الأول هو الراجح، فإن السنة الصحيحة قد دلت عليه.
فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني وابن سعد بسند حسن عن ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا الله على ما نقول وكيل. قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان فإن علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت، قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النَّسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا. قال عبد الله قال أبي، قال بعضهم: يعني الإبل فحرّم لحومها. قالوا: صدقت. أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيده أو في يده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان. فانزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] إلى آخر الآية] (١).
وأما البرق فأصله في كلام العرب من البريق والضوء. قال الرازي: (برق السيف وغيره تلألأ). ورعدت المرأة وبرقت: تحسّنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق: تهدّد وأوعد. وقد ورد فيه عند المفسرين أكثر من تأويل:
التأويل الأول: البَرْق مخاريق الملائكة.
قال ابرْ عباس: (البَرْق مخاريقُ بأيدي الملائكة، يزجرون بها السحاب).
وعن علي ﵁ قال: (الرعد الملك، والبرق ضَرْبه السحابَ بمخراق من حديد).
стр. 140
التأويل الثاني: البَرْق سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحاب. ذكره الضحاك عن ابن عباس.
التأويل الثالث: البَرْقُ ماء.
يروي ابن جرير بسنده عن أبي كثير قال: (كنت عند أبي الجَلْد إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: كتبتَ إليّ تسألني عن البرق، فالبرق الماء).
وفي رواية: (فقال: البرق ماء). وفي رواية: (وإنه من الماء).
التأويل الرابع: البَرْق هو مَصْعُ مَلك.
قال مجاهد: (البرق، مَصْعُ مَلك). وقال ابن جريج: (البرق ملك).
وقد حاول ابن جرير ﵀ الجمع بين هذه الأقوال بقوله: (وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي ﵁ أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه).
وأما الصواعق فهي جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد.
قال ابن زيد: (الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد).
وقال مجاهد: (إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق).
وقال الخليل: (هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانًا قطعة نار تحرق ما أتت عليه). وحكى عن قوم الساعقة (بالسين).
وقال القرطبي: (والصاعقة أيضًا صيحة العذاب، قال الله : ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. ويقال: صَعِقَ الرجل صعقة وتصعاقا، أي غُشي عليه، ومنه قول تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾).
وأما معنى الآية: فقد مثَّل الله تعالى أحوال المنافقين بما فيه الصَّيِّب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مَثَلٌ لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثلٌ لما يُخَوَّفون به. وقيل: مثّل الله تعالى بالصيِّب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة
стр. 141
التي تكاد أحيانًا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق مثَلٌ لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. وقيل غير ذلك. فإلى ذكر خلاصة ما تأوله المفسرون.
التأويل الأول: عن ابن عباس: (﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف منكم - على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَر الموت، يكاد البرق يخطف أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كُلَّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين).
التأويل الثاني: عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (كان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي ﷺ ، أن ينزِلَ فيهم شيء أو يُذكروا بشيء فيقتلوا، .... ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه: فإذا كثرت أموالهم، ووُلدَ لهم الغلمان، وأصابوا غنيمة أو فتحًا، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دينُ صدق. فاستقاموا عليه ... ، وإذا أظلم عليهم قاموا: فكانوا إذا هلكت أموالهم، ووُلد لهم الجواري، وأصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا .. ). وعن قتادة: (﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقول: أجبنُ قوم، لا يسمعون شيئًا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرًا من الموت. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: هذا المنافق إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يُصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء، قاموا متحيرين).
التأويل الثالث: عن ابن عباس أيضًا: (هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل, مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات فالضلالة، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب. وإذا أظلم عليهم، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه).
التأويل الرابع: عن ابن عباس أيضًا: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وهو المطر، ضربَ مثله في القرآن يقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقول: ابتلاء، ﴿وَرَعْدٌ﴾ يقول: فيه
стр. 142
تخويف، ﴿وَبَرْقٌ﴾، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزًا اطمأنّوا، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، يقول: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]).
وقال قتادة: (فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عيش قال: أنا معكم وأنا منكم، وإذا أصابته شديدةٌ حقحق والله عندها، فانقطع به، فلم يصبر على بلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها).
التأويل الخامس: عن الربيع بن أنس قال: (مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة، ولها مطر ورعد وبرق على جادّة، فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيروا. وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيّر ووقع في الظلمة، فكذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾).
وقال الضحاك بن مُزاحم: (أما الظلمات فالضلالة، والبرق الإيمان).
وقال ابن زيد: (هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنار هذا بنور هذا البرق).
وقال ابن جُريج: (ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنَّ أنه يُراد به، وأنه الموت، كراهيةً له - والمنافق أكره خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبَراز في المطر، فرّوا من الصواعق). وعن عطاء: (مثل ضرب للكافر).
وعن مجاهد: (﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامعهم في جهنم). وقال ابن عباس: (الله منزل ذلك بهم من النِّقمة).
وقد ذكر ابن جرير ﵀ معظم هذه الأقوال وأخبر أنها متقاربات المعاني لأنها تنبئ جميعها عن أن الله ضرب الصيِّب مثلًا لظاهر إيمان المنافق، ومثّل ما فيه من ظلمات لضلالته، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه، لضعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته، ومشيَه في
стр. 143
ضوء البرق لاستقامته على نور إيمانه، وقيامَه في الظلام لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه.
قال القرطبي ﵀: (حذَرَ وحِذار بمعنىً، وقرئ بهما. قال سيبويه: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر) (١).
قلت: وخلاصة المعنى: إن مثل ظاهر إيمان المنافقين وما أظهروه من القول مثل المطر يصاحبه ظلمات ورعد وبرق وصواعق، فالظلمات مثل لما استبطنوه من الشك والتكذيب وأمراض القلوب، والبرق مثل لنور الإيمان الذي يسطع - أحيانًا - نتيجة تكلمهم بظاهر الحق أو محاولتهم التصديق، وأما الرعد والصواعق فهي مثل ما هم عليه من الوجل مما يترتب عليهم من عقوبة وخزي في الدنيا إذا انكشف أمرهم، فهم يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله ﷺ بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حذرًا على نفسه منها والله محيط بهم وجامعهم في جهنم.
ثم قال سبحانه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
الخَطْف في لغة العرب: الاستِلاب. يقال: (برق خاطِف لنور الأبصار) - حكاه الرازي.
فجعل سبحانه ضوء البرق وشدة لمعانه كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاعِ نوره.
قال ابن عباس: (يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين).
وقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقين من عِزِّ الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلامِ نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ... ﴾ الآية (٢)).
وقال ابن عباس أيضًا: (أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على
стр. 144
استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ متحيرين).
قال القرطبي: (والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تَبْهَرهم. ومن جعل ﴿الْبَرْقُ﴾ مثلًا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يُذهب أبصارهم).
وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ منصوب لأنه ظرف. ويجوز أن تكون (كلما) بمعنى إذا، والجواب ﴿مَشَوْا﴾. والمفعول محذوف والتقدير: (كلما أضاء لهم البرق الطريقَ) وهذا وجه، والوجه الآخر: أن تكون أضاء وضاء سواء فلا حاجة لتقدير حذف مفعول. ذكره القرطبي.
وفي قوله ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أكثر من تأويل (١):
التأويل الأول: كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنِسُوا ومشَوا معه، فإدْا نزل من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه ويضلون به أو يكلفونه ﴿قَامُوا﴾ أي ثبتوا على نفاقهم. ذكره ابن عباس.
التأويل الثاني: قيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النِّعم قالوا: دين محمد مبارك، وإذا نزلت بهم مصببة وأصابتهم شدة سخِطوا وثبتوا في نفاقهم. ذكره ابن مسعود وقتادة.
التأويل الثالث: كلما تكلموا بكلمة الإخلاص أضاء لهم من نورها، فإذا تحركت قلوبهم بالشك والتكذيب والتردد رجعوا إلى الظلمة، ذكره الربيع بن أنس.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
قال ابن عباس: (لما تركوا من الحق بعد معرفته).
وقال الربيع بن أنس: (يعني أسماع المنافقين، وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس).
قال القرطبي: (﴿لَوْ﴾ حرف تمَنٍّ وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عِزّ الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخصّ السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولًا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان).
стр. 145
وذهب بعض نحوي الكوفة أنه وحّد السمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. في حين ذهب بعض نحوي البصرة إلى أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أطرافهم.
قال ابن جرير: (ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا).
قلت: وخلاصة المعنى: (يكاد الوحي النازل يلمع في قلوب المنافقين فيظهر على ألسنتهم، فإذا نزلت التكاليف والشرائع انتكست قلوبهم لشدة أمراضها، وإذا تهددت مصالح معاشهم ودنياهم التي عظموها لاذوا إلى النفاق، ولو شاء الله لكشفهم وفضحهم وأخزاهم بسيوف المؤمنين أو حرمهم أسماعهم وأبصارهم التي استخدموها في نفاقهم).
ثم قال تعالى يختم الآيات:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن جرير: (وإنما وصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير).
وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر.
وفي صحيح الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١).
قال القرطبي: (فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضًا).