← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التي تكاد أحيانًا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق مثَلٌ لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. وقيل غير ذلك. فإلى ذكر خلاصة ما تأوله المفسرون. التأويل الأول: عن ابن عباس: (﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف منكم - على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَر الموت، يكاد البرق يخطف أبصارهم - أي لشدة ضوء الحق - كُلَّما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين). التأويل الثاني: عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (كان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي ﷺ ، أن ينزِلَ فيهم شيء أو يُذكروا بشيء فيقتلوا، .... ، وإذا أضاء لهم مشوا فيه: فإذا كثرت أموالهم، ووُلدَ لهم الغلمان، وأصابوا غنيمة أو فتحًا، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دينُ صدق. فاستقاموا عليه ... ، وإذا أظلم عليهم قاموا: فكانوا إذا هلكت أموالهم، ووُلد لهم الجواري، وأصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا .. ). وعن قتادة: (﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقول: أجبنُ قوم، لا يسمعون شيئًا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرًا من الموت. ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: هذا المنافق إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يُصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء، قاموا متحيرين). التأويل الثالث: عن ابن عباس أيضًا: (هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل, مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات فالضلالة، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب. وإذا أظلم عليهم، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه). التأويل الرابع: عن ابن عباس أيضًا: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وهو المطر، ضربَ مثله في القرآن يقول: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقول: ابتلاء، ﴿وَرَعْدٌ﴾ يقول: فيه

стр. 142

تخويف، ﴿وَبَرْقٌ﴾، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزًا اطمأنّوا، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، يقول: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]). وقال قتادة: (فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عيش قال: أنا معكم وأنا منكم، وإذا أصابته شديدةٌ حقحق والله عندها، فانقطع به، فلم يصبر على بلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يَرْجُ عاقبتها). التأويل الخامس: عن الربيع بن أنس قال: (مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة، ولها مطر ورعد وبرق على جادّة، فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيروا. وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيّر ووقع في الظلمة، فكذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾). وقال الضحاك بن مُزاحم: (أما الظلمات فالضلالة، والبرق الإيمان). وقال ابن زيد: (هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنار هذا بنور هذا البرق). وقال ابن جُريج: (ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنَّ أنه يُراد به، وأنه الموت، كراهيةً له - والمنافق أكره خلق الله للموت - كما إذا كانوا بالبَراز في المطر، فرّوا من الصواعق). وعن عطاء: (مثل ضرب للكافر). وعن مجاهد: (﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامعهم في جهنم). وقال ابن عباس: (الله منزل ذلك بهم من النِّقمة). وقد ذكر ابن جرير ﵀ معظم هذه الأقوال وأخبر أنها متقاربات المعاني لأنها تنبئ جميعها عن أن الله ضرب الصيِّب مثلًا لظاهر إيمان المنافق، ومثّل ما فيه من ظلمات لضلالته، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه، لضعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته، ومشيَه في

стр. 143

ضوء البرق لاستقامته على نور إيمانه، وقيامَه في الظلام لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه. قال القرطبي ﵀: (حذَرَ وحِذار بمعنىً، وقرئ بهما. قال سيبويه: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر) (١). قلت: وخلاصة المعنى: إن مثل ظاهر إيمان المنافقين وما أظهروه من القول مثل المطر يصاحبه ظلمات ورعد وبرق وصواعق، فالظلمات مثل لما استبطنوه من الشك والتكذيب وأمراض القلوب، والبرق مثل لنور الإيمان الذي يسطع - أحيانًا - نتيجة تكلمهم بظاهر الحق أو محاولتهم التصديق، وأما الرعد والصواعق فهي مثل ما هم عليه من الوجل مما يترتب عليهم من عقوبة وخزي في الدنيا إذا انكشف أمرهم، فهم يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله ﷺ بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حذرًا على نفسه منها والله محيط بهم وجامعهم في جهنم. ثم قال سبحانه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. الخَطْف في لغة العرب: الاستِلاب. يقال: (برق خاطِف لنور الأبصار) - حكاه الرازي. فجعل سبحانه ضوء البرق وشدة لمعانه كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاعِ نوره. قال ابن عباس: (يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين). وقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقين من عِزِّ الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلامِ نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ... ﴾ الآية (٢)). وقال ابن عباس أيضًا: (أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على

стр. 144

استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ متحيرين). قال القرطبي: (والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تَبْهَرهم. ومن جعل ﴿الْبَرْقُ﴾ مثلًا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يُذهب أبصارهم). وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ منصوب لأنه ظرف. ويجوز أن تكون (كلما) بمعنى إذا، والجواب ﴿مَشَوْا﴾. والمفعول محذوف والتقدير: (كلما أضاء لهم البرق الطريقَ) وهذا وجه، والوجه الآخر: أن تكون أضاء وضاء سواء فلا حاجة لتقدير حذف مفعول. ذكره القرطبي. وفي قوله ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أكثر من تأويل (١): التأويل الأول: كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنِسُوا ومشَوا معه، فإدْا نزل من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه ويضلون به أو يكلفونه ﴿قَامُوا﴾ أي ثبتوا على نفاقهم. ذكره ابن عباس. التأويل الثاني: قيل: المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النِّعم قالوا: دين محمد مبارك، وإذا نزلت بهم مصببة وأصابتهم شدة سخِطوا وثبتوا في نفاقهم. ذكره ابن مسعود وقتادة. التأويل الثالث: كلما تكلموا بكلمة الإخلاص أضاء لهم من نورها، فإذا تحركت قلوبهم بالشك والتكذيب والتردد رجعوا إلى الظلمة، ذكره الربيع بن أنس. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (لما تركوا من الحق بعد معرفته). وقال الربيع بن أنس: (يعني أسماع المنافقين، وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس). قال القرطبي: (﴿لَوْ﴾ حرف تمَنٍّ وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عِزّ الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخصّ السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولًا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان).

стр. 145

وذهب بعض نحوي الكوفة أنه وحّد السمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. في حين ذهب بعض نحوي البصرة إلى أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي أطرافهم. قال ابن جرير: (ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار - من الجمع والتوحيد - كان فصيحًا صحيحًا). قلت: وخلاصة المعنى: (يكاد الوحي النازل يلمع في قلوب المنافقين فيظهر على ألسنتهم، فإذا نزلت التكاليف والشرائع انتكست قلوبهم لشدة أمراضها، وإذا تهددت مصالح معاشهم ودنياهم التي عظموها لاذوا إلى النفاق، ولو شاء الله لكشفهم وفضحهم وأخزاهم بسيوف المؤمنين أو حرمهم أسماعهم وأبصارهم التي استخدموها في نفاقهم). ثم قال تعالى يختم الآيات: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (وإنما وصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير). وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر. وفي صحيح الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١). قال القرطبي: (فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضًا).

стр. 146

٢١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: تذكير الله تعالى عباده أنه الخالق وحده لهم ولمن قبلهم، وأنه تعالى وحده ممهد الأرض ورافع السماوات ومنزل المطر ومخرج الثمار لعلهم يفردوه سبحانه بالتعظيم. وعن ابن عباس قال: (قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي وحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم). قال ابن مسعود. (يقول: خلقكم وخلق الذين من قبلكم). قال ابن جرير: (والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله - بقوله في تأويل قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدوه، أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه). وفي مسند البزار عن عبد الله قال: (كل شيء نزل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكة. وكل شيء نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة). وهو مروي عن مجاهد وعلقمة. قال القرطبي: (وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. وأما قولهما في ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فصحيح). لقد وجّه الله سبحانه الخطاب إلى الناس جميعًا -بما فيهم الذين ذكرهم من قبل من المنافقين واليهود والمشركين- بأن يفردوه سبحانه بالتعظيم والخضوع والمحبة. وهذا هو مفهوم العبادة. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنتُ رديفَ النبي ﷺ على حمارٍ، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذِّب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١).

стр. 147

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك] (١). وفي المسند وسنن الدارمي بسند جيد عن الطفيل بن سَخْبرة - أخي عائشة أم المؤمنين لأمها - قال: [رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى. فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طُفَيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده] (٢). وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: [آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وتعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتطيعوا لمن ولاه الله عليكم أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٣). ومن خير ما جمع مفهوم العبادة بآفاقها هذا الحديث العظيم: فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي والنسائي في السنن، والبخاري في التاريخ، بسند صحيح، عن الحارث الأشعري: أن نبي الله ﷺ قال: [إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن وأن يأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهن،

стр. 148

فكأنه أبطأ بهن، فأوحى الله إلى عيسى: إما أن يُبَلِّغَهن أو تُبَلِّغَهنَّ، فأتاه عيسى فقال له: إنك أُمِرت بخمس كلمات أن تعمل بهنَّ، وتأمَر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تُبَلِّغَهن وإما أن أبلِّغَهُنَّ، فقال له: يا روح الله إني أخشى إن سبقتني أن أعذبَ أو يُخسفَ بي، فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنَّ وآمرَكم أن تعملوا بهنَّ، وأولهُنَ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثلَ من أشركَ بالله كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورقٍ، ثم أسكنه دارًا، فقال: اعمل وارفع إليَّ، فجعل العبد يعمل ويرفع إلى غير سيِّده، فأيكم يرضى أن يكونَ عبدُه كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يُقبل بوجهه على عمده ما لم يلتفت. وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةُ مِسْكٍ في عِصابَةٍ كلُّهم يجدُ ريح المسك، وإن خَلُوفَ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة، ومثلُ ذلك كمثل رجل أسَرَه العدو فشدّوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا، ومثلُ ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعًا في أثره فأتى حِصنًا حصينًا فأحرز نفسه فيه، وإن العبدَ أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى. وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهنّ: الجماعةِ والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإنه من فارق الجماعة قِيد شبرٍ فقد خلع رِبْقةَ الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِعَ، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جُثاء جهنَم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين عبادَ الله] (١). قال عروة بن الزبير: (ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة).

стр. 149

وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال مجاهد: (لعلكم تطيعون) , أي لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه، وإقلاعكم عن ضلالتكم. وليس المراد بلعل هنا الشك، قال أبو جعفر: (وإنما معنى ذلك. اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة). قال القرطبي: ﴿لَعَلَّ﴾ متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتّقي). ثم ذكر تأويلات ﴿لَعَلَّ﴾ التي وردت في القرآن بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وخلاصتها: ١ - لعلّ: من الترجي والتوقّع. أي افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان. قال سيبويه في قوله : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] قال: معناه اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى. واختاره أبو المعالي. ٢ - لعلّ: مجردة من الشك بمعنى لام كي. أي لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا. كقول الشاعر: وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ... نكفُّ ووثقتم لنا كلّ موثق فلما كفننا الحرب كانت عهودكم ... كلَمْعِ سراب في المَلا متألِّقِ والمعنى: كفّوا الحروب لنكف، ولو كانت "لعل" هنَا شكًّا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قُطْرُب والطبري. ٣ - لعلّ: بمعنى التعرض للشيء. أي افعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. ومنه قول علي ﵁: (كنا إذا احمرّ البأس اتقينا بالنبي ﷺ ) أي جعلناه وقاية لنا من العدو. واختار القاسمي القول الأول، قال: (وفي إيراد ﴿لَعَلَّ﴾ تشبيه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجوّ منه أمرًا هيّن الحصول. فإنه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليها، ووعد، وأوعد، وألطف بما لا يحصى كثرة - لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان

стр. 150

اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه - مع تمكنه من خلافه - وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة الترجي). قلت: والوجوه الثلاثة لـ ﴿لَعَلَّ﴾ التي أفادها القرطبي ﵀ مقصودة شرعًا ومتفقة مع البيان الإلهي والنبوي. وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾. قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما: (فهي فراش يُمشى عليها، وهي المهاد والقرار). وقال قتادة: (مهادًا لكم). وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾. قال ابن عباس: (فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض). وقال قتادة: (جعل السماء سقفًا لك). والسماء في لغة العرب يُذَكَّرُ ويؤنَّث وجَمْعه (أَسْمِيَة) و (سماوات). قال الرازي: (والسماء كلُّ ما علاك فأظلّك ومنه قيل لسقف البيت سماء). فسميت السماء سماء لعلوها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء. ومنه قولهم: سما فلان لفلان، إذا أشرف له وقصد نحوه عاليًا عليه. قال ابن جرير: (وإنما ذكر تعالى ذكره السماء والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحق عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضر ولا تنفع). وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. الثمرات جمع ثمرة. وثِمار جمع ثمر. قال القرطبي: (والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات، وأنواعًا من النبات. ﴿رِزْقًا﴾ طعامًا لكم، وعَلَفًا لدوابكم،

стр. 151

وقد بيّن هذا قولُه تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. قال النسفي: (ومن في ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ للتبعيض أو للبيان ﴿رِزْقًا﴾ مفعول له إن كانت من للتبعيض ومفعول به لأخرج إن كانت للبيان). وخلاصة المعنى: إن الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها المنعم المتفضل عليهم بألوان الثمار والرزق قد استحق بهذا أن يُعبد وحده ولا يُشرك به غيره ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفي لغة العرب: ندّ البعير يندُّ ندًّا وندُودًا إذا نفر وذهب على وجهه شاردًا. ومنه قرأ بعضهم: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال. ذكره الرازي. وأندادًا واحدها نِدّ. قال أبو عبيدة: (أندادًا: أضدادًا). فالمعنى: (لا تجعلوا لله أكفاء وأمثالًا ونظراء). فإن قيل: كيف سمّاها أندادًا وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه بل يجعلونها شفعاء عنده؟ أجاب القاسمي ﵀: (بأنهم لما تقرّبوا إليها وعظموها وسمّوها آلهة - أشبهت حالهم حالَ من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكُّم. وكما تهكَّم بهم بلفظ الندّ شنّعَ عليهم واستفظع شأنهم، بأن جعلوا أندادًا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط). وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: [من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار] (١). وفي سنن النسائي ومسند أحمد عن ابن عباس: [أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله عَدلًا، ما شاء الله وحده] (٢). ورواه ابن مردويه بلفظ: (أجعلتني لله ندًّا) (٣). والمعنى واحد. قال ابن القيم ﵀: والشرك فاحذره، فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أيًّا ... كان، من حجر ومن إنسان

стр. 152

يدعوه، أو يرجوه، ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان واتخاذ الند على قسمين كما ذكر العلماء: ١ - أن يجعله لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها وهو من الشرك الأكبر. ٢ - ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: (ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ابتداء وخبر، والجملة حالية. ١ - قيل: عني بها جميع المشركين من مشركي العرب وأهل الكتاب. ٢ - وقيل: بل عني بذلك أهل الكتابين، أهل التوراة والإنجيل. فالأول: عن ابن عباس قال: (نزل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه). وقال قتادة: (أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا). والثاني: عن مجاهد: (﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل). وقال: (يقول: وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له في التوراة والإنجيل). واختار ابن جرير أن الخطاب عامٌّ للناس كافة قال: (لأنه تحدّى الناس كلهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾) وهو القول الأول الذي ذهب إليه ابن عباس وقتادة. فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم قبل ذلك بالختم والطبع والصمم والعمى؟ فالجواب من وجهين: الأول: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد العلم الخاص بأنه تعالى خلق الخلق وأنزل اللماء وأنبت الرزق فيعلمون أنه المنعم عليهم بذلك لا الأنداد.

стр. 153

الثاني: أن يكون المعنى (وأنتم تعلمون وحدانيّته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم). وقد ذكره القرطبي ثم قال: (وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. وقال ابن فُورَك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلو الله أندادًا بعد علمكم الذي هو نَفْيُ الجهل بأن الله واحد). ٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: يتحدى الله تعالى الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بسورة مثله ولو اجتمعوا. ألا ولن يستطيعوا وأصروا على الكفر فليتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة. لقد شرع في هذه الآيات في تقرير الركن الثاني من الشهادتين: "شهادة أن محمدًا رسول الله" بعد أن قرر في الآيات السابقة الركن الأول منها: "شهادة أن لا إله إلا الله" فخاطب الكفار بقوله. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاءكم به فعارضوه بنحو ما جاء به واستعينوا على ذلك بكل حاذق أو صاحب علم وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به. والريب في لغة العرب: الشَّك، والاسم الرِّيبة: وهي التهمة والشك. ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط سمّى نبيه عبدًا. فمقام العبودية لا ينازعه مقام. ثم إن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: من مثل القرآن. قال قتادة: (يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدقًا، لا باطل فيه ولا كذب). وقال مجاهد: (مثل القرآن). فيكون المعنى: فأتوا أيها الكفار بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.

стр. 154

التأويل الثاني: من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم. والمعنى: من بَشَرٍ أُمِّيّ مثله لا يكتب ولا يقرأ. واختار ابن جرير التأويل الأول لمناسبته السياق. التأويل الثالث: من مثل التوراة والإنجيل. فأعادوا الضمير في "مثله" على التوارة والإنجيل. فيكون المعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. ولا شك أن التأويل الأول هو الذي عليه الجمهور من العلماء. وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فيه أقوال متشابهة: الأول: أعوانكم ونصراءكم. قال ابن عباس: (يعني أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين). الثاني: ناس يشهدون. قال مجاهد: (قوم يشهدون لكم). وقال: (ناس يشهدون) أي أنكم عارضتموه. الثالث: آلهتكم. قاله الفرّاء. والمعنى كما قال ابن جُريج: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن). أي استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون الردّ على الجميع أوكدَ في الحجة عليهم. ودُون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفًا. و (الدُّون) الحقير. حكاه الرازي. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أنّ ذلك مختلق وأنه من كلام محمد ﵇، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك. حكاه النسفي. وقد ورد في التنزيل مثل هذا التحدي في أكثر من موضع:

стр. 155

قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)﴾ [هود: ١٣]. وقال جل ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨]. وقد تحداهم رسول الله ﷺ بذلك مرات عديدة في مكة والمدينة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع ذلك فقد عجزوا ولم يفلحوا. فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا. ولن عند سيبويه حرف موضوع لتأكيد نفي المستقبل. قال قتادة: (أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه). وقال ابن عباس: (﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فقد بين لكم الحق). قال القاسمي ﵀: (وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى. حيث كان الأصل: فإن لم تفعلوا فقد صحّ صدقه عندكم، وإذا صحّ ذلك كان لزومكم العناد، وتَرْكُكُم الإيمان به، سببًا لاستحقاقكم العقاب بالنار). وقال الحافظ ابن كثير ﵀: (أخبر (١) خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ ! وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟ . . . . ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يَحْسُن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه.

стр. 156

وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة، أو سير أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر عن الشيء الخفي أو الدقيق وإبرازه إلى المعنى الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر، هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته. وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وغلا، لا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا يَمَلُّ منه العلماء). قلت: والحق أنه أكبر معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، وهو أكبر من معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي أخرجوها لأقوامهم ودهشوهم بها. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: [ما من نبيّ من الأنبياء إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١). وكل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها، طويلة كانت أم قصيرة. قال الشافعي ﵀: (لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾). قال الحافظ ابن كثير: (وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخرها، ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر، يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك جفر نقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.

стр. 157

أي اتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم هذا الوحي وهذا النبي ﵊. فإن قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ جواب ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾. والوَقود بالفتح الحطب. والوُقود بالضم التوقد. قال النحاس: (كما أن الوَضوء الماءُ، والوُضوء المصدر). و﴿وَقُودُهَا﴾ مبتدأ و ﴿النَّاسُ﴾ خبره. وقرأ الحسن ومجاهد: "وُقُودُهَا" بضم الواو. يقال: وقَدَتِ النار تقِدُ وُقودًا ووَقَدًا وقِدَةً. والوَقْدة: شدة الحرّ. وأما الحجارة فهي -حسب تأويل بعض المفسرين- حجارة الكبريت، وهي أشد الحجارة حرًّا إذا أحميت. قال ابن مسعود: (هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا، يُعدّها للكافرين). وقال: (حجارة الكبريت، جعلها الله كما شاء). وقال: (حجارة من الكبريت خلقها الله عنده كيف شاء وكما شاء). وقال ابن عباس: (أما الحجارة، فهي حجارةٌ في النار من كبريت أسْود، يُعذبون به مع النار). وعن ابن جريج: (حجارة من كبريت أسودَ في النار، قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارة أصلب من هذه وأعظم). قلت: والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر). والكافر في كلام العرب هو الساتر شيئًا بغطاء. والكَفْرُ التغطية. فسمّى الله الكافر كافرًا لجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نعماءَه قِبَله. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (أعدت النار للجاحدين أن الله ربُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم، الذي جعل لهم الأرض فراشًا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأنداد والآلهة، وهو المتفرد لهم بالإنشاء، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق) انتهى. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، فقال الله للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم

стр. 158

بك من شئت، ولكل واحدةٍ منكما ملؤُها] وهذا لفظ مسلم (١). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [استأذنت النار ربَّها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا فأذِنَ لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف] (٢). وفي الصحيحين والمسند عنه عن النبي ﷺ قال: [نارُكم هذه التي توقِدُ بنو آدم، جُزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فضَلَتْ عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، كلُّهن مثل حرِّها] (٣). وفي لفظ عند الترمذي من حديث أبي سعيد: [ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نارِ جهنم، لكل جزء منها حرُّها] (٤). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [سمعنا وجبةً فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها] (٥). ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾. في هذه الآية: تبشير الله تعالى عباده المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار لهم فيها من أجمل الفواكه والثمار، وأطهر الزوجات، في خلود ونعيم مقيم. وأصل البُشارة في لغة العرب الخبر بما يُسَرُّ به المخبَر، والبُشارة بكسر الباء وضمها، ويقال: (أبشر إبشارًا) أي سُرّ. قال الرازي: (والبشارة المطلقة لا تكون إلا

стр. 159

بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيّدة به كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾). وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [بُشرى الدنيا الرؤيا الصالحة] (١). وفي صحيح أبي داود عن بريدة، عن النبي ﷺ قال: [بشِّر المشائين في الظُّلَم أبي المساجد بالنور التام يوم القيامة] (٢). وفي سنن النسائي عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: [بشِّر الناس أنه من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وجبت له الجنة] (٣). والجنات: جمع جنة، والجنة: البستان. قال ابن جرير: (وإنما عنى جل ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها- ولذلك قال عز ذكره: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. لأنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماءِ أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جارٍ تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض، فلا حظَّ فيها لعيون مَنْ ؤوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أن الذي توصف به أنهار الجنة، أنها جارية في غير أخاديد). قال مسروق: (نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نُزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود). وقد صح ذلك موقوفًا من كلام أنس وابن عباس (٤)، أنها أنهار تجري من غير أخدود. وقد جاء في الكوثر: "أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف" ولا منافاة بينهما. فقد أخرج البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: [بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٥). والأذفر الشديد الرائحة.

стр. 160

وأما أنهار الجنة فهي تتفجر من أعلاها -من الفردوس- ثم تنحدر نازلة. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة] (١). فقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فيه البشارة للأتقياء بعدما ذكر الوعيد والنكال للأشقياء. قال الحافظ ابن كثير: (وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال العلماء. . . وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله، وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك المتشابه). وقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا. فعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا). وقال مجاهد: (يقولون: ما أشبهه به). وقال ابن زيد: (﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرفونه). التأويل الثاني: قيل بل المعنى ما رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا. قال عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة: (نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرُها مثل القلال، كلما نُزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى). التأويل الثالث: قيل بل المراد مشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم. قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: (يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل. فيقول الملَك: كُلْ، فاللون واحد والطعم مختلف).

стр. 161

واختار ابن جرير القول الأول لأنه لا شك أن ذلك من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمارها، فلا شك أنه من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. وقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي: أتوا بما رزقوا من ثمار الجنة متشابها. وفي الآية أكثر من تأويل لهذا المتشابه: التأويل الأول: تشابهه أن كله خيارٌ لا رَذْل فيه. قال الحسن: (متشابها: خيارًا كلَّها لا رَذْل فيها). وقال: (ألم تَرَوْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل). وقال: (يشبه بعضه بعضًا، ليس فيه من رَذْل). وقال قتادة: (أي خيارًا لا رذلَ فيه، وإن ثمار الدنيا يُتَقّى منها ويُرْذَل منها، وثمار الجنة خيارٌ كله، لا يُرْذَلُ منه شيء). وقال ابن جُريج: (ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل، ومنه نقاوَةٌ، وثمر الجنة نقاوة كله، يشبه بعضه بعضًا في الطيب، ليس منه مرذول). التأويل الثاني: تشابهه في اللون واختلافه في الطعم. فعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ في اللون والمرْأى، وليس يُشبه الطعمَ). وقال مجاهد: (مِثل الخيار. قال: وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعْمه، مثلَ الخيار من القثّاء). وقال الربيع بن أنس: (يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم). التأويل الثالث: تشابهه في اللون والطعم. فعن مجاهد ويحيى بن سعيد: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قالا: في اللون والطعم). التأويل الرابع: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون، وإن اختلف طعومهما. فعن قتادة قال: (يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب). التأويل الخامس: قيل لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء، فعن ابن عباس قال: (ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء). وقال عبد الرحمن بن زيد: (يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التفاح بالتفاح والرمّان بالرمان، قالوا في الجنة: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم).

стр. 162

وأولى هذه التأويلات ما ذهب إليه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ من أن المراد: وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر مع ثمر الدنيا لكن الطعم والذوق مختلف لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل، وهذا يشبه التأويل الثاني والرابع والخامس. أخرج أبو نعيم في (صفة الجنة) بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا: [ليس في الجنة شيءٌ يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء] (١). قلت: وثمار الجنة موجودة الآن كما صحّ ذلك في السنة الصحيحة. ففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [عرضت عليّ الجنة حتى لو تناولت منها قطفًا أَخذته]. وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عمرو بلفظ: [عرضت علي الجنة، حتى لو مَدَدْت يدي تناولت من قطوفها] (٢). وفي صحيح الترمذي عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ قال: [أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلقُ من ثمار الجنة] (٣). (تعلقُ): تأكل. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. أزواج: جمع زوج. والمرأة: زوج الرجل. والرجل زوج المرأة. ويقال للمرأة أيضًا زوجة. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ ابتداء وخبر، وقوله ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ صفة للأزواج. قال القرطبي: (ومطهّرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ، ومعنى هذه الطهارة من الحَيْض والبُصاق وسائر أقذار الآدميات). وقال ابن جرير: (تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذىَ وقذىً وريبة، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمني، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره).

стр. 163

وقد نقل المفسرون تفصيل ذلك عن أئمة التأويل: ١ - عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أما أزواج مطهرة، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمْنَ). وقال ابن عباس: (مطهرة من القذر والأذى). ٢ - وعن مجاهد قال: (لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمْذِين) وقال نحوه في رواية أخرى وزاد: (ولا يُمْنِين ولا يحضن). وقال أيضًا: (مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد). وقال: (لا يَبُلْن ولا يتغوّطنَ ولا يحِضْنَ ولا يلدن ولا يُمنين ولا يبزُقنَ). ٣ - عن قتادة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، إي والله من الإثم والأذى). وقال: (طهّرهن الله من كل بول وغائط وقذر، ومن كل مأثم). وقال: (مطهرة من الحيض والحَبل والأذى). ٤ - عن الحسن قال: (يقول مطهرة من الحيض). وقال، عطاء: (من الولد والحيض والغائط والبول). قلت: ووصف أزواج أهل الجنة بأنهن ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يشمل إضافة لما ذكر -من الطهارة من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمني والأذى- الطهارة من مساوئ الأخلاق والعادات وما يعتري النساء في الدنيا من الكيد والمكر والغيرة وغير ذلك. وقد أشار القاسمي ﵀ إلى ذلك بقوله: (ويجوز لمجيئه مطلقًا، أن يدخل تحته الطهر من دَنَس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهنّ وكيدهن). كما أشار الإمام النسفي في تفسيره إلى هذا بقوله: (مطهرة من مساوئ الأخلاق لا طمحات ولا مرحات أو مما يختص بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس). قال ابن القيم: (والمطهرة: مَنْ طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا. فطهّر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ).

стр. 164

وفي صحيح البخاري عن أنس مرفوعًا: [لغدوة (١) في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده -يعني سوطه- من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا، ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها (٢) على رأسها خير من الدنيا وما فيها]. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (إن لولي الله في الجنة عروسًا لم يلدها آدم ولا حواء، ولكن خلقت من زعفران) (٣). قلت: وأما قول مجاهد (ولا يلدن) ففيه نظر. ففي صحيح الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا: [لمؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنُّهُ في ساعة واحدة كما يشتهي] (٤). فإن كان المقصود نفي التوالد المعهود في الدنيا وما يعقبه من نفاس ومتاعب أو ما يسبقه من أطوار الحمل وأعراضه فهو صحيح كما دلت عليه الآية السابقة. وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم). وقد جاء معنى الخلود في السنة الصحيحة: ففي الصحيحين والمسند عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يُجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بينَ الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قدْ رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئِبُّون، فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، فيؤمر به فيذبَح، ويقال:

стр. 165

يا أهل الجنة خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار خلودٌ ولا موت] (١) ٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾. في هذه الآيات: إن الله تعالى لا يخشى ولا يمتنع من ذكر أي شيء مما قل أو كثر من أجل إثبات هذا الحق ونصره وإبطال حجج المبطلين والمعاندين. فيوقن المؤمنون، ويستهزئ الكافرون: الذين ينقضون ميثاق الله الذي أخذه عليهم ويفسدون في الأرض، وأولئك هم الخاسرون. وقوله: ﴿يَسْتَحْيِي﴾ أصله في لغة العرب يستحييُ فلما استثقلت الضمة على الياء سكنت. وقيل معنى لا يستحيي لا يخشى، وقيل: لا يترك، وقيل: لا يمتنع. قال الرازي: (وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ أي: لا يستبقي). وأما تفصيل ذلك كلام المفسرين: ١ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ لا يخشى. قال ابن جرير: (إن الله لا يخشى أن يضرب مثلًا، ويستشهد على ذلك. . . بقول الله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]-وينسب ذلك لبعض أهل العربية- قال: ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناس والله أحق أن تستحيه فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء). ٢ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أي لا يترك. قال النسفي: (أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من

стр. 166

تخوف ما يعاب به ويذم ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به، ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما ما يستحي رب محمد أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع). ٣ - ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أي لا يأمر بالحياء فيه. قال القرطبي: (وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفًا من مواقعة القبيح، وهذا مُحال على الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره). قلت: والحياء صفة لله تعالى أثبتها لنفسه وهي كما يليق بجلاله سبحانه، فلا يرافق ذلك ما يوصف بحال العبد من الانقباض وغيره، فإن الله ليس كمثله شيء، وإنما جاءت السنة الصحيحة بإثبات هذه الصفة الكريمة: ففي المسند وصحيح أبي داود عن يعلى بن أمية، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر] (١). وفي المسند وصحيح أبي داود والترمذي وابن ماجة عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفرًا خائبتين] (٢). وهو في صحيح الحاكم بلفظ: [إن الله رحيم، حَيِيٌّ، كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيهما خيرًا]. فيكون المعنى: إن الله لا يخشى ولا يمتنع من ذكر أي شيء مما قل أو كثر من أجل إثبات هذا الحق ونصره وإبطال حجج المبطلين والمعاندين. وأما المراد من الآية وسبب نزولها ففيه أكثر من تأويل:

стр. 167

التأويل الأول: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين -يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، الآيات الثلاث- قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾). التأويل الثاني: عن الرّبيع بن أنس قال: (هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتَتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلؤوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]). وفي رواية عنه قال: (فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلؤوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله فأهلكهم). التأويل الثالث: عن قتادة قال: (أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قلّ منه أو كثر. إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾). وفي رواية: (لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾). قال: (البعوضة أضعف ما خلق الله). واختار ابن جرير قول ابن مسعود وابن عباس وهو التأويل الأول فيما ذكرناه، وتابعه في ذلك الحافظ ابن كثير فقال: (وهو مناسب، ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما). وذهب بعض أهل اللغة أن (ما) هنا للتقليل وتكون بعوضة منصوبة على البدل (واختاره ابن كثير). في حين اختار آخرون منهم (ابن جرير) أن (ما) موصولة وبعوضة معربة بإعرابها. وقيل بل ﴿بَعُوضَةً﴾ منصوبة بحذف الجار، والتقدير: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها. (اختاره الفراء). وإنما المعنى كما قال مجاهد: (﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾، يعني الأمثال صغيرها

стр. 168

وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به). وقوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. فيه تأويلان: الأول: فما هو أعظم منها. قال قتادة وابن جُريج: (المعنى في الكِبَر). فيكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، واختاره ابن جرير. الثاني: فما دونها في الصغر والحقارة والقلة. قال الكسائي وأبو عبيدة: (معنى ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ - والله أعلم- ما دونها، أي إنها فوقها في الصغر). قال الكسائي: (وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيرًا؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك، أي هو أقصر مما ترى). ويبدو من السنة الصحيحة أن التأويل الأول أقرب للصواب: ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: أما من مسلم يشُاكُ شوكة فما فوقها إلا كُتِبَت له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة] (١). وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما من مسلمٍ يصيبُه أذى شوكةٌ فما فوقَها، إلا حطَّ الله لهُ به سيئاته، كما تحطُّ الشجرة ورقَها] (٢). وفي جامع الترمذي عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: [لو كانت الدنيا تعدِلُ عند الله جناحَ بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربةَ ماء] (٣). وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.

стр. 169

أي: يوقن المؤمنون أن المثل الذي ضربه الله، لما ضربه له، مثل. وأما المنافقون والكفار فيستهزئون به ويكفرون ويضلون. فعن الربيع بن أنس: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلام الله ومن عنده). وقال قتادة: (أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله). وقال مجاهد: (يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها، ويضل بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به). وهذه الآية تشبه آية المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني المؤمنين. فيزيد هؤلاء ضلالًا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضربه له، وأنه لما ضربه له موافق. فذلك إضلال الله إياهم به. ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني المثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلًا، وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به). وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. قال ابن عباس: (هم المنافقون). وقال الربيع بن أنس: (هم أهل النفاق). وقال قتادة: (فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم). وقال، مجاهد: (يعرفه الكافرون فيكفرون به). وأصل الفِسق في لغة العرب: الخروجُ عن الشيء. قال الرازي: (فَسَقت

стр. 170

الرُّطبة: خرجت عن قِشرها). ومنه سميت الفأرة فُوَيْسِقة لخروجها عن جُحرها (١). وفى التنزيل: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي خرج عن طاعته واتباع أمره. فسمي الكافر أو المنافق فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (وما يُضل الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضلال من أهل النفاق). ولا شك أن المراد بالآية الفاسق الكافر، فإن الفاسق يشمل الكافر والعاصي ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية بعدها ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقد تكرر ذكر هذه الصفات للكفار المباينة لصفات المؤمنين في سورة الرعد. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. أصل النقض في كلام العرب إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد. قال الرازي: (والنُّقَاضة بالضم ما نُقِضَ من حَبْل الشَّعْر. و (المناقضة) في القول أن يتكلم بما يتناقض معناه). واختلف في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه على أقوال: القول الأول: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ . ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به. القول الثاني: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، فقد نقضوا عهد الله

стр. 171

عليهم في التوراة بالتصديق بمحمد ﷺ واتباعه، فجحدوا ذلك وكتموا العلم بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليُبَيِّنُنّه للناس ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا. القول الثالث: قيل بل المراد جميع أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وَضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجَّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق. القول الرابع: قيل بل العهد المقصود هو الميثاق الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الموصوف بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾. واختار ابن جرير أنها نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مهاجَر رسول الله ﷺ ، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شِركه من أهل النفاق. ويبدو أن الآية عامة في جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وهو القول الثالث، وقد روي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال الحافظ ابن كثير: (وهو حسن، وإليه مال الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمرٌ وصّاهم به ووثّقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى﴾ إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾). قال أبو العالية: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهَرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حَدَّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا

стр. 172

كانت الظَّهَرَة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا). وقال السدي: (هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه). وقال قتادة: (فإياكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليفِ به لله). قلت: وقد حذّر النبي ﷺ من نقض العهد مع الله سبحانه ومع رسوله ﷺ وبين أن ذلك نذير سوء في حال الأمة وعلامة من علامات هلاكها. فقد أخرج ابن ماجة والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: [يا معشر المهاجرين! خِصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ. لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقُصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشِدَّة المؤنة، وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطْر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئِمّتهم بكتاب الله ويتحرَّوا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم] (١). وله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: [خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموتُ، ولا طفّفوا المِكيال إلا مُنعوا النبات وأخِذوا بالسِنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطرُ] (٢). وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. فيه أقوال: الأول: قيل المراد به صلة الأرحام والقرابات. قال قتادة: (فقطع والله ما أمر الله به

стр. 173

أن يوصل بقطيعة الرّحم والقرابة). وفي التنزيل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. واختاره ابن جرير وقال: (وإنما عنى بالرّحم، أهلَ الرحم الذين جمعتهم وإياهُ رحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من برِّها. ووصْلُها: أداء الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجب لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها). الثاني: قيل أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. الثالث: قيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم. الرابع: قيل بل المراد أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه. وتأولوا ذلك بأن الله ذمهم بقطعهم رسول الله ﷺ والمؤمنين وأرحامهم. ومن ثم فالآية عامة في وصل وإحكام الصلة بدين الله وعبادته في الأرض وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. قال القرطبي: (هذا قول الجمهور، والرَّحم جزء من هذا). قلت: ولا شك أن القول الرابع بشمل كل ما سبق، فالآية عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. و ﴿مَا﴾ في محل نصب بـ ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ و ﴿أَنْ﴾ بدل من ما أو من الهاء في ﴿بِهِ﴾ أي بوصله، أو في موضع رفع والتقدير: هو أن يوصل. وقوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال القرطبي: (أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون، في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا غاية الفساد). وقال النسفي: (بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان). وقال القاسمي: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء بالحق، وقطع الوُصَل التي بها نظام العالم وصلاحه). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال ابن عباس: (كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل "خاسر" فإنما يعني به الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب). والخاسر في لغة العرب: من خسر الشيء إذا نقصه، فهو الذي نقص نفسه حَظَّها

стр. 174

من الفلاح والفوز. والخُسْران: النقصان. والخسار والخسارة والخَيْسَرَى: الضلال والهلاك. قال بعضهم: (أولئك هم الخاسرون: أي الهالكون). قال ابن جرير: (فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته). وقال النسفي: (الخاسرون: أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب). والخلاصة: فالخاسرون هم الناقصون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته كما يخسر الرجل من تجارته بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاثَ مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: المُسْبِل، والمنّان، والمُنَفِّق سِلْعته بالحلف الكاذب] (١). ٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: يحتج على الجاحدين المعاندين بوجوده وقدرته وتصريفه للخلق والحياة والموت. فهو -تعالى- الذي خلق الأرض ثم علا على السماوات السبع بعد أن سواهن وقد أحاط بكل شيء علمًا. فقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. في تفسيره أكثر من تأويل: التأويل الأول: خلقهم حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة. قال ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ

стр. 175

وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يقول: لم تكونوا شيئًا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة). وعن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال: (هي كالتي في البقرة: ﴿كَوَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾). وقال مجاهد: (لم تكونوا شيئًا حين خلقكم، ثم يميتكم الموتة الحقّ، ثم يحييكم). وقال أبو العالية: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، يقول: حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رجعوا إليه بعد الحياة). وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، قال: (كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، وهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه إحياءة. ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى. ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه إحياءة. فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾). التأويل الثاني: يحييهم في القبر ثم يميتهم. فعن السدي، عن أبي صالح قال: (يحييكم في القبر، ثم يميتكم). التأويل الثالث: يخلقهم ويحييهم بعد أن كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم ثم يميتهم ثم يبعثهم. قال قتادة: (كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله وخلقهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان). التأويل الرابع: الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها. ثم يحييها بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تارات تأتي عليها. ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور، فيردّ في جسده روحه، في مود حيًّا سويًّا لبعث القيامة. فذلك موتتان وحياتان. واختار ابن جرير قول ابن مسعود وابن عباس من أن معنى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾

стр. 176

أمواتَ الذكر، خمولًا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَييتم، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. والآية تشبه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. قال قتادة: (نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض). أي: لتتقوا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وخَلقَ: أي اخترع وأوجد بعد العدم. و (ما) بمعنى الذي. و (لكم) للانتفاع. قال ابن العربي: (وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرًا ولا إباحة ولا وقفًا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته). وقال أبو عثمان: (وَهَب لك الكلَّ وسخّره لك لتستدل به على سَعة جُوده، وتَسْكُن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بِرّه على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النّعم قبل العمل وهو التوحيد). وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. أما الاستواء فذكر فيه المعاني التالية: الأول: الإقبال. قال بعضهم: (معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها).

стр. 177

الثاني: عَمدَ لها. قيل: (كل تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مُستوٍ لما عَمَدَ له، ومستوٍ إليه). الثالث: العلو. قال القرطبي: (والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾). قال ابن عباس: (ثم استوى إلى السماء: صَعِد). وممن قال ذلك أيضًا من الأوائل -أهل التفسير- الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، يقول: ارتفع إلى السماء). واختاره ابن جرير وقال: (وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾، علا عليهن وارتفع، فدبّرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سماوات): قلت: ولا شك أن اختيار ابن جرير لمعنى الاستواء بالعلو والارتفاع هو الذي ينسجم مع بقية آيات الاستواء في القرآن. وقد رُوي عن الإمام مالك ﵀ أن رجلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! قال مالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه). فائدة: قال القرطبي ﵀: (يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في "حم السجدة". وقال في النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أولًا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضًا وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمر إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، ثم دحا (١) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلفها غير مَدْحُوّة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولًا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك).

стр. 178

قلت: وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: [خلق الله التوبة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١). وأما قوله ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبّرهن وقوّمهن. قال ابن جرير: (والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة. قال: فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ). قال الربيع بن أنس: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قول: سوّى خلقهن). والسماء تكون واحدة مؤنثة، أو جمعا لسماوة (قاله الأخفش) أو جمعًا لسماءة (قاله الزجاج) وجمع الجمع (سماوات وسماءات). قال القرطبي: (فجاء ﴿سواهن﴾ إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس. ومعنى سوّاهن سوّى سطوحهن بالإملاس. وقيل: جعلهن سواء). فائدة: جاء التصريح في القرآن أن السموات سبع، وحُمِلَ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، أي مثلهن في العدد، وقيل في غلظهن وما بينهن. ولا شك أن الأرضين سبع كالسماوات، وقد دلت على ذلك السنة الصحيحة: ففي صحيح مسلم عن سَعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من أخذ

стр. 179

شبرًا من الأرض ظُلْمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يأخذ أحدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، إلا طَوَّقَهُ الله إلى سبعِ أَرَضينَ يوم القيامة] (٢). وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو: [. . . فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله. .] (٣) الحديث. وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. عليم بمعنى عالم. قال ابن عباس: (العالم الذي قد كمل في علمه). ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. في هذه الآية: يمتن الله سبحانه على بني آدم بذكرهم في الملأِ الأعلى قبل خلقهم وإيجادهم، ليعرفوا قدرهم عند بارئهم، وليُدْركوا يومًا قيمة وجودهم وعظيم ما خُلقوا له فيقوموا بحق الله سبحانه عليهم بالتعظيم والعبادة وإقامة شرعه في الأرض. والملائكة في لغة العرب جمع مَلأَك، وإنما اشتهر بغير الهمز فيقال في واحدهم ملك من الملائكة، وأصل ذلك من لأَكَ إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة. ومنه قول عدي بن زيد: أبلغ النعمان عني ملأكًا ... إنه قد طال حبسي وانتظاري فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رُسل الله بينه وبين أنبيائه.

стр. 180

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾. فيه تأويلان: التأويل الأول: إني فاعل. قال قتادة: (قال الله تعالى ذكره لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل). التأويل الثاني: إني خالق. قال أبو روق: (كل شيء في القرآن ﴿جعل﴾ فهو خلق). والأول أقرب للسياق، وبه أخذ شيخ المفسرين ابن جرير ﵀، حيث قال: (والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي مستخلف في الأرض خليفة، ومُصَيِّرٌ فيها خلفًا). وقيل ﴿الْأَرْضِ﴾ هي مكة، ولا دليل على هذا التخصيص. وأما (الخليفة) فهو من خلف فلان فلانًا في الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، فالمقصود قوم يخلف بعضهم بعضًا. وفي التنزيل تأكيد ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. ٢ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. ٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. ٥ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل). وقال ابن جرير في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: (يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. من ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا). فهذا معنى قوله جل ذكره: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
следующие страницы →