← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

علمًا ومعرفة، وعملًا وحالًا: يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد. فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها، كان كلا نوعي قصده فاسدًا. وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبهِ غير الله وعبوديته: من المشركين، ومتبعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءها، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل. فإذا جاء الحق معارضًا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلكَ دفعوه دفع الصائل. فإن عجزوا عن ذلكَ حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان وعزله عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرًا لهم، وكان لهم صالوا به وجالوا، وأتوا إليهِ مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. والمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم، وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها، واضمحلت وفنيت، حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم أعظم الناس ندامة وتحسرًا، إذا حقَّ الحق وبطل الباطل، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة، وهذا يظهر كثيرًا في الدنيا، ويظهرُ أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله. ويشتدُ ظهورهُ وتحققه في البرزخ. وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء، إذا حقت الحقائق، وفاز المحقون وخسر المبطلون، وعلموا أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغرورين، فيا لهُ هناك من علم لا ينفع عالمه، ويقين لا ينجي مستيقنه، وكذلكَ من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى، ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه، وهي من أعظم القواطع عنه، فحاله أيضًا كحال هذا. وكِلاهما فاسد القصد، ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء: ١ - عبودية الله لا غيره. ٢ - بأمره وشرعه. ٣ - لا بالهوى.

стр. 72

٤ - ولا بآراء الرجال وأوضاعهم، ورسومهم وأفكارهم. ٥ - بالاستعانة على عبوديته به. ٦ - لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره. فهذه هي أجزاء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التام. وما نقص من الشفاء فهو لِفوْتِ جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر. ثم إن العبد يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد. وهما الرياء والكبر. فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء. فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضهِ وأسقامه، ورَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه و ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحقَّ لسورة تشتمل على هذين الشفاءين: أن يُسْتَشْفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، ... فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله كلامه، وفهمت عنه فهمًا خاصًّا، اختصها به، من معاني هذه السورة). ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ورقيته اللديغ بالفاتحة وما حصل بها من الشفاء ثم قال: (فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه. فأغنته عن الدواء. وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء. هذا مع كونِ المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين، أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلًا). انتهى. قلت: فمن أقام منهج ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا سبيل للجن بالدخول إليه، والحياة معهُ، أو مسه بشِرٍّ أو إيذاء، فإن مردة الجن لا تستطيع النفوذ

стр. 73

إلى من حقق العبودية لله وكان ممن يستعين بالله بصدق على كبح وساوس النفس والشيطان، لئلا يفسد تفلتها عليه حياته ودينه. وكان شيخ الإسلام يقول: (تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو سؤال العون على مرضاته. ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. والنون في ﴿نَعْبُدُ﴾ تخبر عن جِنْسِ العباد، والمصلي واحد منهم. وقيل: للتعظيم، لأن العبد داخل العبادة شرفه عظيم وجاهه عريض. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذه هي هداية التوفيق والإلهام. وقد فسر الآية ابن عباس بقوله: (ذلكَ الإسلام). وفسَّرها مجاهد فقال: (هو الحق). وفسرها أبو العالية فقال: (هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده). وقد كرر سؤال الهداية مع أن قائلًا قد يقول هي حاصلة! والتحقيق في ذلك أن العبد بحاجة إلى الثبات والاستمرار على الحق في كل لحظة من لحظات عمره، ولو حصل له غفلة لَهَمَّ بهِ الشيطان لِينتهزَ فرصة ليفسدَ عليه يقينه وهدايته، فلولا احتياجهُ إلى سؤال الهداية ليلًا ونَهارًا لما أرشدهُ إليها سبحانه. وهذا المعنى متضمن في سؤال المؤمنين ربهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. وبقوله في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... ﴾. وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، صراطَ بدل. قال ابن عباس: (صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين، وذلكَ نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾). وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾. قال الحافظ ابن كثير: (وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنْعمت، والمعنئ: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة .. غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، ثم قال: وأكَّد الكلام بلا، ليدل على أن ثمَّ مَسْلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، ليجتَنبَ كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على

стр. 74

العلم بالحق والعمل بهِ، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضبُ لليهود، والضلال للنصارى). يروي الترمذي بِسند صحيح عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ قال: [اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضلال] (١). وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: إنّهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين] (٢). ومعنى "آمين": اللهم استجب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا أمّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافقَ تأمينُه تأمين الملائكة غفرَ له ما تقدمَ من ذنبه] (٣). تم تفسير سورة الفاتحة بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 75

دروس ونتائج وأحكام ١ - الاستعاذة واجبة لتلاوة القرآن في الصلاة وخارجها. ٢ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن، ورقية من السحر وشفاء للأبدان. ٣ - الفاتحة هي أمّ القرآن، وأم الكتاب، وهيَ السبعُ المثاني- لأنها تثنى في الصلاةِ فتقرأ في كل ركعة. ٤ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من آيات الفاتحة، وقراءتها في الصلاة واجبة. ٥ - استقرار الأمر في عهد النبي ﷺ على الإسرار بالبسملة في الصلاة. ٦ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أفضل الذكر، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أفضل الدعاء. ٧ - توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، فالرب المالك هو الإله المعبود. ٨ - الجمع في السورة بين الترهيب والترغيب. فقوله: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فيه ترهيب، وقوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيه ترغيب. ٩ - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي سرّ الفاتحة وأصل هذا الدين. ١٠ - تكرار سؤال الهداية في كل ركعة من كل صلاة إنما هو للثبات على الحق واليقين، والتغلب على الغفلة والهوى وهمزات الشياطين. ١١ - الإنعامُ يالطاعة على العبد إنما هو فضل من الله، والضلال والضياع إنما هو من عقوبات الله. ١٢ - اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال. ١٣ - تأمين المأمومين إنما هو بعد تأمين الإمام. ١٤ - من وافق تأمينهُ تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه.

стр. 76

٢ - سورة البقرة هذه السورة العظيمة مدنية كلها بلا خلاف، وهي من أوائِل ما نزل في المدينة. وقيل: إن قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ هو آخر ما نزل من القرآن وذلك قبل وفاته ﵊ بأيام. وكذلك آيات الربا هي من آخر ما نزل. قال بعضهم: وهي -أي سورة البقرة- مشتملة على ألف خبر وألف أمر وألف نهي. وقيل إنها مكونة من (٢٥٥٠٠) حرفًا موزعة على (٦٢٢١) كلمة، في (٢٨٧) آية. أخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁: [أنه رمى الجمرة من بطن الوادي فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام من أنزلت عليه سورة البقرة] (١). قال ابن عباس ﵄: (نزلت بالمدينة سورة البقرة) - ذكره ابن جرير. ولقد اشتملت هذه السورة العظيمة على أبواب كثيرة من الخير، وجمعت من العلم الشيء الوفير، وثبت في الصحيحين أنه قرأ بها صلوات الله وسلامه عليه وبسورتي آل عمران والنساء في ركعة واحدة من الليل. ففي صحيح الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: [صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركعُ عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة

стр. 77

فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه] (١). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد في فضل هذه السورة الكريمة أحاديث كثيرة: الحديث الأول: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ. إن الشيطان يَنْفِرُ من البيت الذي يُقرَأُ فيه سورة البقرة] (٢). وفي رواية: [لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان]. وله شاهد رواه الحاكم والدارمي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا ومرفوعًا، ولفظه: [إن لكل شيء سنامًا، وسنام القرآن سورة البقرة، وإن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تقرأ خرج من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة] وسنده صحيح (٣). زاد الدارمي في رواية: (وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل). قلت: ولعمرو الله كم يحتاج المسلمون اليوم إلى أن يتوقفوا عند هذا النص العظيم، الذي يخبرهم به الوحي الكريم، عن سبب طرد الشياطين من بيوتهم ومنعهم من دخولها، ألا وهو التزامهم بقراءة سورة البقرة وتدبرها والعمل على تعظيم أحكامها، إذ يقتضي مقامها إخراج المنكرات من البيوت وعدم النظر إلى العورات أو السهر عليها، فإذا فعلوا ذلك أبطل الله سحر السحرة وفتنة المودة الذين يهمون وينشطون حَيْث المخالفات الشرعية. الحديث الثاني: يروي الشيخان واللفظ للإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري، أنّ أُسَيد بن حُضير قال: [بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عندَه، إذْ

стр. 78

جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبَه، ولما أخّرَه رفع رأسه إلى السماء فإذا مثلُ الظلة، فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: اقرأ يا ابن حُضير! اقرأ يا ابن حُضير. قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى (وفي لفظ: قد أشفقت يا رسول الله على يحيى) وكان منها قريبًا، فانصرفت إليه، ورفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظُّلّةِ، فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم] (١). وفي لفظ للإمام مسلم: (عَرَجَتْ في الجو، بدل: فخرجت على صيغة المتكلم) (٢). وفي رواية للإمام أحمد: (اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو عند القرآن). فلقد نزلت الملائكة لسماع سورة البقرة يقرؤها بعض الأصحاب في جوف الليل حتى دنت بحيث لم تستطع الدابة تحمل نورها، فهاجت ثم سكنت ثم هاجت ثم سكَنت إذ ارتفعت. الحديث الثالث: يروي الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، واللفظ له، عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما] (٣). شَرْقٌ: أي ضوء ونور. والفِرْق: طائر، أي طائفتان من الطير. وله شاهد في صحيح الإمام مسلم أيضًا من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اقرؤوا القرآن فإبه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فِرقان من طير

стр. 79

صوافَّ تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة] (١). الغيايتان: ما يكون أدون منهما بالكثافة وأقرب إلى رأس صاحبهما، فالغياية ما أظلك من فوقك. وقوله: "صَواف" أي مصطفة متضامنة. والبطلة: السحرة. أي لا تستطيع التأثير على صاحبها. وقيل: لا تستطيع حفظها. الحديث الرابع: يروي الترمذي والنسائي والحاكم بسند صحيح عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها الشيطان] (٢). وأصل معناه في الصحيحين عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه] (٣). الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته] (٤). الحديث السادس: أخرج النسائي والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ قال: [بعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا فقال: ما معك يا فلان؟ فقال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه

стр. 80

فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومَثَلُ مَنْ تعلَّمَهُ فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكِي على مِسْك] (١). أوكي: أي ربط. وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: (هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس). موضوع السورة بيان صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، وقصة البقرة وذم الفلسفة والتنطع في الدين، وتفصيل بديع لشرائع وأحكام هذا الدين. - منهاج السورة - ١ - تعظيم كتاب الله تعالى، فكله هدى، وهو نور للمتقين. ٢ - الإيمان بالغيب أول صفات المؤمنين، ثم يتبعه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ٣ - وجوب الإيمان بالكتب السماوية جميعها وبمن نزلت عليهم. ٤ - ذكر جزاء الكفار والمنافقين وصفاتهم، بعد ذكر صفات المؤمنين وفلاحهم. ٥ - المنافقون أصحاب وجهين: يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. ٦ - التهاون بإدخال مرض النفاق إلى القلب يزيد الله قلب صاحبه مرضًا. ٧ - المنافق يراوغ ويتستر ويدعي الإصلاح إذا نهيته عن نفاقه. ٨ - المنافقون يدّعون الإيمان عند المؤمنين، ويعتذرون لرؤسائهم بأنهم يسخرون. ٩ - المنافقون ربحوا الخسارة، إذ اشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى. ١٠ - المنافقون يعرفون الحق، ويرتكسون في الكفر متحيرين. ١١ - يا أيها الناس: إن الذي خلقكم ورزقكم هو المستحق للإفراد بالعبادة والتعظيم. ١٢ - تحدي الله الثقلين، أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، فإن عجزوا فليحذروا نار الجحيم التي أعدت للكافرين.

стр. 81

١٣ - بشارة الله تعالى للمؤمنين العاملين، بالجنة وما فيها من النعيم المقيم. ١٤ - البعوضة خلقها الله ووظائفها، وهو لا يستنكف أن يضرب المثل بها. ١٥ - الأرض خلقها الله ومهدّها، ثم خلق السماوات السبع بأرجائها، واستوى على العرش فوقها. ١٦ - مفهوم الخلافة والاستخلاف في الأرض. ١٧ - فهم الملائكة أن بعض ذرية آدم ستفسد في الأرض وتسفك الدماء، وتعليم الله تعالى آدم أسماء الأشياء. ١٨ - أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس استكبر فأثم. ١٩ - خَلْقُ الله حواء من آدم، ونَهْيُهما عن الأكل من شجرة معينة في الجنة، وضعفهما أمام غواية إبليس، وأمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض. ٢٠ - توسُّل آدم إلى الله بالاعتراف بالذنب، وطلب المغفرة، وعفو الله عنه. ٢١ - إخبار الله تعالى أنه سيبعث الأنبياء وينزل الكتب، فمن اتبع الرسل أصاب ونجا، ومن خالفهم ضل وهلك. ٢٢ - تذكير الله بني إسرائيل بنعمه عليهم، وحثّه لهم على التمسك بالحق وعدم لبسه بالباطل، وألا يقولوا ما لا يفعلون. ٢٣ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة من أكبر العون في الثبات على الأمر. ٢٤ - لا شفاعة ولا فدية للكافرين في دار القرار، ولا نجاة لهم من بأس الله وعذاب النار. ٢٥ - امتنان الله على اليهود بإنجائهم من إذلال فرعون لهم، ثم بعفوه عنهم بعد عبادتهم العجل، وتوبتهم بقتل بعضهم بعضًا، ثم بتفضله عليهم أثناء التيه بالمن والسلوى. ٢٦ - تبديل اليهود شكر نعم الله عليهم بالاستهزاء، ليستحقوا بذلك الرجز والعذاب والبلاء. ٢٧ - ما آمن بنو إسرائيل حتى كاد الجبل يسقط عليهم، والعاصون مسخوا قردة وخنازير. ٢٨ - تشديد بني إسرائيل على أنفسهم حتى شدّد الله عليهم، وأداهم عنادهم وجدلهم لشراء بقرة بملءِ جلدها ذهبًا.

стр. 82

٢٩ - إحياء القتيل ببعض أجزاء البقرة تنبيه وحجة لله على المعاد. ٣٠ - الحجارة ألين من قلوب بني إسرائيل لتكذيبهم بالحق بعد رؤيته. ٣١ - استحقاق اليهود اللعن من الله نتيجةَ تحريف الحكم عن مواضعه وهم يعلمون، وقد كانوا يستفتحون بمحمد ﷺ فيحدثون عنه العرب، فلما أظهره الله من العرب جحدوه وكذبوه. ٣٢ - زَعْمُ اليهود أن النار لا تمسهم إلا مدة عبادتهم العجل، وإعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم، ثم نقضه ابتغاء عرض الدنيا. ٣٣ - تَعامُل اليهود مع أنبيائهم بالتكذيب والقتل، فقلوبهم غلف قد طبعت على الكفر، فلقد حرفوا التوراة وكفروا بمحمد، وباؤوا بغضب على غضب، والقرآن يتحدى ادعاءهم الإيمان، بقتلهم الأنبياء والصالحين وأهل العلم والإحسان. ٣٤ - اليهود كتموا ما في التوراة من البشارة ببعثة محمد ﵊، بل تركوا التوراة وأقبلوا على تعلم السحر واتهموا به سليمان ﵇، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر، ويفرقون بين المرء وزوجه، وما أنزل الله السحر على الملكين وحاشا لله أن يأمر الملكين بتعليم الناس السحر. ٣٥ - الأمرُ بالعفو والصفح أول الأمر، وذمّ قريش بمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. ٣٦ - نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة، والأمر باستقبال الكعبة. ٣٧ - تشابه قلوب المشركين وأهل الكتاب بسؤالهم ما لا حاجة لهم به. ٣٨ - الثناء على إبراهيم ﷺ ، وأنه كان حنيفًا مسلمًا، لا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وأمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الشرك والأصنام، وذكر قصة هاجر وابنها إسماعيل. ٣٩ - تعليم جبرائيل إبراهيم ﵉ مناسك الحج جميعًا. ٤٠ - الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، واليهود كتموا شهادة التوراة بنبوةِ محمد وأن الدين عند الله الإسلام. ٤١ - الثناء على أمة محمد أمته الوسط في العالمين، وهي أمة الشهادة على الناس يوم الدين. ٤٢ - الأمر باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض في الصلاة.

стр. 83

٤٣ - تكاتم علماء أهل الكتاب علمهم بصحة رسالة محمد ﷺ ونبوته. ٤٤ - أَمْرُ الله المؤمنين بمقابلة نعمته عليهم بالإسلام، بالشكر له والطاعة والإحسان، والثناء على المسترجعين عند حلول المصائب والآلام. ٤٥ - تأكيد ركنية السعي بين الصفا والمروة في الحج. ٤٦ - كتم أهل الكتاب صفة محمد ﷺ في كتبهم جوزوا به لعن كل لاعن. ٤٧ - المخلوقات تدل على الخالق، والمُنْعم المتفضل هو المستحق للشكر والعبادة، والأكل الحلال سبب لتقبل الدعاء، وكَتْمُ الحق يُعَرِّضُ صاحبه لأقسى البلاء، والمتقون هم الموفون بعهد الله إليهم، والبر صفة لأهل الإيمان والتصدق بأحب المال لديهم. ٤٨ - أمْرُ الله تعالى بالعدل في القصاص: النفس بالنفس والعين بالعين. ٤٩ - تشريع الوصية، والتحذير من تبديلها، ورفع الجنف ليس تبديلًا. ٥٠ - تشريع صيام شهر رمضان، شهر نزول القرآن، والمقيم يصومُ، والمسافر والمريض يفطران، ودين الله يسر، ولا يجب التتابع في قضاء صيام المعذور، والله تعالى قريب يجيب الدعاء. ٥١ - إباحة الطعام والشراب والجماع في الليل إلى الفجر في شهر رمضان. وتشريع الاعتكاف في المسجد وذكر أحكامه وآدابه. ٥٢ - للحاكم الاجتهاد في الحكم وفق قواعد الشريعة وله أجره، وعلى المحتال وزره. ٥٣ - دخول العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وعلى المتمتع الهدي، وتشريع الفدية لحلق الرأس من الأذى، وحج التمتع إنما هو للآفاقيين لا لأهل الحرم، والحج لا رفث فيهِ ولا فسوق ولا جدال، وخير الزاد التقوى. ٥٤ - الرخصة في التعجّل في الحج، والإفاضة من عرفات إنما هي عند الغروب، وتأكيد المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر فيها، وذكر الله عند المشعر الحرام، والشكر على نعمة الهداية، والإكثار من ترداد: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ٥٥ - المنافقون: ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصبر.

стр. 84

٥٦ - ربح صهيب ... يتخلى عن ماله، ويهاجر ابتغاء مرضاة ربه. ٥٧ - دعوة المؤمنين لحمل الدين بقوة: الأخذ بكافة الأوامر، وترك كافة الزواجر. ٥٨ - هل ينتظر الكفار يوم القيامة حتى يؤمنوا؟ إنهم يسخرون من المؤمنين، والعاقبة للمتقين يوم القيامة، لقد ضل أهل الكتاب قبلهم عن الحق واهتدى إليهِ المسلمون بفضل الله عليهم، ولا بد من الابتلاء والصبر وإن نصر الله قريب. ٥٩ - فَرْضِيَّة الجهاد، والقتال في الشهر الحرام كبير، والشرك والصد عن المسجد الحرام أكبر، ومغفرة الله للسرية التي قاتلت المشركين في رجب الشهر الحرام. ٦٠ - إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما، وهو تمهيد للتحريم القاطع. ٦١ - فصل مال اليتيم عن مال وليه، ثم إباحة خلطه بماله. ٦٢ - تحريم المصاهرة بين المؤمنين والمشركين، وتحريم إتيان الحائض حتى تطهر. ٦٣ - لا ينبغي جعل الأيمان مانعة لأعمال البر والصلة، ولا يمين في معصية ولا غضب ولا قطيعة رحم ولا فيما لا يملك. ٦٤ - النهي عن الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، فإما الرجعة وإما الطلاق. ٦٥ - البعل أحق برد امرأته ما دامت في العدة، وقصر الله الطلقات إلى ثلاث، وإباحة الرجعة مرتين، والنهي عن الإعضال، والخلع لا يكون إلا حالة النشوز، وتَرُدّ له ما أعطاها، وهو فسخ لا طلاق، والعدة منه حيضة. ٦٦ - المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول إلا بعد زواج حقيقي من غيره يعقبه طلاق. ٦٧ - ليس لأهل الزوجة منعها إذا أرادت الرجوع إلى زوجها. ٦٨ - الرَّضاعُ المُحَرِّمُ في الحولين، ولا تحرم الأم ولدها الرضاع إضرارًا بأبيهِ، ولا ينتزعهُ منها ليضرها. ٦٩ - عدة الوفاة: تشمل المدخول بها وغير المدخول بها، وعدة الحامل حتى تضع. ٧٠ - لا عقد في عدة الوفاة، ويلمح بالخطبة، ولا تخطب المطلقة في عدتها. ٧١ - الطلاق قبل المس يوجب نصف المهر. ٧٢ - الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وصلاة الحضر أربع، وصلاة السفر اثنتان، وصلاة الخوف واحدة.

стр. 85

٧٣ - المتوفى عنها زوجها لها السكن والنفقة سنة، من مال زوجها إن شاءت، وعدتها أربعة أشهر وعشر وجوبًا في بيت الزوجية. ٧٤ - لا يُخرج من البلد الذي دخله الوباء، ولا يُدخل إليهِ ما دام الوباء فيه. ٧٥ - الإنفاق في سبيل الله يضاعف الله به الحسنات. ٧٦ - طَلَبُ بني إسرائيل ملكًا عليهم ثم استكبارهم عن طاعته، وهبوط الملائكة بالتابوت إلى طالوت، ونصر الله المؤمنين، وتولي داود النبوة والملك. ٧٧ - لا يفضل نبي على نبي إلا بدلالة الكتاب والسنة. ٧٨ - آية الكرسي أفضل وأعظم آية في كتاب الله تعالى. ٧٩ - الطاغوت كل ما عبد من دون الله برضاه، والإيمان بلا إله إلا الله، محمد رسول الله هو العروة الوثقى. ٨٠ - ذكر معجزة عملية على أحقية البعث والمعاد، واطمئنان قلب إبراهيم برؤية كيفية إحياء الله الموتى. ٨١ - تضاعف أجر المنفق في سبيل الله إلى سبع مئة وزيادة. ٨٢ - المنّ بالصدقات قولًا كان أو فعلًا يبطلها. ٨٣ - مثل نهاية الكافر، كالرجل الهرم الذي فقد أهله وماله. ٨٤ - الإنفاق يجب أن يكون من أطيب المال، والشيطان يعد الفقر، والله يعد المنفق خلفًا ومغفرة، وإبداء الصدقات حسن، وإخفاؤها أحسن. ٨٥ - يبعث آكل الربا من قبره كأنه المصروع والمجنون، ومن تاب عن الربا قبل الله توبته، ومن عاد فالنار تنتظره، واللعن على آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، ومال الربا ممحوق في الدنيا، معذب صاحبه في الآخرة، وقد أعلن الله الحرب على المرابين، وللتائب رأس المال. ٨٦ - إنظار المعسر أو الوضع عنه ثواب صاحبه الدخول في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. ٨٧ - وجوب كتابة الدين والإشهاد وتثبيت الحقوق، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، ولا يضار كاتب ولا شهيد، ومفهوم الرهان المقبوضة في السفر. ٨٨ - النهي عن كتمان الشهادة.

стр. 86

٨٩ - نسخ المحاسبة على حديث النفس، وتقرير المحاسبة على العمل. ٩٠ - للنفس ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهو الرحمن الغفور الرحيم. * * *

стр. 87

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. في هذه الآيات: انتصار من الله تعالى لكتابه الكريم، فهو القرآن العظيم، والمصحف المبين، الذي يتحدى بإعجازه الثقلين، فهو الكتاب الأوحد في هذا الكون الذي سَلِمَ مِنَ الرَّيب والعيب، وكل كتاب دونه يتقدم مؤلفه بالاعتذار إن حصل فيه تقصير، أو مجانبة للصواب في البيان والتفسير، وأما هذا القرآن فقد أعلن الله تعالى في أوله متحديًا فصحاء الجن والإنس وجميع الخلق أنه الكتاب الكامل، والمنهاج الشامل، والنور التام للمتقين، الذين يتميزون بإيمانهم بالغيب المتضمن بين دفتي هذا المصحف الشريف، وفي هدي نبيّهم الطاهر العفيف، خير الخلق صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. ثم إنهم يقيمون الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة المكتوبة، على أكمل الوجوه وأتم المراتب، ويؤمنون بالكتب المنزلة من الله على رسله، كما يؤمنون بالكتاب المنزل على رسولهم محمد ﷺ ، ويؤمنون بيوم الدين، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين، فهم أهل الهدى وأهل الفلاح في الدنيا والآخرة. فإلى تفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿الم﴾. إنّ هذه الحروف المقطعة في أوائل السور قد ردَّ كثير من أهل العلم تفسيرها إلى الله سبحانه، وأنها مما استأثر الله تعالى بعلمه، حكاه القرطبي عن بعض أهل العلم، وأن ذلك مروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، كأبي بكر

стр. 88

وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وعن بعض التابعين كعامر الشَّعبي وسفيان الثوري ﵏ جميعًا. وقال آخرون: هي قسم. وقال غيرهم: هي حروف من أسماء الله. وروي ذلك عن ابن مسعود -وناس من الصحابة- قال: (أما ألم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى). قال ابن جرير: (ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة، كما ذكر أبو العالية). قلت: والذي يظهر من استقراء مواقع هذه الحروف في أوائل بعض السور، أن كل سورة افتتحت بها لا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان عظمته وإعجازه، فكأن المراد أن يقال: أيها العرب! إن هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف فأتوا بمثله وعارضوه بنحوه وأنتم أهل البيان والفصاحة! فهو تحد من الله لهم وإعجاز يدلهم أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل. ففي تسع وعشرين سورة تقرأ هذا الانتصار للكتاب بعد استقبال السورة بهذه الحروف: ١ - سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. ٢ - سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. ٣ - سورة الأعراف ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ... ﴾. ٤ - سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. ٥ - سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. ٦ - سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ٧ - سورة الرعد: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ. . .﴾. ٨ - سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. . .﴾. ٩ - سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾. ١٠ - سورة مريم: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢). . .يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.

стр. 89

١١ - سورة طه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَ﴾. ١٢ - سورة الشعراء: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. ١٣ - سورة النمل: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِين﴾. ١٤ - سورة القصص: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾. ١٥ - سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) .. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾. ١٦ - سورة الروم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) ... وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. ١٧ - سورة لقمان: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. ١٨ - سورة السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ١٩ - سورة يس: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. ٢٠ - سورة ص: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. ٢١ - سورة غافر: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ٢٢ - سورة فصلت: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ٢٣ - سورة الشورى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ... وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... ﴾. ٢٤ - سورة الزخرف: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ٢٥ - سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. ٢٦ - سورة الجاثية: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ٢٧ - سورة الأحقاف: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ٢٨ - سورة (ق): ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. ٢٩ - سورة (ن): ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.

стр. 90

والخلاصة كما أفاد شيخ الإسلام ﵀: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.- ثناء على القرآن. أما قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ قال ابن عباس: (أي هذا الكتاب). وقال الحافظ ابن كثير: (والكتاب القرآن، ومن قال التوراة أو الإنجيل فقد أبعد النجعة). وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في هذا القرآن، ولا شك في أنه نزل من عند الله. ومن المفسرين من وقف على قوله ﴿لَا رَيْبَ﴾ ثم بدأ بـ ﴿فِيهِ هُدًى﴾، ومنهم من وقف على ﴿فِيهِ﴾ وهو أولى، لأنه يصير قوله تعالى ﴿هُدًى﴾ وصف للقرآن كله، وهذا أبلغ من كونه فيه هدى. فإن ﴿هُدًى﴾ إما في محل رفع مبتدأ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو في محل نصب حال. ومعنى ﴿هُدًى﴾ أي خير ونور. وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي). أي لا يعظمون أحدًا إلا الله، ولا يصرفون مشاعر الخوف وكمال المحبة والرجاء إلا إليه سبحانه، فيفردونه بالألوهية والحاكمية وينزهونه في صفات الجمال والكمال التي تليق به جل ثناؤه. وأصل التقوى من التوقي مما يكره. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى: (فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى). وقد أنشد ابن المعتز بهذا المعنى فقال: خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى وهذا الثناء من الله سبحانه بقوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يكون اختصاصًا بهم دون غيرهم كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].

стр. 91

وكقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فالتقوى هي امتثال أوامر الله وتعظيم حرماته واجتناب نواهيه، وقد ورد الأمر بها في الكتاب والسنة. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]. ٣ - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ٤ - وقال تعالى في وصف المتقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وأما في السنة العطرة، فقد جاء الأمر بها بألفاظ خاصة وعامة. فمن الألفاظ الخاصة: اللفظ الأول: (اتق المحارم). فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، والبيهقي في السنن، بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: [قال رسول الله ﷺ : من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيَعْمَل بهن أو يُعَلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسًا قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب] (١). اللفظ الثاني: (اتقوا الظلم). فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله

стр. 92

عنهما، عن النبي ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة] (١). وأصله في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر بلفظ: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحَّ، فإن الشحَّ أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (٢). اللفظ الثالث: (اتقوا دعوة المظلوم). ففي المسند بإسناد حسن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب]. وله شاهد عند الطبراني في الكبير من حديث خزيمة بن ثابت بلفظ: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين] وسنده حسن (٣). وروى الحاكم نحوه من حديث ابن عمر ولفظه: [اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة] وسنده صحيح (٤). اللفظ الرابع: (اتقوا النار). ففي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا النار ولو بشق تمرة] (٥). وفي رواية: [اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة]. اللفظ الخامس: (اتقوا الملاعن الثلاث)، (اتقوا اللاعنين).

стр. 93

ففي صحيح أبي داود وابن ماجة عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا الملاعن الثلاث: البرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل] (١). ورواه أحمد بسند حسن من حديث ابن عباس، ولفظه: [اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل يُستَظَلُّ فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء]. وأصل معناه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: [اتقوا اللاعنين: الذين يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم]. اللفظ السادس: (اتقوا المجذوم). فقد أخرج البخاري في التاريخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا المجذوم، كما يتقى الأسد] وسنده صحيح (٢). اللفظ السابع: (اتقوا الحمّام). يروي الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [اتقوا بيتًا يُقال له الحمام، فمن دخله فليستتر] وسنده صحيح (٣). اللفظ الثامن: (اتقوا المذابح). يروي الطبراني عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [اتقوا هذه المذابحَ يعني المحاريب] والمراد صدور المجالس، وسنده حسن (٤). وأما اللفظ العام فهو أشملها وأكملها (اتقوا الله): ففي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال: [اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم] (٥).

стр. 94

وفي المسند عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: [اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن] (١). وفي صحيح ابن حبان من حديث جابر بن سليم، عن النبي ﷺ قال: [اتق الله، ولا تحقون من المعروف شيئًا] (٢). وعند البخاري في الأدب المفرد عن علي، عن النبي ﷺ قال: [اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم] (٣). وفي صحيح الجامع من حديث أم سلمة بلفظ: [اتقوا الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم]. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن سهل بن الحنظلية، عن النبي ﷺ قال: [اتقوا الله في البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة] (٤). وعند ابن عساكر بسند حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [اتقوا الله وصلوا أرحامكم] (٥). والخلاصة: إن لفظ التقوى لفظ جامع لكل محاب الله، واجتناب لكل ما يكره. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ففي قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾. قال ابن عباس: (يؤمنون: يصدقون). وقال ابن جرير: (والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا). وقد فصّل الحافظ ابن كثير في ذلك فقال: (أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

стр. 95

فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا). وإلى هذا المعنى ذهب أئمة الحديث والفقه وحكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وغير واحد إجماعًا أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وأنه كلمة جامعة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وتصديق الإقرار بالفعل. فهذا الإيمان يزيد بالطاعات وامتثال أوامر الله وتعظيمها فوق كل أمور الدنيا وما فيها من زينة وولد ومنكح ومشرب وملبس ومطعم، كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وكقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. وكقوله في آية التوبة: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وكذلك في آية الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فالمؤمن يزداد إيمانًا بسماع كلام ربه وذكر الآخرة وأهوال المحشر، كما يزداد إيمانًا برؤية الصالحين والعلماء الذين يعيشون لخدمة ميراث النبوة والعمل لإقامة أمر الله وحراسة دينه في الأرض، كما يزداد إيمانًا بالعمل الصالح ومباشرة محاب الله . وأما فعل المعاصي واجتراح الفواحش والآثام فهو انتقاص من الإيمان وتهديد لبنائه، وبه يخسر المؤمن من إيمانه حسب درجة معصيته. ففي صحيح أبي داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان على رأسه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه] (١). وروى الحاكم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: [كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ:

стр. 96

﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلي قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾]. وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن مُحَيْريز قال: [قلت لأبي جُمعة: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ . قال: نعم. أحدثك حديثًا جيدًا: تَغَدَّينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجَرَّاح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خيرٌ منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني] (١). وفي رواية عند ابن مَرْدَويه أوردها الحافظ ابن كثير من طريق أبي جمعة الأنصاري قال: [كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة. فقلنا يا رسول الله؟ هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا"، مرتين]. قلت: وهذان الأثران يصلحان شاهدين لما ثبت بإسناد أقوى عند ابن نصر في السنة وعند أبي نعيم في الحلية: فقد أخرج ابن نصر في السنة بإسناد صحيح -رجاله ثقات- عن عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: [إن من ورائكم أيامَ الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم] (٢). وأخرج أبو نعيم في الحلية بإسناد حسن في الشواهد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: [أنتم اليوم على بينة من ربكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله، ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش وستحولون عن ذلك فلا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر ولا تجاهدون

стр. 97

في سبيل الله، القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا. قالوا: يا رسول الله: منا أو منهم؟ قال: لا بل منكم] (١). وفي هذه النصوص العظيمة بشائر لكل مؤمن يواجه الباطل ويتصدى لأهل الضلالة والبغي ودعاة الكفر في الأرض، ويحمل الحق بأمانة ويقوم بمقتضاه، أن يكرمه الله بأجر خمسين من خير هذه الأمة أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا السبق هو في الأجر لا في الفضل، فالصحابة رضوان الله عليهم لهم من المنزلة والمكانة ما لا يبلغها أحد دونهم. فقد أخرج الإمام أحمد عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا ما بلغتم أعمالهم] (٢). والخلاصة: لقد كان الإيمان بالغيب من أكبر صفات المؤمنين الأوائل، أصحاب النبي ﷺ ، وسيكون هذا الإيمان أصعبا وأشق على المؤمنين الذين سيأتون من بعدهم، ممن لم ير النبي ﷺ ولا المعجزات التي أكرمه الله بها، الأمر الذي رتب الله سبحانه عليه فضلًا كبيرًا في الأجر وسبقًا لا مثيل له. وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ - فيه تفاسير: ١ - قال ابن عباس: (أي يقيمون الصلاة بفروضها). ٢ - قال الضحاك: (إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها). ٣ - قال قتادة: (إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها). ٤ - وقال العلامة القاسمي ﵀: (ولهذا لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ و ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ ولم يقل المصلي إلا في المنافقين ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ

стр. 98

سَاهُونَ﴾ وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل). وروي عن بعض السلف قوله: (الحاج قليل والركب كثير). وأما قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيشمل الزكاة والإنفاق. قال ابن عباس: (زكاة أموالهم). وقال الحافظ ابن كثير: (وقبل نزول الزكاة كانت النفقات يتقربون بها إلى الله قدر ميسرتهم وجهدهم). وقد اختار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ أن الآية عامة في الصدقات والنفقات وفي الزكاة كما سيأتي تفصيله. ولقد كان الإنفاق في سبيل الله والإكثار من الصدقات صفة ملازمة للمتقين الذين وصفهم الله بالتقوى في أول هذه السورة، فالإنفاق في طاعته سبحانه جزء من منهجهم ومَعْلَمٌ من معالم طريقهم لنيل مرضاة ربهم، كما أن إقامة الصلاة ركن من أركان دينهم الذي يكتمل بإقامة الأركان الأخرى. ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهه، أن النبي ﷺ قال: [بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان] (١). والصلاة لغة الدعاء، ثم استعملت في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، وفي ذلك مسائل: المسألة الأولى: إقامتها بأركانها الموصوفة في حديث المسيء صلاته، وتشمل: ١ - النية. ٢ - تكبيرة الإحرام. ٣ - قراءة الفاتحة. ٤ - القيام في الفرض. ٥ - الركوع والاطمئنان فيه. ٦ - الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا مع الطمأنينة.

стр. 99

٧ - السجود مع الطمأنينة فيه. ٨ - الرفع من السجود مع الاطمئنان. ٩ - السجدة الثانية والردع منها. ١٠ - التسليمة الأولى. ١١ - الطمأنينة في كل ما ذكر. ١٢ - الترتيب لكل ما ذكر. ففي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه: [أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالسٌ في ناحية المسجد فصلي. ثم جاء فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصلّ. فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل. فصلى. ثم جاء فسلم فقال: وعليك السلام فارجع فصل فإنك لم تصل. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيرَ هذا فعلمني (وفي رواية: علمني يا رسول الله) فقال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها] (١). وروى مالك بإسناد صحيح عن النعمان بن مُرّة أن رسول الله ﷺ قال: [ما ترون في الشارب والزاني والسارق؟ وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هُنَّ فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها] (٢). وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: [تلك صلاة المنافق يجلس يرقب

стр. 100

الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا] (١). وروى الطبراني وابن خزيمة بإسناد حسن عن أبي عبد الله الأشعري: [أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي. فقال رسول الله ﷺ : لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد ﷺ . ثم قال: مثل الذي لا يُتم ركوعه وينقر في سجوده مثلُ الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئًا] (٢). وروى أبو القاسم الأصبهاني وحسنه الألباني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع] (٣). المسألة الثانية: إقامتها على وقتها. قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وقال ابن مسعود ﵁: (إن للصلاة وقتًا كوقت الحج). المسألة الثالثة: إقامتها على وجهها. ويدخل بذلك: أ- حسن الوضوء وإتمام الطهور. ففي صحيح ابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه] (٤). وأركان الوضوء ستة: ١ - النية.٢ - غسل الوجه: عرضًا من شحمة الأذن اليمنى إلى شحمة الأذن اليسرى وطولًا من منبت الشعر إلى أسفل اللحيين.٣ - غسل اليدين إلى المرفقين.٤ - مسح

стр. 101

الرأس كله.٥ - غسل القدمين إلى الكعبين.٦ - الموالاة: أي غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بلا فاصل زمني. وأدلة ذلك: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، يصف وضوء رسول الله ﷺ وفيه: [ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه] (١). وفي صحيح ابن ماجة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [رأى رسول الله ﷺ قومًا يتوضؤون وأعقابهم تلوح. فقال: ويل للأعقاب من النار. أسبغوا الوضوء] (٢). وفي المسند وصحيح أبي داود عن خالد بن معدان، أن النبي ﷺ : [رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يُصِبْهَا الماء، فأمره أن يعيد الوضوء (زاد أبو داود: والصلاة)] (٣). ب- إتيانها في المسجد مع الجماعة. فإن ذلك داخل في إقامتها، وهو واجب على من سمع النداء إلا من عذر: مرض أو سفر أو نحو ذلك. ففي صحيح ابن ماجة عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر] ورواه أبو داود (٤). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخِّصَ

стр. 102

له فيصلي في بيته فرخّص له، فلما ولّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجِبْ] (١). ورواه النسائي وابن ماجة وفيه: (إني كبير ضرير شاسع الدار). وله شاهد عند الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: [أقبل ابن أم مكتوم وهو أعمى، وهو الذي أُنْزِل فيه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ - وكان رجلًا من قريش - إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله! بأبي وأمي أنا كما تراني، قد دَبَرَتْ سني، ورقّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يُلايمني (٢) قياده إياي، فهل تجد لي رخصةً أصلي في بيتي الصلوات؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تسمع المؤذن في البيت الذي أنت فيه؟ قال: نعم يارسول الله. قال رسول الله ﷺ : ما أجدُ لك رخصة، ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوًا على يديه ورجليه]. وممن يرى أن حضور الجماعات فرض أحمد بن حنبل، وعطاء، وأبو ثور. وقال الشافعي: (لا أرخِّصُ لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر). فكل ما سبق من المسائل داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ - فيه تفاسير: ١ - قيل الزكاة المفروضة. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم). ٢ - نفقة الرجل على أهله. وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁، ولأن هذا الإنفاق أفضل النفقة والصدقة. وفي الصحيحين عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة] (٣).

стр. 103

وفيهما عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيرَ مفسدة كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجرُه بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا] (١). وفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ قال: [ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك] (٣). وكذلك في صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : [أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله. (وفي رواية: أفضل الدنانير: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله ] (٤). قال أبو قلابة أحد رواة الحديث: (وبدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم). وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي أيوب، قال رسول الله: [أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح] (٥).

стр. 104

وفي صحيح أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أفضل الصدقة جهدُ المُقلِّ، وابدأ بمن تعول] (١). وفي المسند عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (٢). ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: [صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة]. ٣ - قيل بل المراد صدقة التطوع. قال الضحاك: (كانت النفقة قربانًا يتقربون بها إلى الله جل وعزّ على قدر جِدَتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في براءة). والمقصود قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ - قيل إنها ناسخة لقوله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ - وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. ٤ - قيل بل المراد الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة. قال القرطبي: (لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضًا، ولما عدل عن لفظها كان فرضًا سواها). ٥ - قيل بل المراد مما علمناهم يُعلِّمون. فقد روي عن أبي نصر القشيري قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: (أي مما علمناهم يعلّمون) ذكره القرطبي. ٦ - وقيل المراد حظّ المال. قال بعضهم: (الإيمان بالغيب حَظُّ القلب، وإقام الصلاة حَظُّ البدن، ومما رزقناهم ينفقون حَظُّ المال). قلت: وأصل الإنفاق في لغة العرب إخراج المال من اليد، نحو قولهم نفقَ البيع: أي خرج من يد البائع إلى المشتري، ويقال: نفق البيع ينفُقُ نَفَاقا، وأنفق الرجل: افتقر وذهب ماله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾. ونفقت الدابة إذا ماتت

стр. 105

وخرجت روحها. وأما الرزق فهو مصدر (رزق) وهو ما ينتفع به والجمع أرزاق، والرزق أيضًا العطاء وقيل الشكر نحو قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلون شكركم تكذيبكم. فيكون المعنى بالجمع بين أقوال المفسرين: إن الله سبحانه قد وصف المؤمنين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة كما وصفهم بالإنفاق من المال الحلال الطيب الذي رزقهم، فهم ينفقونه في سبيل الله، فيؤدون حقه الأول وهو الزكاة المفروضة، ثم يؤدون حقه الثاني فينفقون منه في عون المؤمنين والمحتاجين والفقراء والمساكين وفي وجوه الخير التي لا يحصميها إلا الله، فإذا ما احتاجت الأمة إلى أموالهم بذلوها في ما يعين به الله على حراسة دينه وتعظيم حرماته وبلوغ أسباب القوة بكل أشكالها وأنواعها، وقائدهم بهذا نبيّهم ﷺ وصحابته هم أسوتهم. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، عن أبي واقد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو كان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان، لأحب أن يكون لهما ثالثٌ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب] (١). وقد تفضل عليهم ربهم لقاء صفة البذل والإنفاق فيهم، بأن تصدق عليهم عند وفاتهم بثلث أموالهم. فقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن معاذ وأبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، وجعل ذلك زيادة لكم في أعمالكم] (٢). وقد ذهب شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ إلى هذا الشمول في معنى الإنفاق حيث قال: (وأولى التأويلات - بالآية وأحقّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين، زكاة كان ذلك أو نفقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عمّ وصفهم إذ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبها

стр. 106

دونَ نوعٍ بِخبرٍ ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يَشُبْهُ حرام). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوا هم به من ربهم). وقال صاحب الظلال: (وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة وارثة العقائد السماوية ووارثة النبوات منذ فجر البشرية). والآخرة تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا. وقد قيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة. والإيقان هو إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي لغة العرب: أيقنت واستيقنت وتيقّنْت كله بمعنى واحد وهو اليقين أي العلم وزوال الشك. وربما استعمل العرب اليقين بالتعبير عن الظن أو عبروا عن اليقين بالظن. فوصف الله أولئك المتقين بالإيمان بالوحي واليقين بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان والحشر وكل ما أخبر الله ورسوله عن أمر الآخرة فهم مصدقون به معتقدون بحصوله يدينون الله بالإيمان به، وهم من ذكر هذه الأهوال مشفقون خائفون وجلون. والوحي الذي أنزل الله على رسوله ﷺ هو القرآن والشرع العظيم المجموع في هديه وسنته، وأما الوحي الذي أخبرنا الله أنه أنزل من قبله فهو الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم. فالتوراة: كتاب من كتب الله سبحانه، أنزله على كليمه موسى ﵊، لبيان الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة المَرْضية، والتبشير بظهور نبي من بني إسماعيل تختم به النبوة للبشرية، ويهديهم إلى لشرع الكمال والجمال. قال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤].

стр. 107

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولكن التوراة الموجودة اليوم بين أيدي اليهود محرفة أصابها ما أصابها. قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. ومما يدل على تحريفها أنه ليس فيها ذكر الجنة والنار وحال البعث والحشر والجزاء مع أن ذلك من أهم ما يذكر في الكتب الإلهية. ومما يدل على تحريفها أيضًا ذكر وفاةِ موسى ﵇ فيها في الباب الأخير منها والحال أنه هو الذي أنزلت عليه. أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة] (١). وأما الزبور فهو كتاب الله تعالى أنزله على نبيِّه داود ﵊، كما قال سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. والزبور كتاب كريم فيه أدعية وأذكار ومواعظ وحكم، ولكن ليس فيه أحكام شرعية، لأن داود ﵇ كان مأمورًا باتباع الشريعة الموسوية. وأما الإنجيل ففيه دعوة الخلق إلى توحيد الخالق ، ونسخ بعض أحكام التوراة الفرعية على حسب الاقتضاء، والتبشير بظهور خاتم الأنبياء محمد ﵊، كما قال سبحانه في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وأخرج ابن عساكر بإسناد حسن عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ

стр. 108

قال: [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخر من بشّر بي عيسى بن مريم] (١). ولكن الإنجيل بصفته التي أنزله الله على عيسى ﵇ قد أصابه ما أصابه من التحريف والتبديل، وظهرت بعد رفْعِ المسيح ﵊ إلى السماء أناجيل كثيرة، حتى تم إلغاؤها بعد أكثر من مئتي سنة من رفعه، تخلصًا من التناقضات التي لحقت بها، وذلك في مجمع نيقيا سنة ٣٢٥ للميلاد، حيث اجتمع كثير من البطارقة والأساقفة وتوصلوا بعد حوار ونقاش إلى الإذعان للملك قسطنطين ومَنْ قال بألوهية المسيح، ونسخ جميع تلك الأناجيل إلا أربعة، وهي أناجيل (متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا) وهؤلاء قد ألفوها وبعضهم لم ير المسيح ﵇ أصلًا. ويقال إن متى هو أحد حواريّي المسيح عيسى ﵇ الاثني عشر، جال في البلاد مبشرًا حتى وصل الحبشة، فأقام فيها نحوًا من ثلاث وعشرين سنة إلى أن قتل سنة ٧٠ للميلاد. وأما مرقص فيقال إن اسمه يوحنا ولقبه مرقص، وليس من الحواريين، ولكنه لازم خاله برنابا، وقتل في سجنه سنة ٦٢ للميلاد، وقيل إنه كان يكره القول بألوهية المسيح ﵇. وأما لوقا: فولد في أنطاكية ودرس الطب ونجح فيه، ولم ير المسيح ولم يسمع منه، ولكنه لازم بولس (المسمى بالرسول) والمعروف بتحريفه للديانة النصرانية، وقد حدثت أكثر المجازر بتخطيطه فقد كان يهوديًّا. وأما يوحنا: فهو أحد الحواريين الاثني عشر، مات سنة ٦٥ للميلاد بعد اضطهاد. وجملة القول: إن الإنجيل هو كلام الله أنزله على عيسى وبشر فيه بنبوة محمد ﷺ وهو كتاب كريم يدعو إلى التوحيد ودين الإسلام. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريمَ في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).

стр. 109

وبنو العلات. هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى. ثم كان بعد ذلك يا محمد ما أنزل إليك وهو القرآن العظيم. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. والقرآن هو آخر كتاب من الله إلى البشر، يُسألون عن التحاكم إليه يوم القيامة، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١). وقد روي عن بعض السلف وصف هذا القرآن بقوله: (كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سعته حتى قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حَكَمَ به عَدَل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم). وقد اختلف فيهم من هم المعنيون بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ على ثلاثة أقوال: ١ - هم الموصوفون أولًا، هم الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم كما قال مجاهد وأبو العالية، ورجحه الحافظ ابن كثير ﵏ حميعًا. ٢ - هما واحد مؤمنو أهل الكتاب والواو عاطفة. ٣ - الموصوفون أولًا مؤمنو العرب والموصوفون ثانيًا هم مؤمنو أهل الكتاب. وقد روي هذا عن ابن مسعود وعن ابن عباس واختاره ابن جرير.

стр. 110

قلت: والراجح أن الآية عامة في كل مؤمن ومؤمنة، عربي أو عجمي، كتابي وغير كتابي، إنسي أو جني، فلا تصح أي صفة من الأوصاف السابقة دون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا مع الإيمان بما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبما جاء به نبيّنا محمد ﵊ خاتم الأنبياء والمرسلين. قال مجاهد: (أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين). وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]. وقال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢]. فالأمر لجميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه وباليوم الآخر، ولكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، أنهم يؤمنون بما في أيديهم مفصلًا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا بمحمد ﷺ وما أنزل إليه كان لهم الأجر مرتين. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثة يؤتون أَجْرَهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بِنبيِّه، وأدرك النبي ﷺ فآمن به،
следующие страницы →