← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

التحاكم لما أنزل الله كان من الظالمين. وفي الآيات: أن عيسى بن مريم جاء بالإنجيل من عند الله يُصَدّق التوراة في المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في العبادة والتحاكم، فمن ترك التحاكم له من النصارى كان من الفاسقين. وتفصيل ذلك: قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. ١ - يراعى في القصاص اختلاف الدين فلا يقتل مسلم بكافر. أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يقتل مسلم بكافر] (١). ٢ - لا فرق بين الرجل والمرأة في القصاص. فقد أخرج النسائي والحاكم: أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: [أن الرجل يُقْتَلُ بالمرأة] (٢). وقد مضى قوله ﵇: [المسلمون تتكافأ دماؤهم]- أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣). ٣ - القصاص من حق الحاكم. قال القرطبي: (لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وغير ذلك). وعلة ذلك ما ذكره الصاوي -حاشيته على الجلالين- قال: (فحيث ثبت أن القتل عمدًا عدوانٌ، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم، لأن فيه فسادًا وتخريبًا. فإذا قتله قبل إذن الحاكم عُزِّر) (٤).

стр. 1157

وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. هذا الحكم وإن كان قد كتب على من قبلنا من أمم أهل الكتاب إلا أنه في التحقيق شرع لنا، وذلك لتقرير النبي ﷺ له في أمته. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: [أن الرُّبَيِّع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الأَرْش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله تكسر ثنية الربيع! والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم وعفوا. فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله مَنْ لو أقسم على الله لأبرّه] (١). وشروط القصاص فيما دون النفس: ١ - تكليف الجاني. ٢ - تعمد الجناية. فالخطأ لا يوجب القصاص في النفس فما دونها أولى. ٣ - تكافؤ دم المجني عليه والجاني. فلا يقتص من مسلم جرح ذميًّا، ولا من حرّ جرح عبدًا، ولا من والد جرح ولدًا. شروط القصاص في الأطراف: ١ - إمكان الاستيفاء بلا حيف. بأن يكون القطع من مفصل كالمرفق والكوع. ٢ - المماثلة في الاسم والموضع. فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر. ٣ - استواء طرف الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال. فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل، ولا يد صحيحة بيد ناقصة الأصابع، ويجوز العكس. وأما دية الأعضاء. إذا أتلف إنسان من آخر عضوًا وجبت الدية كاملة، ولو أتلف أحد زوجي العضو وجب نصف الدية. فتجب الدية كاملة في الأنف، والعينين، وفي العين الواحدة

стр. 1158

نصفها، وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان كامل الدية، وفي كل سن خمس من الإبل. ففي سنن النسائي والبيهقي بسند صحيح لغيره عن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [في الأنف الدية إذا استُوعب جدعُه مئة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي العين خمسون، وفي الآمة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السنّ خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر] (١). الآمّة أو المأمومة: هي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة. وفيها ثلث الدية. الجائفة: هي كل ما يصل إلى الجوف: كبطن، وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة. وفيها ثلث الدية أيضًا. المُنَقِّلَة: هي التي ينقل منها العظم من موضع إلى موضع. وفيها خمس عشرة من الإبل. المُوضِحة: هي الإصابة التي تبلغ إلى العظم، وفيها خمس من الإبل. دية المرأة: دية المرأة إذا قُتِلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته. فعن شريح قال: [أتاني عروة البارقي من عند عمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل] (٢). دية أهل الكتاب: إن دية أهل الكتاب إذا قتلوا خطأ نصف دية المسلم، فدية الذكر منهم نصف دية المسلم، ودية المرأة من نسائهم نصف دية المرأة المسلمة.

стр. 1159

ففي سنن الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى] (١). وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. أي: مقاصّة. قال القرطبي: (ولا قصاص في كل مَخُوف ولا فيما لا يُوصَلُ إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص). وأخرج الترمذي بسند صحيح عن عمران بن حصين: [أنّ رجلًا عضَّ يد رجل فنزع يده فوقعت ثنيتاه فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أخاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ، لا دِيةَ لك". فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾] (٢). وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. أي: تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي: للمتصدق. وقيل: بل كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، والقول الأول أظهر وعليه أكثر الصحابة، وهو أحد قولي ابن عباس، والسنة الصحيحة تؤيده: فقد أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلاّ رفعه الله به درجة وحَطّ عنه به خطيئة] (٣). وله شاهد عند النسائي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من رجل يُجْرَح مِن جسده جراحة، فيتصدَّق بها، إلا كفّر الله عنه مثل ما تَصَدَّق به] (٤). وشاهد آخر عند أحمد من حديث أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: [من أصيب بشيء من جسده، فتركه لله، كان كفارة له] (٥).

стр. 1160

قال ابن العربي: (والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى له) (١). وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال طاووس: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق). والمقصود أن جحود التحاكم إلى الله وإنكاره بالكلية هو الكفر الثاني المخرج من الملة وهو الظلم والفسق الثاني الذي دونه الظلم الأول والفسق الأول. وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾. أي: أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين من قبله، وبعثناه بالإنجيل مصدقًا لكتاب موسى من قبل، وفيه هدى للحق، وهو نور لكشف الشبهات والمعضلات وحل المشكلات. وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾. قال ابن جرير: (يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه). وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ - أَمْرٌ لأهل الإنجيل أن يعظموا الوحي النازل إليهم من ربهم. وقوله ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فيه قراءتان: القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب- قراءة جماعة من قراء الكوفة. والمعنى: وآتيناه الإنجيل كي يحكنمَ أَهلُهُ بِمَا فيه من حكم الله. أو: وآتيناه الإنجيل ليحكمَ أهل مِلّتِه به في زمانهم. القراءة الثانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتَسْكين اللام- قراءة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين. أي: على وجه الأمر. والتقدير: وآتيناه الإنجيل وأمرنا أهله أن يحكموا بما فيه. وكلاهما قراءتان مشهورتان، ومن ثمّ فإن الآية تحتمل آفاق المعنيين، وهذا من إعجاز هذا الكتاب الكريم.

стр. 1161

وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (الكاذبون). وقال: (كل شيء في القرآن إلا قليلًا "فاسق" فهو كاذب. وقرأ قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. قال: "الفاسق" هاهنا، كاذب). قلت: والفسق يشمل أكثر من ذلك، فهو يتضمن جميع أشكال الخروج عن الطاعة وارتكاب المخالفات الشرعية. قال ابن كثير: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق). ٤٨ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥)﴾. في هذه الآيات: ثنَاءٌ من الله سبحانه على القرآن الكريم وَمَدْحٌ له، وَأَمْرٌ منه جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ بالتحاكم إليه وإقامة منهاجه في الحكم، وتَحْذِيرٌ من الانحراف عنه إلى مناهج أهل الشبهات والشهوات وطريقة الجاهلية. فقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. أي: هذا القرآن. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾. أي: بالصدق واليقين. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. أي: يصدق ما جاء في كتب الله المتقدمة.

стр. 1162

وقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - عن ابن عباس: (قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يقول: شهيدًا). قال: القرآن شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما). وقال السدي: (شهيدًا عليه). وقال قتادة: (أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله). ٢ - قال مجاهد: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا). وقال ابن جريج: وقال آخرون: (القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا). وقال ابن جريج: (القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل). ٣ - قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (والمهيمن الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله). وقال: (يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب). قلت: ولا شك أن اسم "المهيمن" يشمل هذه المعاني، فالقرآن أمين وشاهد وحاكم على الكتب قبله. وأما ما جاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، قال: محمد ﷺ ، مؤتمن على القرآن). فهو صحيح المعنى، لكنه بعيد التفسير والتأويل في هذا الموضع، لذلك استبعده شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، وتبعه على ذلك ابن كثير وغيره من المفسرين. فالآية تدل على هيمنة القرآن الكريم على الكتب التي كانت قبله إلى يوم القيامة، وقد تكفل الله سبحانه بحماية فهم هذا الكتاب كما حمى تنزيله. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي سعيد الخدري قال: [كنا جلوسًا ننتظر رسول الله ﷺ ، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلّفَ عَلَيْهَا عليٌّ يَخْصِفُها، فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله.

стр. 1163

فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: فجئنا نبشِّره] (١). وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. أَمْرٌ من الله لرسوله ﷺ أن يقيم القرآن في الأمة منهاجًا للحكم والتحاكم. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. أي: آراءهم وأعرافهم التي تعارفوا على تحكيمها وهي مخالفة في هديها لشرع الله. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح لغيره عن أبي ذر قال: كنت مخاصرًا للنبي ﷺ يومًا إلى منزله، فسمعته يقول: [غيرُ الدجال أخوفُ على أمتي من الدّجال، الأئمة المضلون] (٢). أخرج البزار والبيهقي بسند حسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات. فقال: ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهَوىً مُتَّبَعٌ، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (٣). وقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. قيل المعنى: لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم. وقيل التقدير: عادلًا عمّا جاءك. ذكره القاسمي. وقال القرطبي: (ومعنى: "عمّا جاءك" على ما جاءك). وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. الشريعة في كلام العرب هي الطريق الذي يُتوصل منه إلى الماء. والشريعة أيضًا ما شرع الله لعباده من الدّين. قال الرازي: ("والشِّرْعة" الشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾). والشارع الطريق الأعظم. وشرعَ لهم: أي: سنَّ. فيكون مفهوم الشرعة والشريعة أنه الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة. والمنهاج: الطريق الواضح. يقال: نَهَجَ الطريق أبانه وأوضحه. ونَهَجَه أيضًا سَلَكه.

стр. 1164

قال أبو العباس محمد بن زيد: (الشريعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر). قال القرطبي: (والمنهاج الطريق المستمر، وهو النَّهْجُ والمَنْهَج). وأما أقوال أهل التأويل في ذلك: ١ - قال قتادة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، يقول: سبيلًا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل). ٢ - قال ابن عباس: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، قال: سبيلًا وسنة). وفي رواية عنه: (سنة وسبيلًا). ٣ - قال مجاهد: (الشرعة: السنة، و ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قال: السبيل، لكلكم، من دخل في دين محمد ﷺ ، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج). وقال: (الشرعة والمنهاج دين محمد ﵇، وقد نسخ به كل ما سواه). قلت: والراجح عندي أن الشرعة هي الأحكام الشرعية والسنن الخاصة بكل أمة من أمم الأنبياء، والمنهاج هو الكتاب المنزل في ذلك الذي يوضح الله فيه بيان الطريق الكامل لإقامة أمره في كل أمة. فالتوراة منهاج، والإنجيل منهاج، والقرآن منهاج. ويجمع هذه المناهج توحيد الله وإفراده بالتعظيم والعبادة. والله تعالى أعلم. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخْوَةٌ لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد] (١). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: إنه تعالى شرعَ الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومَعْصِيَتهِ، بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله). وقال

стр. 1165

عبد الله بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾، يعني: من الكتاب). وقال ابن جريج: (ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب). وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. أي: سارعوا إلى الطاعات، وبادروا إلى الأعمال الصالحات، فالمرد إلى الله سبحانه وهو يفصل بين عباده يوم القيامة، فيجازي المحسنين بإحسانهم، والعصاة والمجرمين، بآثامهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. المعنى: أقم حكم القرآن في الأمة يا محمد، واحذر أعداءك اليهود الذين يمكرون لئلا تقيم فيهم أمر الله، فإن أعرضوا عن الامتثال للحق فاعلم أن الله قد كتب ذلك وقدّره عقوبة لهم نتيجة تماديهم واستهتارهم ليصرفهم عن الهدى فقد تراكمت ذنوبهم وأقفلت قلوبهم، وإن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم. وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وكذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وهذه الآيات وأمثالها تفيد أن الكثرة في الغالب ليست في موضع المدح، وأن القلة المؤمنة الصادقة هي الممدوحة في القرآن، سنة الله في عباده، فإن الجنة قد حفت بالمكَاره، وحفت، النار بالشهوات. وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. قال أبو السعود: (إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم). والمعنى: أيعدلون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. فليس من حق أحد أن يضع قوانين وتشريعات للناس إلا الخالق سبحانه، ومن ثم فمن جعل من نفسد أو غيره مشرعًا لقوانين وأنظمة لم يأذن بها الله فقد أشرك بالله، ودعا إلى عبادة غير الله. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال جل ذكره: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.

стр. 1166

قال أبو العالية: (أُسِّس الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له). أخرج الدارمي بسند صحيح عن زياد بن حُدَير قال: [قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زَلّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين] (١). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: أن النبي قال: [أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبْتَغٍ في الإسلام سُنّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبُ دَم امرئٍ بغير حقٍّ لِيُهريقَ دَمَهُ] (٢). ٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾. في هذه الآيات: نَهيٌ عن موالاة اليهود والنصارى، وَتَوَعُّد مِنَ الله مَنْ خَرَقَ ذلك من المسلمين. ثم فيها فضْحٌ لسبيل المنافقين، وَإِنكارٌ لأساليبهم وحججهم الواهية في ذلك، وتوضيحٌ وتأكيدٌ لانهيار أعمالهم وخسارتهم في الآخرة. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. تَحْذيرٌ من تقريبهم ومعاشرتهم ومناصرتهم. قال المهايمي: (إذا كان تودّد أهل الكتاب لرسول الله ﷺ لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل الله مع غاية كماله، فكيف حال من يتودد إليهم من المؤمنين؟ ). وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. إشارةٌ لعلة النهي. قال القاسمي: (أي: فإنهم متفقون على خلافكم، يوالي بعضهم

стр. 1167

بعضًا لاتحادهم في الدين. وإجماعهم على مضادتكم. فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم! ! ). وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. قال الزمخشري: (وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله). وقال القرطبي: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ شرط وجوابه، أي: لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي: من أصحابهم). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى: الحديث الأول أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن جرير عن عبد الله البجلي: [أن رسول الله ﷺ بايعه على أن: "تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر"] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال: [بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل. وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله! لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن أبي شيبة -والطبراني- عن ابن مسعود مرفوعًا: [أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله] (٣). الحديث الرابع: أخرج الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: [أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله] (٤).

стр. 1168

الحديث الخامس: أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: [من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا] (١). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ المقصود: إن الله لا يوفق من أعطى الولاية لأعدائه، وكان لهم ظهيرًا ونصيرًا. وقوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. ففي المقصود بذلك قولان: ١ - قيل عني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول. قاله عطية بن سعد. وقال: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ (أي: في ولايتهم). أي: لقول ابن أبي: (إني أخشى دائرة تصيبني). ٢ - قيل بل المعني قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشُّون المؤمنين. قال مجاهد: (المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم. وقول الله تعالى ذكره: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ قال يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود). وكلا التأويلين وارد محتمل، فهو خبر عن المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويخدعون المؤمنين بحجة احتمال أن يدور الدهر فيظفر اليهود أو النصارى، أو أهل الشرك، أو تنزل نازلة بهؤلاء المنافقين، فيكون لهم إلى أولئك حاجة. وقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. الفتح عني به أمران عند المفسرين: ١ - فتح مكة. فعن السدي: (﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾، قال: فتح مكة). ٢ - قيل القضاء والفَصْل. فعن قتادة: (﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال: بالقضاء).

стр. 1169

ويجوز أن يكون القضاء والفصل هو فتح مكة فيجتمع المعنيان. فإن الفتح في لغة العرب القضاء. وقوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال السدي: (الأمر الجزية- يعني ضرب الجِزية على اليهود والنصارى). وقوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. أي: يصبح المنافقون الذين ارتضوا لأنفسهم موالاة اليهود والنصارى نادمين على ما أقدموا عليه، إذ لم يجنوا من ذلك إلا الضعف والخزي والفضيحة بين المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾. فيه تفسيران: ١ - هو قول بعض المؤمنين لبعض بعد الفتح نزول النصر: أهؤلاء -إشارة إلى المنافقين- الذين حلفوا واجتهدوا في الأيمان وقالوا إنهم لمعكم معشر المؤمنين، فهاهم قد فضحهم الله وأخزاهم وهتك سترهم اليوم. ذكره ابن جرير. ٢ - هو قول المؤمنين لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء -إشارة إلى المنافقين- الذين حلفوا بالله غاية أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ذكره القرطبي. وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ﴾. أي: بطلت بنفاقهم. ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ فيه معنيان: المعنى الأول: قد خسروا الثواب وضيّعوا مستقبلهم بنفاقهم. المعنى الثاني: قد خسروا في موالاة اليهود، فقد أجلى النبي ﷺ اليهود وقتل طائفة منهم. والخلاصة: قد خسر هؤلاء المنافقون الصفقة الهزيلة مع اليهود الذين أخزاهم الله بالقتل والإجلاء، وكذلك فقد خسروا رضوان الله، فضيّعوا الدنيا والآخرة. ٥٤ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ

стр. 1170

لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾. في هذه الآيات: إِخبَارٌ من الله سبحانه عن استغنائه وقدرته، فمن ترك دين الإسلام أو ارتد عنه فإنه يخلق جلت عظمته لدينه العظيم رجالًا أوفياء ينصرون هذا الدين ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون أحدًا وقف في طريقهم. إنه ليس لكم أيها المؤمنون ناصر إلا الله ورسوله وأهل الإيمان -أهل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتعظيم شرائع الحق- فمن وثق بالله وتولى الله ورسوله وعباده المؤمنين فهؤلاء لهم الدولة والغلبة على فئة الشيطان وحزبه. قال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية، وعيد من الله أنه من ارتَدَّ منكم، أنه سيستبدل خيرًا منهم). وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم). وقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال علي: (أهل غلظة على من خالفهم في دينهم) وقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يردُّهم عَمّا هُم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يَردُّهم عن ذلك رادّ، ولا يصدّهم عنه صادّ، ولا يَحيكُ فيهم لوَمُ لائم، ولا عَذْلُ عاذِلٍ). وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في الأوسط، بسند جيد عن أبي ذرّ قال: [أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحبِّ المساكين والدنوِّ منهم، وأمرني أن أَنْظُرَ إلى من هو دُوني، ولا أنظُرَ إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصِلَ الرَّحِمَ وإن أدْبَرَت، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحقَّ وإن كان مُرًّا،

стр. 1171

وأمرني ألا أخافَ في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثِرَ من قولِ: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنْزٍ تحت العرش] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله ليَسْألُ العبدَ يوم القيامة. حتى يقول: ما منعكَ، إذ رأيت المُنْكَرَ أن تُنكرَهُ؟ فإذا لَقَّنَ الله عبدًا حُجَّتَهُ، قال: يارب! رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ من النَّاس] (٢). وفي لفظ: [وثقت بك، وفرقت من الناس]. الحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح لغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه (أو شهده أو سمعه)] (٣). وروى أحمد نحوه وفيه: [إذا رآه أو شهد، فإنه لا يُقَرِّبُ من أَجَل، ولا يباعِدُ من رِزْق، أنْ يقولَ بِحَقٍّ، أو يُذَكِّرَ بعظيم] (٤). وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: تلك الصفات والنعوت السابقة هي من فضل الله على المؤمنين الذين اتصفوا بها. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾. أي: جواد بفضله وكرمه ومنّه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بموضع ذلك الجود والعطاء ومن يستحقه من عباده. وقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي: ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر ومعين ومؤيد ومحب إلا الله ورسوله وأهل الإيمان، الذين وصفت خصالهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

стр. 1172

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾. قال السدي: (أخبرهم -يعني الرب تعالى ذكره- مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ و"الحزب"، هم الأنصار). وفي التنزيل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾. فمن نصر دين الله نصره الله وكتب له الغلبة على عدوه، سنة الله ولن تجد لسنته تبديلًا. ٥٧ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾. في هذه الآيات: تَحْذِيرٌ من الله للمؤمنين من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين، الذين يستهزئون بأفضل أديان البرية الذي لا يقبل الله غيره بعد بعثة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. وَتَنْفِيرٌ من صنيع أولئك المستهزئين عند ندائكم لصلاتكم، إذ يرونها من اللهو واللعب، وقد اتهمهم الله بعقولهم مقابل ذلك. قرأ جماعة من قراء الحجاز والبصرة والكوفة ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ بكسر الراء. والتقدير: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء. في حين قرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة بالفتح: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾. والتقدير: لا تتخذوا -أيها المؤمنون- الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا والكفارَ- أولياء. أي: "ولا الكفارَ أولياء". وذلك بالعطف للكفار على الذين اتخذوا. قال ابن جرير: (إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهم علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب).

стр. 1173

وفي التنزيل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]. فالموالاة والمحبة والنصرة والتأييد للمؤمنين، فإنما المؤمنون إخوة. أخرج الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : [المسلم أخو المسلم] (١). وأخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [المسلم أخو المسلم، لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذُله، كل المسلم على المسلم حرام، عِرضه، وماله، ودمُه، التقوى هاهنا -وأشار إلى القلب- بحَسْب امرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسلم] (٢). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بشرع الله العظيم الذي يحاول هؤلاء المبطلون الاستهزاء به. وقوله. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون، بالصلاة سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك). وقال ابن كثير: (وهذه صفات أتباع الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حُصاص -أي: ضُراط- حتى لا يسمع التأذين). وَقَدْ جاءت السنة الصحيحة بهذا المفهوم في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [إذا نُودِيَ للصلاة أدبر الشيطان له ضُراط، حتى لا يسمعَ التأذين، فإذا قُضي النداءُ أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ للصلاة أدْبر، حتى إذا قُضيَ التَّثْوِيبُ أقبلَ حتى يَخْطُرَ بين

стр. 1174

المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكرُ حتى يظل الرجل لا يدري كم صَلّى] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا أذن المؤذن أدْبَرَ الشيطان، ولهُ حُصَاص] (٢). وفي لفظ: [إن الشيطان، إذا نُودي بالصلاة، وَلّى وله حُصَاص]. الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن الشيطان إذا سمع النداءَ بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الروحاء] (٣). قال سليمانُ: فسألتُه عن الرَّوحاء؟ فقال: هي من المدينة سِتَةٌ وثلاثون ميلًا. وقوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. أي هزوًا بالدعاء إلى الصلاة ولعبًا بذلك. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي: ما لهم في إجابة النداء إلى الصلاة، وما عليهم في سخريتهم من العقاب، فلو عقلوا ما فعلوا ذلك. ولقد تألق مُعَلِّم البشر وعالم النفس الأول في هذه المعمورة رسول الله ﷺ حين عالج هذا النقص والعيب في الشخصية، وهو مرض هزال الروح وحب السخرية والاستهزاء الذي ما زال الناس يضربهم الشيطان به من زمان آدم ونوح ﵉، إلى زماننا هذا. فلنصغ معًا كيف عالج النبي ﷺ ما اعترى أبا محذورة من هزال النفس والاستهزاء عندما سمع النداء! أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة -واللفظ له- عن عبد الله بن مُحيريز، وكان يتيمًا في حِجر أبي مَحذورة بن مِعْيَر، حين جهزه إلى الشام. فقلت لأبي محذورة: أي عم! إني خارج إلى الشام، وإني أُسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال: [خرجت في نفر. فكنا ببعض الطريق. فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة، عند

стр. 1175

رسول الله ﷺ . فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون. فصرخنا نحْكيه. نهزأ به. فسمع رسول الله ﷺ . فأرسل إلينا قومًا فأقعدونا بين يديه. فقال: أيّكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشارَ إليَّ القوم كُلُّهم، وصَدَقوا. فأرسل كُلَّهُم وحَبَسني. وقال لي: قُمْ فأذِّن. فقُمتُ، ولا شيء أكرهُ إليَّ من رسول الله ﷺ ولا مِمَّا يأمُرُني به. فقمتُ بين يدي رسول الله ﷺ ، فألقى عَلَيَّ رسولُ الله التأذين هو بنفسِه. فقال: قُلْ: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة. حيَّ على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرَّة فيها شيء من فِضّة. ثم وضع يَدَه على ناصية أبي مَحْذورة. ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبِدِه، ثم بَلَغَتْ يَدُ رسول الله ﷺ سُرَّة أبي محذورة. ثم قال رسول الله ﷺ : بارك الله لك وبارك عليك. فقلت: يا رسول الله! أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: نعم. قد أمرتُك. فذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كُلُّهُ مَحَبَّةً لرسول الله ﷺ . فَقَدِمْتُ على عَتّاب بن أَسِيدٍ، عامِل رسول الله ﷺ بمكة، فَأَذنتُ مَعَهُ بالصلاة عَنْ أمْرِ رسول الله ﷺ ] (١). لقد عالج رسول الله ﷺ مشكلة الهزال والسخرية بالأمور الآتية: ١ - أرسل رسول الله ﷺ على الفور فجمع القوم بين يديه. ٢ - سأل بقوة وحزم عن صاحب ذلك الصوت. ٣ - أشار القوم جميعهم إلى مصدر الصوت ذبًّا عن أنفسهم ما يُرى أنه ذمّ. ٤ - أطلق النبي ﷺ القوم وحبس صاحبه ليزيده خوفًا وندمًا على ما فعل. ٥ - أمره أن يقوم فيؤذن بما استهزأ به، فداواه بالتي كانت هي الداء. ٦ - ألقى عليه التأذين بحزم ليردّده خلفه، ثم دعاه فكافأه بالمال ليظهر قيمة ما فعل، وليبقى راسخًا في ذهن أبي محذورة إلى الأبد أن هذا التأذين غال وثمين ولا يُهزأ به. ٧ - ثم وضع رسول الله ﷺ يده الشريفة على ناصية ووجه وَصدر وكبد أبي محذورة ودعا له بالعافية والبركة فبرأ مما كان في نفسه بإذن الله.

стр. 1176

٨ - ثم استعمله بالعمل نفسه على أهل مكة، فبَتَرَ بذلك الاستهزاء بالتأذين من نفسه إلى الأبد، إذْ أصبح قائمًا على هذا العمل فكيف يهزأ بنفسه؟ ! فهذه لمسات من بعض أساليب التربية النبوية في معالجة أمراض السلوكية، وقد بسطت بذلك القول في كتابي: "الأمراض النفسية وعوامل الشد إلى الخلف"، ولله الحمد والمنة. ٥٩ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين بدينكم من أهل الكتاب: هل يحملكم على ذلك إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من القرآن، وبما أنزل إلى المرسلين قبلنا، وإلاّ أَنَّ أكثركم عاصون لله خارجون عن طاعته. فهل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشِرٍّ من جزاء ما تنقمون منا من الإيمان -إنه من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم المُسوخ القردة والخنازير غضبًا من الله وسخطًا وخزيًا عاجلًا في الدنيا قبل الآخرة-. فهؤلاء شر مكانًا ممن نقمتم عليهم من المؤمنين، وأنتم معشر اليهود أضل عن قصد الطريق وَأَجْوَرُ عن سبيل الهدى والرشاد. وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا آمنا بألسنتهم، وما تبطن صدورهم هو الكفر والله أعلم بما يبطنون. ثم إن أكثرهم يسارعون بالمعصية والبغي وأكل الرشوة وسيِّيء العمل، فأين علماؤهم لينهوهم عن ذلك ويحذروهم سيِّيء ما كانوا يعملون.

стр. 1177

وتفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال القاسمي: (أي ما تعيبون وتنكرون منا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وهو رأس الكمالات ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو أصل الاعتقادات والأعمال والأخلاق ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو يشهد لما أنزل إلينا ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر). وقال ابن كثير: (أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي خارجون عن الطريق المستقيم). وفي التنزيل: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]. وفيه أيضًا: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٧٤)﴾ [التوبة]. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. أي: إن من اتصف بهذه الصفات الذميمة هم شر مكانًا، وهم أصحاب الخزي يوم القيامة، لا الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وصدقوا المرسلين والتزموا العمل الصالح. فمن ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي طرده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ فلا يرضى بعدها عنه، ومسخ حاله وهيئته إلى أحوال وهيئات القردة والخنازير خزيًا عاجلًا لهم في الدنيا قبل الآخرة هم ومن مضى على منهاجهم الفاسد من أحفادهم موضع النقص والعيب والعار ومظنة الهلاك في الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: وذكرت عنده القردة -أي عند النبي ﷺ وفي لفظ: فقال رجل: يا رسول الله! القردة والخنازير هي مما مُسِخَ؟ فقال النبي ﷺ : [إن الله لم يُهْلِك قومًا، أو يُعَذِّب قومًا، فيجعلَ لهم نسْلًا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك] (١). وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس، عن

стр. 1178

النبي ﷺ قال: [الحياتُ مسخ الجن صورةً، كما مُسِخَت القِرَدةُ والخنازيرُ من بني إسرائيل] (١). وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ - فيه قراءتان أو أكثر. القراءة الأولى: قراءة قراء الحجاز والشام والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت كما جعل منهم القودة والخنازير. القراءة الثانية: قراءة جماعة من الكوفيين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. والمعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت. أي خدّامه وعبيده. وكلاهما قراءتان مشهورتان وإن كانت القراءة الأولى أشهر، واختار ذلك ابن جرير. وقد مضى بيان مفهوم كلمة ﴿الطَّاغُوتَ﴾ في مواضع سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فيه أكثر من تأويل: ١ - قال الزجاج: (أولئك شر مكانًا على قولك). ٢ - قال النحاس: (ومن أحسن ما قيل فيه: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر). ٣ - وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانًا من الذين لعنهم الله. ٤ - وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر. ٥ - وقال القرطبي: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأن مكانهم النار، وأما المؤمنون فلا شرَّ في مكانهم). ٦ - وقال ابن كثير: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، أي: مما تظنون بنا). قلت: والسياق يقتضي ما ذكره القرطبي وابن كثير، إذ جاء قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ بعد قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾، والله تعالى أعلم.

стр. 1179

وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾. قال ابن عباس: (وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسِرُّ قلوبهم الكفر، فقال: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِه﴾). وفي التنزيل: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. أي: بما تنطوي عليه سرائر هؤلاء المنافقين. وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾. قال السدي: (الإثم: الكفر). وقال قتادة: (﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وكان هذا في حكّام اليهود بين أيديكم). قال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به). والمقصود كشف هؤلاء اليهود في تعاطيهم المآثم والمحرمات والاعتداء على الناس، وكشف خداعهم ولعبهم بدينهم مقابل الرشوة والمال الباطل. وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: مما سبق من المخالفات الشرعية. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. الأحبار: العلماء. والربانيون: العلماء العُمَّال أرباب الولايات عليهم، فهم أخص. والآية توبيخ للطرفين مقابل سكوتهم عن انحراف ومخالفات بني إسرائيل في انتشار الآثام والمعاصي بينهم، وانتشار السحت: أي الرشوة والمال الحرام. قال ابن عباس: (ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية). وقال الضحاك: (ما في القرآن آية أخوف عندي منها: أنا لا ننهى). وقال: (﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. وما أخوفني من هذه الآية). وقال ابن جرير: (وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها).

стр. 1180

قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذه الآية. الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق أنه قال: [أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أَوْشَكَ أن يعمّهم الله بعقاب منه] (١). ورواه ابن ماجة بلفظ: [وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر لا يُغَيِّرونه، أوشكَ أن يَعُمَّهُم الله بعقابه] (٢). الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة -واللفظ له- والحاكم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ ، قام خطيبًا. فكان فيما قال: [ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقول بحقِّ، إذا عَلِمَهُ] (٣). قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعَزُّ مِنهم وأَمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٤). ٦٤ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ

стр. 1181

وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ جرأة اليهود على ربهم وتطاولهم في الكلام بصفاته دون تأدب أو خجل، وتجاهل نعمه عليهم وكثرة صفحه، وعفوه عنهم، فوصفوه بالبخل كما وصفوه بالفقر عليهم لعائن الله، بل هو الواسع الفضل الجزيل العطاء وعنده خزائن كل شيء. ثم فيها إِخبارٌ من الله لنبيه محمد ﷺ أن ما أكرمك الله به من الوحي والحق سيكون نقمة على اليهود وأمثالهم وسيزدادون به حسدًا حقدًا وطغيانًا، كما يزداد به المؤمنون إيمانًا وإحسانًا. ثم لا تجتمع قلوبهم بل سيفتك الحقد والبغي بين فرقهم مقابل كفرهم، وكلما أبرموا حالة اجتماع ليحاربوك فيها يمزقها الله ويبطلها، ومن صفاتهم استمرار إشعال الأرض بنار الفساد والله لا يحب المفسدين. ولو أنهم آمنوا بالله ورسوله وكفوا عن الظلم والآثام وأقاموا التوراة والإنجيل ثم أقاموا القرآن النازل إليهم لبسط الله لهم ألوان البشائر والنعيم في الدنيا والآخرة، ولكن قليل مَنْ آمن واتقى منهم، وأكثرهم فاسقون. وتفصيل ذلك: قوله: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال ابن عباس: (ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، فكذبهم الله بما قالوا ووبّخَهم فقال جل ثناؤه: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. قال قتادة: (قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾). وقال الضحاك: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، يقولون: إنه بخيل ليس بجواد! قال الله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ... (٢٩)﴾ [الإسراء]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة). قال القرطبي: (﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا﴾. قيل: المراد أنهم أبخل الخلق، فلا

стр. 1182

ترى يهوديًّا غير لئيم. وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو، أي قالوا: يد الله مغلولة وغلت أيديهم. واللعن الإبعاد). فيكون المعنى: كذب اليهود المتجرئون على صفات الله سبحانه، فهم البخلاء الفاسدون المنعوتون بصفات الشح والبخل والطمع والبغي، والله تعالى هو الواسع الفضل الجزيل العطاء الكثير النعم، فنعمه لا تحصى، وكرمه على عباده لا حدود له، وعنده خزائن السماوات والأرض ينفق كيف يشاء وهو الحكيم الكريم المتعال. قال في سورة إبراهيم: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾. وقال فيِ سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ... (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. قلت: وضلّ قوم أَوَّلوا صفة اليد بالنعمة أو القدرة، فبماذا يستقيم على زعمهم قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ هل يقال بل قدرتاه أو نعمتاه حينئذ! هذا مما لا يستقيم في لغة العرب. والحق أن هذه الآية تثبت صفة اليدين لله العظيم، كما تثبتها الآية الأخرى في سورة (ص): ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾. وقد جاءت السنة الصحيحة بإثبات ذلك لله كما يليق بجلاله وكماله -أي: دون تشبيه ولا تعطيل- بل كلتا يديه يمين ، كما ثبت في الصحيح. الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ يمين الله مَلأى لا يَغيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ، الليلَ والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقُصْ ما في يمينه، وعَرشُهُ على الماء، وبيده الأخرى الفَيضُ -أو القَبْضُ- يَرْفعُ ويخْفِض] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [احتَجَّ

стр. 1183

آدمُ وموسى ﵉ عند ربِّهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من رُوحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جَنّتِه، ثم أهْبَطْتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تِبْيان كل شيء، وقرّبك نَجِيًّا، فبِكَمْ وَجَدْت الله كتب التوراة قبل أن أُخلقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. قال: نَعَمْ. قال: أفتلومني على أن عَمِلْتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : فحجَّ آدم موسى] (١). وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. قال قتادة: (حملهم حسدُ محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم). وفي التنزيل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال مجاهد: (أي بين اليهود والنصارى). وقيل: (ألقينا بين طوائف اليهود). قال القرطبي: (فهم متباغضون غير متفقين، فهم أبغض خلق الله إلى الناس). وفي التنزيل: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر]. قلت: والراجح أنه من ذكر اليهود، فإن السياق يقتضي ذلك، والمقصود: أن الفرقة والتمزق ستعم طوائف بني إسرائيل، فلا تجتمع قلوبهم، وتسري العداوة بينهم. قال إبراهيم النَّخَعِي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قال: الخصومات والجدال في الدين). وقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قال السدي: (كلما أجمعوا أمرهم على شيء فَرَّقَهُ الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، وقذف في قلوبهم الرعب).

стр. 1184

وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: من سَجِيَّتِهم أنهم دائمًا يَسْعَوْنَ في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾. قال قتادة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾، يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرّم الله، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾). قال ابن جرير: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، يقول: مَحَوْنا عنهم ذنوبهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، يقول: ولأدخلناهم بساتين ينعمون فيها في الآخرة). وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني القرآن). أي وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقان الذي جاءهم به محمد ﷺ . وقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يعني من القَطْر والنبات. قال ابن عباس: (﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، تخرج الأرض بركتها). وقال قتادة: (إذن لأعطتهم السماء بركَتَها، والأرض نباتها). وقال السدي: (يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد ﷺ ، لأنزلنا عليهم المطر، فلأنبت الثّمر). وفي الآية تنبيه لهذه الأمة ألا تسقط كما سقطت أمة يهود، وأن تتمسك بقرآنها فهو فلاحها في الدنيا والآخرة، وقد خشي النبي ﷺ على هذه الأمة أن تترك قرآنها والعمل به كما حصل في أمم أهل الكتاب. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا، فقال: [ذاك عِنْدَ أوانِ ذهاب العِلم. قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرِئهُ أبناءنا ويُقْرِئهُ أبناؤنا أبناءَهم، إلى يوم القيامة؟ قال: ثَكِلَتْكَ

стр. 1185

أُمُّكَ، زيادُ! إن كُنْتُ لأراكَ مِنْ أفقه رجلٍ بالمدينة. أو لَيْسَ هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، لا يَعْمَلُون بشيءٍ مما فيهما؟ ] (١). الحديث الثاني: أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند يإسناد صحيح عن أبي عامر -عبد الله بن يحيى- قال: [حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلهما في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاءكم به نبيّكم ﷺ ، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به] (٣). وقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. يعني: منهم جماعة مقتصدة في القول في عيسى بن مريم، وبعيدة عن الغلو والتنطع. قال قتادة: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، يقول: على، كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾). وقال السدي: (﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، يقول: مؤمنة). وقال الربيع بن أنس: (فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جفَوا في الدين ولا هم غَلوا). وفي التنزيل: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

стр. 1186

هذا في قوم موسى. وقال في أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]. قال ابن كثير: (فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ... ﴾ الآية [فاطر: ٣٢ - ٣٣]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة). ٦٧. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾. في هذه الآية: يأمر الله سبحانه نبيّه ﷺ بإقامة البلاغ المبين لهذا التنزيل العظيم والوحي الكريم، ومن ثم فإن أحدًا لن يستطيع أن يتسلط عليه بأذى، فهو في عصمة الله وحمايته، والله هو يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو أعلم بمن يستحق الفضل والهداية. أخرج ابن حبان في صحيحه، بسند حسن عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي ﷺ ، فينزل تحتها وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة وقد علق السيف عليها إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي ﷺ وهو نائم فأيقظه فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال النبي ﷺ : الله. فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾] (١). قلت: ولا شك أن البلاغ المبين لهذا الدين عصمة للمؤمن من الله، يجد بركته في حياته، ونوره في قبره، وغبطته وسروره في أهله، ونجاته وفوزه يوم القيامة. وقد بلغ النبي ﷺ ولقي هذا الدين أتم البلاغ وجاهد من أجل ذلك أرفع الجهاد، وتحمل في ذات الله

стр. 1187

عز وجل ما أصابه لينقذ الأمة من جحيم مناهج أهل الشهوات والأهواء ومن جحيم النار يوم القيامة، إلى نور الحياة في ظل منهج الله سبحانه في الدنيا وظل روضات الجنان في الآخرة. أخرج البخاري عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: [مَنْ حَدَّثك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا مما أُنزِلَ عليه فقد كَذَبَ، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية] (١). قال البخاري: قال الزهري: (من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم). وقد استنطق النبي ﷺ أمته في أعظم المحافل، فشهدت له بأتم البلاغ، وفهمت منه الوداع. الحديث الأول: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب الناس يومَ النَّحر فقال: [يا أيها الناس، أيُّ يوم هذا؟ قالوا: يومٌ حرام، قال: فأي شَهْرٍ هذا؟ قالوا: شَهْرٌ حرام، قال: فإن دِماءَكُم وأموالكم وأعراضَكُم عليكم حرامٌ كحُرْمةِ يومِكُم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مِرَارًا، ثم رَفَعَ رأسه فقال: اللهم هل بَلَّغْتُ؟ اللهم هل بَلَّغْتُ؟ - قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده! إنها لَوَصِيَّتُهُ إلى أُمَّتِه- فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يَضْربُ بعضكم رقابَ بعض] (٢). قال البخاري: وقال هِشامُ بنُ الغازِ: أخبرني نافعٌ عن ابن عمرَ ﵄: (وقف النبي ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بين الجَمَراتِ في الحَجَّة التي حَجَّ بهذا، وقال: هذا يوم الحج الأكبر. فطفق النبي ﷺ يقول: اللهم اشهد. فوَدَّع الناسَ فقالوا: هذه حَجَّة الوداع) (٣).

стр. 1188

الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر -في حجة النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: [أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهدُ أنك قد بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فجعل يرفَعُ إصْبَعَهُ إلى السماء وينكتها إليهم ويقول اللهم هل بَلّغت، اللهم هل بلغت. وفي لفظ: فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء ويَنْكتُها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات] (١). الحديث الثالث: أخرج ابن أبي حاتم عن هارون بن عَنترة، عن أبيه قال: [كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يُبدِه رسِول الله ﷺ للناس. فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، والله ما وَرَّثنا رسول الله ﷺ سوداءَ في بيضاء] (٢). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. أي: يمنعك من أن ينالوك بسوء أو أذى، فأنت في حفظ الله وكلاءته وتأييده. وقد كان النبي ﷺ يُحرس عند وصوله المدينة قبل نزول هذه الآية. أخرج الترمذي بسند حسن عن عائشة قالت: [كان النبي ﷺ يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله] (٣). وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [سَهِرَ رسول الله ﷺ مَقْدَمَهُ المدينة ليلةً، فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. قالت: فبينا نحن

стр. 1189

كذلك سمعنا خَشْخَشَةَ سلاح، فقال: مَنْ هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص. فقال رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نام] (١). ورواه أحمد وفيه: [فقال: ما جاء بك؟ قال: جئتُ لأحرُسكَ يا رسول الله. قال: فَسَمعتُ غطيطَ رسول الله ﷺ في نومه]. قال الحافظ ابن كثير: (ومن عصمة الله لرسوله حافظُهُ له من أهل مكة وصناديدها وحُسَّادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضَة ونَصبِ المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يَخْلُقُهُ الله تعالى من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمِّه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعيَّة لرسول الله ﷺ لا شرعِيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارُها وكبارها، ولكن لَمَّا كان بينه وبينهم قَدَرٌ مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أَذىً يسيرًا، ثم قيَّضَ الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحَوَّلَ إلى دارهم -وهي المدينة- فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلّما هَمَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله وَرَدَّ كيدَه عليه، لَمَّا كاده اليهود بالسحر حَمَاه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواءً لذلك الداء. ولما سَمَّ اليهود ذراعَ تلك الشاة بِخَيْبَرَ، أعلمَهُ الله به، وحماه منه. ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: لا يوفقهم لسلوك سبيل الهداية والرشاد جزاء استهتارهم وردّ شرع الله وبلاغ الرسل. قال القرطبي: (أي لا يرشدهم. وقيلَ: أبْلغ أنت فأما الهداية فإلينا. نظيره: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. وقال ابن جرير: (إن الله لا يوَفِّقَ للرُّشْد من حَاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه).

стр. 1190

٦٨ - ٦٩. قوله تعالى، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: قل يا محمد لأهل الكتاب إنكم لستم على شيء من الدين الحق حتى تعملوا بما جاءكم في كتبكم فتؤمنوا بما فيها، وبما تضمنته من نبوة محمد ﷺ ووجوب متابعته ونصرته، ولكَن يا محمد لن يكون الأمر كما تحب، فإن الكبر والغرور قد أهلك هؤلاء، فلن يزيدهم ما أنزل إليك من القرآن إلا كبرًا وجحودًا وعنادًا وطغيانًا، فلا تحزن عليهم فهُمْ إنما يَرِدونَ بذلك مهالكهم. إنّ من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا من المؤمنين واليهود والصابئين والنصارى والتزم ما أُمِرَ له فلا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا ولا على ما خلّفوا وراءهم فيها من ذرية ودنيا، بعد أن يبصروا نعيم الآخرة وما أعدّ الله لهم من عظيم الثواب والسرور والملذات. قال ابن زيد: (﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا﴾، حتى تعملوا بما فيه). أي بما جاء في التوراة والإنجيل دون التحريف. وعن مجاهد: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن العظيم). وعن ابن عباس: (﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ قال: الفرقان، يقول: فلا تحزن). وقال ابن جرير: (وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قصّ قصصهم في هذه الآيات، الكتاب الذي أنْزلته إليك يا محمد، ﴿طُغْيَانًا﴾، يقول: تجاوزًا وغُلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان، ﴿وَكُفْرًا﴾، يقول: وجحودًا لنبوتك). وقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال السدي: (لا تحزن).

стр. 1191

ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وهم: المسلمون الذين صدقوا بالله ورسوله. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود حملة التوراة. وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾. قال ابن كثير: (لما طال الفصل حسن العطف بالرفع) - والصابئون: طائفة بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين. قاله مجاهد. وعنه: بين اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير: (بين اليهود والنصارى). وعن الحسن: (إنهم كالمجوس). وقال قتادة: (هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور). وقال وهْب بن مُنبه: (هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفرًا). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. وأما النصارى: فهم حملة الإنجيل، الذين بعث فيهم عيسى بن مريم ﵊. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يعني: من آمنَ بالله فَصدَقَهُ التوحيد والتعظيم، وآمن باليوم الآخر، واستعدّ له بالعمل الصالح، فكان على منهاج كتابه الذي أنزل إليهم، ثم آمن بمحمد ﷺ إن عاصره وأدركه فنصره وتابعه، فأولئك لا خوف عليهم في مشهد المحشر يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا وعلى ما خلّفوا فيها، فالطمأنينة والأمن في الدنيا والآخرة. ٧٠ - ٧١. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾. في هذه الآيات: تَذْكِيرٌ من الله سبحانه بالمواثيق والعهود التي أخذها على بني إسرائيل بالصدق والسمع والطاعة ومتابعة الرسل، ولكنهم كانوا عند أسوأ الظن، فقد خانوا العهود ونقضوا المواثيق وركبوا أهواءهم، فإن وافق الرسول المرسل إليهم شهواتهم قبلوه وإلا قتلوه. وظنوا أن الأمر هكذا دون امتحان واختبار فعموا عن الحق

стр. 1192

والوفاء بالميثاق وصموا عنه ثم تاب الله عليهم ثم عادوا إلى التكذيب والخيانة والله يرى أعمالهم وسيجازيهم بها. وقولُه جل ذكره: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. قال ابن جرير: (كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق مَحَبَّتَهم، كذّبوا منهم فريقًا.، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا). وقوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال ابن عباس: (الشرك). وقال قتادة: (حسب القوم أن لا يكون بلاء). وقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا). وقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. قال قتادة: (كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه). وقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصموا). وهم كما قال مجاهد: (اليهود). وقال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: (هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء والتمحيص). والمقصود أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يبصرون الحق ولا يصغون له ولا يهتدون إليه. وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما كانوا فيه من العمى والصمم. ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ مرة أخرى وعادوا للانتكاس. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يبصر أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها يوم يلقونه. ٧٢ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ

стр. 1193

لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾. في هذه الآيات: حُكْمٌ من الله بتكفير الذين ادّعوا ألوهية المسيح ابن مريم من فِرق النصارى: من الملكِيَّةِ واليَعْقوبية والنَّسْطورية، وَتَبرِئَةٌ للمسيح ابن مريم من ذلك وأنه دعا إلى عبادة الله وحده وَحَذَّرَ من الشرك به، وبيّن أن مصير من أشرك بالله تعالى النار ثم لا سبيل ولا نصير. ثم في الآيات حُكْمٌ بالكفر على من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وتوعّدٌ لهم من الله بعذاب أليم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن قولهم واعتقادهم. ثم بيانٌ من الله لحقيقة عيسى ابن مريم ﵊ بأنه رسول كبقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأمه مؤمنة صادقة، يأكلان الطعام كسائر الناس، فأين يذهب هؤلاء بضلالهم! فقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال ابن جرير: (قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون، "الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعةً بينهما). فكذبهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يشمل قائلي المقالتين، ولذلك قال: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ ولم يقل "ليمسَّنهم" كما ذكر شيخ المفسرين. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. دَعْوَةٌ لهم طيبة كريمة من الله ليستأنفوا التوحيد بعد الشرك والإيمان بعد الكفر، والله بمنّه وكرمه يتجاوز عن ذلك مما سلف منهم، كيف لا وهو سبحانه لم يزل يعافيهم ويرزقهم مع ما يسمعه من شركهم.

стр. 1194

فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسْمَعُهُ من الله ، إنه يُشرك به، ويُجْعلُ له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم] (١). وفي لفظ: [ما أحَدٌ أصبرَ على أذىً يَسْمَعُه من الله تعالى، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلونَ له وَلَدًا، وهو مع ذلك يَرْزقُهم ويُعَافيهم وَيُعطيهم]. وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. قال القرطبي: (أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل، فإن كان إلهًا فليكن كل رسول إلهًا، فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم). وفي التنزيل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف]. وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مؤمنة صادقة، آمنت بالله وصدقته بآياته. وعن الحسن: (إنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به). قلت: والآية لا تدل أنها كانت نبيّة. فإن الله لم يبعث بالنبوة والرسالة إلا الرجال. قال الحافظ ابن كثير -في التفسير-: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدَلّ على أنها ليست بنبيّة، كما زعمه ابن حزم وغيره، ممن ذهب إلى نبوة سارَّة أُمِّ إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارَّة ومَرْيم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. وهذا معنى النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. أي هما كسائر البشر لا تقوم حياتهما دون غذاء، ومن كان هذا شأنه فلا يصلح إلهًا.

стр. 1195

وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نظهر لهم الدلالات الواضحات والحجج الدامغات. وقول: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق وإلى أي ضلال يذهبون. ٧٦ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾. في هذه الآيات: زيادة توبيخ لصنيع هؤلاء، والذين يعبدون ما يعبدون من الأوثان والأصنام والأنداد، وتَحْذيرٌ من اتباع الأهواء وأصحاب الضلال. قال القرطبي: (أي أنتم مقرون أن عيسى كان جَنينًا في بطن أمه، لا يملك لأحد ضرًّا ولا نفعًا، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلهًا؟ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي لم يزل سميعًا عليمًا يملك الضرّ والنفع، ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة). وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. قال ابن كثير: (أي: لا تُجاوزوا الحدَّ في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمْرِتُم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتُم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلَفُكم ممن ضل قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلالة). قلت: وقد حذّر النبي ﷺ من الغلو في الدين، وتقليد أهل الكتاب فيما سلكوه،
следующие страницы →