ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وهم: المسلمون الذين صدقوا بالله ورسوله.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود حملة التوراة. وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾. قال ابن كثير: (لما طال الفصل حسن العطف بالرفع) - والصابئون: طائفة بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين. قاله مجاهد. وعنه: بين اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير: (بين اليهود والنصارى). وعن الحسن: (إنهم كالمجوس). وقال قتادة: (هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور). وقال وهْب بن مُنبه: (هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفرًا). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.
وأما النصارى: فهم حملة الإنجيل، الذين بعث فيهم عيسى بن مريم ﵊.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
يعني: من آمنَ بالله فَصدَقَهُ التوحيد والتعظيم، وآمن باليوم الآخر، واستعدّ له بالعمل الصالح، فكان على منهاج كتابه الذي أنزل إليهم، ثم آمن بمحمد ﷺ إن عاصره وأدركه فنصره وتابعه، فأولئك لا خوف عليهم في مشهد المحشر يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا وعلى ما خلّفوا فيها، فالطمأنينة والأمن في الدنيا والآخرة.
٧٠ - ٧١. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.
في هذه الآيات: تَذْكِيرٌ من الله سبحانه بالمواثيق والعهود التي أخذها على بني إسرائيل بالصدق والسمع والطاعة ومتابعة الرسل، ولكنهم كانوا عند أسوأ الظن، فقد خانوا العهود ونقضوا المواثيق وركبوا أهواءهم، فإن وافق الرسول المرسل إليهم شهواتهم قبلوه وإلا قتلوه. وظنوا أن الأمر هكذا دون امتحان واختبار فعموا عن الحق
стр. 1192
والوفاء بالميثاق وصموا عنه ثم تاب الله عليهم ثم عادوا إلى التكذيب والخيانة والله يرى أعمالهم وسيجازيهم بها.
وقولُه جل ذكره: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾.
قال ابن جرير: (كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق مَحَبَّتَهم، كذّبوا منهم فريقًا.، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا).
وقوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال ابن عباس: (الشرك). وقال قتادة: (حسب القوم أن لا يكون بلاء). وقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا).
وقوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾.
قال قتادة: (كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه).
وقال السدي: (حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصموا). وهم كما قال مجاهد: (اليهود).
وقال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: (هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء والتمحيص).
والمقصود أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يبصرون الحق ولا يصغون له ولا يهتدون إليه.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما كانوا فيه من العمى والصمم. ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ مرة أخرى وعادوا للانتكاس. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يبصر أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها يوم يلقونه.
٧٢ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
стр. 1193
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.
في هذه الآيات: حُكْمٌ من الله بتكفير الذين ادّعوا ألوهية المسيح ابن مريم من فِرق النصارى: من الملكِيَّةِ واليَعْقوبية والنَّسْطورية، وَتَبرِئَةٌ للمسيح ابن مريم من ذلك وأنه دعا إلى عبادة الله وحده وَحَذَّرَ من الشرك به، وبيّن أن مصير من أشرك بالله تعالى النار ثم لا سبيل ولا نصير.
ثم في الآيات حُكْمٌ بالكفر على من قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وتوعّدٌ لهم من الله بعذاب أليم إن لم يتوبوا ويرجعوا عن قولهم واعتقادهم. ثم بيانٌ من الله لحقيقة عيسى ابن مريم ﵊ بأنه رسول كبقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأمه مؤمنة صادقة، يأكلان الطعام كسائر الناس، فأين يذهب هؤلاء بضلالهم!
فقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.
كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال ابن جرير: (قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. كانوا فيما بلغنا يقولون، "الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعةً بينهما). فكذبهم الله بقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يشمل قائلي المقالتين، ولذلك قال: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ ولم يقل "ليمسَّنهم" كما ذكر شيخ المفسرين.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
دَعْوَةٌ لهم طيبة كريمة من الله ليستأنفوا التوحيد بعد الشرك والإيمان بعد الكفر، والله بمنّه وكرمه يتجاوز عن ذلك مما سلف منهم، كيف لا وهو سبحانه لم يزل يعافيهم ويرزقهم مع ما يسمعه من شركهم.
стр. 1194
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسْمَعُهُ من الله ، إنه يُشرك به، ويُجْعلُ له الولد، ثم هو يعافيهم ويرزقهم] (١).
وفي لفظ: [ما أحَدٌ أصبرَ على أذىً يَسْمَعُه من الله تعالى، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلونَ له وَلَدًا، وهو مع ذلك يَرْزقُهم ويُعَافيهم وَيُعطيهم].
وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
قال القرطبي: (أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل، فإن كان إلهًا فليكن كل رسول إلهًا، فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم).
وفي التنزيل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف].
وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مؤمنة صادقة، آمنت بالله وصدقته بآياته.
وعن الحسن: (إنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به).
قلت: والآية لا تدل أنها كانت نبيّة. فإن الله لم يبعث بالنبوة والرسالة إلا الرجال.
قال الحافظ ابن كثير -في التفسير-: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدَلّ على أنها ليست بنبيّة، كما زعمه ابن حزم وغيره، ممن ذهب إلى نبوة سارَّة أُمِّ إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارَّة ومَرْيم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. وهذا معنى النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ﴾ [يوسف: ١٠٩].
وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.
أي هما كسائر البشر لا تقوم حياتهما دون غذاء، ومن كان هذا شأنه فلا يصلح إلهًا.
стр. 1195
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾
أي: نظهر لهم الدلالات الواضحات والحجج الدامغات.
وقول: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
أي: كيف يصرفون عن الحق وإلى أي ضلال يذهبون.
٧٦ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.
في هذه الآيات: زيادة توبيخ لصنيع هؤلاء، والذين يعبدون ما يعبدون من الأوثان والأصنام والأنداد، وتَحْذيرٌ من اتباع الأهواء وأصحاب الضلال.
قال القرطبي: (أي أنتم مقرون أن عيسى كان جَنينًا في بطن أمه، لا يملك لأحد ضرًّا ولا نفعًا، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلهًا؟ ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي لم يزل سميعًا عليمًا يملك الضرّ والنفع، ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة).
وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾. الآية.
قال ابن كثير: (أي: لا تُجاوزوا الحدَّ في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمْرِتُم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتُم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلَفُكم ممن ضل قديمًا، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلالة).
قلت: وقد حذّر النبي ﷺ من الغلو في الدين، وتقليد أهل الكتاب فيما سلكوه،
стр. 1196
كما حذّر من أئمة الجهل والضلال الذين يقودون الأمة إلى المهالك. وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، ولكن قولوا عبد الله ورسوله] (١).
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح، أي لا تمدحوني بالباطل.
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [هلك المتنطعون- قالها ثلاثًا] (٢). وهم المتعمقون المتشددون.
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبيِ هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الدين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحَدٌ إلا غَلبَهُ، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوةِ والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَةِ] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير عن أبي الدرداء، وأبو نعيم في الحلية عن كعب عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون] (٥). قال كعب: (فقلت والله ما أخاف على هذه الأمة غيرهم). ولفظ أحمد: [إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلّون].
стр. 1197
٧٨ - ٨١. قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله سبحانه عن لعن الكافرين المغالين في الإثم والمعصية واستحلال المنكر من بني إسرائيل، بسبب اجترائهم في المعصية وبغيهم وإشاعة المنكر والفواحش في الأرض. فقد كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه، ويتولون المشركين أعداء الله ويعادون أولياء الله ورسله، ولو كانوا موحدين صادقين في تعظيمهم لله ووحيه وما أنزل على نبيه محمد ﷺ ما اجترؤوا على كل ذلك ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى ما يسخطه وإلى ما يغضبه، وأهل استحلال لما حرم من القول والفعل.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، قال: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن).
وقال قتادة: (لعنهم الله على لسان داود في زمانه، فجعلهم قردة خاسئين، وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: بسبب مخالفاتهم الشرعية وتجاوزهم حدود الله سبحانه.
وقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾
قال ابن جريج: (لا يتناهون أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر).
أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن في الشواهد عن أبي عبد الله بن مسعود قال: قال
стр. 1198
رسول الله ﷺ : [إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذَّنْب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيلَه وخليطه وشريَكه -وفي لفظ: وشريبه-، فلما رأى الله ذلك منهم ضَرَب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. ثم قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لتأمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد المسيء ولتأطرُنَّهُ على الحق أطرًا، أو ليضربَن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم] (١).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن قيس، قال: [قال أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا النبي ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أَوْشَكَ أن يعمَّهم الله بعقاب وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما مِنْ قومٍ يُعْملُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب] (٢).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مرُوا بالمعروف، وانْهوا عن المنكر، قَبْل أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجابُ لكم] (٣).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هيْبَةُ الثاني، أن
стр. 1199
يقول بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (١).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مَنْ رأى منكم مُنكرًا فليُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِعْ فبقلبِه، وذلك أضعف الإيمان] (٢).
الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : [أن النبي ﷺ قال: لن يَهْلِكَ الناس حتى يَعْذِرُوا، أو يُعْذِرُوا، من أنفسهم] (٣).
ورواه أحمد بلفظ: [لن يهلِكَ الناس حتى يُعْذَروا من أنفسهم].
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: في تركهم الانتهاء عن معاصي الله وركوب محارمه- والذي سيوردهم المهالك والآلام.
وقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال مجاهد: (يعني بذلك المنافقين).
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.
قال ابن كثير: (يعني بذلك مُوالاتهم للكافرين، وتركهم موالاةَ المؤمنين التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سُخطًا مُسْتمرًا إلى يوم مَعادِهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفَسّر بذلك ما ذَمَّهُم بِه. ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ يعني يوم القيامة).
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
قال مجاهد: (المنافقون).
أي: لو كان هؤلاء المنافقون الذين يتولون كفار يهود يصدقون الله ويؤمنون به حق الإيمان ويوحّدونه، ويصدّقون نبيّه محمدًا ﷺ بما أُنزل إليه من القرآن العظيم، ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. أي خارجون عن طاعة الله إلى
стр. 1200
معصيته، سالكون في سبيل ما يغضبه ويسخطه، أهل استحلال لما حرّم الله عليهم من القول والفعل.
٨٢ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه محمد ﷺ : لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة للمؤمنين -من أهل الإسلام الذين صدقوك واتبعوك- اليهود وعبدة الأوثان والطواغيت، ولتجدنّ أقرب الناس مودة ومحبة لأهل الإسلام الذين زعموا أنهم نصارى (١) على منهاج عيسى ﵇، فقرُبت مودة هؤلاء لأهل الإيمان من أجل أن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون. وأنهم إذا سمعوا الوحي الكريم يُتلى فاضت أعينهم مما عرفوا من صدق هذا التنزيل، يسألون ربهم بإيمانهم أن يكتبهم مع الشاهدين وفي القوم الصالحين. وقد تكرم الله على هؤلاء الصادقين الذين آمنوا بالإنجيل ثم آمنوا بالقرآن بأن أثابهم بصدقهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها جزاء الإحسان والصدق والإيمان، في حين هيأ للكافرين صلي السعير والجحيم والنيران.
стр. 1201
قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عنادٌ وجحودٌ ومباهتةٌ للحق، وغَمْطٌ للناس وتَنَقُّصٌ بحملة العلم. ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هَمُّوا بقَتْلِ الرسول ﷺ غير مَرَّةٍ وسَحَرُوه وأَلَّبُوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة).
وقال القرطبي: (بيَّن الله سبحانه في هذه الآياتِ أنّ أشدّ الكفار تمردًا وعتوًّا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبيّن أن أقربهم مودة النصارى).
وقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى﴾.
قال عطاء: (هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين).
وقال قتادة: ونزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فله، بعث الله محمدًا ﷺ آمنوا به فأثنى الله عليهم).
وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧].
فصدق الإيمان بالوحي جعل في قلوبهم رأفة ورحمة ومودة لأهل الإيمان على اختلاف الكتب المنزلة إليهم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
القسيسون: جمع قِسِّيس وقَسّ. والرهبان: جمع راهب.
قال ابن زيد: (﴿القسيسين﴾ عبّادهم). قلت: ولكن لفظ القسيسين يشمل أيضًا علماءهم وخطباءهم وحكماءهم. في حين يدل لفظ الرهبان على العبّاد. فهو مشتق من الرهبة وهي الخوف.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
قال القاسمي: (أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود. وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراء من الكبر - محمود. وإن كان ذلك من كافر).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
стр. 1202
أخرج البزار والنسائي وابن جرير بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير قال: [نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية] (١).
قال القرطبي: (وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموّتون، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]).
وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
أي: مع محمد ﷺ وأمته الذين يشهدون بالحق، وهم أمة الشهادة على الناس في الدنيا والآخرة.
وفي التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال الحسن: (الذين يشهدون بالإيمان). وقيل: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.
وقال ابن عباس: (﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، قال: محمد ﷺ وأمته، إنهم شهدوا أنه قد بَلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى:
أولًا - في الدنيا: هم أمة الشهادة على الناس يقبل الله شهادتهم.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأحمد وأهل السنن عن أنس ﵁ قال: [مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيرًا، وتتابعت الألسن بالخير، فقالوا: كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله، فقال نبي الله ﷺ : وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأُثني عليها شرًّا، وتتابعت الألسن لها بالشر، فقالوا: بئس المرء كان في دين الله، فقال نبي الله ﷺ : وجبت وجبت وجبت، فقال عمر: فدىً لك أبي وأمي، مُرَّ
стр. 1203
بجنازة فأُثني عليها خيرًا، فقلت: وجبت وجبت وجبت، وَمُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًّا، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجَنَّة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، (وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الأرض)، إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري وأحمد والنسائي عن أبي الأسود الديلي قال: [أتيت المدينة، وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرت جنازة، فأثني خيرًا، فقال عمر: وجبت، فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجَنَّة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله في الواحد] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: [ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل جيرانه الأَدْنِينَ أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى وتبارك: قد قبلت قولكم، أو قال: بشهادتكم، وغفرت له ما لا تعلمون] (٣).
وفي لفظ: [قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون].
ثانيًا - في الآخرة: هم أمة الشهادة على أقوام الرسل، يشهدون للرسل بالبلاغ.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد مرفوعًا: [يجيء النبيُّ ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثرُ من ذلك وأقلُّ، فيُقال له: هل بلّغت قومَك؟ فيقول: نعم، فيُدْعى قومُهُ، فيُقال: هل بلّغَكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال: من شهِدَ لك؟
стр. 1204
فيقول: محمدٌ وأمته، فتُدْعى أمةُ محمدٍ، فيُقال: هل بَلَّغَ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما عِلْمُكُمْ بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيُّنا بذلك أن الرسل قد بلَّغوا، فَصدَّقناه، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا .... ﴾] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾.
قال ابن زيد: (القوم الصالحون: رسولُ الله ﷺ وأصحابه).
وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال القرطبي: (دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالتهم، فأجاب الله سؤالهم وحقّق طمَعَهم - وهكذا من خَلصَ إيمانه وصدق يقينه يكون ثوابه الجَنَّة).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
أي: الذين جحدوا توحيد الله وأنكروا نبوة محمد ﷺ ، فأولئك هم سكان جهنم ذات الجحيم، وهو ما اشتد حرّه من النار والعياذ بالله.
قال ابن جرير: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، هم سكّانها واللابثون فيها).
٨٧ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
في هذه الآياتِ: نَهْيٌ من الله سبحانه المؤمنين أن يتشبهوا بالقسيسين والرهبان من أهل الكتاب الذين حرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، وتَرْغِيبٌ بالاستمتاع بالرزق الحلال الطيب مع شكر الله المنعم المتفضل.
قال ابن جرير: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني بـ ﴿الطيبات﴾، اللذيذات
стр. 1205
التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إيّاها، كالذي فعله القسِّيسون والرُّهبان، فحرّموا على أنفسهم النساء والمطاعِمَ الطيِّبة، والمشارِبَ اللذيذة، وحَبَس في الصَّوامِع بعضُهم أنفسَهم، وساحَ في الأرض بعضهم).
وقد دلت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: [جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخْبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غَفَرَ الله له ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ، فقال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدَّهْرَ ولا أُفْطِر، وقال آخَرُ: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفْطِر، وأصلِّي وأَرْقُدُ، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سنتي فليس مني] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: [كنا نَغْزو مع النبي ﷺ وليْسَ معنا نِساءٌ فقلنا: ألا نَخْتصي؟ فنهانا عن ذلك، فرَخَّصَ لنا بعد ذلك أن نتزَوَّجَ المرأة بالثوب، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن لغيره، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [النِّكاح من سُنَّتِي، فمنْ لم يَعْمَلْ بسنتي فليس مني، وتزوّجوا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم، ومن كان ذا طَوْلٍ فَلْيَنْكِح، ومنْ لمْ يَجِدْ فعليه بالصيام، فإن الصومَ له وِجاءٌ] (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - أي لا تحرموا ما أحلّ الله وشرع - فالمراد التأكيد. ذكره السدي وعكرمة.
стр. 1206
٢ - أي لا تعتدوا فتحلوا حرامًا، ولا تشدّدوا فتحرموا حلالًا. ذكره الحسن البصري، واختاره القرطبي.
٣ - لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم المباحات عليكم - قاله بعض السلف. ٤ - أي: كما لا تُحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقَدْر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحدَّ فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وكقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ذكره الحافظ ابن كثير وقال: (فشَرْعُ الله عدلٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط).
وقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.
قال عكرمة: (يعني: ما أحل الله لهم من الطعام).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
أي: خافوا الله معشر المؤمنين من الاعتداء بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو التنطع في الدين، فإن هذا الدين متين، ولن يشاده أحد إلا غلبه، فخافوا الله واتقوه حق تقاته.
٨٩. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.
في الآية: تَمْييزٌ بين لغو اليمين، واليمين المنعقدة. فالأولى لا حرج فيها، والثانية في مخالفتها الكفارة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ثم تَنْبِيهٌ من الله سبحانه عباده أن يحفظوا أيمانهم ولا يستخدموها في كل أمر، تعظيمًا لأسماء الله تعالى وصفاته.
стр. 1207
وتفصيل ذلك:
أولًا - تعريف الأيمان.
الأَيمان - بفتح الهمزة - جمع يمين. وأصل اليمين في لغة العرب: اليد. وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه.
وهي في الشرع: توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفةٍ لله.
ثانيًا: بم تنعقد اليمين.
لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى. أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسيرُ في رَكْبٍ يَحْلِفُ بأبيه فقال: الا إن الله ينهاكم أن تَحْلِفُوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو لِيَصْمُت] (١).
قال عمر: (فوالله ما حلفْتُ بها مُنْذُ سمعت النبي ﷺ ذاكِرًا ولا آثِرًا).
وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن أنس بن مالك، قال النبي ﷺ : [لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد، حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويُزوى بعضها إلى بعض] (٢).
ثالثًا: الحلف بغير الله شرك.
فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك] (٣).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من حلف منكم فقال في حلفه: باللات. فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك. فليتصدق] (٤).
стр. 1208
رابعًا: من حلف بملة غير الإسلام.
أخرج البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله ﷺ : [من حلف بملّة سوى الإسلام كاذبًا متعمِّدًا، فهو كما قال] (١).
وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يَعُد إليه الإسلامُ سالمًا] (٢).
خامسًا: مَنْ حُلِفَ له بالله فليرض.
أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال: أسرقت؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت بصري] (٣).
وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: [سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم. مَنْ حَلَفَ بالله فليصدق. ومَنْ حُلِفَ له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله] (٤).
سادسًا: أقسام اليمين:
تنقسم الإيمان أقسامًا ثلاثة:
١ - اليمين اللغو.
٢ - اليمين الغموس.
٣ - اليمين المنعقدة.
стр. 1209
١ - اليمين اللغو وحكمها:
لغو اليمين: هو الحلف من غير قصد اليمين، كقول الرجل: والله لتأكلن، أو لتشربن ونحو ذلك، لا يريد به يمينًا. أو هو كلام المرء دون قصد: لا والله، وبلى والله، وهو مذهب الشافعي.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾.
قال القاسمي ﵀: (إنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم في اللغو ولا كفارة).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂: [﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله] (١).
٢ - اليمين الغموس وحكمها:
هي اليمين الكاذبة التي تُهضَم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الفسق والخيانة. وسميت بذلك لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وهي من أكبر الكبائر، ولا كفارة فيها، لأن الله يقول: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وهذه يمين غير منعقدة، لأن المنعقد ما يمكن حقه، ولا يتأتى في اليمين الغموس البرُّ أصلًا (٢).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ [النحل: ٩٤].
قال الطبري ﵀: (معنى الآية: لا تجعلوا أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم توفون بالعهد لمن عاهدتموه، دخلًا أي خديعة وغدرًا، ليطمئنوا إليكم وأنتم تضمرون لهم الغدر).
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: [جاء أعرابي
стр. 1210
إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغَمُوس. قلت: وما اليمينُ الغَمُوس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئٍ مُسلمٍ هو فيها كاذب] (١).
وفي رواية: [الكبائر: الإشراك بالله، وعُقوق الوالدين، وقَتْلُ النفس، واليمين الغموس].
وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق] (٢).
٣ - اليمين المنعقدة وحكمها.
اليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمِّم عليها، توكيدًا لفعل شيء أو تركه. وبعبارة أخرى: هي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل أمرًا أو ليفعلَنَّه.
فإن برّ بيمينه فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة، لقوله تعالى:
- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ .... ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ .... ﴾ [المائدة: ٨٩].
أي يؤاخذكم بما صَمَّمْتُم عليه من الإيمان وقصدتموها، ثم حنثتم بعد توثيقكم لها. وفي الكلام محذوف، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم.
وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
أي: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. قال سعيد بن جبير: (الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها، فكفارته إطعام عشرة مساكين).
стр. 1211
وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
قال ابن عباس: (أي من أعدل ما تطعمون أهليكم). وقال عطاء: (من أمثل ما تطعمون أهليكم).
وقال ابن جرير: (أي: في القلّة والكَثْرة). وروى بإسناده عن ابن سيرين عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: (الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز واللحم).
وأما مقدار ما يطعمهم ففيه أقوال:
١ - قال الحسن ومحمد بن سيرين: (يكفيه أن يُطْعِمَ عشرة مساكين أكلة واحدة خبزًا ولحمًا).
زاد الحسن: (فإن لم يجد فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد فخبزًا وزيتًا وخلًا حتى يشبعوا).
٢ - قال علي ﵁: (يغديهم ويعشيهم). ذكره ابن أبي حاتم بإسناده عن الشعبي عن الحارث عنه.
٣ - الإطعام عند مالك مُدٌّ لكل واحد من المساكين العشرة، وبه قال الشافعي.
٤ - قال أبو حنيفة: (يُخْرجُ من البرّ نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعًا).
٥ - وقال آخرون: (يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من برّ أو تمر ونحوهما).
وهو قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعي.
قلت: والراجح أنه يشبعهم من أوسط طعامه ولا فرق هنا بين مقدار البرّ والتمر والشعير في كون البرّ نصف صاع والتمر والشعير كامل الصاع. فإن الفرق قد ثبتَ فقط في زكاة الفطر. لما أخرج الطحاوي عن عروة بن الزبير: [أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها - الحر منهم والمملوك - مُدَّين من حنطة أو صاعًا من تمر، بالمد أو الصاع الذي يقتاتون به] (١).
стр. 1212
وأما كيفية إطعامهم ففيه أقوال:
١ - قال مالك: (إن غَدَّى عشرة مساكين وعشّاهم أجزأه).
٢ - قال الشافعي: (لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة، لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطي كل مسكين مدًّا).
٣ - قال القرطبي: (لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد، وبه قال الشافعي. وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة، فمنهم من أجاز ذلك وأنه إذا تعدّد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يُمنع من الذي دُفعت إليه أوّلًا، فإن اسم المسكين يتناوله).
٤ - وقال آخرون: (يجوز دفع الكفارة إلى مسكين واحد في أيام، وإن تعدّد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين). وقال أبو حنيفة: (يجزئه ذلك، لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه).
قلت: والراجح في المسألة إمكان جمع المساكين على مائدة واحدة، والأفضل أن يكونوا مختلفين - أي عشرة مساكين مختلفين - لعموم الآية في ذلك، فإن دعا عائلة مؤلفة من عشرة أشخاص - من الفقراء - جاز ذلك، فإن كانوا خمسة أشخاص ودعاهم مرتين على طعام مشبع حصل المقصود. فإن لم يتيسر له ورأى إطعام مسكين واحد عشر مرات حصل المقصود، فإن تعذر عليه وقدّر قيمة ذلك من المال وأعطاها لذلك المسكين أو لتلك العائلة فهذا من البدائل للتيسير، والأفضل الإطعام لصراحة الآية في ذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
فيه أقوال:
١ - قال مجاهد: (في كسوة المساكين في كفارة اليمين: أدناه ثوب). أو قال: (أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت). وكذا قال الحسن: (ثوب لكل مسكين). وقال مجاهد: (يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان (١)).
стр. 1213
٢ - قال منصور: (القميص، أو الرِّداء، أو الإزار).
٣ - قال ابن عباس: (ثوب ثوب لكل إنسان، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة). وقال: (الكسوة: عباءة لكل مسكين، أو شِمْلة) ذكره ابن جرير.
٤ - قال سعيد بن المسيب: (عباءة وعمامة لكل مسكين).
٥ - قال ابن عمر: (في الكسوة في الكفارة: إزار ورداء وقميص) ذكره ابن جرير.
٦ - قال الشافعي: (لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يَصْدُقُ عليه اسمُ الكُسْوَةِ من قميص أو سراويل، أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك).
٧ - وقال مالك وأحمد: (لا بُدَّ أن يدفعَ إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصحُّ أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرأة، كل بحسبه).
٨ - وقال إبراهيم النَّخَعِيِّ: (ثوب جامع كالمِلْحَفَةِ والرِّداء). ولا يرى الدرع (١) والقميص والخمار ونحوه جامعًا.
قلت: والراجح في ذلك ما يصدق عليه اسم الكسوة: (إزار وقميص مثلًا)، مما يكسى به بدن المسمكين، كأن كان عاريًا ثم كساه، وهو قويب من كلام الشافعي ﵀.
أما قول مالك وأحمد مما يصح الصلاة فيه، فإن الصلاة تصح بما يغطي العورة - بين السرة والركبة - ولا شيء على بقيَّة الجسد، ولكن هذا ليس كسوة.
وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
قال ابن جرير: (أو فك عبد من أسر العبودة وذلها). واختار الشافعي ﵀ تقييدها بالإيمان. وقال: (لا بد أن تكون مؤمنة). قال ابن كثير: (وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل، لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السّلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم: أنَّه ذكر أن عليه عِتْقَ رقبة، وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
стр. 1214
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
أي يبدأ بالإطعام وهو الأسهل الذي اختاره الله سبحانه، ثم الكسوة التي هي أيسر من العتق، فرُقيَ بالكفارة من الأدنى إلى الأعلى، فإن تعذر ذلك مما سبق كفَّر عن يمينه بصيام ثلاثة أيام، ولا يلزمه أن يصومها متتابعات، فإن السياق يدل على ذلك - كما قال تعالى في قضاء صوم رمضان في حق المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ - وهو أحد قولي الشافعي وإليه ذهب الإمام مالك.
وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.
أي: الإطعام أو الكسوة أو العتق فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - وهي الكفارة الشرعية التي شرعها الله تعالى عند الحنث في اليمين.
وقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.
أي: بتعظيم أمر الحلف وعدم الخوض والإقحام له في كل شأن. ثم يتناول الحفظ أيضًا المبادرة إلى التكفير دون تأخير.
قال القرطبي: (﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. أي: بالبِدار إلى ما لزمكم من الكفّارة إذا حَنِثتم. وقيل: أي بترك الحَلِف، فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.
قال ابن جرير: (كما يبيّن لكم كفارة أيمانكم، كذلك يبين الله لكم جميع آياته - يعني أعلام دينه فيوضِّحُها لكم - لئلا يقول المضيع المفرِّط فيما ألزمه الله: "لم أعلم حكم الله في ذلك! " ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول: لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم).
٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى
стр. 1215
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.
في هذه الآياتِ: أَمْرُ الله سبحانه عباده المؤمنين باجتناب الخمر والقمار والأنصاب التي يُذبح عندها والأزلام التي يستقسم بها في الجاهلية إذا ما أرادوا الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. ثم تَوْضِيحٌ لمحاولات الشيطان استخدام تلك المسكرات وألوان القمار للصد عن الذكر والصلاة وضياع الدين. ثم أَمْر منه جل ذكره بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وتَحْذِيرٌ من مغبة المخالفة وركوب الأهواء. ثم بَيانُ عفو الله عما مضى من التعاطي من تلك المحرمات إذا ما حصل الانتهاء والتماس التقوى والعمل الصالح والله يحب المحسنين.
أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. فقال ناس من المتكلفين: هى رجس وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وقتل فلان يوم أحد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية] (١).
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: [كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ (٢)، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾] (٣).
الخمر: هو الشراب الذي خامر العقل أي خالطه فستره. ذكره القاسمي. وهو يطلق
стр. 1216
على كل مسكر، فكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.
وأما الميسر فهو: القمار. وهو يضيع المال، كما يضيع الخمر العقل، فجاء تحريمهما. والأنصاب: حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وقيل هي الأصنام المنصوبة للعبادة. والأزلام: قِداحٌ كانوا يستقسمون بها، وهي من أمر الجاهلية، وتنافي الإيمان بالقدر.
قلت: والعطف بين هذه الأمور في التحريم يقتضي أن النجاسة في كل منها معنوية لا حسية، فالأنصاب حجارة، والأزلام قداح، فدَلَّ هذا أن نجاسة الخمر والميسر نجاسة معنوية.
قال ابن عباس: (﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، يقول: سَخَط). وقال ابن زيد: (الرجس: الشر).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: [مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشِير، فكأنما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خنزيرٍ ودمِه] (١).
قال العلماء: النردشير هو النرد. فالنرد عجميّ معرّب، وشير معناه حلو.
وأخرج أحمد وأبو داود بسند حسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [من لعب بالنَّرْدِ فقد عصى الله ورسوله] (٢).
فعطف التحريم على التحريم، لا التحريم على النجاسة، فإنه لا يُعطف التحريم على النجاسة، أي تحريم النرد على تحريم أكل لحم الخنزير أو بيعه، وكنّى عن ذلك بصبغ الرجل يده في لحم الخنزير ودمه.
وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه).
وقال القرطبي: (يريد أبعدوه واجعلوه ناحية، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر). ثم قال: (قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوُهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق
стр. 1217
الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه، لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث تبيّن مفاسد الخمر كما تبين تحريم الانتفاع بها.
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [إنَّ رَجُلًا أهدى لرسول الله ﷺ راويةَ خَمْرٍ، فقال له رسول الله ﷺ : هل عَلِمْتَ أنَّ الله تعالى قَدْ حَرَّمَها؟ قال: لا، فَسَارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : بِمَ سارَرْتَهُ؟ فقال: أمَرْتُهُ ببَيْعِها، فقال: إنَّ الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها. قال: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حتى ذهب ما فيها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم، والبيهقي في "شعب الإيمان" بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تُقْبَل صلاتُه أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنه مات ميتةً جاهلية] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، مَنْ شَربَها وقع على أمه وخالته وعمته] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن] (٥).
стр. 1218
قلت: ووجه الارتباط بين الخمر والشرك: أنَّ المشرك يعبد حجرًا أو صنمًا، وشارب الخمر المدمن عليه يعبد كأسًا، وكلاهما يصرف العبادة والخضوع لغير الله.
الحديث السادس: أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يدخل الجَنَّة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم] (١).
فقرنها رسول الله ﷺ مع السحر وقطيعة الرحم، فنعوذ بالله من هذا الشراب الخبيث، ومن مجالسة أهله وعشاقه، الذين استذلتهم الكأس حتى ذهبت عقولهم وهانت عليهم المعصية.
أخرج البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على مِنْبَر رسول الله ﷺ : [أيها الناس، إنه نزل تحريمُ الخَمْرِ وهي من خمسة: من العِنَب، والتَّمر، والعَسَل، والحِنْطَةِ، والعثمعير. والخمرُ ما خامر العقل] (٢).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
فعلّق الفلاح باجتناب تلك المحرمات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.
تَحْذيرٌ من مسلك الشيطان في تحبيب شرب الخمر والمياسرة بالقداح وتحسين ذلك حتى يوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ويصدهم بسكرهم ولهوهم عن ذكر الله الذي فيه سعادة دنياهم وأخراهم، وكذلك عن الصلاة الواجبة عليهم التي فيها صلتهم بربهم ومناجاتهم له، فهل أنتم منتهون - أيها المؤمنون - عن هذا الشراب الخبيث وذلك القمار المشين، ومقبلون على ما فيه صلاح دنياكم وأخراكم.
أخرج الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: [نزلت فيَّ آيات من القرآن. وفيه قال: وأتيت على نفر من الأنصار، فقالوا: تعال نُطْعِمك ونسقيك خمرًا، وذلك فبل أن تُحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حَشٍّ - والحَشُّ البستان - فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزقٌ من خمر. قال: فأكلتُ وشربتُ معهم، قال: فذكرت
стр. 1219
الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل لَحْيَي جمل فضربني به فجرح أنفي (وفي رواية: ففزره وكان أنف سعد مفزورًا) فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله تعالى فيّ - يعني نفسه شأن الخمر - ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾] (١).
وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾.
قال القرطبي: (تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهيّ عنه).
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.
أي: إن أعرضتم عن الامتثال وركبتم المخالفة فقد قامت عليكم الحجة، وانتهت الأعذار، ولم يبق إلا العقاب ونزول العذاب.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.
المعنى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات حرج فيما شربوا قبل التحريم إذا ما اتقى الله الأحياء منهم فخافوه وامتثلوا أمره في اجتناب ما حرّم عليهم، وصدقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم واكتسبوا من الأعمال الصالحة التي ترضيه سبحانه. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي: ثم خافوا الله وثبتوا على الإيمان واجتناب ما حرّم عليهم ولم يغيروا ولم يبدلوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي تابعوا الترقي في منهاج التقوى والخوف من الله حتى بلغوا أعلى المراتب في ذلك وهي مرتبة الإحسان: وهي أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، والله يحب المحسنين.
قال ابن جرير: (فالاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق، والدينونة به والعمل. والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير. والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال).
قال مجاهد: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، لمن كان يشرب الخمر ممن قتل مع محمد ﷺ ببدر وأحد).
стр. 1220
وقال ابن عباس: (ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها، إذا كانوا محسنين متقين، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾). وقد مضى ذكر أسباب نزول هذه الآية في ذلك بالأسانيد الصحيحة.
٩٤ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.
في هذه الآياتِ: اختبارُ الله للمؤمنين ببعض الصيد حالة إحرامهم ليعلم أهل طاعته والإيمان به والمعظمين لحدوده وشعائره، وَتَوَعُّدٌ للمخالفين بعذاب موجع مؤلم. ثم نَهْيٌ صريح عن قتل صيد البر حالة الإحرام، وإعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدًا.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.
قال ابن عباس: (هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله تعالى ذكره به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا نالوه بأيديهم. فنهاهم الله أن يقربوه).
وقال مجاهد: (النَّبْل، ﴿رماحكم﴾، تنال كبير الصيد، ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ تنال صغير الصيد، أخذ الفرخ والبيض). وقال: (الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفرّ).
وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
قال ابن كثير: (يعني: أنَّه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكّنون من أخذه بالأيدي والرماح سِرًّا وجهرًا، لتظهر طاعةُ من يُطيع منهم في سرّه وجَهْره. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك]).
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال السدي: (يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم).
стр. 1221
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى.
قال القرطبي: (وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية).
وهناك استثناء من السنة الصحيحة لعموم هذه الآية، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: [خَمْسُ فواسِق يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحَرَم: الغُراب، والحِدَأةُ، والعقرب، والفأرة، والكلبُ العقور] (١).
ورواه النسائي من طريق أيوب، وأخرجه أبو يعلى من طريهق جرير عن نافع عن ابن عمر وفيه: (قال جرير: وقال لي أيوب: قلت لنافع: فالحيةُ؟ قال: تلك لا يختلف فيها اثنان).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [خمسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِم: الحَيَّةُ، والفأرة، والحِدَأةُ، والغراب الأبقعُ، والكلب العقور] (٢).
والغراب الأبقع: هو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدْرَع وهو الأسود، والأعصم هو الأبيض. والكلب العقور هو الجارح المفترس. وأما الحدأة فهي أخس الطيور، تخطف أطعمة الناس من أيديهم.
قال الإمام مالك: (لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه).
وألحق الإمام مالك وأحمد بالكلب العقور الذئبَ، والسبع، والنَّمِر، والفهد لأنها أشدّ ضررًا منه. قال القاضي إسماعيل: (الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك الحية والعقرب؟ لأنه يخاف منهما، وكذلك الحِدَأة والغراب، لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس).
стр. 1222
وقال ابن بُكير: (إنما أُذِنَ في قتل العقرب لأنَّها ذات حُمَة (١)، وفي الفأرة لقرضها السِّقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر. وفي الغراب لوقوعه على الظهر (٢) ونَقْبه عن لحومها).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [أنبأنا صعب بن جَثَّامَةَ قال: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا بالأبواء أو بوَدّان. فأهديت له حمار وحش. فرده عليّ. فلما رأى في وجهي الكراهية قال: إنه ليس بنا ردٌّ عليك. ولكنّا حُرُمٌ] (٣).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن علي بن أبي طالب، قال: [أتي النبي ﷺ لحم صيد، وهو مُحْرِمٌ، فلم يأكله] (٤).
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
فيه وجوب الجزاء على فاعل ذلك من مثل ما قتله ذلك المحرم.
قال القرطبي ﵀: (ما يُجْزِئ من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ، فيُجْزِئ ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة، ففي النّعامة بَدَنة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة، وبه قال الشافعي. وأقل ما يجزئ عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية، وذلك كالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام).
قلت: والمِثْل يقتضي حسب ظاهر النص المثل الخِلْقي الصوري، ويدل عليه قوله: ﴿من النّعم﴾، فبَيّنَ بذلك سبحانه جنس المثل. وقد قضى الصحابة في النعامة ببدَنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بِعَنزٍ، ونحو ذلك.
أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر، فال: [جعل رسول الله ﷺ في الضبع، يصيبه المحرم، كبشًا. وجعله من الصيد] (٥).
стр. 1223
وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (يعني أنه يحكم بالجزاء في المثل، أو القيمة في غير المثل، عدلان من المسلمين).
وقال ابن جرير: حدّثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن مُخارق، عن طارق قال: (أَوْطأ أربدُ ظَبيًا فقتله وهو مُحْرِم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جَدْيًا، قد جَمَعَ الماء والشجر. ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾).
وفي هذا الأثر دلالة عند الشافعي وأحمد على جواز كون القاتل أحد الحكمين.
وفي أثر عنه مشابه قال عمر: (ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. قال: فأتيت عبد الرحمن وسعدًا، فحكما عليَّ بِتيسٍ أعفر) رواه ابن جرير.
وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
أي: يصل إلى الكعبة ليُذبح هناك ويوزع على مساكين وفقراء الحرم.
وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
قال ابن عباس: (إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد، حكم عليه فيه. فإن قتل ظبيًا أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة. فإن لم يجد، فإطعام ستة مساكين. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. وإن قتل أيِّلًا أو نحوه فعليه بقرة. فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينًا. فإن لم يجد، صام عشرين يومًا. وإن قتل نعامة أو حمارَ وحش أو نحوه، فعليه بَدَنة من الإبل. فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكينًا. فإن لم يجد، صام ثلاثين يومًا. والطعام مدٌّ مدٌّ، شِبَعَهم) ذكره بسنده ابن جرير.
قال ابن كثير: (إذا لم يجد المحرمُ مثل ما قتل من النعَم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام من الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قولُ مالك، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وأحدِ قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد ﵏ لظاهر الآية ﴿أو﴾ فإنها للتخيير. والقول الآخر أنَّها على الترتيب. فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد، وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يشترى به طعام ويتصدَّق به، فيصرف لكل مسكين مُدٌّ منه عند الشافعي، ومالك، وفقهاء الحجاز، واختاره ابنُ جرير. وقال أبو حنيفة
стр. 1224
وأصحابه: يُطعم كلَّ مسكين مُدَّين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، أو مُدَّان من غيره. فإن لم يجد، أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يومًا).
قلت: ويبدو من الآية أنه عند تعذر وجُود مثل ما قتل من النعم، فالكفارة إطعام مساكين بقدر قيمة الصيد المقتول يَتصدق به على الفقراء، يُفرق بما يطعم كل فقير أو مسكين على حدة، فإن لم يجد أو ذهبنا إلى التخيير صام عن إطعام كل مسكين يومًا.
وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ﴾.
أي: مغبة المخالفة والعصيان لأمر الله.
وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾.
أي: مما كان من قتل الصيد في الجاهلية - قاله عطاء. أو قبل نزول الكفارة. قاله آخرون.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.
قال سعيد بن جبير: (معناه فينتقم الله منه بالكفارة). وقال ابن عباس: (من قتل شيئًا من الصيد خطأ وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، وإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرّة واحدة، فإن عاد يقال له: "ينتقم الله منك" كما قال الله . وقال عطاء: (من عاد في الإسلام، فينتقم الله منه وعليه مع ذلك الكفارة).
قلت: ويبدو أن هذا الوعيد ترهيب من التهاون في تعظيم حرمات الله وشعائره، فإنه لا يعني وجود الكفارة التهاون أبدًا، ولذلك هدّد سبحانه وتوعّد من سلك سبيل التهاون، وهذا ينطبق على كل أمر شرعي وعلى كل مخالفة - والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾.
أي: منيع في ملكه، له الكبرياء والجبروت وهو الواحد القهار، ولو شاء انتقم ممن عصاه أو أعطاه فرصة ليستعتب، فليتنبه المؤمن من ذلك إلى وجوب تعظيم حرمات الله وأوامره وشرعه.
٩٦ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ
стр. 1225
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.
في هذه الآياتِ: حِلُّ صيد البحر وطعامه، وتَحْرِيمُ صيد البر على المُحْرِمِ، وَأَمْرٌ بالتقوى والاستعداد للقاء الله تعاالى. ثم بيان أن الكعبة صيّرها الله قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم، وكذا الشهر الحرام والهدي والقلائد يحجز الله بكل واحد من ذلك الناس بعضهم عن بعض، وهي معالم لدينهم، ومصالح أمورهم، والله عليم بكل ما يجري في هذا الكون، شديد العقاب لمن عاند أمره، غفور رحيم لمن استعتب واستغفر من إساءته، وقد أرسل رسوله بالبلاغ المبين، وهو سبحانه يعلم ما تبدون وما تكتمون.
فقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
قال ابن عباس: (صيده، ما صيد منه). وقال: (صيده، الطريّ). وقال سعيد بن جبير: (السمك الطري). وقال السدي: (أما ﴿صيد البحر﴾ فهو السمك الطري، هي الحيتان). قالت مجاهد: (يصطاد المحرم والمحلُّ من البحر، ويأكل من صيده). وقال ابن عباس: (طعامه ما قذف). أو قال: (كل ما ألقاه البحر). أو قال: (ما لفظ من ميتتة). وقال أيضًا: (ما وجد على الساحل ميتًا).
أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول ﷺ إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من البحْر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه] (١).
وأخرج ابن ماجة بسند جيد عن ابن الفِرَاسِيِّ، قال: [كنت أصيد وكانت لي قِرْبَةٌ
стр. 1226
أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه] (١).
وله شاهد عنده من حديث جابر، أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: [هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ مَيتَتُهُ] (٢).
وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾.
أي: منفعة للمقيمين وللسائرين المسافرين.
قال عكرمة: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ لمن كان بحضرة البحر" ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، السَّفر).
وقال مجاهد: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، قال: أهل القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، وأهل الأمصار). والسيّارة جمع سيّار. والمقصود: منفعة لمن كان مقيمًا حاضرًا في بلده، ومنفعة أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: [بعث رسول الله ﷺ بَعْثًا قِبَلَ الساحل، فأَمَّرَ أبا عُبيدة بنَ الجَرَّاح وهم ثلاثُ مئةٍ وأنا فيهم، فخرجْنا حتى إذا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّريق فَنِيَ الزَّادُ، فأمَرَ أبو عُبيدة بأزوادِ ذلك الجيش فَجُمِعَ ذلك كُلُّهُ، فكان مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فكان يُقَوِّتُنَا كُلَّ يومٍ قليلًا قليلًا حتى فَنِيَ، فلِم يكن يُصيبُنا إلا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فقلت: وما تغني تَمْرَةٌ؟ فقال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حين فنِيَتْ، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حُوتٌ مثلُ الظَّرْبِ فأكل منه ذلك الجيشِ ثمانيَ عَشْرَة لَيْلَة، ثم أمر أبو عبيدة بِضِلْعَينِ من أضلاعِهِ فَنُصِبا، ثم أَمَرَ براحلةٍ فَرُحِلتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُما فلم تُصِبْهُما] (٣).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [بعثنا رسول الله ﷺ
стр. 1227
وأمَّرَ علينا أبا عُبيدة، نَتَلَقَّى عِيرًا (١) لقريش، وَزَوّدَنا جِرابًا مِنْ تَمْرٍ لم يَجِدْ لنا غَيْرَه، فكان أبو عُبيدة يعطينا تَمْرَةً تَمْرةً، قال: فقلت: كيف كُنْتُم تَصْنَعون بها؟ قال: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبي، ثم نَشْربُ عليها من الماء، فَتَكْفِينا يَوْمَنَا إلى الليل، وكنا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ، ثم نَبُلُّهُ بالماء فنأكُلُه، قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فَرُفِعَ لنا على ساحلِ البحر كهيئة الكثيب الضَّخم، فأتيناهُ فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنْبَرَ. قال: قال أبو عبيدة: مَيْتَةٌ، ثم قال: لا، بل نحن رُسُلُ رسولِ الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضْطُرِرْتُم فكلوا، قال: فأقَمْنا عليه شهرًا، ونحن ثلاثُ مئةٍ حتى سَمِنَّا، قال: ولقد رأيْتُنا نَغْتَرِفُ من وَقْبِ عَيْنِهِ، بالقلال (٢)، الدُّهْنَ، ونَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدَرَ كالثَّورِ - أي: كَقَدْرِ الثَّوْر - فلقد أخذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشرَ رجلًا، فأقْعَدَهُم في وَقْبِ عينه، وأخذ ضِلْعًا من أضلاعه، فأقامها، ثم رَحَلَ أعظم بعير مَعَنا فَمَرَّ من تحتِها، فتزوَّدْنا من لحمه وَشَايِقَ (٣)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ ، فَذكَرْنا ذلك له، فقال: هو رِزْقٌ أخرجَهُ الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فَتُطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ مِنْه، فأكَلَهُ] (٤).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمان فالكبدُ والطِّحال] (٥).
ويستثنى الضفدع، فقد ورد النهي عن قتله، مع أنه يعيش في الماء. فقد أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد عن عبد الرحمن بن عثمان التَّيمي: [أن رسول الله ﷺ نهى عن قَتْلِ الضِفْدع] (٦).
стр. 1228
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
أي: ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم، فإن صيد البر يَحْرُمُ عليكم.
فائدة (١): لو اصطاد الحلال من أجل المحرم لم يجز للمحرم أكله.
فقد أخرج البخاري عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ اللَّيثي: [أنه أهدى لرسول الله ﷺ حِمارًا وَحْشِيًّا وهو بالأبواء أو بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نَرُدَّه إلا أنا حُرُمٌ] (١).
وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق - في رواية - قالوا: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد، لم يجز للمحرم أكله، للحديث السابق.
فائدة (٢): لو لم يقصد الحلال المحرم بالاصطياد، ولا أشار إليه، ولا أعانه، جاز له أن يأكل من ذلك الصيد.
فقد أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁: [أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له مُحْرِمين وهو غيرُ مُحْرِم، فرأى حمارًا وَحْشيًا فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يُناولوه سَوْطه فأبوا، فسألهم رُمْحَهُ فأبوا، فأخذه ثم شدَّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضٌ، فلما أدركوا رسولَ الله ﷺ سألوه عن ذلك؟ قال: إنما هي طُعْمَةٌ أطعمكموها الله] (٢).
وفي رواية: (قال: هل معكم من لحمه شيء).
وقد أورد البخاري رواية أخرى فيها تفصيل أكبر لما جرى، من حديث عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره: [أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه فصرف طائفةً منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحلَ البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحلَ البحر، فلما انصرفوا أحْرَمُوا كُلُّهم إلا أبو قتادةَ لم يُحْرمْ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وَحْشٍ
стр. 1229
فحمل أبو قتادة على الحُمُرِ فَعَقَر منها أتانًا فنَزَلوا فأكلوا من لَحْمِها وقالوا: أنأكل لحم صَيْدٍ ونحن محرمون! فَحَمَلْنا ما بقي مِنْ لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحْرَمنا وقد كان أبو قتادة لم يُحْرِم، فرأينا حُمُرَ وَحْشٍ فحمل عليها أبو قتادة فعَقَر منها أتانًا فنزَلْنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحْمَ صيدٍ ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمِنْكم أحدٌ أمَرَهُ أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها] (١).
فالذى أشكل على الصحابة أنهم حرم وقد اصطاد لهم أبو قتادة حمارًا وحشيًا فأكل بعضهم وامتنع بعض، فلما التقوا بالنبي ﷺ في موضع يُقال له (السقيا) على مئة وثمانين كيلًا من المدينة، سألوه فأذن لهم بأكله ما داموا لم يشتركوا في صيده ولم يشيروا أو يعينوا عليه.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
قال القرطبي: (تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير).
وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾.
وفيه أقوال متكاملة:
١ - قال ابن عباس: (قيامها، أن يأمن من توجّه إليها). وقال: (يعني قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم).
٢ - وقال مجاهد: (إنما سميت ﴿الْكَعْبَةَ﴾ لأنَّها مربعة، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قال: قوامًا للناس). وقال: (حين لا يَرْجون جنة ولا يخافون نارًا، فشدّد الله ذلك بالإسلام).
٣ - وقال قتادة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من
стр. 1230
الناس. وكان إذا نفر تقلّدَ قلادة من الإِذْخِر أو من لِحاء السمُر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجِزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية).
٤ - وقال ابن عباس: (كان ناس يتقلّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك).
٥ - وقال ابن زيد: (كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى ذكره لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفَعُ بعصهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك، يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرام، والقلائد. قال: ويلقى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسخ).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ذَلِكَ﴾، تصييره الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيّرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم، علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السماوات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء ﴿عَلِيمٌ﴾، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته).
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
تخويف وترجية، ترهيب وترغيب، لا صلاح للعبد بدونهما، فهو بحاجة للخوف من الله ومن عقابه وعذابه، وللثقة بمغفرته وعفوه، حتى يستقيم توجهه إليه.
وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: ليس للرسول إلا البلاغ فأمر الهداية والتوفيق والعفو والثواب بيد الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، فهو الذي يطلع على القلوب ويعلم ما تخفونه من الكفر والنفاق، أو من الصدق والإيمان.