← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه] (١). وله شاهد عنده من حديث جابر، أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: [هو الطَّهُور ماؤه، الحِلُّ مَيتَتُهُ] (٢). وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. أي: منفعة للمقيمين وللسائرين المسافرين. قال عكرمة: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ لمن كان بحضرة البحر" ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، السَّفر). وقال مجاهد: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾، قال: أهل القرى، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، وأهل الأمصار). والسيّارة جمع سيّار. والمقصود: منفعة لمن كان مقيمًا حاضرًا في بلده، ومنفعة أيضًا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: [بعث رسول الله ﷺ بَعْثًا قِبَلَ الساحل، فأَمَّرَ أبا عُبيدة بنَ الجَرَّاح وهم ثلاثُ مئةٍ وأنا فيهم، فخرجْنا حتى إذا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّريق فَنِيَ الزَّادُ، فأمَرَ أبو عُبيدة بأزوادِ ذلك الجيش فَجُمِعَ ذلك كُلُّهُ، فكان مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فكان يُقَوِّتُنَا كُلَّ يومٍ قليلًا قليلًا حتى فَنِيَ، فلِم يكن يُصيبُنا إلا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فقلت: وما تغني تَمْرَةٌ؟ فقال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حين فنِيَتْ، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حُوتٌ مثلُ الظَّرْبِ فأكل منه ذلك الجيشِ ثمانيَ عَشْرَة لَيْلَة، ثم أمر أبو عبيدة بِضِلْعَينِ من أضلاعِهِ فَنُصِبا، ثم أَمَرَ براحلةٍ فَرُحِلتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُما فلم تُصِبْهُما] (٣). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: [بعثنا رسول الله ﷺ

стр. 1227

وأمَّرَ علينا أبا عُبيدة، نَتَلَقَّى عِيرًا (١) لقريش، وَزَوّدَنا جِرابًا مِنْ تَمْرٍ لم يَجِدْ لنا غَيْرَه، فكان أبو عُبيدة يعطينا تَمْرَةً تَمْرةً، قال: فقلت: كيف كُنْتُم تَصْنَعون بها؟ قال: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبي، ثم نَشْربُ عليها من الماء، فَتَكْفِينا يَوْمَنَا إلى الليل، وكنا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَطَ، ثم نَبُلُّهُ بالماء فنأكُلُه، قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فَرُفِعَ لنا على ساحلِ البحر كهيئة الكثيب الضَّخم، فأتيناهُ فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنْبَرَ. قال: قال أبو عبيدة: مَيْتَةٌ، ثم قال: لا، بل نحن رُسُلُ رسولِ الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضْطُرِرْتُم فكلوا، قال: فأقَمْنا عليه شهرًا، ونحن ثلاثُ مئةٍ حتى سَمِنَّا، قال: ولقد رأيْتُنا نَغْتَرِفُ من وَقْبِ عَيْنِهِ، بالقلال (٢)، الدُّهْنَ، ونَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدَرَ كالثَّورِ - أي: كَقَدْرِ الثَّوْر - فلقد أخذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشرَ رجلًا، فأقْعَدَهُم في وَقْبِ عينه، وأخذ ضِلْعًا من أضلاعه، فأقامها، ثم رَحَلَ أعظم بعير مَعَنا فَمَرَّ من تحتِها، فتزوَّدْنا من لحمه وَشَايِقَ (٣)، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ ، فَذكَرْنا ذلك له، فقال: هو رِزْقٌ أخرجَهُ الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فَتُطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ مِنْه، فأكَلَهُ] (٤). الحديث الثالث: أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدَّمان فالكبدُ والطِّحال] (٥). ويستثنى الضفدع، فقد ورد النهي عن قتله، مع أنه يعيش في الماء. فقد أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد عن عبد الرحمن بن عثمان التَّيمي: [أن رسول الله ﷺ نهى عن قَتْلِ الضِفْدع] (٦).

стр. 1228

وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. أي: ما كنتم محرمين، لم تحِلوا من إحرامكم، فإن صيد البر يَحْرُمُ عليكم. فائدة (١): لو اصطاد الحلال من أجل المحرم لم يجز للمحرم أكله. فقد أخرج البخاري عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ اللَّيثي: [أنه أهدى لرسول الله ﷺ حِمارًا وَحْشِيًّا وهو بالأبواء أو بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نَرُدَّه إلا أنا حُرُمٌ] (١). وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق - في رواية - قالوا: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد، لم يجز للمحرم أكله، للحديث السابق. فائدة (٢): لو لم يقصد الحلال المحرم بالاصطياد، ولا أشار إليه، ولا أعانه، جاز له أن يأكل من ذلك الصيد. فقد أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁: [أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له مُحْرِمين وهو غيرُ مُحْرِم، فرأى حمارًا وَحْشيًا فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يُناولوه سَوْطه فأبوا، فسألهم رُمْحَهُ فأبوا، فأخذه ثم شدَّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضٌ، فلما أدركوا رسولَ الله ﷺ سألوه عن ذلك؟ قال: إنما هي طُعْمَةٌ أطعمكموها الله] (٢). وفي رواية: (قال: هل معكم من لحمه شيء). وقد أورد البخاري رواية أخرى فيها تفصيل أكبر لما جرى، من حديث عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره: [أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه فصرف طائفةً منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحلَ البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحلَ البحر، فلما انصرفوا أحْرَمُوا كُلُّهم إلا أبو قتادةَ لم يُحْرمْ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وَحْشٍ

стр. 1229

فحمل أبو قتادة على الحُمُرِ فَعَقَر منها أتانًا فنَزَلوا فأكلوا من لَحْمِها وقالوا: أنأكل لحم صَيْدٍ ونحن محرمون! فَحَمَلْنا ما بقي مِنْ لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحْرَمنا وقد كان أبو قتادة لم يُحْرِم، فرأينا حُمُرَ وَحْشٍ فحمل عليها أبو قتادة فعَقَر منها أتانًا فنزَلْنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحْمَ صيدٍ ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمِنْكم أحدٌ أمَرَهُ أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها] (١). فالذى أشكل على الصحابة أنهم حرم وقد اصطاد لهم أبو قتادة حمارًا وحشيًا فأكل بعضهم وامتنع بعض، فلما التقوا بالنبي ﷺ في موضع يُقال له (السقيا) على مئة وثمانين كيلًا من المدينة، سألوه فأذن لهم بأكله ما داموا لم يشتركوا في صيده ولم يشيروا أو يعينوا عليه. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. قال القرطبي: (تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير). وقوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾. وفيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (قيامها، أن يأمن من توجّه إليها). وقال: (يعني قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم). ٢ - وقال مجاهد: (إنما سميت ﴿الْكَعْبَةَ﴾ لأنَّها مربعة، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قال: قوامًا للناس). وقال: (حين لا يَرْجون جنة ولا يخافون نارًا، فشدّد الله ذلك بالإسلام). ٣ - وقال قتادة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من

стр. 1230

الناس. وكان إذا نفر تقلّدَ قلادة من الإِذْخِر أو من لِحاء السمُر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجِزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية). ٤ - وقال ابن عباس: (كان ناس يتقلّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ، فيعرفون بذلك). ٥ - وقال ابن زيد: (كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى ذكره لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفَعُ بعصهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك، يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرام، والقلائد. قال: ويلقى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسخ). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله ﴿ذَلِكَ﴾، تصييره الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيّرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم، علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السماوات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء ﴿عَلِيمٌ﴾، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته). وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. تخويف وترجية، ترهيب وترغيب، لا صلاح للعبد بدونهما، فهو بحاجة للخوف من الله ومن عقابه وعذابه، وللثقة بمغفرته وعفوه، حتى يستقيم توجهه إليه. وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. أي: ليس للرسول إلا البلاغ فأمر الهداية والتوفيق والعفو والثواب بيد الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، فهو الذي يطلع على القلوب ويعلم ما تخفونه من الكفر والنفاق، أو من الصدق والإيمان.

стр. 1231

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الله لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صُوَركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم] (١). وفي لفظ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم]. ١٠٠ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. في هذه الآياتِ: خِطابٌ من الله لعباده: لا يستوي الحلال الطيب القليل مع الحرام المخادع الكثير، فاتقوا الله يا أهل العقول لعلكم تنالون رضاه وتوفيقه. ثم تَأدِيبٌ من الله سبحانه لعباده المؤمنين، وارتقاءٌ بهم عن الخوض فيما لا فائدة منه من السؤال والبحث، فلربما ظهر جواب ذلك فيما يشق عليهم وتكرهه نفوسهم، فقد حصل ذلك لأقوام مضوا فأصبحوا بذلك كافرين. ففي قوله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. قال السدي: (﴿الْخَبِيثُ﴾، هم المشركون، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾، هم المؤمنون). وقال ابن جرير: (قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته، وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا).

стр. 1232

ولا شك أن الآية تعم كل قليل طيب مبارك، وكل كثير خبيث فاتن، سواء كان من الناس ومعادنهم، أو كان من متاع هذه الحياة الدنيا. أخرج أبو يعلى في المسند، والبيهقي في "الشعب"، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: [ما قل وكفى خير مما كثر وألهى] (١). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾. وَصِيَّةٌ بالتقوى من الله سبحانه، فهي سرّ سعادة الدنيا وسرّ النجاة يوم القيامة. أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك: [أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه رَوْحُكَ في السماء وذكرك في الأرض] (٢). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. الآية. فإن فيها ثلاث أسباب صحيحة للنزول: السبب الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: [خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. قال: فغطّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان. فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣). السبب الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: [كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلها] (٤).

стр. 1233

السبب الثالث: أخرج الطبري عن أبي هريرة - بسند رجاله ثقات - قال: [خطبنا رسول ﷺ فقال: يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج. فقام محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما أني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكنوا عن ما سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية] (١). فهذه ثلاثة أسباب للنزول مسندة صحيحة، والحاصل أنَّها نزلت بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء والامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة. وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا تسألوا عن أشياء إن نُزِّل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه). وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: [إن أعظم المسلمين جُرْمًا مَنْ سأل عَنْ شيء لم يُحَرَّم فَحُرِّمَ من أجل مسالته] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: [سئِل رسول الله ﷺ عن أشياء كرِهَها، فلمّا أكثروا عليه المسألة غضب وقال: "سلوني" فقال رجل فقال: يا رسول الله، مَنْ أبي؟ قال: أبوك حُذافَةُ. ثم قام آَخرُ فقال: يا رسول الله، مَنْ أبي؟ فقال: أبوك سالِمٌ مولى شَيْبَةَ. فلما رأى عُمَرُ ما بوجه رسول الله ﷺ من الغضب قال: إنا نتوب إلى الله " (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: [أن

стр. 1234

النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصَلَّى الظُّهْرَ، فلما سَلَّم قام علي المِنْبَرِ فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عِظامًا، ثم قال: مَنْ أَحْبَّ أن يسأل عن شيء فليسألْ عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكُمْ به ما دُمْتُ في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: "سلوني"، فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مَدْخَلِي يا رسول الله؟ قال: "النار"، فقال عبد الله بن حُذافة فقال: مَنْ أَبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حُذافَة". قال: ثم أكثر أن يقول: "سلوني سلوني"، فَبَرَك عُمَر على رُكْبَتَيْهِ فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عُمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : أَوْلى، والذي نفسي بيده لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنَّةِ والنار آنفًا في عُرْضِ هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشَّرِ" (١). الحديث الرابع: أخرج البخاري من حديث أبي عَوَانَةَ: حدَّثنا عبدُ الملك عن وَرَّادٍ كاتب المغيرة قال: كتَب معاوية إلى المغيرة: اكتبْ إليَّ ما سمعتَ من رسول الله ﷺ . فكتبَ إليه: إن نبيَّ الله ﷺ كان يقول في دُبُر كل صلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مَانِعَ لما أعطيت، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنفَعُ ذا الجدِّ مِنكَ الجَدُّ" وكتب إليه: إنه كان ينهى عَنْ: قيلَ وقالَ، وكَثْرَة السُّؤَالِ، وإضاعة المال، وكان ينهى عن: عقوق الأمَّهات، وَوَأد البناتِ، ومَنْعٍ وهَاتِ" (٢). الحديث الخامس: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [دعوني ما تركتكم، فإنما هَلكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ سُؤَالهُمْ واخْتِلافُهُم على أنبيائِهمْ، فإذا نَهْيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم] (٣). الحديث السادس: أخرج الدارقطني بسند جيد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله فَرَضَ فرائضَ فلا تُضَيِّعُوهَا، وحَرَّمَ حُرُمات فلا تَنْتَهكوها،

стр. 1235

وحَدَّ حُدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها] (١). وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. أي: عفا الله عما كان منكم من ذلك، وهو سبحانه الغفور لِزَلَّاتِكُم، الحليم بعباده وما يصدر عنهم. وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (نهاهم أن يسالوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك). وقال السدي: (قد سأل الآيات قوم من قبلكم، وذلك حين قيل له: غيِّر لنا الصفا ذهبًا! ). قال ابن جرير: (قد سأل الآيات قوم من قبلكم، فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين). ١٠٣ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾. في هذه الآيات: ما بَحَرَ الله بحيرة، ولا سيّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميًا، بل هي من صنع المشركين الذين حرموا ما لم ينزل الله به سلطانًا، وافتروا على الله الكذب، وجعلوا بعض هذه الأنعام وقفًا على الأوثان والأصنام، وأكثرهم لا يعقلون. وإذا رُدّوا إلى التحاكم لله ولرسوله اعتزوا بآبائيتهم وجاهليتهم حتى ولو كانت مهترئة فاسدة عفنة. فقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. البحيرة: الفعيلة، من بَحَرْت أذن الناقة أي: شققتها. وهي: الناقة تُشَقّ أذنها

стр. 1236

وتُخَلّى للطواغيت، فكانت العرب في الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر شقوا أذنها وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المَعْيِيُّ المنقطع به لم يركبها. قال ابن عباس: (هي الناقة إذا نُتِجَت خمس أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء. وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة). وقال سعيد بن المسيب: (البحيرة: التي يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس) ذكره البخاري. وأما السائبة: فهي الناقة تُسَيَّبُ للأصنام لنحو بُرْءٍ من مرضٍ أو نجاة في حرب، فلا يحمل عليها ولا تحبس عن مرعى ولا ماء. قال مجاهد: (هي من الغنم نحو ما فُسِّرَ من البحيرة، إلا أنَّها ما ولدت من وَلَدٍ بينها وبينه ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت السابعَ ذكرًا أو ذكرين ذَبَحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم). وقال محمد بن إسحاق: (السائبة هي الناقة إذا ولدت عَشْرَ إناثٍ من الولد ليس بينهنَّ ذكر، سُيِّبت فلم تُرْكَب، ولم يُجَزّ وَبَرُها، ولم يَحْلِب لبنَها إلا الضيف). وقال أبو رَوْقٍ: (السائبة: كان الرجل إذا خَرَجَ فَقُضِيَتْ حاجتُه، سَيَّبَ من ماله ناقةً أو غيرها، فجعلها للطواغيت. فما ولدت من شيء كان لها). وقال السُّدي: (كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته أو عُوفِي من مرض أَوْ كَثُرَ ماله سيَّبَ شيئًا من ماله للأوثان، فمن عَرَض له من الناس عُوقِبَ بعقوبة في الدنيا). وأما الوصيلة: فهي الناقة تترك للطواغيت إذا بَكَّرت بأنثى ثم ثَنَّتْ بأنثى. يقال: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر. قال ابن عباس: (هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن استحيوهما وقالوا: وَصَلته أختُ فحرَّمته علينا) رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وقال محمد بن إسحاق: (الوصيلةُ من الغنم إذا ولدت عَشْر إناث في خمسة أبطن،

стр. 1237

توأمين في كل بطن، سُمِّيَت الوصيلةَ وتُركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى، جُعِلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها. وقال سعيد بن المسيب: (فالوصيلةُ من الإبل، كانت الناقة تَبْتَكِرُ بأنثى، ثم تُثَني بأنثى، فيسمُّونها الوصيلة، ويقولون وصلت اثنين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدّعونها لطواغيتهم) رواه عبد الرزاق، ورُوي نحوه عن الإمام مالك. وأما الحام: فهو الفَحْلُ لا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عليه إذا ضربَ عشرة أبطن. قال ابن عباس: (كان الرحلُ إذا لقح فحلُه عَشْرًا، قيل: حامٍ، فاتركوه). وقال أيضًا: (وأما الحام فالفحلُ من الإبل، إذا ولد لولده قالوا، حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونَه من حمَى رَعْيٍ، ومن حَوْضٍ يُشْرَبُ منه، وإن كان الحوضْ لغير صاحبه). وقال ابن وَهْبٍ: سمعت مالكًا يقول: (أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضِرَابُه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيَّبُوه) ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني، في أحاديث صحيحة: الحديث الأول: قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب قال: [البحيرة: التى يُمْنَعُ دَرُّهَا للطواغيت، فلا يَحْلبها أحد من الناس. والسائبة: كانوا يُسَيِّبُونها لآلهتهم، لا يُحْمَلُ عليها شئ -قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "رأيت عَمْرو بن عامر الخزاعيَّ يجرُّ قُصْبَهُ (١) في النار، كان أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السوائب"- وَالْوَصِيلَةُ: الناقةُ الْبِكْرُ، تُبَكِّر في أول نتاج الإبل، ثُمَّ تُثَنِّي بعد بأنثى، وكانوا يُسَيِّبُونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذَكَرٌ، والحام: فحْلُ الإبل يَضرب الضِّرَابَ المعدود، فإذا قضى ضرابه وَدَعُوهُ للطواغيت، وأعفوه عن الحَمْل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسَمَّوْهُ الْحَامِيَ] (٢).

стр. 1238

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : [رأيت جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ورأيت عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ، وهو أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السوائِب] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إنّ أوَّلَ من سَيِّبَ السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيتُه يَجُرُّ أمعاءه في النار] (٢). الحديث الرابع: أخرج ابن جرير بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثَمَ بن الجون يا أكثمُ، رأيتُ عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمَعَةَ بن خِندِفٍ يجر قُصْبه في النار. فما رأيت رجلا أشبه برجلٍ منكَ به، ولا بِه منك. فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ (وفي لفظ ابن إسحاق: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله)؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أوَّلُ من غيَّرَ دين إبراهيم، وبَحَر البحيرة، وسيَّبَ السائبة، وحَمى الحَامي] (٣). الحديث الخامس: أخرج أحمد في المسند، وابن جرير في التفسير، والبيهقي في "الأسماء والصفات" بسند قوي عن أبي الأحوص الجُشَمي، عن أبيه مالك بن نَضْلَة قال: [أتيتُ النبي ﷺ في خُلقَانٍ من الثياب، فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أيِّ المالِ؟ قال: فقلت: من كُلِّ المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: إذا أتاك الله مالًا فَلْيُرَ عليك. ثم قال: تُنْتَجُ إِبلُكَ وافيةً آذانُها؟ قال: قلت: نعم، وهل تُنْتَجُ الإبل إلا كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بُحُرٌ، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه حُرُمٌ؟ قلت: نعم. قال: فلا تفعل، إن كل مال أتاك الله لك حِلٌّ، ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾] (٤).

стр. 1239

وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركون افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم وقربة يَتَقَرَّبُون بها إليه. وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وَبَالٌ عليهم). وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. قال ابن جرير: (ويقولون: نحن لهم تبع وهم لنا أئمة وقادة، قد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل). وفي التنزيل: ﴿بَلْ قَالوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢). فأعمتهم الآبائية المظلمة عن إبصار نور الحق، وكان تقليدها الأعمى سبب هلاك لهم. ولذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. أي: كيف يتبعونهم ولم يكونوا أهل علم أو صلاح أو اتباع لمنهج الرسل، بل كانت الجاهلية بأعرافها هي التي تحكمهم، وهي التي يعظمونها من دون شرع الله ! أَمَا وآباؤهم ليسوا أهل علم وهداية وطريق مستقيم فلا يصلحون للاتباع. ١٠٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾. في هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالاهتمام بإصلاح نفوسهم ودينهم، وأن يبذلوا وسعهم في ذلك، ثم لا يضرهم من اختار الضلال إذا جهدوا في إقامة الدين في خاصتهم مع ما قدروا عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمآل إلى الله سبحانه، وهناك يخبر تعالى عباده بأعمالهم ويثيبهم عليها عدل الجزاء. فقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. نصب على الإغراء. والتقدير: احفظوا أنفسكم من الزلل والاثام. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق ومعاني هذه الآية، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن قيس، قال: قال

стр. 1240

أبو بكر، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: [يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنا سمعنا النبي ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم الله بعقاب. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما مِنْ قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب] (١). قال سعيد بن المسيب: (﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت). الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما مِنْ رَجُلٍ يكون في قوم يَعمَلُ فيهم بالمعاصي يَقدرون على أن يغيّروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: [كيف بكم وبزمان - أو يوشك أن يأتي زمان يُغربَلُ الناسُ فيه غَربلةً تبقى حُثَالةٌ مِنَ الناس، قَدْ مَرجتْ عُهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصّتكم، وتذرون أمر عامّتِكم" (٣). ١٠٦ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا

стр. 1241

اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ في هذه الآيات: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم وقت الوصية عند الموت اثنان ذوا رشد وعقل من المسلمين أو آخران من غير أهل ملتكم - من أهل الكتاب - إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض فنزل بكم الموت فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة، فيحلفان بالله - إن اتهمتموهما بخيانة - لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا، فلا نحلف كاذبين لجحد حق أو مال، ولو كان الذي نقسم له ذا قرابة منا. فإن ظهر منهما خيانة أنهما كذبا أو كتما فيقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت، فيحلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا، أو أن شهادة الكافرين باطلة، وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين. وهذا الفعل، إن فعلتم بهم، أقرب لهم أن يتصدقوا ولا يخونوا، خشية الفضيحة وحذرًا أن ترد الإيمان إلى أولياء الميت فيكشف صنيعهم، فخافوا الله أيها الناس واسمعوا والله لا يوفق مَنْ فَسَقَ عن أمر ربه وخان الأمانة. أخرج البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجلٌ من بني سهمٍ مع تميم الداري وعدي بن بدَّاءٍ، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدمابتركته فقدوا جامًا (١) من فضة مُخَوَّصًا من ذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعثه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾] (٢). فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾. قال النسفي: (ارتفع اثنان لأنه خبرُ المبتدأ وهو شهادة، بتقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين، أو لأنه فاعل "بينكم"، أي: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. واتسع في

стр. 1242

بين فأضيف إليه المصدر، وإذا حضر ظرف للشهادة، وحين الوصية بدل منه. وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية، لأن حضور الموت من الأمور الكائنة، وحين الوصية بدل منه، فيدل على وجود الوصية، ولو وجدت بدول الاختيار لسقط الابتلاء، فنقل إلى الوجوب, وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل). وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فيه أقوال: ١ - قال ابن عباس: (ذوا عدل من أهل الإسلام). وقال سعيد بن المسيب: (اثنان من أهل دينكم). وقال عبيدة: (من المئة). أو قال: (من أهل الملة). ٢ - قال عكرمة: (ذوا عدل من حي الموصي). ٣ - قال النسفي: (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة لاثنين ﴿مِنْكُمْ﴾ من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت). قلت: والراجح أن المقصود من المسلمين. وهو مذهب الجمهور. فإن كانوا كذلك من قرابته أو من أهل حيّه فهذا أفضل لعلمهم بأحوال الميت وأهله. وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن عباس: (من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب) - رواه ابن أبي حاتم بسنده عنه. وقال عكرمة: (أي: من غير قبيلة الموصي) - ذكره ابن جرير. والأول أصح ويدل عليه السياق. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم. ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. قال القرطبي: (وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم، ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما، وادّعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة، أي: تستوثقوا منهما. وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة. قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى، ورزية كبرى،

стр. 1243

فأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر). وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾. صفة لآخران. واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾. وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه. قال الخطابي: (الحبس على ضربين: حبس عقوبة، وحبس استظهار. فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ماكان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه). وعن ابن سيرين قال: (كان شُريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن) رواه معمر عن أيوب عنه. قال القرطبي: (والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجّلًا، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجَّلًا، فإن خُلّي مَنْ عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوِي (١) فلم يكن بدّ من التوثق منه، فإما بعِوض عن الحق وهو المسمى رهنًا، وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحمِيل (٢)، وهو دون الأول؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره، ولكن لا يمكن أكثر من هذا، فإن تعذرا جميعًا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق، أو تبيّن عسرته. قال: فإن كان الحق بَدَنِيًّا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلًا، لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه، ولأجل هذه الحكمة شرع السجن، روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جده: [أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة] (٣). وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه عن رسول الله ﷺ

стр. 1244

قال: [ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبتَه] (١). قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرضَه يُغَلّظ له، وعقوبته يُحبَس له). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. فيه أقوال: ١ - قال العوفي عن ابن عباس: (يعني صلاة العصر). وقال الحسن: (صلاة الظهر). ٢ - قال الزهري: (يعني صلاة المسلمين). ٣ - وقال السدي: (يعني صلاة أهل دينهما) - يعني إن كانا من غير المسلمين. ٤ - وقال القرطبي: (يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة). ٥ - وقيل: إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيمًا للوقت، وإرهابًا به، لشهود الملائكة ذلك الوقت. قلت: والراجح إطلاق لفظ الصلاة كما أطلقها الله تعالى، فالمراد اجتماع الناس وشهود الأمر بين المتخاصمين، كما قال ابن كثير ﵀: (والمقصود: أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم). وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. أي: فيحلفان بالله. وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. أي: إن شككتم في أمانتهما، أو ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. قال ابن زيد: (نأخذ به رشوة). أي: لا نشتري بقسمنا عوضًا نأخذه - بدلًا مما أوصى به - من عرض هذه الدنيا الفانية.

стр. 1245

وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ قال النسفي: (أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريباً منا) وقوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ قال ابن كثير: (أضافها إلى الله تشريفا لها، وتعظيما لأمرها.) وقوله: ﴿إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن كتمنا أو حرفنا الشهادة أو [. . . . .] [*] قال القاسمي: (أي: المعدودين من المستقرين في الإثم.) أخرج أبو داود بسند صحيح عن الشعبيّ: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقاء (١)، قال: فحضرته الوفاة- ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيّته- فأشهده رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعريّ ﵁ فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعريّ: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله ﷺ . قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنّها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما] (٢). وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ الآية قال قتادة: (أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما) وقال ابن عباس: (فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ من أولياء الميت، فيحلفان بالله: «ما كان صاحبنا ليوصي بهذا، أو: إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحق من شهادتهما»). والقراءة المشهورة «الأوليان» وهي قراءة الجمهور، فيكون المعنى عندئذ كما قال ابن كثير: (أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم

стр. 1246

اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أوّلي من يرث ذلك المال، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، أي: لقولنا إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾، أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: إن كنا قد كذبنا عليهما). وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾. قال قتادة: (ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العَقِب (١)). وقال ابن كثير: (أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضيِّ، من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي). وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. فيه تخويف لهم من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة. قال ابن زيد: (فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمانُ هؤلاء). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾. أي: خافوا الله أيها الناس حق مخافته وأطيعوا أمره وأدوا الأمانات إلى أهلها. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: الخارجين عن طاعة لله والخوف منه، والمستحلين لأنفسهم الحلف الكاذب وأكل أموال الناس بالباطل. قال ابن زيد: (﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، الكاذبين، يحلفون على الكذب)، ولكن الآية عامة في كل فاسق، فتشمل كل أنواع الفسق. كما اختار ذلك شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀. ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾. في هذه الآية: إخبار عن خطاب الله سبحانه يوم القيامة المرسلين بماذا أجيبوا من

стр. 1247

أقوامهم وأممهم حين دعوهم إلى التوحيد وإفراد الله سبحانه بالتعظيم، فقالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. فقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. كقوله في سورة الأعراف: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. وكقوله في سورة الحجر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. وقوله: ﴿قَالوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾. قال مجاهد: (إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم). وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. قال ابن جريج: (معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾). قال أبو عبيد: (ويشبه هذا حديث النبي ﷺ أنه قال: "يرد عليّ أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"). قلت: وهذا في الصحيح. فقد أخرج البخاري عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ مِنْ أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفْتُهُمُ اخْتُلِجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بَعْدَك] (١). وكذلك أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه كان يُحَدِّثُ أن رسول الله ﷺ قال: [يَرِدُ عَلَيَّ يوم القيامة رَهْطٌ من أصحابي، فَيُجْلَوْنَ عَنِ الحَوضِ فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنك لا عِلْمَ لك بما أحْدَثُوا بَعْدَك، إنهم ارتدُّوا على أدْبارهم القَهْقَرى] (٢). قال الماورديّ: (فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان: أحدهما - أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني - أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك نوعًا من العقوبة لهم).

стр. 1248

١١٠ - ١١١. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾. في هذه الآيات: إذ قال الله سبحانه يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك، إذ قويتك برُوح القدس وأعنتك به صغيرًا في المهد وكهلًا، وكذلك اذكر نعمتي عليك إذ علمتك الخط والفهم لمعاني التنزيل، وكذلك إذ تعمل وتصلح من الطين كصورة الطير بعوني على ذلك، فتنفخ في الهيئة، فتكون طيرًا بإذني، وتشفي الأعمى والأبرص بإذني، وإذ تخرج الموتى بإذني، واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفّي عنك من همّ بقتلك من بني إسرائيل حين جئتهم بالأدلة المعجزة المثبتة لنبوتك فقال الذين تمرّدوا كبرًا وجحدوا نبوتك وكذبوك إن هذا إلا سحر مبين. ثم اذكر كذلك إذ ألقيت إلى الحواريين أن صدقوا بي وبرسولي عيسى فقالوا آمنا وصدقنا واشهد علينا بأننا سامعون مطيعون نازلون عند أمرك، مستسلمون لقضائك. فقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال ابن كثير: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من أمٍّ بلا ذَكَرٍ، وجعلي إياك آية ودلالةً قاطعة على كمال قُدرتي على الأشياء، ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، حيث جَعَلْتُك لها برهانًا على براءتها مما نَسَبَهُ الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة، ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، وهو جبريل ﵇ وجعلتُكَ نبيًّا داعيًا إلى الله في صِغَرِكَ وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فَشَهدْتَ ببراءة أمِّكَ من كُلِّ عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتِكَ إلى عبادتي، ولهذا قال

стр. 1249

تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو إلى الله الناس في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. وضُمِّنَ ﴿تُكَلِّمُ﴾ تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب). وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أي: الخط والفهم. قال ابن جرير: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ وهو الخط، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك، وهو الإنجيل). وقوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. أي: الكتاب الذي أنزل على موسى، والكتاب الذي أنزل عليك. وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. أي: تجعل من الطير على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك التشكيل والتصوير. وقوله: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾. أي: ثم تنفخ في ما شكَّلت من تلك الصورة فإذا بها طائر له روح، يتحرك ويطير بإذن الله أحسن الخالقين. وقوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾. أي: وتشفي ﴿الْأَكْمَهَ﴾ وهو الأعمى الذي لا يبصر، كما تعالج الأبرص فيشفى بإذن الله تعالى. وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾. قال ابن كثير: (أي: تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته. وقوله. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال القرطبي: (﴿كَفَفْتُ﴾ معناه دفعت وصرفت ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ﴾ حيث هموا بقتلك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية.

стр. 1250

﴿فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوّتك. ﴿إن هذا﴾ أي: المعجزات. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾). وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾. الوحي أقسام: وحي التنزيل، ووحي الإلهام، ووحي الإعلام. ١ - فوحي التنزيل: هو الوحي من الله تعالى بإرسال جبريل إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. ٢ - ووحي الإلهام: هو إفهام الله تعالى بعض عباده بأمر يريده أو يحبه، كما في هذه الآية. ٣ - وحي الإعلام: ويكون في اليقظة والمنام. قال أبو عبيدة: (أوحيت بمعنى أموت). وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥]. أما في لغة العرب: الوحي معناه الإلهام. وهو المعنى المراد هنا بهذه الآية، وهو القسم الثاني من أقسام مفهوم الوحي في الكتاب والسنة. فيكون المعنى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: ألهمتهم وأفهمتهم وقذفت في قلوبهم ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾. قال السدي: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾، يقول: قذفت في قلوبهم)، وقال الحسن البصري: (ألهمهم الله ذلك)، فصدقوا وآمنوا وامتثلوا ما أمروا به من الله تعالى. قال ابن كثير: (ويُحْتَمل أن يكون المرادُ: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتُهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾). ١١٢ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً

стр. 1251

مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ (١١٥)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة المائدة التي بها تسمى هذه السورة، يقول تعالى: واذكر يا عيسى كذلك من جملة نعمي عليك، حين أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فأجابهم عيسى ﵊ مستعظمًا لما قالوه: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وأمرهم بالتوبة والاستغفار من مغبة ما قالوا. فأجابوه أنهم قالوا ذلك رغبة في الأكل من تلك المائدة ليزدادوا يقينًا وإيمانًا بالله وقدرته وجبروته. فهنالك دعا عيسى ربه وسأله مائدة تنزل عليهم من السماء فيكون ذلك اليوم يومًا عظيمًا في حياتهم وحياة من بعدهم يتذكرون به صفات الله وكرمه عليهم وأياديه الحسنى فيزدادون بذلك عبادة له وتعظيمًا. فاستجاب الله تعالى دعاء نبته ﵇ وأنزل المائدة وتوعّد من كفر بعد هذه الآية العظيمة عذابًا ما عاقبه أحد قبل ذلك. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فلقد سأل الحواريون عيسى بن مريم -جهلًا منهم- بقولهم ذلك وآفاق مدلولاته، فهم بلفظهم الذي اختاروه كأنهم يجهلون أن الله على كل شيء قدير، ومن كذّب بقدرة الله فهو كافر، ولكن الجهل كان عذرًا لهم عند الله ورسوله ﵇. قال ابن جرير: (قال عيسى للحواريين: راقبوا الله، أيها القوم، وخافوه، أن يَنْزِلَ بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده. وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به، فاتقوا الله أن يُنْزِل بكم نقمته). قلت: وهذه الآية دليل صريح أن الجاهل معذور بجهله. فإن من ثبتَ له الإسلام لا يُنْزَعُ منه إلا بما ينقُضُ الإسلام، ومن ثم فإن القصد والنية شرط صحة الأعمال، فالجاهل الذي صدر منه ما ينقض إيمانه ولم يقصد ذلك معذور إلى أن يحصل له العلم والبيان.

стр. 1252

وقوله تعالى: ﴿قَالوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾. تأكيدُ أنَّ ما قالوه أرادوا به زيادة الإيمان والثبات على الصدق، والإخلاص بمتابعة عيسى ﵇. فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾: أي: لننال بركتها لا لحاجة دعتهم إليها. وهذا تفسير أقرب من التفسير الذي ذهب إليه آخرون أنهم قالوا ذلك لحاجتهم إلى الأكل منها. وقوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾. أي: إذا شاهدنا نزولها، وتمتعنا بهذا الرزق المباشر من الله تعالى من السماء. وذكر الماورديّ أن تأويل ذلك يحتمل ثلاثة أوجه: ١ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبيًّا. ٢ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا. ٣ - تطمئن قلوبنا إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألناه. وقال الثعلبي: (نستيقن قدرته فتسكن قلوبنا). وقال المهدويّ: (أي: تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا) ذكره القرطبي. قلت: وكل ما سبق يدخل في آفاق قوله تعالى عنهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، فإن طمأنينة القلب بالإيمان وبرضى الرحمان هي غاية سعادة العبد في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال قتادة: (يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به). وقال ابن جرير: (ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوبُ المؤمنين). أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي ثعلبة، عن النبي ﷺ قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون] (١).

стр. 1253

قال ابن القيم: (فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم إنه دينه الحق وهو صراطه المستقيم. وهو ناصره وناصر أهاه وكافيهم ووليهم). وقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾. أي: بأنك رسول الله. قال ابن كثير: (أي: ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك). وقوله ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾. أي: لله بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوة، فنثبت بذلك على الإيمان بعد رؤية ومعاينة هذه الآية العظيمة. وقوله: ﴿قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة: ١ - قال السدي: (أي: نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومَنْ بعدنا). ٢ - قال سفيان الثوري: (يعني يومًا نصلي فيه). ٣ - قال قتادة: (أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم). ٤ - وعن سليمان الفارسي: (عِظةً لنا ولمن بعدنا). وقيل: (كافية لأولنا وآخرنا)، ذكره ابن كثير. وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾. يعني: دليلًا على قدرتك، وإجابتك الدعاء، وحجة لنا لمتابعة الطريق في الإيمان والدعوة والجهاد. وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. أي: نسألك رزقًا من عندك، فأنت خير من أعطى وكفى، ورزق وبارك وعافى. وقوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. أي: استجاب الله ذلك الدعاء، وتوعّد من كذب بها بعد ذلك أشدَّ العذاب. قال القرطبي: (هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى

стр. 1254

إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن عمرو: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون). ١١٦ - ١١٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾. في هذه الآيات: خِطابٌ من الله سبحانه لنبيّه عيسى ﵇ يوم القيامة أمام من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: أأنت قلت للناس أو أمرتهم ليتخذوك وأمك إلهين من دوني؟ فأجاب بقوله: سبحانك، هذا أمر لا ينبغي أن يصدر من مثلي، فلو كنت قلته لقد علمته، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما أحد من خلقك يعلم ما في نفسك، بل أنت علام الغيوب. كُلُّ ما أمرتهم أن اعبدوا الله ربي وربكم وأفردوه بالعبادة والخضوع والتعظيم، وكنت قائمًا على حفظ ذلك حياتي فيهما، فلما غادرتهم إليك كنت أعلم بهم مني وأنت على كل شيء شهيد. فإن عذبتهم فالأمر لك وهم عبادك، وإن غفرت لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. فقوله: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. تهديد ووعيد للنصارى، وتوبيخ وتقريع لهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فإن عيسى ﵊ سيتبرأ اليوم من شركهم أمام بارئهم . واختار ابن جرير أن ذلك كان حين رفعه الله، ولكن السياق يدل أن ذلك يوم القيامة، وكما ستدل عليه نصوص الأحاديث القادمة إن شاء الله. قال ابن جريج: (﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقَرَّ له بالعبودية على

стр. 1255

نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول: أنه إنما كان يقول باطلًا). وقوله: ﴿قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾. قال القرطبي: (وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين، أحدهما -تنزيهًا له عما أضيف إليه الثاني- خضوعًا لعزته، وخوفًا من سَطْوتِه. ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾: أي: أن أدعي لنفسي ما ليس من حقها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود). ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. قال النسفي: (إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته، والمعنى أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقله، ولو قلته لعلمته لأنك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ذاتي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ذاتك). ولا شك أن الله سبحانه أراد بذلك السؤال تنزيه نبيِّه عيسى ﵊ أمام الخلائق يوم القيامة مما نسب إليه المدعون الانتساب إليه من أهل الكتاب، وليكون ذلك تقريعًا بالحجة والبرهان من كلام عيسى ﷺ لمن ارتضى واتخذه إلهًا من دون الله تعالى. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾. أي: ما كان وما يكون، وما لم يكن، وما هو كائن، وما لن يكون، ولكن إن قُدّر له أن يكون كيف سوف يكون. وقد بسطت القول في ذلك في أبحاث القدر ضمن كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. أي: ما دعوتهم إلا إلى توحيدك وتعظيمك وإفرادك بالطاعة والعبادة والحاكمية والتشريع، فزَلّ قوم منهم بعدي واتبعوا سبل الشياطين فصدوهم عن سبيلك وهديك. ولذلك قال: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾. أخرج البخاري ومسلم وبعض أصحاب السنن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:

стр. 1256

[يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفَاةً عُراةً غُرْلًا (١) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم] (٢). وفي ختم الآيات بقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. نكتة بديعة: قال القرطبي: (ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه. ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شِرْكه وهذا مستحيل، فالتقدير: إنْ تُبْقِهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، وإن تَهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تضل من تشاء وتهدي من تشاء). ١١٩ - ١٢٠. قوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾. في هذه الآيات: خَتْمُ الله الكلام بعد سماع تبري نبيّه عيسى ﵊ يوم القيامة من النصارى الملحدين الذين أشركوا به ونسبوا لعبده المسيح ﵇ الألوهية كذبًا وافتراء -بقوله جل ذكره: هذا يوم ينفع أهل الصدق في عبادة الله صدقهم في توحيد الله وتعظيمه واتباع رسله دون تأليههم، وقد أعدّ الله جلت عظمته لهم أشرف استقبال ومقام في جنات تجري تحتها الأنهار وقد حظوا برضوان الله أبدًا وذلك الفوز العظيم. فسبحان من له ملك السماوات والأرض وما فيهن من خلائق وعوالم وهو

стр. 1257

القوي المهيمن الجبار الأحد الصمد القدير. لا يعجزه شيء في هذا الكون الفسيح، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. ففوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يوم ينفع الموحدين توحيدهم). قال القرطبي: (أي صدقهم في الدنيا، فأما في الآخرة فلا ينفع فيها الصدق). وأواد بذلك صدق العمل لله وتصديق الرسل. وقال غيره: (المراد صدقهم في الآخرة، وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يُكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم). قلت: والآية تدل من السياق على أن الصدق المنجي للعبد يوم القيامة هو صدق التوحيد لله سبحانه وصدق إخلاص العمل لوجهه واتباع منهاج رسله، وإن كانت بعض المواقف يفيد فيها النطق بالحق يوم القيامة، كالشهادة للرسل بالبلاغ، وكقصة أصحاب الأعراف، ولكن هذا لا يكفي وحده للنجاة يوم الحساب ما لم يكن يسبقه صدق الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله. أخرج أبو يعلى والبزار بسند صحيح في الشواهِد، عن أنس قال: [قال رسول الله ﷺ لرجل: يا فلان! فعلت كذا؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو! والنبي ﷺ يعلم أنه قد فعله، فقال له: إنّ الله قد غفر لك كَذِبَكَ بتصديقك بـ "لا إله إلا الله"] (١). وروى أحمد وأبو داود نحوه، وفي لفظه: [فقال رسول الله ﷺ : قد فعلت، ولكن غُفِرَ لك بإخلاصك قول: لا إله إلا الله] (٢). وأصل معناه في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1258

[أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. (وفي رواية: فيحجبَ عن الجنة)] (١). وله شاهد عند أبي يعلى من حديث عمر بلفظ: [أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يأتي بهما عبدٌ مُحِقٌّ إلا وقاه الله حرَّ النار] (٢). وقرأ نافع وبعض أهل الحجاز والمدينة ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ بنصب ﴿يَوْمُ﴾ على الظرفية أو غير ذلك. ورفع الباقون، ومنهم قراء العراق: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ أي: خبر لهذا. وهناك قراءة ثالثة: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ وهي قراءة الأعمش. والقراءتان الأولى والثانية مشهورتان أكثر. وقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. أي: من تحت غرفها وأشجارها، وقد بشرهم الله بالخلود في هذا النعيم، فهو لا يزول عنهم ولا يوالون عنه. وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. أي: هذا هو سبب ذلك النعيم وهذا الخلود، حصول الرضا من الله عنهم، بعد أن رضوا بالله ربًا وبنبيه رسولًا، وبالإسلام دينًا. وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: الظفر الكبير والغنيمة العظمى، فلا شيء في هذا الوجود أجل من رضوان الله، ولا شيء أجمل من جنة الله التي تتألف من جنان ثمان، تعلوها جنة الفردوس. أخرج ابن حبان في صحيحه، بسَند على شرط الشيخين، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (٣).

стр. 1259

وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾. المعنى: لله سلطان السماوات والأرض وما فيهن دون عيسى ودون أمه ودون جميع خلقه، فهو المالك القهار لا يحتاج إلى خلقه، يدبر الأمر من فوق عرشه، والكل مفتقر إلى رحمته ومغفرته، وهو على كل شيء قدير. قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]. أخرج الترمذي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: [خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير] (١). تم تفسير سورة المائدة بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه

стр. 1260

دروس ونتائج وأحكام ١ - المسلمون عند شروطهم، والوفاء بالعهد واجب. ٢ - جنين الأنعام الميت حلال، ذبحه على ذبح أمِّه. ٣ - من خاصم في باطل أو أعان بظلم وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع. ٤ - الترغيب في التعاون على البر والتقوى، والترهيب من التعاون على الإثم والعدوان. ٥ - المستثنى من الميتة: السمك والجراد، وأما الخنزير فحرام كله. ٦ - ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله فكلوه. ٧ - ما ذبح لغير الله لا يؤكل، ولو ذكر عليه اسم الله. ٨ - إكمال الله هذا الدين، والابتداع في الشريعة اتهام لتأكيد الله الكمال. ٩ - أكل المحرمات بالحد الأدنى عند الاضطرار. ١٠ - علامة الجارح المعلم إذا دعوته أتى ولا يأكل من صيدهِ، ومن ثم أحل ما صِيْدَ بالجوارح المعلمة مع التسمية عند الانطلاق. ١١ - سمّ الله إذا أطلقتَ جارحك أو سهمك، ودخلت بيتك وعند طعامك. ١٢ - الترخيص بطعام أهل الكتاب، ونكاح المحصنات من نسائهم. ١٣ - لا يقبل الله صلاة بغير طهور، والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين واجب لثبوت ذلك عن الرسول ﷺ . ١٤ - وجوب مسح جميع الرأس، ويجوز المسح على الناصية والتكميل على العمامة. ١٥ - الترتيب واجب في أعمال الوضوء، وويل للأعقاب من النار -عدم غسل لمعة في القدم توجب إعادة الوضوء والصلاة-.

стр. 1261

١٦ - مشروعية المسح على الخفين لمن لبسهما على وضوء، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر. ١٧ - خطايا المؤمن تتساقط من كافة أعضائه مع الوضوء. ١٨ - العدل واجب والظلم ظلمات يوم القيامة. ١٩ - إثبات كفر من قال إن الله هو المسيح بن مريم، واليهود مغضوب عليهم ويزعمون كذبًا أنهم أحباء الله. ٢٠ - قابيل أول من سَنَّ القتل في الأرض، فعليه إثم كل قتيل إلى يوم القيامة. ٢١ - تسليم المفسد نفسه إلى الحاكم قبل القدرة عليه يشمله العفو. ٢٢ - التوسل إلى الله ممنوع إلا بأسمائه وصفاته والأعمال الصالحة ودعاء الرجل الصالح. ٢٣ - لا قطع ليد سارق فيما دون ربع دينار. ٢٤ - اليد الأمينة ثمينة، فإذا خانت رخصت وهانت. ٢٥ - التوبة تجبُّ ما قبلها، والحد كفارة للجرم. ٢٦ - شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ. ٢٧ - الحكم بغير ما أنزل الله يتراوح بين الكفر والظلم والفسق. ٢٨ - قول الحق لا يقرب أجلًا ولا يباعد رزقًا. ٢٩ - النهي عن اتخاذ المستهزئين بالدين أحباء أو نصراء أو أولياء. ٣٠ - استغناء رسول الله ﷺ عن الحرس لتولي الله حفظه. ٣١ - أول كلمة نطق بها المسيح في المهد ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾. ٣٢ - المسيح رسول كغيره من الرسل وأمه صديقة ﵉. ٣٣ - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبيل أكيد إلى نزول العذاب. ٣٤ - تحريم مآكل ومشارب وملابس معينة دون دليل ابتداع وتنطّع في الدين. ٣٥ - كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام. ٣٦ - من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.

стр. 1262

٣٧ - لُعن في الخمر عشرة: الخمر وعاصرها ومعتَصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقيها. ٣٨ - الخمر ما خامر العقل، وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام. ٣٩ - الخمر أم الخبائث، من شربها لم تقبل صلاته أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنهِ مات ميتة جاهلية. ٤٠ - الخمر أكبر الكبائر والفواحش، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته. ٤١ - مدمن الخمر إن مات لقي اللهَ كعابد وثن. ٤٢ - النهي عن قتل الصيد حالة الإحرام، فإن صاد المحرم عامدًا أثم وغرم، وإن صاد خطأ غرم وحرم عليه. ٤٣ - أَكْلُ المحرم صيدًا لم يصده أو لم يصد له حلال. ٤٤ - صيد البحر ما أخذ منة حيًّا، وطعامه ما لفظه ميتًا. ٤٥ - كره الله لهذه الأمة: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. ٤٦ - عمرو بن لحي أول من أدخل الشرك في العرب وغيّر دين إبراهيم. ٤٧ - جواز استشهاد الذميين في الوصية عند فقدان المسلمين أثناء السفر. ٤٨ - براءة عيسى وأمه ﵉ من شرك أهل الكتاب. ٤٩ - الشفاعة يوم القيامة تخص المؤمنين ولا ينالها المشركون. ٥٠ - جلّ الله وتعالى عن النظير والعديل والصاحبة والوالد والولد.

стр. 1263

٦ - سورة الأنعام وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٦٥). قال ابن عباس: (أنزلت سورة الأنعام بمكة). أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا سرّك أنْ تعْلمَ جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾) (١). موضوع السورة ذمّ المشركين والثناء على ملة إبراهيم وبيان وحدة منهاج المرسلين، وامتنان الله على عباده بنعمة الثمار والأنعام وبيان منهاج التحريم. - منهاج السورة - ١ - البدء بحمد الله خالق السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور وعالم السر والعلن.

стр. 1264

٢ - إعراض الكافرين عن آيات الله الكونية والقدرية وسوف يعلمون. ٣ - تذكير الله المعرضين عن الإيمان به وطاعته هلاك الأمم السالفة المكذبة رغم القوة والبنيان، والأموال والأنهار والعمران. ٤ - استكبار المشركين عن الإيمان بالرسول حتى لو كان ملكًا كما تمنوا. ٥ - السعيد من صُرِف عن عذاب الله في الآخرة والشقي من هلك فيه. ٦ - الضر والنفع بيد الله، والله تعالى هو القاهر فوق عباده. ٧ - المشركون يودون الرجعة إلى الدنيا حين يرون العذاب ليخلصوا لله الإيمان، ولكن هيهات هيهات وقد فات الأوان. ٨ - حسرة الكفار يوم القيامة على تفريطهم وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. ٩ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم، بصبر المرسلين قبله على تكذيب أقوامهم، حتى جاءهم نصر الله. ١٠ - تشبيه الله تعالى الكفار بالموتى لأنهم موتى القلوب لا يفقهون ولا يسمعون. ١١ - جميع ما يدُبّ في الأض أو يطير في السماء أمم خلقها الله وهداها، وهو محاسبها، حتى يقتص يوم القيامة للشاة الجماء من الشاة القرناء. ١٢ - عطاء الله للعصاة إنما هو استدراج لهم، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته. ١٣ - الرسول ﷺ لا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب إلا ما علمه الله. ١٤ - النهي عن طرد المستضعفين المؤمنين، والأمر بتقريبهم وإكرامهم. ١٥ - الرسول ﷺ لا يملك إيقاع العذاب بأحد، وإنما ذلك لله وحده. ١٦ - الغيب كله لله تعالى لا يشاركه فيه أحد. ١٧ - النوم موت مؤقت، وهو وفاة الليل. ١٨ - المشركون يخلصون الدين لله في الضراء، ويشركون به في السراء. ١٩ - هجر المجلس الذي يُكذَّبُ فيهِ بآيات الله واجب، ولا يُتابعُ الجلوسَ مع الاستهزاء بالدين إلا منافق. ومن يهد الله قلبه إلى الحق فلا مضل له. ٢٠ - دعوة إبراهيم ﵊ أباه آزر إلى التوحيد، فلما أصر على الشرك تبرأ منه. ٢١ - علو محاكمات إبراهيم ﷺ في الاستدلال على الربوبية المقتضية للألوهية، وتألقه

стр. 1265

عليه السلام في إقامة الحجة على قومه، وأن الشرك هو أكبر الظلم، وأن الأمن في الإيمان. ٢٢ - الأنبياء دعوتهم واحدة، وهي دين الإسلام، وتبليغ الدعوة ثوابه عند الله، ولا أظلم ممن أشرك بالله أو ادّعى النبوة، أو مماثلة القرآن. ٢٣ - النجوم: زينة للسماء ورجم للشياطين وهداية في ظلمات الليل، والمخلوقات المتعددة من كل شيء دالة على كمال قدرة الخالق . ٢٤ - اختلاق الكافرين لله بنين وبنات وشركاء تعالى الله وتقدس عمّا يصفون. ٢٥ - القرآن للمؤمنين هدى، وللكافرين عمى، وعلى الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب. ٢٦ - النهي عن سب أصنام المشركين حتى لا يسبوا الله عدوًا بغير علم. ٢٧ - المشركون يطالبون الرسل بالمعجزات، فإذا نزلت لا يؤمنون. ٢٨ - أكل ما لم يذكر اسم الله عليه حرام، إلا أن يكون اضطرارًا. ٢٩ - علامة محبة الله العبد وتوفيقه شَرْحُ صَدْرِه للإسلام، وعلامة غضبه تعالى عليه تضييق صدره وخذلانه عن الحق. ٣٠ - استمتاع الجن بالإنس بخضوع الإنس لهم وتعظيمهم من دون الله، واستمتاع الإنس بالجن بالسحر وما يتبعه من الفجور والزنا وأخذ أموال الناس بالباطل. ٣١ - الله تعالى يسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون. ٣٢ - استثناء الخلود في النار إنما هو لعصاة الموحدين، ولا يهلك على الله إلا هالك. ٣٣ - إقامة حجة الله على الثقلين يوم القيامةِ بإرساله الرسل. ٣٤ - لكل من الجن والإنس درجات في الجنة أو النار، كل بحسب عمله. ٣٥ - ذمّ المشركين بجعل شيء من الحرث والأنعام لله وآخر لأصنامهم، وكذلكَ بقتل الأولاد سفهًا بغير علم، وبتحريم ما رزقهم الله افتراء عليه. ٣٦ - امتنان الله تعالى على الناس بخلقه لهم أنواع الثمار وألوان الزروع وأصناف الأنعام، والأمر بالصدقة مما تنبت الأرض. ٣٧ - بَيانُ المحرمات من المآكِل، وتضييق الله على اليهود في مآكلهم جزاء لبغيهم، والله تعالى لم يحرم على المشركين ما حرموه على أنفسهم، وأظلم الناس من كذب على الله.
следующие страницы →