١٦ - مشروعية المسح على الخفين لمن لبسهما على وضوء، ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر.
١٧ - خطايا المؤمن تتساقط من كافة أعضائه مع الوضوء.
١٨ - العدل واجب والظلم ظلمات يوم القيامة.
١٩ - إثبات كفر من قال إن الله هو المسيح بن مريم، واليهود مغضوب عليهم ويزعمون كذبًا أنهم أحباء الله.
٢٠ - قابيل أول من سَنَّ القتل في الأرض، فعليه إثم كل قتيل إلى يوم القيامة.
٢١ - تسليم المفسد نفسه إلى الحاكم قبل القدرة عليه يشمله العفو.
٢٢ - التوسل إلى الله ممنوع إلا بأسمائه وصفاته والأعمال الصالحة ودعاء الرجل الصالح.
٢٣ - لا قطع ليد سارق فيما دون ربع دينار.
٢٤ - اليد الأمينة ثمينة، فإذا خانت رخصت وهانت.
٢٥ - التوبة تجبُّ ما قبلها، والحد كفارة للجرم.
٢٦ - شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ.
٢٧ - الحكم بغير ما أنزل الله يتراوح بين الكفر والظلم والفسق.
٢٨ - قول الحق لا يقرب أجلًا ولا يباعد رزقًا.
٢٩ - النهي عن اتخاذ المستهزئين بالدين أحباء أو نصراء أو أولياء.
٣٠ - استغناء رسول الله ﷺ عن الحرس لتولي الله حفظه.
٣١ - أول كلمة نطق بها المسيح في المهد ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.
٣٢ - المسيح رسول كغيره من الرسل وأمه صديقة ﵉.
٣٣ - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبيل أكيد إلى نزول العذاب.
٣٤ - تحريم مآكل ومشارب وملابس معينة دون دليل ابتداع وتنطّع في الدين.
٣٥ - كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام.
٣٦ - من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.
стр. 1262
٣٧ - لُعن في الخمر عشرة: الخمر وعاصرها ومعتَصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقيها.
٣٨ - الخمر ما خامر العقل، وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام.
٣٩ - الخمر أم الخبائث، من شربها لم تقبل صلاته أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنهِ مات ميتة جاهلية.
٤٠ - الخمر أكبر الكبائر والفواحش، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته.
٤١ - مدمن الخمر إن مات لقي اللهَ كعابد وثن.
٤٢ - النهي عن قتل الصيد حالة الإحرام، فإن صاد المحرم عامدًا أثم وغرم، وإن صاد خطأ غرم وحرم عليه.
٤٣ - أَكْلُ المحرم صيدًا لم يصده أو لم يصد له حلال.
٤٤ - صيد البحر ما أخذ منة حيًّا، وطعامه ما لفظه ميتًا.
٤٥ - كره الله لهذه الأمة: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
٤٦ - عمرو بن لحي أول من أدخل الشرك في العرب وغيّر دين إبراهيم.
٤٧ - جواز استشهاد الذميين في الوصية عند فقدان المسلمين أثناء السفر.
٤٨ - براءة عيسى وأمه ﵉ من شرك أهل الكتاب.
٤٩ - الشفاعة يوم القيامة تخص المؤمنين ولا ينالها المشركون.
٥٠ - جلّ الله وتعالى عن النظير والعديل والصاحبة والوالد والولد.
стр. 1263
٦ - سورة الأنعام
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٦٥).
قال ابن عباس: (أنزلت سورة الأنعام بمكة). أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا سرّك أنْ تعْلمَ جهلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾) (١).
موضوع السورة
ذمّ المشركين والثناء على ملة إبراهيم وبيان وحدة منهاج المرسلين، وامتنان الله على عباده بنعمة الثمار والأنعام وبيان منهاج التحريم.
- منهاج السورة -
١ - البدء بحمد الله خالق السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور وعالم السر والعلن.
стр. 1264
٢ - إعراض الكافرين عن آيات الله الكونية والقدرية وسوف يعلمون.
٣ - تذكير الله المعرضين عن الإيمان به وطاعته هلاك الأمم السالفة المكذبة رغم القوة والبنيان، والأموال والأنهار والعمران.
٤ - استكبار المشركين عن الإيمان بالرسول حتى لو كان ملكًا كما تمنوا.
٥ - السعيد من صُرِف عن عذاب الله في الآخرة والشقي من هلك فيه.
٦ - الضر والنفع بيد الله، والله تعالى هو القاهر فوق عباده.
٧ - المشركون يودون الرجعة إلى الدنيا حين يرون العذاب ليخلصوا لله الإيمان، ولكن هيهات هيهات وقد فات الأوان.
٨ - حسرة الكفار يوم القيامة على تفريطهم وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.
٩ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم، بصبر المرسلين قبله على تكذيب أقوامهم، حتى جاءهم نصر الله.
١٠ - تشبيه الله تعالى الكفار بالموتى لأنهم موتى القلوب لا يفقهون ولا يسمعون.
١١ - جميع ما يدُبّ في الأض أو يطير في السماء أمم خلقها الله وهداها، وهو محاسبها، حتى يقتص يوم القيامة للشاة الجماء من الشاة القرناء.
١٢ - عطاء الله للعصاة إنما هو استدراج لهم، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته.
١٣ - الرسول ﷺ لا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب إلا ما علمه الله.
١٤ - النهي عن طرد المستضعفين المؤمنين، والأمر بتقريبهم وإكرامهم.
١٥ - الرسول ﷺ لا يملك إيقاع العذاب بأحد، وإنما ذلك لله وحده.
١٦ - الغيب كله لله تعالى لا يشاركه فيه أحد.
١٧ - النوم موت مؤقت، وهو وفاة الليل.
١٨ - المشركون يخلصون الدين لله في الضراء، ويشركون به في السراء.
١٩ - هجر المجلس الذي يُكذَّبُ فيهِ بآيات الله واجب، ولا يُتابعُ الجلوسَ مع الاستهزاء بالدين إلا منافق. ومن يهد الله قلبه إلى الحق فلا مضل له.
٢٠ - دعوة إبراهيم ﵊ أباه آزر إلى التوحيد، فلما أصر على الشرك تبرأ منه.
٢١ - علو محاكمات إبراهيم ﷺ في الاستدلال على الربوبية المقتضية للألوهية، وتألقه
стр. 1265
عليه السلام في إقامة الحجة على قومه، وأن الشرك هو أكبر الظلم، وأن الأمن في الإيمان.
٢٢ - الأنبياء دعوتهم واحدة، وهي دين الإسلام، وتبليغ الدعوة ثوابه عند الله، ولا أظلم ممن أشرك بالله أو ادّعى النبوة، أو مماثلة القرآن.
٢٣ - النجوم: زينة للسماء ورجم للشياطين وهداية في ظلمات الليل، والمخلوقات المتعددة من كل شيء دالة على كمال قدرة الخالق .
٢٤ - اختلاق الكافرين لله بنين وبنات وشركاء تعالى الله وتقدس عمّا يصفون.
٢٥ - القرآن للمؤمنين هدى، وللكافرين عمى، وعلى الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب.
٢٦ - النهي عن سب أصنام المشركين حتى لا يسبوا الله عدوًا بغير علم.
٢٧ - المشركون يطالبون الرسل بالمعجزات، فإذا نزلت لا يؤمنون.
٢٨ - أكل ما لم يذكر اسم الله عليه حرام، إلا أن يكون اضطرارًا.
٢٩ - علامة محبة الله العبد وتوفيقه شَرْحُ صَدْرِه للإسلام، وعلامة غضبه تعالى عليه تضييق صدره وخذلانه عن الحق.
٣٠ - استمتاع الجن بالإنس بخضوع الإنس لهم وتعظيمهم من دون الله، واستمتاع الإنس بالجن بالسحر وما يتبعه من الفجور والزنا وأخذ أموال الناس بالباطل.
٣١ - الله تعالى يسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون.
٣٢ - استثناء الخلود في النار إنما هو لعصاة الموحدين، ولا يهلك على الله إلا هالك.
٣٣ - إقامة حجة الله على الثقلين يوم القيامةِ بإرساله الرسل.
٣٤ - لكل من الجن والإنس درجات في الجنة أو النار، كل بحسب عمله.
٣٥ - ذمّ المشركين بجعل شيء من الحرث والأنعام لله وآخر لأصنامهم، وكذلكَ بقتل الأولاد سفهًا بغير علم، وبتحريم ما رزقهم الله افتراء عليه.
٣٦ - امتنان الله تعالى على الناس بخلقه لهم أنواع الثمار وألوان الزروع وأصناف الأنعام، والأمر بالصدقة مما تنبت الأرض.
٣٧ - بَيانُ المحرمات من المآكِل، وتضييق الله على اليهود في مآكلهم جزاء لبغيهم، والله تعالى لم يحرم على المشركين ما حرموه على أنفسهم، وأظلم الناس من كذب على الله.
стр. 1266
٣٨ - الوصية الجامعة: تحريم الشرك بالله والعقوق بالوالدين وقتل الأولاد واقتراف الفواحش وأكل مال اليتيم، والأمر بالوفاء في الكيل والميزان والعدل في الرضا والغضب وقول الحق واتباع سبيل خير المرسلين.
٣٩ - أَمْرُ الله المؤمنين بالجماعة، ونَهْيُهم عن الاختلاف والتفرقة.
٤٠ - الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، ولا يظلم الله أحدًا.
٤١ - الصراط المستقيم هو ملة إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم.
٤٢ - صلاة المؤمن ونُسكُه ومنهاج حياته كله لله رب العالمين.
٤٣ - لا تزر وازرة وزر أخرى، وصحف العباد تشمل جميع أعمالهم.
٤٤ - جعل الله العباد خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضًا، وابتلاهم برفع بعضهم فوق بعض درجات.
٤٥ - إن الله سريع العقاب وإنه لغفور رحيم.
стр. 1267
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.
في هذه الآيات: ثنَاءُ الله سبحانه مادحًا نفسه الكريمة بما تفرد به جلت عظمته في خلق السماوات والأرض وتعاقب الظلمات والنور لمنافع عباده، ثم مع ذلك يعدل عن عبادته الكافرون. ثم أعقب ذلك بذكر خلق آدم ﵇ أصل بني البشر وقد قضى لنسله آجالًا، ثم وعدهم لقاءه في المحشر يوم القيامة، الذي يشك فيه الممترون. وهو سبحانه الإله الواحد الأحد المعبود في السماوات وكذلك في الأرض لا يخفى عليه سركم وجهركم ويعلم كسبكم وجميع أعمالكم.
فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
قال ابن جرير: (وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر، يُنْحى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا، فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمه عليكم، لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه).
وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة] (١).
وله شاهد عن ابن ماجة بسند حسن من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).
стр. 1268
وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
قال السدي: (الظلمات ظلمة الليل، والنور نورُ النهار). وقال الحسن: (الكفر والإيمان).
قال ابن كثير: (فجمع لفظ الظلمات ووحَّدَ لفظ النور، لكونه أشرف، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ... ﴾ [النحل: ٤٨]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٥٣]).
قلت: ولا شك أن الآية تعم إضافة لظلام الليل ونور النهار، ظلمات الباطل وسواد سبله، ونور الحق وسبيل أهل الإيمان. كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده -بِنَعْمانَ- وهو: واد إلى جنب عرفات.
وأما الظلمة: فهي ظلمة الطباع والجهل والأهواء، ظلمة الخضوع للغرائز والشهوات.
أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ] (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
قال ابن عطية: (فـ ﴿ثُمَّ﴾ دالة على قبح فعل الكافرين).
стр. 1269
والمعنى: إن خلقه سبحانه السماوات والأرض قد تقرّر، وآياتها العظيمة في هذا الكون قد سطعت، وإنعامه جل ذكره قد تبيّن، ثم بعد ذلك كله عدل الكافرون عن عبادة ربهم وتعظيمه، إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم من دون الله.
قال مجاهد: (﴿يَعْدِلُونَ﴾. يشركون).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾.
قال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، بدء الخلق، خلق الله آدم من طين).
وقال ابن زيد: (خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم حين أخذنا من ظهره).
فالمعنى: بدأ الله تعالى الخلق بأن خلق آدم ﵇ من تربة الأرض المختلفة، ثم خرج منه نسله وذريته فانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، فكان الأصل من ذلك الطين الأول.
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال:
[إن الله تعالى خلق آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحزْنُ، والخبيث والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ - فيه أقوال:
١ - قال قتادة: (أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعَث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره).
٢ - وقال الضحاك بن مزاحم: (﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، قال: قضى أجل الموت، وكل نفس أجلها الموت. قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاء إلى الله).
٣ - وعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَجَلًا﴾، قال: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، الآخرة).
стр. 1270
وقال أيضًا: (﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله).
٤ - وقيل: أما قوله: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ فهو النوم، تُقبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، هو أجل موت الإنسان. وقيل: أخذ الأجل والميثاق في أجل واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا.
والراجح ما ذكره ابن جرير: (ثم قضى أجل الحياة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، وهو أجل البعث عنده). وبنحوه الأقوال الثلاثة الأولى.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.
قال السدي. (يعني تشكون في أمر الساعة). وقال: (الشك. وقرأ قول الله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]. قال: في شك منه).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
حَمَلَ الجهمية هذه الآية على أن الله في كل مكان -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتفسير الصحيح لهذه الآية كما قال الحْافظ ابن كثير ﵀ -وهو قول أهل السنة والجماعة-: (فأصح الأقوال أنه: المدعوّ الله في السماوات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحِّدُه وَيُقِرُّ له بالإلهية مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض، ويسمُّونه الله، ويدعونه رَغَبًا وَرَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ... ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإلهُ مَنْ في الأرض، وعلى هدْا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ خبرًا أو حالًا. والقول الثاني: أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض، من سِرٍّ وجهر. فيكون قولُه: ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون. والقول الثالث: أن قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقفٌ تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وهذا اختيار ابن جرير. وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: جميعَ أعمالكم خيرها وشرها) انتهى.
٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا
стр. 1271
مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن كفر المشركين ومعاندة المكذبين، وأن الآيات لم تنفع مع عنادهم وكبرهم، ولا بد أن يروا مغبة استهزائهم ويذوقوا وبال استهتارهم. فهل نسوا القرون التي سبقتهم والأمم التي سلفتهم، وقد أمددناهم بأسباب القوة والتمكين من الأموال والأولاد والجنود والملك والجاه والقوة -ما لم نمكن لهؤلاء الذين خلفوهم وساروا على منهاجهم في الكفر والعناد والتكذيب-، إضافة إلى تكثير أمطار السماء وتفجير ينابيع الأرض استدراجًا لهم وإملاءً إلى أجل، فلما جاء أجلهم أهلكناهم بسيئاتهم فكانوا كأمس الذاهب وصيرناهم أحاديث للناس على مدار الزمان، وأنشأنا من بعدهم جيلًا جديدًا وأمة تلو أمة.
فقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾.
أي: علامة ودلالة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وآيات القرآن فيها خبر الأمم السالفة وما نزل بهم بسبب بغيهم، وغيرها ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الدالة على وحدانيته وحقيقة نبوتك يا محمد ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
قال القرطبي: (والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيّه ﷺ ، ليُستَدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به).
وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ - المراد مشركو مكة حين كذبوا بالحق: وهو القرآن، أو محمد ﷺ .
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من
стр. 1272
آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفّى لهم بوعيده لمّا تمادوا في غَيِّهم، وعَتَوْا على ربهم، نقتلهم يوم بدر بالسيف).
وقال ابن كثير: (وهذا تهديد لهم ووعيدٌ شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدَّ أن يأتيهم خَبَرُ مَا هُمْ فيه من التكذيب، وليجدُنّ غِبَّهُ، وَليَذوقُنَّ وبَاله).
فالمراد ما نالهم يوم بدر من القتل والهزيمة. وقيل: المراد يوم القيامة. وكلا المعنيين حق يحتمله التأويل والبيان الإلهي.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾.
قال قتادة: (يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم) - أي من الدنيا.
قال ابن كثير: (أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسَّعَةِ والجنود).
وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال ابن جرير: (أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نباتها، وجابوا صخور جبالها، ودَرَّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمطوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم، وبَغَوْا حتى حَقَّ عليهم قَوْلي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب).
وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
أي: أخرجنا بعد هلاكهم جيلًا آخر للابتلاء، بعد ما هلك الأولون فكانوا كأمس الذاهب، فاحذروا معشر المكذبين بمحمد ﷺ ورسالته أن ينزل بكم مثل ما نزل بتلك الأمم، قبلكم إذ دَكَّها الله دكًا وصيّرها للناس أحاديث، فما أنتم بأعزَّ على الله منهم، فإن الله ﵎ لا يحابي أحدًا من خلقه.
٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ
стр. 1273
لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن عميق كفر المشركين وشدة عنادهم ومكابرتهم للحق وجدالهم المتخبط كقلوبهم: فلو شاهدوا الوحي النازل عليك يا محمد في قرطاس يمسونه بأيديهم لاتهموا ذلك بالسحر. ثم سألوك أن ينزل ملك من السماء يشهد لك بصدق ما يوحى إليك، ولو أنزلنا ملكًا كما سَأَلوا ثم كفروا لَعَاجَلَهُم العذاب والخزي ولم يُنْظَروا حتى يتوبوا، ولو كان النازل إلى البشر رسولًا ملكِيًّا لكان على هيئة رجل ليُفهم منه وينتفع بمخاطبته، وحينئذ يلتبس عليهم أمره، فلم يدروا أمَلَكٌ هو أم إنسيّ! فلم يوقنوا به أنه ملك، وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك على نبوتك. فلا تحزن يا محمد، فلقد تعرض إخوتك الرسل قبلك إلى استهزاء المعانادين، حتى نزل بالمستهزئين سوء الوبال، وهذه الأرض تشهد بمواقع تلك الأمم ومساكن تلك الأقوام التي كذبت فَدَمَّرَ الله عليهما، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت خاتمتها.
فقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
قال قتادة: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾، يقول: في صحيفة). وقال السدي: (الصحف).
قال ابن عباس: (يقول: لو نزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيبًا). وقال مجاهد: (﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، قال: فمسّوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به). وقال قتادة: (فعاينوه معاينة).
وقوله: ﴿لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
قال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير-: (أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحَرْتَ به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة، ﴿مُبِينٌ﴾، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له).
وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥].
стр. 1274
وقوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.
قال قتادة: (يقول: ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا).
وقال السدي: (﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾، يقول: لجاءهم العذاب).
وقال مجاهد: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ في صورته، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، لقامت الساعة).
كما في التنزيل: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨].
وكذلك: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
أي: لو أنزلنا ملكًا من السماء مصدقًا لك يا محمد، لجاءهم في صورة رجل، إذ لا تطيق أبصارهم رؤية الملك على صورته، ولحصل الالتباس عليهم فلم يدروا أملك هو أم إنسيّ. قال ابن عباس: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، يقول: لشَبَّهْنَا عليهم). أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
قال قتادة: (ما لبَّسَ قوم على أنفسهم إلا لَبَّسَ الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس). وقال السدي: (شبهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم). وقال الضحاك: (لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور).
وفي التنزيل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
يُسَلّي الله سبحانه نبيّه ﷺ مما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم، بأن هذه كانت طبيعة في أقوام إخوته الرسل قبله، فصبروا على ما كذبوا حتى جاءهم نصر الله وفرجه، ونزل بالمكذبين نكال ما كذبوا واستهزؤوا. قال السدي: (وقع بهم العذاب الذي استهزؤوا به).
стр. 1275
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين الجاحدين النبوة والتنزيل بعدما ظهر لهم أنه الحق: جولوا في بلاد المكذبين قبلكم وانظروا في مساكنهم التي خلفوها بعدما نزل بهم العذاب والعطب وخزي الدنيا وعارها، وتفكروا فيما صاروا إليه من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. قال قتادة: (دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيّرهم إلى النار).
قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: (لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمعَ النبي ﷺ يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا مِن أنفسهم] (١).
في مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمتي عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أُناسٌ صالِحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يُصْنَعُ بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصابَ الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةِ من الله ورضوان] (٢).
١٢ - ١٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ
стр. 1276
يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
في هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بربهم المشركين في عبادته: لمن ملك هذه السماوات والأرض وما فيها؟ ثم أخبرهم أن ذلك للملك سبحانه الذي قهر بسلطانه وجبروته كل شيء لا للأوثان والطواغيت، وقد مضى أنه بعباده رؤوف رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة والإنابة، وليجمعنكم أيها العادلون بالله، ليوم القيامة لينتقم منكم بكفركم به، فالذين أهلكوا أنفسهم بالشرك فخسروها بغبنهم إياها حَظّها لا يصدقون بالمعاد ولا يستعدون لشر ذلك اليوم. إن الله الذي تشركون به -أيها القوم- ملك كل شيء، له ما استقر في الليل والنهار وهو السميع لما تقولون، العليم بما تُضْمِرون وَتبَيِّتُون. فكيف استنصر غيره واستعينه على النوائب والحوادث وهو مبدع السماوات والأرض، ويَرْزُق ولا يُرْزَق، بل إني أمرت أن أكون أوّل من خضع له بالعبودية والتعظيم، وأن أجتنب أن أكون من المشركين. ثم قل لهم يا محمد: إني أخاف إن عبدت غيره سوء يوم عظيم، لا ينجو من عذابه ومصائبه إلا من رحمه ربه وذلك الفوز المبين.
فقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ - أي وعد بها فضلًا وكرمًا، ولذلك يمهل عباده ويعطيهم فرصة ليتداركوا أنفسهم بالاستغفار والتوبة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [إنَّ الله لَمَّا خلق الخلقَ كتب كتابًا عنده فوق العرش، إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غضبي] (١).
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
قال ابن جرير: (وهذه اللام التي في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، لام قسم).
وقال ابن كثير: (هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعنَّ عباده لميقات يوم مِعلوم، وَهُوَ يَوْمُ القيامة الذي لاريبَ فيه، ولا شكَّ عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يتردّدون).
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال القرطبي: (ابتداء وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه).
стр. 1277
فالمعنى: الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة هم الذين أنكروا المعاد وجحدوا ذلك اليوم ومضوا في غيّهم وكفرهم.
وقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ - قال السدي: (يقول: ما استقرّ في الليل والنهار).
قال القاسمي: (والمعنى: له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار، مما طلعت عليه الشمس أو غربت. شبه الاستقرار بالزمان، بالاستقرار في المكان، فاستعمل استعماله فيه. أو ﴿سَكَنَ﴾ من السكون، مقابل الحركة. أي ما سكان فيهما وما تحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر).
وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: (ذكر تعالى في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما. فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات).
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: يسمع كل ما تكلم به خلقه، ويعلم ما سكن وما تحرك وما تخفي صدور عباده.
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾.
قال السدي: (أما "الولي"، فالذي يتولَّونه ويُقرون له بالربوبية). وقال ابن جرير: (أشيئًا غير الله تعالى ذكره: ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾، استنصره واستعينه على النوائب والحوادث).
وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال قتادة: (خالق السماوات والأرض). أي مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما على غير مثال سبق.
وقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.
قال السدي: (يَرْزُق ولا يُرزق).
قال القاسمي: (أي المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. أي: فيجب
стр. 1278
اتخاذه وليًّا ليعبد شكرًا على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض).
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: أمرت أن أكون أول من استسلم لأمر الله تعالى وخضع له بالعبادة والتعظيم.
وعن الحسن: (أول من أخلص أي من قومي وأمتي).- أي بالعبادة لله وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
أي: إني أخاف إن صرفت العبادة لغير ربي أن ينالني السوء والعذاب يوم القيامة.
قال ابن عباس: (﴿أَخَافُ﴾ هنا بمعنى أعلم). وقال القرطبي: (والخوف توقع المكروه).
وقوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾.
قال قتادة: (من يصرف عنه العذاب). ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: فقد فاز وظفر ونجا.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
أي: هو غاية الربح والفوز، وأعظم الجائزة. كما في التنزيل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ... ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فَيُصْبَغُ صَبْغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هلا رأيت بؤسًا قط؟ وهل مَرَّ بك شدة قط؟ قيقول: لا والله، يا رب، ما مَرَّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط] (١).
стр. 1279
١٧ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه محمد ﷺ : يا محمد، إن يصبك الله بشدة أو ضيق فلن يكشف عنك ذلك إلا الله، وإن يصبك بخير أَوْ سَعَةٍ ورغد عيش فهو وحده القدير على تصريف ذلك. فهو الله المستعبد خلقه العالي عليهم، الحكيم في تصريفه شؤون عباده، الخبير بمنافعهم ومضارهم. فقل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أي شيء أعظم شهادة وأكبر! ثم أخبرهم أن الله سبحانه أعظم شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، بالمحق منا من المبطل، والرشيد من السفيه، وقد أوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم عقابه، ولأنذر به أيضًا من بلغَهُ من سائر الناس، إنْ لَمْ يقم أمر الله وشرعه، نزولَ نقمة الله به، فيا أيها المشركون: أئنكم تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام، فأنا لا أشارككم هذا الغي، فإنما الله إله واحد، لا شريك له يستحق التعظيم والعبادة، وإنني بريء من كل شريك تدعونه معه أو تصرفون له شيئًا من العبادة والتعظيم. وإن أصحاب التوراة والإنجيل يعرفون أنما هو إله واحد، وأن محمدًا نبيٌّ مرسل، وهؤلاء خسروا أنفسهم وأهلكوها بإنكارهم ذلك وجحودهم ما يجدونه مكتوبًا في كتبهم. فمن أَشَدُّ اعتداء وظلمًا وبغيًا ممن تجرأ على الله بالكذب فزعم له شريكًا أو ولدًا أو صاحبة! إنه لا يفلح الظالمون.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
كقوله في سورة فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
стр. 1280
أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة -وقد كتب إلى معاوية-: [أن النبي ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهُمَّ لا مانعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنك الجَدّ] (١). وقال الحسن: جَدٌّ: غِنىً.
والخطاب في الآية من الله سبحانه للنبي ﷺ ، يثبِّتُه على ما يلقى من قومه، كما قال ابن جرير: (يا محمد، إنْ يصبك الله، ﴿بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في دنياك، وشظف في عيشك وضيق فيه، فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أول من أسلم لأمره ونهيه، وأذعن له من أهل زمانك، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول: وإن يُصِبْكَ بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
قال ابن كثير: (أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقَهَرَ كلَّ شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلالهِ وكبريائه وعظمته وعُلُوِّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حُكْمِه وقَهْرِه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾، أي في جميع ما يَفْعَلُه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالِّها، فلا يعطي إلا لمن يستحق، ولا يمنع إلا من يستحِق).
أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، بسند على شرط البخاري، عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا تَضَوَّر (٢) من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القَهَّار، ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما العزيز الغَفَّار] (٣).
وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا الله
стр. 1281
الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم] (١).
وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾،
أي من أعظم الأشياء شهادة. قال القرطبي: (ولفظ ﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع اسم الله تعالى، المعنى: الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلّغتكم وصدقت فيما قلته وادّعيته من الرسالة).
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.
أي: والقرآن شاهد بنبوتي لأنذركم به يا أهل مكة، وكذلك مَنْ بلغه القرآن في أرجاء هذه المعمورة. قال مقاتل: (من بلغَه القرآن من الجن والإنس فهو نذير به).
وقال القُرَظي: (من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدًا ﷺ وسمع منه).
قلت: ولكن لا بد أن يكون البلاغ مبينًا، كبلاغ الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإن البلاغ المشوّه ليس ببلاغ مبين، ومن ثمَّ فإن القرآن حجة على الخلق جميعهم، ونبينا محمد ﷺ قد بعث إلى العالمين كافة، ولا نبي بعده.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).
وفي صحيح مسلم عنه أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: [فُضِّلْتَ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامعَ الكَلِم، وَنُصِرْت بالرعب، وأحلت لي المغانم، وَجُعِلَت لي الأرض طهورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون] (٣).
стр. 1282
وله شاهد عند الطبراني من حديث السائب بن يزيد بلفظ: [فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادّخرت شفاعتي لأمتي، وبُصرْتُ بالرعْب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُحِلّتْ لي الغَنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي] (١).
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾.
هذا استفهام فيه توبيخ وتقريع. والتقدير: إن تردى قومك إلى هذا السقوط بإشراك مخلوقات من الأوثان والأصنام والطواغيت مع الله في العبادة، فترفع أنت بلا إله إلا الله، وقل: فأنا لا أشهد معكم. كما قال له تعالى في آية الأنعام: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.
ولكن: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.
قال قتادة: (يعرفون أن الإسلام دين الله، وأن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال: (النصارى واليهود، يعرفون رسول الله في كتابهم، كما يعرفون أبناءهم).
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أي خسروا أنفسهم كل الخسارة، وأوردوها مواقع الهلاك والعطب، عندما أنكروا نبوة محمد ﷺ التي يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، ظلمًا وبغيًا وعلوًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
أي: من أشدّ اعتداء وبغيًا ممن تقَوَّل على الله، فزعم أنه مرسل من الله ولم يكن كذلك، ثم من أظلم ممن جَحَدَ بآيات الله بعد ظهور حججه وبراهينه ودلالاته الواضحات القاطعات، لا شك أنه لا أظلم ممن سلك سبيل هذا النكران والجحود، ومن ثم فإنه لا يفلح هذا ولا ذاك، فإن الله سبحانه يكشف المنافق ويفضح المكذب: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
стр. 1283
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله يدني المؤمن فيضَعُ عليه كنَفَهُ (١) ويستُرُه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾] (٢).
٢٢ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: يخبر جل ثناؤه عن هؤلاء المفترين على الله الكذب الجاحدين آياته ونبوة رسوله، أن لا فلاح لكم بهذه البضاعة في الدنيا ولا في الآخرة، فتجارتكم خاسرة، فكيف إذا ناداكم يوم الحشر أين شركاؤكم الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله، ثم لكن يكن جوابهم إلا كذبًا منهم في أيمانهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فانظر يا محمد كيف استخدم هؤلاء الأخلاق الفاسدة التي كانوا يتخلقون بها في الدنيا -من الكذب والفرية- في أرض المحشر. ومنهم يا محمد من يستمع القرآن منك، وما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه، ولكنه لا يفقه ما تقول، ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره عقله، ولا يصغي له سمعه، فالقلوب مقفلة، والاذان غشيها الصمم، فلا يفهمون أي آية، بل يتهمون الحجج الدامغة أنها أساطير الأولين، وهم بذلك ينهون الناس عن اتباع محمد ﷺ ، ويتباعدون عنه، وما يهلكون بصدهم عن سبيل الله ورسوله إلا أنفسهم وما يشعرون.
стр. 1284
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (كل زعم في القرآن فهو كذب). وعلى ذلك فللآية تأويلان:
التأويل الأول: أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم. فهو متصل مع الآية السابقة.
التأويل الثاني: أي انظر كيف يكذبون يوم نحشرهم. فهو متعلق بما بعده.
وقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.
قال القرطبي: (سؤال إفضاح لا إفصاح).
وقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
أي: أنهم شركاء وشفعاء، وهذا توبيخ لهم.
قال القاسمي: (فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه). وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: قولهم). وقال قتادة: (مقالتهم). وقال غيره: (معذرتهم).
والمقصود: اعتذارهم بالباطل والكذب. وقال أبو إسحاق الزجاج في تأويل ذلك: (تأويل هذه الآية لطيف جدًّا، أخبر الله بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك).
وقد أجاد الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية حيث قال: (الفتنة الاختبار، أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي: ﴿إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. تبرؤوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أما إذْ كتموا الشرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد
стр. 1285
أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾).
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: بتكذيب الله إياهم).
وقال القاسمي ﵀: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود. ﴿وَضَلَّ﴾ أي: وكيف ضاع وغاب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئًا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى: ﴿قَالوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالوا ضَلُّوا عَنَّا ... ﴾ [الأعراف: ٣٧]).
قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة تكذيب الجوارح للعبد ونطقها بما يكتم.
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كنا عنه عند رسول الله ﷺ فَضَحِك فقال: هل تدرون مِمّا أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخاطبة العَبْدِ ربَّهُ، يقول: يا ربِّ! ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجِيزُ على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شُهودًا. قال: فَيُخْتَمُ على فيه، فيقال لأركانه: انطِقي، قال: فتَنْطِقُ بأعماله، قال: ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وكذلك ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول الله! هل نرى رَبَّنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رُؤية الشمس في الظهيرة، ليستْ في سَحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلةَ البَدْر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تُضَارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضَارُّونَ في رؤية أحدِهما، قال: فَيَلْقى العَبْدَ فيقولُ: أي فُلْ (٢)! ألم
стр. 1286
أُكْرِمْكَ، وَأسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أَيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجِكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ، والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول؟ بلى، ياربِّ! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنك مُلَاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مِثْلَ ذلك، فيقول: يا رَبِّ! آمنتُ بك وَبِكِتَابكَ وَبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن (١). قال: ثم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليك، ويَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِه: انْطِقي، فَتَنْطِقُ فَخِذُه وَلَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِرَ من نَفْسِه (٢). وذلك المنافِقُ، وذلك الذي يَسخَطُ اللهُ عليه] (٣).
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.
أي: حجب الله الفهم والوعي عن قلوبهم بغطاء الكفر والضياع، وأصم آذانهم عن السماع النافع.
قال قتادة: (يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدوي ما يُقال لها).
وقال السدي: (أمّا ﴿أَكِنَّةً﴾، فالغطاء أكن قلوبهم، لا يفقهون الحق، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال: صمم). وقال مجاهد: (قول الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، قال: قريش).
وفي التنزيل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
стр. 1287
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال القاسمي ﵀: (إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورًا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر، لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاؤوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسّر المجادلة بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. قال: وَعَدُّ أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل "وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" -رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها) انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أما قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ففيه قولان:
١ - أي ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول والانقياد للقرآن، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: أي ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحَيْن، لا ينتفعون ولا يتركون أحدًا ينتفع، ويبتعدون. قال قتادة: (جمعوا النهي والنأي. و"النأَي"، التباعد).
قال ابن عباس: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن محمد ﷺ أن يؤمنوا به).
وقال أيضًا: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، يقول: لا يلقونه، ولا يدعون أحدًا يأتيه).
وقال سالم عن ابن الحنفية: (يتخلفون عن النبي ﷺ ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه).
وقال قتادة: (ينهون عن القرآن، وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه).
٢ - أي ينهون عن أذى محمد ﷺ ويتباعدون عن دينه واتباعه.
فعن ابن عباس: (نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن محمد أن يؤذى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به).
стр. 1288
والراجح القول الأول، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، وتابعه على ذلك الحافظ ابن كثير، وهو أكثر مناسبة لسياق الآيات، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي لا يعود وبال هذا الصنيع إلا عليهم، فهم يوردون أنفسهم موارد الهلاك والعطب ويختارون لها مستقبل الخزي والآلام وما يشعرون.
٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه ﷺ ولو ترى يا محمد هؤلاء الجاحدين المكذبين إذ حبسوا في النار فقالوا يا ليتنا نرد إلى الدنيا فنتوب ونراجع طاعة الله ولا نجحد آياته ولا نكذب رسله ونكون من المؤمنين، وما بهم في حقيقة الأمر الأسى والندم على ما فرطوا وكفروا، بل هو الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على ما اجترحوا من آثام وكانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله وكشفها على رؤوس الأشهاد، ففضحهم بها وأخزاهم أمام الخلق ثم جازاهم بها. ولو رددناهم إلى الدنيا لرجعوا في حقيقة الأمر إلى جحود الآيات والنعم والعمل بما يسخط ربهم، لأنهم قالوا ذلك خشية من العذاب لا إيمانًا بالله ولا رغبة في تعظيم أمره وشرعه وهدي رسوله. إنهم كانوا ينكرون الوقوف بين يدي ربهم يوم النشور، بعد الفناء والبعث من القبور، فلو ترى يا محمد هؤلاء المجرمين حين حبسوا على حكم الله وقضائه فيهم فقيل لهم: أليس هذا البعث والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، حقًّا؟ فقالوا: بلى والله إنه لحق، فقال الله لهم: فذوقوا عذاب الخزي والألم الذي كنتم به تكذبون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
معنى: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ إذ حُبسوا. قال القرطبي: (أي إذا وُقفوا غدًا، و"إذْ" قد تستعمل
стр. 1289
في موضع "إذا" و"إذا" في موضع "إذْ" وما سيكون فكأنه كان، لأن خبر الله تعالى حقّ وصدق، فلهذا عَبَّرَ بالماضي).
وقوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. قال النسفي: (﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق النار).
٢ - قيل "على" بمعنى الباء، أي وَقَفوا بقربها وهم يعاينونها. قال الضحاك: (جُمعوا، يعني على أبوابها).
٣ - وقيل "على" بمعنى "في" أي وقفوا في النار. والمقصود أنهم دخلوها.
قال ابن جرير: (﴿عَلَى النَّارِ﴾، يعني: في النار- فوضعت "على" موضع "في" كما قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... ﴾ [البقرة: ١٠٢]، بمعنى: في ملك سليمان).
قلت: وكل هذه المعاني يحتملها التأويل والإعجاز القرآني، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف ليتسع لكل أنواع التصور من ألوان الشقاء، وليذهب الوهم إلى كل شيء مبالغة في التخويف والتصوير لتلك الساعات العصيبة من حياة المشركين، والتقدير: لو تراهم يا محمد وهم في تلك الحال لرأيت مشهدًا مفزعًا، ومنظرًا عجيبًا هائلًا، وحالًا سيئًا.
وقوله: ﴿فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: يتمنون لو أعطوا فرصة أخرى بأن يردوا إلى الحياة الدنيا فيصدقوا بآيات الله ورسله ولا يجحدوا حججه كما فعلوا أول مرة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
أما قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ففيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: بدت لهم معاصيهم التي كانوا يخفونها ويسترونها عن أعين الناس ففضحهم بها الله ﵎ على رؤوس الأشهاد.
قال السدي: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: بدت لهم أعمالهم في
стр. 1290
الآخرة، التي أخفوها في الدنيا). وقال قتادة: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: من أعمالهم).
قال ابن كثير: (أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يُخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا، أو في الآخرة كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).
التأويل الثاني: بل ظهر حينئذ ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صِدْق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه.
قال القرطبي: (وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغُواة ما كان الغُواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة).
وهذا المعنى كما جاء فيِ القرآن من خبر موسى ﵇ حين قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ .. ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
التأويل الثالث: المراد المنافقون، كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر.
أي: يظهر نفاقهم الذين كانوا يسرونه. قال القاسمي: (ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾).
التأويل الرابع: بل بدا لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا- النار التي وقفوا عليها.
ذكره العلامة أبو السعود، واعتبر أن النار هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و (بإخفائها) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. ثم قال: (وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله : ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا .. ﴾ [الأنعام: ٢٧] لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم).
التأويل الخامس: بل هو في أهل الكتاب، يظهر لهم ما كتموه في كتبهم.
стр. 1291
قال النسفي: (أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله ﷺ ).
قلت: وكل ما سبق يحتمله النظم الشريف وهو من وجوه إعجاز هذا القرآن العظيم، وإن كان التأويلان الأول والثاني من أقواها. وأضيف على ذلك فأقول: بدا لهم ما كانوا يخفونه من معرفة صدق الرسل وصدق التنزيل وحقيقة النار التي وُعد بها الكافرون وقد دعتهم الرياسة والكبر وحب العلو في الأرض وحظوظ النفس والشهوات إلى إخفاء ذلك ومحاربته في أقوامهم لتكون لهم الكلمة في الدنيا والكبرياء، فلما عاينوا ذلك يوم القيامة وأبصروا النار التي ودفوا عليها وشعروا بلهيبها على أجسامهم تَمَنَّوا الرَّجْعَةَ والتصديق لا التكذيب الذي أوردهم هذا المصير الشقي، وهنا بدا لهم ما أخفوه -ليتأكد قوله تعالى بعدها: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: إن الذي دعاهم إلى إخفاء ما أخفوه لم يختلف، فإنه ما بهم حب الله ودينه ورسوله، وإنما بهم ألم جهنم، ومن ثمّ فلو كتب الله لهم العودة إلى الدنيا لتجاوزوا مرة أخرى صدق المرسلين إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم- وإنهم لكاذبون.
فقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
هو من علم الله سبحانه الذي اختص به نفسه ولا يشاركه فيه أحد، فإنه يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، وما لن يكون- لكن إن قُدِّر أن يكون كيف سوف يكون.
قال قتادة: (﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء).
قال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير- ﵀: (لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله). أي: ما بهم الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق برسله، بل هو إشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال).- ولأنكروا المعاد.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
قال الجلال: (أي: عرضوا عليه). وقال ابن جرير: (﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، يوم القيامة،
стр. 1292
أي: حبسوا). وقال ابن كثير: (أي: أوقفوا بين يديه). وقال النسفي: (مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، أوْ وُقِفُوا على جزاء ربهم). قلت: وكلها معان متقاربة متكاملة في إظهار آفاق المعنى.
وقوله: ﴿قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.
أي: أليس هذا المعاد -الذي أنكرتم وكذبتم في الدنيا- حقًّا؟
فأجابوه: ﴿قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.
أي: بلى والله إنه لحق. قال القاسمي: (أكدوا اعترافهم باليمين إظهارًا لكمال يقينهم بحقيّته، وإيذانًا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط، طمعًا في نفعه).
فأجابهم مهينًا لهم قاطعًا كل أمل في نفوسهم بالنجاة أو العودة: ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
أي: ذوقوا مسَّ العذاب الذي أنكرتم أو أخفيتم مقابل الكبر في الأرض وتعظيم الأهواء والشهوات وكبت المؤمنين ورفع شأن المجرمين الملحدين.
وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥ - ١١١].
وفي التنزيل -كذلك-: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقولُ له: ألمْ أجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسخرت لك الأنعامَ والحرثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأَس وتَرْبعُ فكنت تَظُنُّ أنكَ مُلاقيَّ يومَكَ
стр. 1293
هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).
قال أبو عيسى: (ومعى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب).
٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن خسارة المكذبين بلقائه، وعن خيبة أملهم وفرط ندمهم إذا عاينوا المشهد يوم القيامة وقد جاؤوا مثقلين بأوزارهم وخطاياهم. وإنما هذه الحياة باغيها في لعب ولهو، وإن الدار الآخرة هي دار القرار للمتقين أفلا تعقلون.
فقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (قد هلك وَوُكِسَ، في بيعهم الإيمان بالكفر). وقال النسفي: (﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.
قال القرطبي: (سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها).
وقال السدي: (أما ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾، فندامتنا، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، فضيعنا من عمل الجنة).
وقال القاسمي: (والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد: تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ أي: قصرنا ﴿فِيهَا﴾ أي: في الحياة الدنيا. أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها. أي: على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا. أو
стр. 1294
الضمير للساعة، أي: على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة).
وقال ابن جرير: (الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله. ﴿قَدْ خَسِرَ .. ﴾ إلخ، إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال: والمعنى: قد وُكِسَ الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطَهُ وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة. فإذا جاءتهم الساعة بغتة، فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ تندمًا: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾).
وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
الأوزار: جمع وزر، وهو الحمل الثقيل، وسمي به الذنب لثقله على صاحبه، والوَزَرُ الجَبَل. وخَصَّ الظهر بالحمل لأن المعهود حمل الأثقال عليه، كما عهد الكسب بالأيدي.
قال القاسمي: (ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يُسْند إليه من تدبير الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها).
وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
أي: ما يحملون من الإثم والتبعات.
قال قتادة: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، قال: ساء ما يعملون).
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ - فيه أكثر من معنى:
١ - قال ابن جرير. (يقول: ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه، ونعيمها وسرورها، فيها، والمتلذذُ بها، والمنافس عليها إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذُ فيها بملاذّها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندمًا، ويورثه منه تَرَحًا).
٢ - قال القرطبي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لِقِصَرِ مدتها).
٣ - قال النسفي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل. قيل
стр. 1295
ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو. وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لأنها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة).
٤ - وقيل: معنى ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور. وقيل: (المعنى متاعُ الحياة الدنيا لعب ولهوٌ، أي: الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو) ذكره القرطبي.
٣ - وقال ابن كثير: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك).
قلت: والراجح من المعنى لهذه الآية أنها متصلة بالآية قبلها، لتدحض قول الكافرين: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ - فجاء توضيح حقيقة هذه الحياة الدنيا، أنها للكفار دار لهو ولعب، وللمؤمنين دار استثمار وعمل، فيفوز العاملون المؤمنون في الآخرة، ويشقى الكفار اللاهون اللاعبون.
أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح من حديث سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافِرًا منها شَرْبَةَ ماء] (١).
وأخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).
وله شاهد عند الترمذي وابن ماجة عن عبد الله مرفوعًا: [ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٣).
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب، أن رسول الله ﷺ دخل على حمزة فتذاكرا الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : [إن الدنيا خَضِرَةٌ
стр. 1296
حلوةٌ، فمن أخذها بحقها بُوركَ له فيها، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسوله ليس له إلا النارَ يوم يلقى الله] (١).
وقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وكقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
قال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها، ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيء سواه معه).
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (٢).
٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا
стр. 1297
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.
في هذه الآيات: تَسْلِيَةُ الله سبحانه نَبِيّهُ ﷺ مما يلقى هن تكذيب قومه، فإنهم يا محمد لا يكذبونك فيما آتيتهم به من الوحي، بل يعلمون صحته، وإنما يجحدون حقيقته قولًا فلا يؤمنون به. فاصبر على ذلك العناد، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا حتى حكم الله بينه وبينهم وأنزل نصره، فتأس بإخوتك الرسل ممن مضى قبلك. وإن كان عظم عليك إعراضهم فشق عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فإن استطعت أن تتخذ سربًا في الأرض أو درجًا في السماء فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك أفضل مما أتيناهم فافعل، فإن الله تعالى لو شاء لجمعهم على محجة الحق ملة واحدة فتنبه، فإنما يستجيب لدعائك من فتح الله عليه، ونوّر قلبه بالحياة، وسمعه بالحق، وأما الأموات المبطلون فلا سبيل إليهم فقد طبع الله على قلوبهم وأصم آذانهم لكبرهم وتعاليهم على الحق، ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء ونكال العقاب.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
قال قتادة: (يعلمون أنك رسول الله ويجحدون). وقال سعيد بن جبير: (ليس يكذبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون).
وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وكذلك قوله جل ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
وقوله جلت عظمته: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٣].
يروي ابن جرير من طريق السدي قال: (التقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرُك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحكَ؟ والله إن محمدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قَطٌّ، ولكن إذا ذَهَبت بنو قُصَيّ باللواء والسقاية والحِجابة والنُّبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ ).
وأخرج البيهقي في "الدلائل" نحوه من طريق محمد بن إسحاق: (قال الأخنس بن
стр. 1298
شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سَمِعت من محمد؟ -وكان يستمع كل منهما قراءة النبي ﷺ من الليل- قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرف: أَطْعَموا فَأَطعَمْنا، وحمَلُوا فحَملنا، وأعطَوا فأعْطَيْنا، حتى إذا تجاثَينا على الركب، وكنا كفرسي رِهَان، قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحيُ من السماء! فمتى نُدْرِكُ هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه) (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.
قال قتادة: (يُعَزّي نبيه ﷺ كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذِّبَتْ قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين).
قال القرطبي: (﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ أي: فاصبر كما صبروا. ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي: عوننا، أي: فسيأتيك ما وُعِدْتَ به).
وقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ولا مُغَيِّرَ لكلمات الله، و ﴿كَلِمَاتِهِ﴾ تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد ﷺ ، من وعده إياه النصر على من خالفه وضادّه، والظفَر على من تولّى عنه وأدبر).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال القاسمي: (أي: من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من النصر، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم).
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.
أي: إن شق عليك وثقل نأيهم عن الإيمان بما نزل عليك من القرآن، ونهيهم الناس عنه، فإنه وجدت منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض لتستخرج لهم معجزة خارقة مما اقترحوه، أو تصعد مصعدًا في السماء لتأتيهم بذلك فافعل.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، و"النفق" السَّرب، فتذهب فيه، ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أو تجعل
стр. 1299
لك سلمًا في السماء، فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل).
قال قتادة: (﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: سَرَبًا، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: السلم الدَّرَج).
قال الزجاج: (وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد).
قال النسفي: (فافعل- وهو جواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وإن استطعت وجوابها جواب ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾. والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم).
وقال القاسمي: (وَحَسُنَ حذف الجواب لعلم السامع به. أي: لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريًا غير نافع).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾.
قال ابن عباس: (إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سَبَقَ له من الله السعادة في الذكر الأول).
وهناك أقوال للمفسرين تكمل المعنى وتزيده وضوحًا وبيانًا:
١ - قال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بَيَّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردًّا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تَضْطَرّهم إلى الإيمان، ولكنه أراد أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن).
٢ - قال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك).
٣ - قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: ولكنه شَاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار غاية قهره، وغاية لطفه).
٤ - وأكّد شيخ المفسرين هذه المعاني حيث قال: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين، وصواب من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأني
стр. 1300
القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم).
قلت: وهذه الآية العظيمة تندرج ضمن مفهوم المشيئة الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: كونية وشرعية ومشتركة.
أولًا: المشيئة الكونية. وهي نوعان:
١ - المشيئة الإجبارية.
٢ - المشيئة الإذنية.
ثانيًا: المشيئة الشرعية.-أمر الله ونهيه-.
ثالثًا: المشيئة المشتركة.-اشتراك المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية-.
وقد فصلت ذلك ببيان مُدَلّل في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- في أبحاث القدر- الباب السادس: مفهوم المشيئة والاستطاعة. فلله الحمد والمنة.
وأما الآية الكريمة موضوع التفسير هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ - فهي تدل على مفهوم المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، إذ علم سبحانه الأعمال وكتبها فلا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته تعالى، فلا أحد يخرج بإرادته ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته .
قال سبحانه في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال جل ذكره في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾. وقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. وقال جلت عظمته في سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.