← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

حلوةٌ، فمن أخذها بحقها بُوركَ له فيها، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسوله ليس له إلا النارَ يوم يلقى الله] (١). وقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وكقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. قال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها، ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيء سواه معه). وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (٢). ٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا

стр. 1297

يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: تَسْلِيَةُ الله سبحانه نَبِيّهُ ﷺ مما يلقى هن تكذيب قومه، فإنهم يا محمد لا يكذبونك فيما آتيتهم به من الوحي، بل يعلمون صحته، وإنما يجحدون حقيقته قولًا فلا يؤمنون به. فاصبر على ذلك العناد، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا حتى حكم الله بينه وبينهم وأنزل نصره، فتأس بإخوتك الرسل ممن مضى قبلك. وإن كان عظم عليك إعراضهم فشق عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فإن استطعت أن تتخذ سربًا في الأرض أو درجًا في السماء فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك أفضل مما أتيناهم فافعل، فإن الله تعالى لو شاء لجمعهم على محجة الحق ملة واحدة فتنبه، فإنما يستجيب لدعائك من فتح الله عليه، ونوّر قلبه بالحياة، وسمعه بالحق، وأما الأموات المبطلون فلا سبيل إليهم فقد طبع الله على قلوبهم وأصم آذانهم لكبرهم وتعاليهم على الحق، ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء ونكال العقاب. فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. قال قتادة: (يعلمون أنك رسول الله ويجحدون). وقال سعيد بن جبير: (ليس يكذبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون). وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. وكذلك قوله جل ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. وقوله جلت عظمته: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٣]. يروي ابن جرير من طريق السدي قال: (التقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرُك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحكَ؟ والله إن محمدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قَطٌّ، ولكن إذا ذَهَبت بنو قُصَيّ باللواء والسقاية والحِجابة والنُّبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ ). وأخرج البيهقي في "الدلائل" نحوه من طريق محمد بن إسحاق: (قال الأخنس بن

стр. 1298

شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سَمِعت من محمد؟ -وكان يستمع كل منهما قراءة النبي ﷺ من الليل- قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرف: أَطْعَموا فَأَطعَمْنا، وحمَلُوا فحَملنا، وأعطَوا فأعْطَيْنا، حتى إذا تجاثَينا على الركب، وكنا كفرسي رِهَان، قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحيُ من السماء! فمتى نُدْرِكُ هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه) (١). وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾. قال قتادة: (يُعَزّي نبيه ﷺ كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذِّبَتْ قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين). قال القرطبي: (﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ أي: فاصبر كما صبروا. ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي: عوننا، أي: فسيأتيك ما وُعِدْتَ به). وقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا مُغَيِّرَ لكلمات الله، و ﴿كَلِمَاتِهِ﴾ تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد ﷺ ، من وعده إياه النصر على من خالفه وضادّه، والظفَر على من تولّى عنه وأدبر). وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي: من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من النصر، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم). وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. أي: إن شق عليك وثقل نأيهم عن الإيمان بما نزل عليك من القرآن، ونهيهم الناس عنه، فإنه وجدت منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض لتستخرج لهم معجزة خارقة مما اقترحوه، أو تصعد مصعدًا في السماء لتأتيهم بذلك فافعل. قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، و"النفق" السَّرب، فتذهب فيه، ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أو تجعل

стр. 1299

لك سلمًا في السماء، فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل). قال قتادة: (﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: سَرَبًا، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: السلم الدَّرَج). قال الزجاج: (وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد). قال النسفي: (فافعل- وهو جواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وإن استطعت وجوابها جواب ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾. والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم). وقال القاسمي: (وَحَسُنَ حذف الجواب لعلم السامع به. أي: لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريًا غير نافع). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. قال ابن عباس: (إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سَبَقَ له من الله السعادة في الذكر الأول). وهناك أقوال للمفسرين تكمل المعنى وتزيده وضوحًا وبيانًا: ١ - قال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بَيَّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردًّا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تَضْطَرّهم إلى الإيمان، ولكنه أراد أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن). ٢ - قال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك). ٣ - قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: ولكنه شَاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار غاية قهره، وغاية لطفه). ٤ - وأكّد شيخ المفسرين هذه المعاني حيث قال: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين، وصواب من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأني

стр. 1300

القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم). قلت: وهذه الآية العظيمة تندرج ضمن مفهوم المشيئة الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: كونية وشرعية ومشتركة. أولًا: المشيئة الكونية. وهي نوعان: ١ - المشيئة الإجبارية. ٢ - المشيئة الإذنية. ثانيًا: المشيئة الشرعية.-أمر الله ونهيه-. ثالثًا: المشيئة المشتركة.-اشتراك المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية-. وقد فصلت ذلك ببيان مُدَلّل في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- في أبحاث القدر- الباب السادس: مفهوم المشيئة والاستطاعة. فلله الحمد والمنة. وأما الآية الكريمة موضوع التفسير هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ - فهي تدل على مفهوم المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، إذ علم سبحانه الأعمال وكتبها فلا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته تعالى، فلا أحد يخرج بإرادته ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته . قال سبحانه في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال جل ذكره في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾. وقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. وقال جلت عظمته في سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1301

فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل لتمام علمه وكمال حكمته وعدله. أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١). وفي لفظ عند البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال النبي ﷺ لأبي بكر: [يا أبا بكر، لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس]. وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فيه أكثر من تأويل: ١ - قال ابن جرير: (يقول: فلا تكونَنَّ ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، وأن من يكفر له من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ونافذ قضائه بأنه كائن من الكافرين، به اختيارًا لا اضطرارًا)، ٢ - قال القرطبي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحِل. أي: لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين). ٣ - وقال النسفي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين يجهلون ذلك. وهو أن لو شاء سبحانه: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك - كذا قاله الشيخ أبو منصور ﵀. ٤ - وقال القاسمي: (﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: بما تقتضيه شؤونه تعالى، التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم. إما اختيارًا، فلعدم توجههم إليه. وإما اضطرارًا، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار). ٥ - وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به الأمة، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذابتهم. قلت: والآية درس في إفهام أحد أركان الإيمان بالقدر، فإن هذا الركن العظيم يرتكز على أركان ثلاثة: هي صفات لله سبحانه: ١ - العلم. ٢ - الحكمة. ٣ - العدل.

стр. 1302

فقد قضى سبحانه بعلمه وحكمته أن لا يجبر الناس على الإيمان، بل بسط لهم صفحات هذا الكون الفسيح يقرؤون فيها دلالات إفراده تعالى بالتكبير والتعظيم، ثم بسط لهم صفحات التنزيل الكريم، يقرؤون فيها عن أسمائه و. صفاته الحسنى، وآياته ونعمه العظمى، وخبر الأمم التي أهلكها الله بالكفر والكبر والعناد، وخبر المرسلين وأتباعهم المؤمنين، وما أعدّ الله لهم من النعيم المقيم، وما هيأ لأعدائه من العذاب المقيم. فالكتابة في اللوح المحفوظ عن كلٍّ من اختيار الفريقين مصيرَهم هي كتابة علم لا كتابة جبر أو قهر. وبذلك يفهم حديث الكتابين اللذين أخرجهما رسول الله ﷺ يومًا أمام أصحابه: فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا: لا، إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا ينْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرِغ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سدِّدُوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، المؤمنون، للذكر، ﴿وَالْمَوْتَى﴾، الكفار، حين يبعثهم الله مع الموتى). وقال قتادة: (هذا مثل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى ولا ينتفع به).

стр. 1303

فالكفار موتى القلوب، فكان ذلك تشبيهًا من الله لهم بأموات الأجساد. وفي التنزيل: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]. وقال في هذه الآية: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا من باب التهكم بهم، والإزراء عليهم). ٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن قيل هؤلاء المعرضين الجاحدين نبوة محمد ﷺ : هلا نزل على محمد آية من ربه؟ قل يا محمد لهؤلاء - قائلي ذلك - إن الله قادر أن ينزل حجة على ما يسألون، ولكن أكثر الذين يسألون ذلك لا يدرون تبعات ذلك عليهم، أو وجه ترك إنزال ذلك. ثم أعلمهم أن الله محيط بأعمالهم وأقوالهم ومواقفهم، فلا يغفل سبحانه عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل كُلُّ هؤلاء أُمَمٌ مُصَنَّفَة، قد أحصى أحوالهم سبحانه، وأثبت ذلك في أم الكتاب، وجميعهم آتيه إلى أرض المحشر يوم القيامة. ولكن مثل الكافر كالأصم الأبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، والله سبحانه يضل من يشاء من عباده عدلًا، ويهدي من يشاء إلى صراطه القويم فضلًا. فقوله: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. قال الحسن: (﴿لَوْلَا﴾ ها هنا بمعنى هلَّا). قال القرطبي: (وكان هذا منهم تعنتًا بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب).

стр. 1304

وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. أي: قل لهم يا محمد إن الله قادر على إنزال الخوارق والمعجزات والآيات، بنحو ما تعنتوا كقولهم: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - فيه تفاسير متكاملة: ١ - لا يعلمون أن الله إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده، فهو العليم بمصالحهم. ٢ - لا يعلمون ما يترتب عليهم في نزول ذلك من البلاء، أو ما يعقب ذلك من العقوبة لو كفروا بعد معاينة تلك الآيات. ٣ - لا يعلمون ما كتب الله من إخراج عباد صالحين من أصلابهم يؤمنون بالله ورسوله، فلم يرد سبحانه من أجل ذلك استئصالهم. ٤ - لا يعلمون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك من حكمة الله التي لا يحيط بها أحد. ٥ - لا يعلمون أن ذلك الاقتراح منهم دليل على جهلهم. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها). ٢ - قال قتادة: (يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة). ٣ - وقال السدي: (﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾، يقول: إلا خلق أمثالكم). ٤ - وقال ابن جريج فيها: (الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب). قال ابن جرير: (وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مُجَنَّسَة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب).

стр. 1305

وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. يعني كتابة جميع دقائق تلك الأمم والعوالم في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: (ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب). وقال ابن زيد: (لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في الكتاب). وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. فيه قولان: ١ - قال ابن عباس: (موت البهائم حشرها). قال: (حشرها الموت). ٢ - قال أبو هريرة: (يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدوابَّ والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجَمَّاء من القَرْناء، ثم يقول: "كوني ترابًا"، فلذلك يقول الكافر: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾) - ذكره بسنده ابن جرير. والراجح القول الثاني، وهو أن الحشر هنا يُعنى به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة. أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، عن عثمانَ ﵁ -أن رسول الله ﷺ قال: [إن الجماء لتقتصّ من القرناء يوم القيامة] (١). ويشهد له ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لَتُؤدُّنَ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْناء] (٢). وكذلك يشهد له ما أخرجه الطيالسي في "مسنده" عن الأعمش قال: سمعت منذرًا الثوري يحدث عن أصحابه عن أبي ذر قال: [رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (٣). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال قتادة: (هذا مثل الكافر، أصم أبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكّعٌ فيها).

стр. 1306

وفي التنزيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨]. فالأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم، وبذلك شبّه الله المكذبين بحججه وآياته في جهلهم وقلة علمهم وسوء فهمهم. قال القرطبي: (أي: عَدِموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم، فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون). وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي: هو سبحانه المتصرف في خلقه كما يشاء، فيهدي من يشاء منهم فضلًا، ويضل من يشاء منهم عدلًا، فهو وحده ﵎ الذي اطلع على قلوب عباده. قال القاسمي: (فمن أحب هدايته، وَفَّقَهُ بفضله وإحسانه للإيمان، ومن شاء ضلالته تركه على كفره. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]). قلت: ومفهوم ذلك أن الله سبحانه يعاقب العبد على حبه الضلال بقسوة القلب، ويجازي المؤمن على إيثاره طاعة ربه بالهداية والثبات. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تُعْرَضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١). والصراط المستقيم هو طريق الحق الذي مشى عليه الرسل والصالحون وثبتهم الله عليه، حتى أكرمهم يوم القيامة بتجاوز الصراط إلى دار النعيم المقيم، جعلنا الله والمؤمنين الصادقين من أهل صراطه المستقيم. ٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ

стр. 1307

وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾. في هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من قومك: أخبروني إن جاءكم عذاب الله كالذي نزل على أمم قبلكم فهلكوا - كالرجفة والصيحة والصاعقة والغرق - أو جاءتكم الساعة التي تخرجون فيها من قبوركم لمشهد الحساب يوم القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم! ! هل تدعون شركاءكم وآلهتكم المكذوبة! ؟ بل إنكم هنالك تفزعون إلى الله وحده ليكشف عنكم ما أغمكم من الشدائد والأهوال دون كل شيء غيره، وتنسون حينئذ ما تشركونه في العبادة. لقد أرسلنا إلى جماعات قبلكم من الأمم فأمرناهم ونهيناهم وامتحناهم بالفقر والضيق والأسقام لعلهم يخلصون العبادة لله ويفردونه بالتعظيم، وإذ لم يتضرعوا بل أقاموا على تكذيبهم واستكبارهم قساوة قلب منهم، واستهتارًا بعقاب الله، وقد حَسَّنَ الشيطان لهم أعمالهم التي يسخطها الله منهم، فلما أصروا على غيّهم استدرجناهم بعاجل لذات الدنيا حتى إذا فرحوا بسعة العيش والصحة وسكروا فاجأناهم بعقوبة مؤلمة وأخذناهم فأصبحوا هالكين. فاستؤصل القوم الذين عتوا على ربهم والحمد لله رب العالمين. فقوله: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾. أي: أخبروني. وقوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾. أي: بمثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة التي عتت عن أمر ربها ورسله. ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني القيامة. وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال القرطبي: (أي: أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضًا، فلم تصرّون على الشرك في حال الرفاهية؟ ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب). وقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. أي: تخصون بالدعوة. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾. قال القاسمي: (أي: إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير

стр. 1308

مطردة، بل هي تابعة لمشيئته تعالى، المبنية على حِكَم استأثر بعلمها). وقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. أي: وقت الحاجة والضرورة وحلول المهالك. وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾. يعني: الفقر وضيق العيش والقحط والشدائد. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ يعني الأمراض والأسقام والآلام. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. أي: يتذللون لله ويدعونه ويتضرعون إليه ويخشعون. وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتَمَسْكَنُوا لدينا). وقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي: صَلُبَت وغَلُظَت، وهي عبارة عن الكبر والإصرار على المعصية، نسأل الله العافية). وقال القاسمي: (وجيء بـ "لولا" ليفيد أنه لم لكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، كما قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ولم ينزجروا وإنما ابتلوا به). وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: من الكبر والشرك والعجب والغرور. قال النسفي: (وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم). أخرج ابن عدي والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب] (١). وفي لفظ البيهقي: [لو لم تكونوا تذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبَرُ من ذلك، العُجْبَ العُجْبَ].

стр. 1309

وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: لما تمادوا بالغي والغرور والعجب والاستكبار فتحنا عليهم أبواب الملذات والرزق من كل ما يختارون استدراجًا لهم وعلامة على اقتراب النهاية. قال ابن عباس: (﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، يعني: تركوا ما ذكروا به). وقال ابن جريج: (ما دعاهم الله إليه ورسله، أبوْه وردّوه عليهم). وعن مجاهد: (﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى). وقال قتادة: (يعني الرخاء وسعة الرزق). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. قال السدي: (أخذهم العذاب بغتة، فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم). وقال مجاهد: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، قال: الاكتئاب). وقال ابن زيد: (المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المُسْتكين، وقرأ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، وكان أول مرة فيه معاتبة وبقية. وقرأ قول الله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾، حتى بلغ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. وقرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأول، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم). قلت: والإبلاس في كلام العرب الانكسار والحزن. يقال: أبلس فلان إذا سكت غمًّا. قال الرازي: ("أبلس" من رحمة الله أي: يئس. ومنه سمي "إبليس"). أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن جرير في التفسير، بسند قوي، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١). وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. قال السدي: (قطع أصل الذين ظلموا). وقال ابن زيد: (استؤصلوا).

стр. 1310

قال النسفي: (أي: أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله). وفي كلام العرب: الدابر الآخر. دبر فلان القوم إذا كان آخرهم في المجيء. قال القرطبي: (ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور). يروي ابن أبي حاتم عن قتادة قال: (بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون). فالحمد لله الذي أظهر حججه، ونصر رسله، وأهلك أعداءه، تمكينًا لدينه في الأرض، وتكرمة لأوليائه وأهل طاعته أتباع رسله، فله الحمد في الأولى والآخرة، وفي كل حال. ٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله العادلين به الأوثان والطواغيت، المكذبين بنبوتك ماذا لو أصمّكم الله فذهب بأسماعكم، وأَعْماكُم فذهب بأبصاركم، وطبع على قلوبكم فعميت الفقه والحجة وعدمت الفهم! فأي إله غير الله - جلت عظمته - يرد عليكم ما ذهب عنكم، انظر يا محمد كيف نتابع عليهم الأمثال والحجج ليعتبروا ثم هم يعدلون ويعرضون. قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، المكذبين بنبوتك ماذا لو فاجأكم الله بعذاب من عنده، هل يحيق الهلاك إلا بالظالمين الآثمين. إنّما نرسل رسلنا بشارة لأهل الطاعة، نذارة لأهل المعصية فمن آمن وعمل صالحًا فلا خوف عليهم عند قدومهم على ربهم، ولا هم

стр. 1311

يحزنون على ما خلفوا وراءهم في هذه الدنيا. وأما الذين كذبوا بالآيات والحجج وعاندوا فأولئك يباشرهم العذاب بما كانوا يكسبون. فقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾. أي: بأن أَصَمَّكُم وأَعْمَاكُم وغطى على قلوبكم ما يزول به عقلكم وفهمكم. وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾. أي: بما أخذ منكم وحرمكم من الاستمتاع بهذه النعم العظيمة. قال القاسمي: (وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا). وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف نورد هذه الدلالات والأمثال ثم يُصِرُّ هؤلاء المشركون على الجحود والعناد والإعراض بغيًا وحسدًا وكبرًا. قال ابن عباس: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعدلون). وقال مجاهد: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعرضون). وقال السدي: (يصدّون). وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾. أي: أخبروني إن فاجأكم الله بعذابه على غرة أو معاينة تنظرون إليه. قال مجاهد: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، فجأة آمنين، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾، وهم ينظرون). وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، ويترك عبادة من يستحق علينا العبادة). وقال القرطبي: (والظلم هنا بمعنى الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾). وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. قال الحسن: (مبشرين بِسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة. قال: ومعنى ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوفين عقاب الله).

стр. 1312

وقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: فمن آمن قلبُه بما جاؤوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: بالنسبة إلى ما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خَلَّفُوه، وحافظهم فيما تَرَكوه). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. أي: إن الذين كذبوا بالقرآن والمعجزات ونبوة محمد ﷺ سَيُبَاشِرُهُم العذاب بما كانوا يكفرون ويجحدون. قال ابن زيد: (كل ﴿فِسْقٌ﴾ في القرآن، فمعناه الكذب). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أَحَدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (١). ٥٠ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المكذبين

стр. 1313

نبوتك - لست أملك خزائنِ الرب ، خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم ما يغيب ولا أدعي أني مَلك، وإنما أنا عبد رسول أتبع ما يوحى إليّ من ربي ، فهل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به أفلا تتفهمون هذه الحجج! ! وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين يخافون ربهم، والموقف في الحشر وأهوال ذلك اليوم، حيث لا ناصر ولا شفيع يشفع عند الله من عقابه الذي قضاه لأهل الكفر والجحود، لعلهم يرهبون ويحذرون ما يسخطه ويعملون ما يحبه - جلت عظمته. ثم لا تطرد المؤمنين المستضعفين من مجلسك من أجل الطغاة المجرمين، فإن جلوس المؤمنين أحب إلى الله من جلوس أولئك الذين يستكبرون أن يقعدوا جنب المؤمنين، فحذار أن تطردهم فتكون من الظالمين. فإنما فتَنَّا هؤلاء بهؤلاء بقسمة الأرزاق والأخلاق والقوة والضعف ليقول المجرمون المخدوعون بالقوة والمال أهؤلاء الفقراء الضعفة مَن الله عليهم بالهدى ونحن أحق! فأجابهم الله تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين. وإذا جاءك المؤمنون يا محمد وقد انكسرت قلوبهم بذنوب زلّت نفوسهم وجوارحهم بها فبشرهم بسعة مغفرة الله ورحمته لمن تاب وآمن وعمل صالحًا وأنه سبحانه غفور رحيم. فقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. أي: فيكون أمر التصرف بها إليّ، وأجيبكم ما خَطَرَ لكم. قال القاسمي: (لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إليّ، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبًا، وغير ذلك). وقال القرطبي: (هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فالمعنى: ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به). والخزائن جمع خزانة. وهي المكان الذي يخزن فيه الشيء. قال الرازي: (خزن المال جعله في الخزانة). وَخَزْنُ المال أو الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي. أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: [لا يَحْلُبَنَّ أحَدٌ ماشِيةَ امرئٍ بغير إذنه، أَيُحِبُّ أحدُكُم أن تؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فتكْسَرَ خِزَانتهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُه؟ فإنما تَخْزُن لهم ضروعُ مواشيهم أَطْعماتِهم، فلا يَحْلُبَنَّ أحد ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه] (١).

стр. 1314

وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾. أي: لا أدعي أني ملك من الملائكة أُظهر الخوارق. قال ابن جرير: (لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك). وقال القرطبي: (وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي: لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر). والخلاصة: قال لهم رسول الله ﷺ : لست ملكًا حتى تكلفوني بِخوارق العادات مما لا يطيقه البشر، من الرقيّ في السماء، ورؤية الأمور العظام، إنما أنا بشر يأكل ويشرب وينام ولكن الله اصطفاني بالوحي لأبلغ كلامه ورسالته، ولذلك قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، قال: الضال والمهتدي). وقال قتادة: (﴿الْأَعْمَى﴾ الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، و ﴿الْبَصِيرُ﴾، العبد المؤمن الذي أبصر نافعًا، فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله). وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. قال ابن جرير: (ومعناه، يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت "المخافة" موضع "العلم"، لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك). وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أنذِرْ هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فيعملون في هذه الدار عملًا يُنْجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويُضاعف لهم به الجزيل من ثوابه). وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد قال: [فِيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ

стр. 1315

﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تُدْني هؤلاء] (١). وأخرج ابن ماجة والحاكم وابن جرير بسند صحيح عن المقدام بن شُرَيح عن أبيه، عن سعد قال: [كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢). وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ - في تأويله أقوال: ١ - ذكر ابن عباس ومجاهد أن المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة. قال ابن عباس: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، يعبدون ربهم، ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، يعني: الصلاة المكتوبة). وقال مجاهد: (الصلاة المفروضة، الصبح والعصر). ٢ - ذكر إبراهيم أن المقصود بالدعاء الذكر. قال إبراهيم: (لا تطردهم عن الذكر). وقال منصور: (هم أهل الذكر). ٣ - ذكر أبو جعفر أن المراد تعلمهم القرآن وقراءته. قال أبو جعفر: (كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي ﷺ ). ٤ - ذكر الضحاك أن المقصود العبادة. قال الضحاك: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: يعني: يعبدون، ألا ترى أول قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٤٣)﴾ [غافر: ٤٣]، يعني: تعبدون).

стр. 1316

قلت: والدعاء يشمل كل ما ذكر، فالصلاة دعاء، والذكر والقرآن والعبادة بجميع ألوانها وأشكالها من الدعاء. وفي الحديث: [إن الدعاء هو العبادة] (١). وفي الحديث: [ليس شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء] (٢). وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ - فيه قولان: القول الأول: يريدون طاعته، والإخلاص في عبادتهم لله تعالى، فلا يتوجهون بذلك إلا إليه. قال ابن جرير: (يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنو من رضاه). القول الثاني: يبتغون الله الموصوف بالوجه. قال القرطبي: (يريدون الله الموصوف بأن له الوجه، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ .. ﴾ [الرعد: ٢٢]. وخصّ الغداة والعشي بالذكر، لأن الشغل غالب فيهما على الناس، وما كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل). قلت: وكلا القولين صحيح. فإن الآية تفيد الإخلاص في العمل لله الواحد الأحد، كما تفيد إثبات صفة الوجه لله الكريم. وقد أكدت السنة الصحيحة هذه الصفة الجليلة. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور (أو النار)، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره]. وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٣).

стр. 1317

وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. كقول نوح ﵇ حين ردّ على قومه مثل ذلك، قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾. والمعنى: إنما حسابهم على الله ، وليس عليّ من حسابهم شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. ذكره القاسمي. قال أبو السعود: (وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع إن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه ﷺ ، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلًا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. وقال النسفي: (وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم). وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. جواب النفي وهو: "ما عليك من حسابهم". وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. جواب النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. أو في موقع العطف على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التسبيب، لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. قال ابن عباس: (﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاء وسُخْرِيًّا). فأجابهم سبحانه بهذه الآية التي تقرع العقول والقلوب وتفَهِّم بحث القدر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. أي: هو تعالى وحده الذي اطلع على قلوب عباده وعلم أعمالهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كتابة علم لا كتابة جبر، فقسم الأعمال والأخلاق والأرزاق. فهدى

стр. 1318

المؤمنين هداية توفيق وإلهام، اختصاصًا بهم بعد هداية الرسل الكرام. كما قال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم]. وفي لفظ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١). وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصوه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شئ أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (٢). فهذا الشكر المتتابع من العبد لربه بحرصه على محابه، جلت عظمته، أعقبه الله فيه اختصاصًا وولاية، حتى صار في ذمة الله فمن عاداه فقد أعلن الله تعالى عليه الحرب، ومن آذنه الله بالحرب فقد هلك. وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يعني: إذا جاءك يا محمد أهل الإيمان والتصديق فأكرمهم برد السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة، وقرِّبهم منك ولا تبعدهم. قال البيضاوي: (وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج، بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل. ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد، ويُعَزّ وَلا يُذَل، ويُبَشَّر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة).

стр. 1319

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : [إنّ الله لمّا خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي] (١). وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال النسفي: (﴿أَنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ذنبًا ﴿بِجَهَالةٍ﴾ في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة، أو جعل جاهلًا لإيثاره المعصية على الطاعة ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد السوء أو العمل ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أخلص توبته ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾). ٥٥ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾. في هذه الآيات: يقول جلَّ ذكره: كما فصلنا لك يا محمد في هذه السورة من ابتدائها حتى هذا الموضع، كذلك نفصل لك الأدلة والحجج في كل حق لإزهاق محاولات أهل الباطل ولتتضح لك سبيل المجرمين. قل لهؤلاء المشركين -يا محمد-: إن ربي نهاني عن عبادة ما تدعون من دونه ولن أوافق أهواءكم، وإن فعلت فقد اخترت حينئذ سبيل الضلال. إني على بيان من الله وحجة ناصعة وبرهان، وكذبتم أنتم بربكم، وما تستعجلونه من النقم والعذاب ليس بيدي، إنما الحكم في كل شأن في هذا الكون لله أعدل الحاكمين وخير الفاصلين. ولو أن بيدي ذلك لعجلت لكم به،

стр. 1320

ولأريتكم الآيات والخوارق، والعذاب الذي تستعجلون، ولكنه بيد الجبار سبحانه، وهو أعلم بوقت إرساله على الظالمين. فعنده مفاتح الغيب لا يشركه بذلك أحد، وهو الذي يعلم ما في البر والبحر وما يجري فيها وما يكون، وما تسقط ورقة في الصحارى والجبال والبراري والأمصار والقرى إلا يعلمها، وكذلك لا يغيب عنه علم كل حبة أو شجرة وكل رطب أو يابس في أرجاء هذا الكون، بل هو مثبت في اللوح المحفوظ. فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. أي: كما فعلنا في هذه السورة من بدايتها وقد بسطنا لك يا محمد في ذكر ما يدحض حجج المبطلين، فالأمر سيستمر كذلك في كل هذا القرآن العزيز. قال ابن جرير: (كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل). قال قتادة: (﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، نبين الآيات). وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ - فيه قراءات: ١ - قرأها عامة قراء المدينة: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾ بنصب سبيل. أي: لتستبينَ أنت يا محمد سبيل المعاندين المجرمين الذين رغبوا بطرد المؤمنين. قال ابن زيد: (﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء). ٢ - وقرأها بعض المكيين والبصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. والتقدير: ولتتضح لك يا محمد وللمؤمنين طريقُ المجرمين. ٣ - وقرأها عامة قراء الكوفة: ﴿وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالياء في الكلمة الأولى بدل التاء. وأشهر هذه القراءات وأقربها القراءتان الثانية والثالثة، وهذا اختيار ابن جرير. وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: فلا يستحق التعظيم إلا الله. قال النسفي: (أي: صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله). وقوله: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ - تأكيد لقطع أطماعهم. قال البيضاوي: (هو إشارة إلى الموجب للنهي، وعلة الامتناع عن متابعتهم،

стр. 1321

واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم، وأن ما هم عليه هوى، وليس بهدى. وتنبيه لمن تحرّى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد). وقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾. أي: إن ركبت أهواءكم، ومضيت كما مضيتم في تخبطكم. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. أي: دخلت حينئذ في متاهات الضلال، وانحرفت عن سبيل الهدى والرشاد، فشاركتكم في ضلالكم وضياعكم. وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. أي: على بصيرة ونور من شريعة ربي . وقوله: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. أي: وقد كذبتم بالحق الذي شرفني الله به وعميتم عنه. وقوله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾. قال القرطبي: (أي: العذاب، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء (١). وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها) (٢). وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: إنما يرجع أمرُ ذلك إلى الله، إن شاء عجَّلَ لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجَّلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة). وقوله: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾. قال القرطبي: (أي: يقص القصص الحق، وبه استدل من منع المجاز في القرآن).

стр. 1322

وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. أي: خير من فصل الخلافات والخصومات والقضايا، وهو سبحانه خير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وفي التنزيل: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح، عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الله هو الحكم، وإليه الحُكْمُ] (١). وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: لو كان أمر العذاب بيدي لأنزلته بكم وعاجلتكم به كما ترغبون، حتى ينقضي الأمر إلى آخره. قال أبو السعود: (لأهلكتكم عاجلًا، غضبًا لربي، واقتصاصًا من تكذيبكم به). وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال القرطبي: (أي: المشركين وبوقت عقوبتهم). وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال السدي. (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، يقول: خزائن الغيب). وعن عطاء، عن ابن عباس: (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. والمفاتح جمع مِفْتَح. يقال: مِفْتح ومِفْتاح. قال ابن جرير: (فمن قال: "مِفْتَح"، جمعه "مفاتح"، ومن قال: "مفتاح"، جمعه "مفاتيح"). أخرج البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: [مفاتحُ الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (٢).

стр. 1323

وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي، وابن ماجة - واللفظ له - من حديث أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل. فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن تعبدَ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصومَ رمضان. قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إنْ لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعْلمَ من السائل، ولَكِنْ سَأُحَدِّثك عن أشراطِها. إذا وَلَدَت الأمَةُ رَبَّتَها فذلك من أشراطِها، وإذا تطاول رِعاء الغنم في البُنْيان فذلك من أشرِاطها، في خَمْسٍ لا يعْلَمُهُن إلا الله. فتلا رسولُ الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (١). وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. أي: من الخلق والعجائب. فإنه سبحانه يحيط علمه بجميع عوالم السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك ولو كان مثقال ذرة. وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾. قال ابن جرير: (ولا تسقط ورقة في الصحارى والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها). قال القرطبي: (أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء). وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن عباس: (خلق الله النُّون - وهي الدَّواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خَلْق مخلوق، أو رِزْقٍ حلال أو حرامٍ، أو عَمَلِ بِرٍّ أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا .. ﴾ إلى آخر الآية) - رواه ابن أبي حاتم. وظلمات الأرض بطونها، والمعنى: لا تنبت حبة في أية بقعة في الأرض إلا يعلم سبحانه متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها. ولا تيبس أرض أو ترطب إلا يعلم

стр. 1324

سبحانه يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت. قال النسفي: (وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتكرير لقوله ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾، لأن معنى ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ واحد، وهو علم الله أو اللوح). وقال القرطبي: (﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. أي: في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي: اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب). قلت: وقد دلت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عَبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه). وله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس، بلفظ: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلق والرزق والأجل].

стр. 1325

٦٠ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ في هذه الآيات: عَطْفٌ على البيان السابق: - وقل لهم يا محمد: إن الله تعالى هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم، ويعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار، ثم يوقظكم من نومكم في النهار فيبعثكم، ليقضي الأجل الذي كتبه لحياتكم بالموت عند انتهاء العمر الذي اختاره لكم ثم معادكم ومردكم إليه سبحانه فيخبركم بما كنتم تعملون. وهو الغالب خلقه والعالي عليهم بقدرته وجبروته ويرسل ملائكته فيكم فيتعاقبون ليلًا ونهارًا يحفظون أعمالكم ويصعدون بذلك إلى الله، فإذا جاء الموت أرسل إليكم ملائكة يقبضون أرواحكم من ملك الموت ولا يفرطون في ذلك ويصعدون بها. ثم رُدَّت الملائكة الذين جاؤوا بالأرواح بعد نزعها - إلى الله سيدهم الحق، ألا له الحكم والقضاء وهو أسرع من حسب أعماركم وآجالكم وأعدادكم وأعمالكم. فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. قال السدي: (أما ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ففي النوم، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ فيقول: ما اكتسبتم من الإثم). وقال قتادة: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، رمني بذلك نومهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما عملتم من ذنب فهو يعلمه، لا يخفى عليه شيء من ذلك). قال ابن جرير: (وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن قدرته وعمله، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم). قلت: والتوفي المذكور في هذه الآية هو التوفي الأصغر، دون القبض التام للروح الذي هو التوفي الأكبر. كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا

стр. 1326

وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... ﴾ [الزمر: ٤٢]. قال الشوكاني: (﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: أي: يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان). وقال الفراء: (المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها). قال ابن زيد: (فالنوم وفاة). والمقصود: يقبضها عن التصرف والتمييز مع بقاء الأرواح في أجسادها. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدّه، ثم يقول: "اللهم باسمك أموت وأحيا". وإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره] (٣). الحديث الرابع: أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند صحيح عن جابر، عن النبي ﷺ ، [النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة] (٤).

стр. 1327

قلت: فالوفاة هنا في هذه الآية بمعنى النوم، والنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة. وقد بسطت القول في مفهوم الوفاة وأنواع استخدام لفظها، وكذلك الصلة بين الروح والنفس والفؤاد والعقل والجسد والمشاعر في كتابي: "تحصيل السعادتين" فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال مجاهد: (﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾، قال: في النهار). وقال قتادة: (والبعث اليقظة). وعن السدي: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: هو أجل الحياة إلى الموت). وقال مجاهد: (وهو الموت). وقال عبد الله بن كثير: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: مدّتهم). وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ثم إلى الله بارئكم يكون معادكم ومآلكم، ثم تعرض عليكم أعمالكم في صحفكم، ثم يجازيكم بها، ولا تظلم نفس مثقال ذرة. وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، والله الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم). وفي مسهتدرك الحَاكم عن عائشة قالت: [كان إذا تَضَوَّرَ من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، ربّ السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار] (١). وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. أي: من الملائكة، يحفظون بدن العبد، وغيرهم يحفظ أعماله ويحصيها. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].

стр. 1328

٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق]. قال السدي: (﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال: هي المعقبات من الملائكة، يحفظونه ويحفظون عمله). وعن ابن عباس: (والمعقبات من الله هي الملائكة، "يحفظونه من أمر الله" قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه). وقال مجاهد: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: عن اليمين الذي يكتب الحسنات، وعن الشمال الذي يكتب السيئات). وفي مُعْجَم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن صاحب الشمال ليرفع القلم ستَّ ساعات عن العبد المسلم المخطيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (١). وفي المسند بسند صحيح عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه] (٢). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال إبراهيم: (أعوان ملك الموت). وكان ابن عباس يقول: (لملك الموت أعوان من الملائكة). وقال الكلبي: (إنّ ملك الموت هو يلي ذلك، فيدفعه، إن كان مؤمنًا، إلى ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذاب). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:

стр. 1329

الحديث الأول: حديث البراء - أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي وفيه: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي لفظ: المطمئنة) اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، حتى إذا خرجت روحه صلّى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾] الحديث. ثم يقول: [وإن العبد الكافر (وفي لفظ: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسُوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول .... فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بِرَوْحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج (٢). قال: فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٣).

стр. 1330

الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا - وفيه: قال النبي ﷺ : [فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي: حكمًا - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة] (١). وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال ابن عباس: (لا يضيّعون). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. قال ابن جرير: (ثم ردت الملائكة التي توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم، إلى الله سيدهم الحق، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾، يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم، أيها الناس، وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها). وقال القاسمي: (﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكم فيه لغيره، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يحاسب الخلائق في أسرع زمان). قلت: والله سبحانه من أسمائه الحكم، وهو بمعنى الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّم له الحكم وَرُدَّ إليه. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وكقوله في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

стр. 1331

وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن هانيء بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ] (١). ٦٣ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾. في هذه الآيات: خِطَابُ الله المتتابع لنبيّه ﷺ ، قل لهؤلاء المشركين بربهم -يا محمد-: من الذي ينجيكم إذا دخلتم في ظلمات سبل البر أو البحر وشعرتم بالخوف ومظنة الهلاك وتحيّرتم بهذا الضياع والضلال، إلا الله تعالى الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء، تدعونه استكانة سرًّا وجهرًا، لئن أنجيتنا يا رب من هذه لنخْلِصَنَّ لك الشكر والعبادة. قل لهم يا محمد: الله وحده القادر على نجاتكم وفرَجكم ثم أنتم بعد تَكَرُّمِه عليكم بالنجاة والفرج تشركون. إنه - جلت عظمته - هو القادر أن يعيدكم في الظلمات والأهوال مرة أخرى مقابل خيانتكم العهود والمواثيق وانتكاسكم مرة ثانية في أوحال الشرك، وأن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا متفرقة يقتل بعضكم بعضًا، فانظر يا محمد تتابع هذه الحجج والآيات على هؤلاء المشركين لعلهم يفقهون. فقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.- قال قتادة: (يقول: من كرب البر والبحر). قال القاسمي: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾، أي: شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، لمشاركتها في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد: يوم

стр. 1332

مظلم، ويوم ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه). وقوله: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. قال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾ منكم إليه واستكانة وجهرًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا، وإظهارًا). وقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الشدائد ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الطائعين. فوبّخَهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. وفي التنزيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]. وفيه كذلك: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل: ٦٣]. وقال في هذه الآيهْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. أي: إن الله وحده القادر أن ينجيكم من هذه الظلمات ومن كل كرب وهم وغم دون شفاعة أحد ولا عون، ثم أنتم بعد ذلك إذا رجعتم إلى الرخاء تشركون ولا تشكرون. قال القرطبي: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، مثل قوله في أول السورة: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلًا منه وهو الإشراك، فَحَسُنَ أن يُقَرَّعُوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة). وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ - فيه أقوال: ١ - قيل ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ عذاب السماء. ﴿ومن تحتكم﴾ الخسف في الأرض. قال السدي: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، عذاب السماء، ﴿أَوْ مِنْ

стр. 1333

تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فيخسف بكم الأرض). وكذا قال مجاهد: (الخسف). ٢ - وقيل: (معنى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح). ذكره سعيد بن جبير. ومعنى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسف والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب مدين. واختاره ابن جرير. ٣ - قيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الأمراء الظلمة، و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: السّفِلة وعبيد السوء. قال ابن عباس: (فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء). وفي رواية: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، يعني: من أمرائكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، يعني: سفلتكم). قلت: والراجح القول الأول وما في معنى القول الثاني، إذ عليه يدل السياق، وآيات التنزيل. قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩]. قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. يلبسكم: يَخْلِطَكُم من الالتباس. ﴿يَلْبِسُوا﴾ يخلِطوا. ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقًا. حدثنا حَمَّاد بن زيد بن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله ﷺ : أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : هذا أهْوَنُ- أو هذا أيْسَرُ] (١).

стр. 1334

وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. أي: أو يخلطكم فرقًا ويجعلكم ملتبسين شيعًا متناحرين متخالفين. وفيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواء والاختلاف). ٢ - قال مجاهد: (الأهواء المتفرقة). قال: (ما كان منكم من الفتن والاختلاف). ٣ - قال السدي: (يفرق بينكم). وقال ابن زيد: (الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا). وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: (يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب). وقال السدي: (بالسيوف). وقال مجاهد: (عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة). وقال نوف البكالي: (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعنون في خواصركم). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعدٍ عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أقبل ذاتَ يوم مِنَ العالية، حتى إذا مَرَّ بمسجد بني مُعاويةَ، دخَلَ فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّهُ طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال ﷺ : [سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألتُ ربي أَنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق فأعطانيها، وسألته أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بينهم فَمَنَعَنِيها] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن جابر بن عَتِيك أنه قال: [جاءنا عبد الله بن عُمَر في بني معاوية -قرية من قُرى الأنصار- فقال لي: هل تَدْرِي أين صَلّى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرتُ إلى ناحيةٍ منه، فقال: هل تدري ما الثلاثُ التي دعا بهنّ فيه؟ فقلت: نعم. فقال: فَأخبرني بهنَّ،

стр. 1335

فقلت: دعا بِأَلَّا يُظهرَ عليهم عَدُوًّا من غيرهم، ولا يُهْلِكَهُم بالسِنين فَأُعْطِيَهُما، ودَعا بألَّا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَها. قال: صَدَقْتَ، فلا يزال الهَرْجُ إلى يوم القيامة] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن شدّاد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال: [إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارِقَها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمَّتي سَيَبْلُغ ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيتُ الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ألَّا يُهلِكَ أمتي بِسنَةٍ بِعَامّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا فيهلكهم بِعَامَّةٍ، وألَّا يلبسَهُم شيعًا، وألا يذيق بعضَهم بأس بعض. فقال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدّ، وإني قد أعطيتُك لأمتك ألَّا أُهْلِكَهُم بسنةٍ بعامَةٍ، وألا أسلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممن سواهم فَيهلكِوهم بعامَّة، حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضُهم يقتل بعضًا، وبعضهم يَسْبي بعضًا. قال: وقال النبي ﷺ : وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المُضِلّين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يُرْفَع عنهم إلى يوم القيامة] (٢). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن معاذ بن جبل قال: [صلى رسول الله ﷺ يومًا صلاة، فأطال فيها، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلتَ اليوم الصلاةَ؟ قال: إني صليتُ صلاة رغبةٍ ورهبة، سألت الله لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وردَّ عليَّ واحدةً، سألتُه أن لا يُسَلّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غَرَقًا، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها عَلَيَّ] (٣). وفي رواية عند أحمد: (أن لا يبعث عليهم سنة تقتلهم جوعًا) بدل "غرقًا".
следующие страницы →