وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن هانيء بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ] (١).
٦٣ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابُ الله المتتابع لنبيّه ﷺ ، قل لهؤلاء المشركين بربهم -يا محمد-: من الذي ينجيكم إذا دخلتم في ظلمات سبل البر أو البحر وشعرتم بالخوف ومظنة الهلاك وتحيّرتم بهذا الضياع والضلال، إلا الله تعالى الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء، تدعونه استكانة سرًّا وجهرًا، لئن أنجيتنا يا رب من هذه لنخْلِصَنَّ لك الشكر والعبادة. قل لهم يا محمد: الله وحده القادر على نجاتكم وفرَجكم ثم أنتم بعد تَكَرُّمِه عليكم بالنجاة والفرج تشركون. إنه - جلت عظمته - هو القادر أن يعيدكم في الظلمات والأهوال مرة أخرى مقابل خيانتكم العهود والمواثيق وانتكاسكم مرة ثانية في أوحال الشرك، وأن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا متفرقة يقتل بعضكم بعضًا، فانظر يا محمد تتابع هذه الحجج والآيات على هؤلاء المشركين لعلهم يفقهون.
فقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.- قال قتادة: (يقول: من كرب البر والبحر).
قال القاسمي: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾، أي: شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، لمشاركتها في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد: يوم
стр. 1332
مظلم، ويوم ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه).
وقوله: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
قال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾ منكم إليه واستكانة وجهرًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا، وإظهارًا).
وقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
قال القرطبي: (﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الشدائد ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الطائعين. فوبّخَهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
وفي التنزيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣].
وفيه كذلك: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل: ٦٣].
وقال في هذه الآيهْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
أي: إن الله وحده القادر أن ينجيكم من هذه الظلمات ومن كل كرب وهم وغم دون شفاعة أحد ولا عون، ثم أنتم بعد ذلك إذا رجعتم إلى الرخاء تشركون ولا تشكرون.
قال القرطبي: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، مثل قوله في أول السورة: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلًا منه وهو الإشراك، فَحَسُنَ أن يُقَرَّعُوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ - فيه أقوال:
١ - قيل ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ عذاب السماء. ﴿ومن تحتكم﴾ الخسف في الأرض.
قال السدي: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، عذاب السماء، ﴿أَوْ مِنْ
стр. 1333
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فيخسف بكم الأرض). وكذا قال مجاهد: (الخسف).
٢ - وقيل: (معنى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح). ذكره سعيد بن جبير. ومعنى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسف والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب مدين. واختاره ابن جرير.
٣ - قيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الأمراء الظلمة، و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: السّفِلة وعبيد السوء.
قال ابن عباس: (فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء). وفي رواية: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، يعني: من أمرائكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، يعني: سفلتكم).
قلت: والراجح القول الأول وما في معنى القول الثاني، إذ عليه يدل السياق، وآيات التنزيل. قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩].
قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. يلبسكم: يَخْلِطَكُم من الالتباس. ﴿يَلْبِسُوا﴾ يخلِطوا. ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقًا. حدثنا حَمَّاد بن زيد بن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله ﷺ : أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : هذا أهْوَنُ- أو هذا أيْسَرُ] (١).
стр. 1334
وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾.
أي: أو يخلطكم فرقًا ويجعلكم ملتبسين شيعًا متناحرين متخالفين. وفيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواء والاختلاف).
٢ - قال مجاهد: (الأهواء المتفرقة). قال: (ما كان منكم من الفتن والاختلاف).
٣ - قال السدي: (يفرق بينكم). وقال ابن زيد: (الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا).
وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.
قال ابن عباس: (يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب).
وقال السدي: (بالسيوف). وقال مجاهد: (عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة). وقال نوف البكالي: (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعنون في خواصركم).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعدٍ عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أقبل ذاتَ يوم مِنَ العالية، حتى إذا مَرَّ بمسجد بني مُعاويةَ، دخَلَ فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّهُ طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال ﷺ : [سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألتُ ربي أَنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق فأعطانيها، وسألته أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بينهم فَمَنَعَنِيها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن جابر بن عَتِيك أنه قال: [جاءنا عبد الله بن عُمَر في بني معاوية -قرية من قُرى الأنصار- فقال لي: هل تَدْرِي أين صَلّى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرتُ إلى ناحيةٍ منه، فقال: هل تدري ما الثلاثُ التي دعا بهنّ فيه؟ فقلت: نعم. فقال: فَأخبرني بهنَّ،
стр. 1335
فقلت: دعا بِأَلَّا يُظهرَ عليهم عَدُوًّا من غيرهم، ولا يُهْلِكَهُم بالسِنين فَأُعْطِيَهُما، ودَعا بألَّا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَها. قال: صَدَقْتَ، فلا يزال الهَرْجُ إلى يوم القيامة] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن شدّاد بن أوس، أن رسول الله ﷺ قال: [إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارِقَها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمَّتي سَيَبْلُغ ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيتُ الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ألَّا يُهلِكَ أمتي بِسنَةٍ بِعَامّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا فيهلكهم بِعَامَّةٍ، وألَّا يلبسَهُم شيعًا، وألا يذيق بعضَهم بأس بعض. فقال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدّ، وإني قد أعطيتُك لأمتك ألَّا أُهْلِكَهُم بسنةٍ بعامَةٍ، وألا أسلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممن سواهم فَيهلكِوهم بعامَّة، حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضُهم يقتل بعضًا، وبعضهم يَسْبي بعضًا. قال: وقال النبي ﷺ : وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المُضِلّين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يُرْفَع عنهم إلى يوم القيامة] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن معاذ بن جبل قال: [صلى رسول الله ﷺ يومًا صلاة، فأطال فيها، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلتَ اليوم الصلاةَ؟ قال: إني صليتُ صلاة رغبةٍ ورهبة، سألت الله لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وردَّ عليَّ واحدةً، سألتُه أن لا يُسَلّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غَرَقًا، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها عَلَيَّ] (٣).
وفي رواية عند أحمد: (أن لا يبعث عليهم سنة تقتلهم جوعًا) بدل "غرقًا".
стр. 1336
ويبدو من مجموع هذه الأحاديث أن ذكر الغرق والسنة محفوظ في أصل الحديث، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
أي: انظر يا محمد كيف نبين لهم الحجج والدلالات ونفسر لهم الآيات لعلهم يفهمون مقصد هذه الحجج ويتدبرون آفاق هذه الدلالات وما يراد بها من بيان بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي والآثام.
٦٦ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.
في هذه الآيات: يتابع الله تعالى ذكره خطابه لنبيّه، فيقول: وكذب -يا محمد- قومك بما تخبر عن الله من الوحي وتنذر، قل لهم: لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، ولكل خبر مستقر ونهاية، فيظهر في آخر المطاف الحق من الباطل ويتميز الصدق من الكذب وسوف تعلمون. وإذا رأيت - يا محمد - المشركين المستهترين الذين يخوضون في الوحي وآيات التنزيل هزوًا ولعبًا فصدّ عنهم وجهك وإياك ومجالستهم، بل قم عنهم واعتزلهم حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم، وإن أنساك الشيطان أمرنا هذا باجتنابهم حالة سخريتهم ثم ذكرت ذلك فامتثل الأمر فوْرَ الذِّكرى ولا تقعد مع القوم الظالمين. ومن اتقى الله فعظم أوامره واجتنب نواهيه، وحصل أن جلس ولم يعرض عن مجلس هؤلاء المستهزئين فما عليه من تبعة إثمهم ما دام سخط ما كانوا عليه، ولكن الإعراض هو الأقرب للتقوى -وهو الذي سيستقر عليه الأمر- لعلهم يتقون.
فقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 1337
قال السدي: (كذبت قريش بالقرآن وهو الحق، وأما ﴿الوكيل﴾ فالحفيظ، وأما ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب).
وقال مجاهد: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، لكل نبأ حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم).
وقال ابن عباس: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة).
وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
أي: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء فاجتنب مجلسهم واعتزلهم، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فهو عام لجميع المؤمنين. قال القرطبي: (فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه).
قال مجاهد: (﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: هم الذين يستهزئون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام).
قال ابن العربي: (وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل).
وقال ابن خُوَيْزَ مَنْداد: (من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر، مؤمنًا كان أو كافرًا).
وقال السدي: (كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي ﷺ فسبوه واستهزؤوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).
قلت: وهذا النهي ينسحب اليوم على أهل الأهواء والبدع فلا يجلس معهم أثناء بدعتهم.
قال الفضيل بن عياض: (من جَلَسَ مع صاحبِ بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رَجَوْتُ أن يغفر الله له). وقال: (ومن زوّجَ كريمته من مُبْتدع فقد قطع رحمها).
وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات:
стр. 1338
[لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض] (١).
فقوله: "لعن الله من آوى محدثًا"، أي: مبتدعًا، وإيواؤه الرضا عنه، وحمايته عن التعرض له، واتخاذه جليسًا ونديمًا، وتقريبه وتوقيره.
وقوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير الذي فيه تكذيب واستهزاء وسخرية بالشريعة.
وقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال أبو مالك: (إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم) ذكره السدي عنه.
وفي التنزيل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. أي: لو تابعتم الجلوس بعد ورود النهي فقد أقررتموهم على استهزائهم فشاركتموهم في الإثم.
وكذلك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سلمة -يوم الحديبية والصلح- قال: [فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيتُ شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ ، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى ... ] الحديث (٢).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [من كان
стр. 1339
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن نافع، عن صَفِيّة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: [من أتى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عن شيء لم تُقْبَلْ له صلاةُ أربعين ليلة] (٢).
وله شاهد عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [من أتى عَرّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ].
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ - فيه أقوال:
١ - ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. قاله سعيد بن جبير.
٢ - بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير.
٣ - أي: إذا تجنّبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم.
قلت: والقول الثالث أقواها، أي: إن امتثلتم الاجتناب فاعتزلتم القوم الذين استطردوا بالخوض والاسْتهزاء بآيات الله، فما عليكم من حسابهم من شيء، وإن لم تفعلوا وتابعتم الجلوس فقد أشركتموهم في الإثم - كما قال تعالى في آية النساء: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. وبذلك تكون الآيتان منسجمتين إذ لا دليل على النسخ المزعوم.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه).
قلت: وهذا تفسير قوي منسجم مع السياق، ومع ما قبله، وقد ذكر ابن جرير نحوه
стр. 1340
عن السدي: (﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، يقول: إذا ذكرت فقم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم).
٧٠. قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
في هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ في متابعة خطابه: ذر يا محمد هؤلاء الذين حوّلوا علاقتهم بدينهم إلى اللهو واللعب والاستهزاء، وقد اغتروا بزينة هذه الحياة الدنيا فألهتهم وفتنتهم وأنستهم الموت والسؤال والعذاب، وذكرهم بهذا القرآن وما فيه من الوعيد فلا تبسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار فتحبس وتسلم للعذاب، ثم لا يقبل من أي نفس أبسلت يومئذ ولو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به من الشراب الحميم والعذاب الأليم، الذي أعدّ للذين أبسلوا بما كسبوا من الآثام وكانوا يكفوون.
فقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.
أي: دعهم واعتزلهم فإنهم بذلك على خَطر عظيم.
قال القرطبي: (أي: لا تعلّق قلبك بهم فإنهم أهل تَعنّت وإن كنت مأمورًا بِوَعْظِهم).
وقال النسفي: (﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ سخروا به واستهزؤوا).
وقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
أي: انحصر اهتمامهم وعلمهم بهذه الحياة الفانية وزينتها.
وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾.
أي: بالقرآن أو الحساب أو الموقف يوم الحسرة والندامة.
стр. 1341
وقوله: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.
المعنى كما قال ابن كثير: (لئلا تُبْسَل). وقال ابن جرير: (أن لا تبسل). فحذفت لا، لدلالة الكلام عليها، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. أي: أن لا تضلوا، أو كي لا تضلوا. وفي معنى ﴿تبسل﴾ أقوال متكاملة:
١ - قال ابن عباس: (تُفضح).
٢ - قال عكرمة والحسن ومجاهد: (تبسل: تُسْلَم).
٣ - قال قتادة: (تُحْبَس).
٤ - وقال مُرّة وابن زيد: (تؤاخذ).
٥ - وقال الكلبي: (تجازى).
وكلها أقوال متقاربة متكاملة في بيان المعنى، مفادها كما قال القاسمي: (مخافة أن تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها، وغرورها بإنكار الآخرة).
وأصل الإبسال المنع. يقال: أبسله لكذا: عرضه ورهنه، أو أسلمه للهلكة. قال الرازي: (أبسله: أسلمه للهلكة).
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
قال النسفي: (﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ ينصرها بالقوة، ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفع عنها بالمسألة). قال: والمعنى: (وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة وليًّا وشفيعًا بكسبها).
وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.
قال قتادة: (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها).
وقال السدي: (فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قبل منها).
وقال ابن زيد: (﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾، وإن تفتد، يكون لهُ الدنيا وما فيها يفتدي بها، ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾، عدلًا عن نفسه، لا يقبل منه).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا
стр. 1342
وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
أي: هؤلاء المشار إليهم الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وأسلموا للهلاك ولا ناصر ولا شفيع، إنما أسلموا إلى العذاب والهلاك بسبب اغترارهم بهذه الحياة الدنيا، وإنكارهم الحساب في الآخرة، والانهماك في الشهوات المحرمة واستباحتها.
قال القاسمي: (﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. أي: ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعاؤهم، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: بنار تشعل بأبدانهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم).
٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلت عظمته لنبيه ﷺ قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين إفراد الله تعالى بالتعظيم، العادلين بربهم الأوثان والأنداد، الداعين لك إلى عبادة آلهتهم والأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا أو خلقًا آخر ضعيفًا لا يملك القدرة على جلب منفعة أو دفع مضرة، ونترك عبادة الله الواحد الأحد الصمد الذي بيده النفع والضر والحياة والموت والعز والذل، ونرد على أدبارنا منتكسين لم نظفر بحاجتنا ولم تجب دعوتنا، بعد أن لمسنا عز الهداية وأُنْسَ القرب من الله، فنكون في هذا التدلي كالرجل استتبعه الشيطان فهو يمضي في الحياة حيران، له أصحاب على الحق واستقامة المنهج ينادونه إلى الامتثال وسلوك سبيل النجاة، وهو يأبى ذلك ويهوي في ضلاله. قل يا محمد لهؤلاء المتخبطين في منهاجهم ذلك: إن طريق الله هو الهدى وأمرنا بلزومه
стр. 1343
فهو ينقلنا إلى شاطئ السلامة ودار النعيم والأمن والقرار. وَأُمِرْنا بإقامة الصلاة والتزام تقوى الله فإليه المرد والمآل ويحشر الناس إليه جميعًا. إنه وحده - جلت عظمته - الذي خلق السماوات والأرض بالحق والعدل الذي هو إفراده سبحانه بالتعظيم والعبادة، والأمر يومئذ قوله كن فيكون، فقوله الحق وله السلطان ولا يشاركه أحد في الآخرة بأمر أو سلطان، فقد انقطع سلطان كل ذي سلطان يوم ينفخ في الصور، ولم يبق إلا أمر الواحد القهار عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير.
فقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية.
قال السدي: (قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، ﷺ .
فقال الله تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، هذه الآلهة، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض. يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: "ائتنا، فإنا على الطريق"، فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام) - ذكره ابن جرير.
ثم روى عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالًا، إذ ناداه مناد: "يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق"، وله أصحاب يدعونه: "يا فلان، هلم إلى الطريق"! فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق).
وعن مجاهد: (في قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، قال: الأوثان).
وعن قتادة: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: أضلته في الأرض حيران).
وقال مجاهد: (رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدي، وقال: (هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب).
стр. 1344
وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إلى قوله: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال قتادة: (علمها الله محمدًا وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ .. ﴾ [الزمر: ٣٧].
وكقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه، لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة).
وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: وأمرنا -تعالى ذكره- أن أقيموا الصلاة.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾.
قال ابن كثير: (أي: وَأُمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: يوم الحشر، يوم الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾.
قال القرطبي: (أي: فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بكلمة الحق. يعني قوله: ﴿كُنْ﴾).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.
قال القاسمي: (بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله وأمره هو النافذ والواقع. والمراد بـ (القول) كلمة ﴿كُنْ﴾ تحقيقًا أو تمثيلًا).
والتقدير: واذكر يوم يقول كن. أو اتقوا يوم يقول كن، أو قدّر يوم يقول كن. ذكره القرطبي. فيكون ﴿يَوْمَ﴾ قد نُصِبَ على العطف على قوله ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ - أي: اتقوا يوم يقول كن فيكون. أو على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ - أي: وخلق يومَ يقول كن فيكون.
стр. 1345
وإما على إضمار فعل تقديره اذكر - أي: واذكر يوم يقول كن فيكون. ذكره ابن كثير. قلت: وكلها من وجوه الإعجاز القرآني يحتملها السياق وتفيد في بسط المعنى وآفاق مفهومه.
وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.
قال النسفي: (والمعنى: أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي: لا يكون شيئًا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصّور؟ قال: قَرْنٌ ينفخ فيه] (١).
فالصور هو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ حين يأخذ الأمر من ربه . كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
وكما قال - جلت عظمته -: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
يروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و ﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (٣). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبتُ البقلُ.
стр. 1346
قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (١)، ومنه يُركب الخلق يوم القيامة] (٢).
فإذا تذكر المسلم هول ذلك اليوم ونفخة الصور قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فقد أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إما أن يكون بدلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أو أن يكون ظرفًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كما قال جل ذكره: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وكقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
قال ابن عباس: (يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور).
والراجح أن ﴿عَالِمُ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ خلق السماوات والأرض. أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو".
والتقدير: أي وهو الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب. واختاره شيخ المفسرين، وكذلك الإمام القرطبي.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
أي: الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بأعمال عباده وأعمارهم ومستقبلهم بين يديه. قال النسفي: (﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في الإفناء والإحياء. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالحساب والجزاء).
стр. 1347
٧٤ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.
في هذه الآيات: يتابع الله سبحانه في ذكر براهين الحق وحجج الدلالة والحكمة ليواجه نبيه ﷺ خصومه المنكرين الجاحدين المشركين - واذكر يا محمد خليلي إبراهيم إذ قال لأبيه آزر معيبًا عليه اتخاذ الأوثان آلهة من دون الله، ومنكرًا عليه وعلى قومه باطل ما هم مقيمون عليه من الضلال في العبادة: كيف تعبد - يا أبت - هذه الأصنام وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك وسَوّاك ورزقك. وكذلك - يا محمد - نُبَصِّرُ - إبراهيم في دينه، ونريه الحق في ملكوت السماوات والأرض ليكون أحسن العابدين المؤمنين. فلما واراه الليل وغيّبه أبصر كوكبًا حين طلع فقال هذا ربي، فلما زال وقد علم أن ربه دائم لا يزول قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر قد طلع وسطع قال هذا ربي فلما ذهب قال لئن لم يمنّ الله عليّ بهدايته لأكونّن من الذين أخطؤوا طريق الحق والهدى، وعبدوا غير الله. فلما رأى الشمس طالعة قال هذا الطالع ربي، هذا أكبر من الكوكب والقمر، فلما غابت قال إبراهيم لقومه إني بريءٌ من عبادة الأوثان والأصنام وهذه المخلوقات الزائلة، بل وجهت وجهي في عبادتي للذي خلق السماوات والأرض وهو الحي لا يموت ولا يزول ولا يفنى، مخلصًا له الدين وما أنا من المشركين.
فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾.
قال السدي: (اسم أبيه آزر).
وكذلك قال محمد بن إسحاق: (﴿آزَرَ﴾ أبو إبراهيم).
стр. 1348
قلت: ولا عبرة بكلام آخر غير هذا، فالقرآن صرّح باسم والد إبراهيم ﵊ أنه ﴿آزَرَ﴾، وكذلك صرّحت السنة الصحيحة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
[يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافريق. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار] (١).
وقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾.
أي: تتأله لصنم تصرف له العبادة من دون الله.
وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
أي: إني أراك والقوم السالكين دربك وطريقتك في العبادة تائهين ضالين جائرين عن الحق وعن قصد السبيل.
وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨].
قال ابن كثير: (فكان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه مُدَّةَ حياته، فلما مات على الشرك وتبيّن إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له، وتبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]).
стр. 1349
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القاسمي: (أي: نطلعه على حقائقهما، ونبصره في دلالتهما على شؤونه ، من حديث إنهما بما فيهما، مربوبان ومملوكان، له تعالى. و ﴿الملكوت﴾ مصدر على زنة المبالغة، كالرَّهَبوت والجبروت، ومعناه: الملك العظيم، والسلطان القاهر. وقيل: ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].
وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
قال النسفي: (فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عيانًا كما أيقن بيانًا).
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾
أي: ستره بظلمته. قال ابن جرير: (وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: "قد جَنَّ"). ومنه الجَنّة والجِنّة والجُنّة والجَنين والمِجَنّ والجن كله بمعنى الستر. قال القرطبي: (وجَنان الليل ادلهمامُه وستره).
قال: (ويقال: جنون الليل أيضًا. ويقال: جَنّه الليل وأجَنّه الليل، لغتان).
والمقصود: فلما أظلم الليل على إبراهيم ﵊ وستره بظلامه ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. أي: نجمًا، والكوكب لغة النجم.
وفي قوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾.
قال النسفي: (أي: الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئًا منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثًا أحدثها ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها).
стр. 1350
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
قال القاسمي: (إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولًا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم).
قال الزمخشري: (قول إبراهيم ذلك، هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قولَهُ كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغَب. ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. أي: غاب. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. قال قتادة: (علم أنَّ ربه دائم لا يزول).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾. أي: طالعًا منتشر الضوء. وبزغت الشمس إذا طلعت، وكذلك القمر.
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. على الأسلوب المتقدم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. قال ابن جرير: (أي: من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله).
قال النسفي: (نبّه قومه على أن من اتخذ القمر إلهًا فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال، لأن الاحتجاج به أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾.
فنصب قوله ﴿بَازِغَةً﴾ على الحال، لأن هذا من رؤية العين. وفي لغة العرب: بزغ وأفل متضادان. بزغ يَبْزُغ بُزوغًا إذا طلع، وأفلَ يأفِلُ أفولًا إذا غاب.
قال الكسائي: (﴿هَذَا رَبِّي﴾ على معنى: هذا الطالع ربي). وقيل: هذا الضوء.
قال القرطبي: (وقال: ﴿هَذَا﴾ والشمس مؤنثة، لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. فقيل: إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعِظمها، فهو كقولهم: رجل نَسّابة وعلّامة).
وقال ابن جرير: (﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. أي: غابت. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
стр. 1351
قال ابن كثير: (فلما انتفتِ الإلهيّة عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنورُ ما تقعُ عليه الأبصارُ، وتحقَّق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾، أي: أنا بريء من عبادتهنَّ وموالاتهنَّ، فإن كانت آلهةً فكيدوني بها جميعًا ثم لا تُنْظرون).
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: إنما أتوجه بالعبادة وكمال التعظيم لخالق هذه الموجودات والأشياء ومخترعها ومسخّرها ومقدّر أمورها ومدبر أحوالها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وكل شيء في هذا الكون فقير إليه محتاج إلى قوته وقيوميته وتدبيره وتصريفه.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].
وفي التنزيل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل].
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
وقد أثنى الله سبحانه على إبراهيم ﵊ في غير ما موضع في القرآن:
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
стр. 1352
وقال تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾
أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وأول من يُكْسى يوم القيامة إبراهيم] (١).
وفي صحيح البخاري أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: [أن النبي ﷺ لما رأى الصُّورَ في البيت لم يدخل حتى أمرَ بها فمُحِيَتْ، ورأى إبراهيم وإسماعيلَ ﵉ بأيديهما الأزلامُ فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط] (٢).
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾.
أي: مائلًا عن الأديان الباطلة، والتصورات الزائفة الزائغة، إلى الحق القويم، دين رب العالمين، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كل مولود يولد على الفِطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء] (٣).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حِمار قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : إني خلقت عبادي حُنَفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم] (٤).
стр. 1353
٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول سبحانه: وجادل إبراهيم قومه في إفراده الله سبحانه بالتعظيم وبراءته من أصنامهم، وكانوا يزعمون أن آلهتهم خير من إلهه، فقال: أتجادلونني في توحيد الله الواحد الأحد الصمد وقد وفقني برحمته لمعرفة توحيده وإفراده بالعبادة والتعظيم، ولا أخاف آلهتكم التي تدعونها فما تملك لي ضرًا ولا نفعًا، بل خوفي من الله الذي بيده النفع والضر، والرزق والضيق أو النقصان. ثم كيف أرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم وهو مخلوق ضعيف لا يملك ضرًا ولا نفعًا وأنتم لا تخافون الله الواحد القهار الذي دان له الكون بكل ما فيه، فمن الذي هو أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. إن المؤمنين الصادقين في توحيد ربهم وتعظيمه أحق بالأمن، فالأمن أمن الإيمان، والهلاك في الشرك وأهله، وهذه بعض حججنا علمناها إبراهيم ﵊ ليواجه بقوارعها بهتان قومه وعنادهم، نختار للمعالي والدرجات من نشاء من عبادنا، إن الله حكيم - حيث يضع رسالته، عليم بقلوب وأفعال عباده.
فقوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾.
قال ابن جريج: (﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: دعا قومُه مع الله آلهة، وخوّفوه بآلهتهم أن يُصيبَهُ منها خَبَل، فقال إبراهيم: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: قد عرفت ربي، لا أخاف ما تشركون به).
قال ابن جرير: (﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض، فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو
стр. 1354
بقاءٍ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك، نالني به, لأنه القادر على ذلك. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول: وعلم ربي كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، لأنه خالق كل شيء، ليس كالآلهة التي لا تضر ولا تنفع ولا تفهم شيئًا، وإنما هي خشبة منحوتة، وصورة ممثلة، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول: أفلا تعتبرون، أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون، من عبادتكم صورة مصوّرة وخشبة منحوتة، لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، وترككم عبادة من خلقكم وخلق كل شيء، وبيده الخير، وله القدرة على كل شيء، والعالم بكل شيء).
وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾.
قال محمد بن إسحاق: (يقول: كيف أخاف وثنًا تعبدون من دون الله لا يضر ولا ينفع، ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع، وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع).
وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن جريج: (أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ ).
قال محمد بن إسحاق: (يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبر، ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه).
قال مجاهد: (قول إبراهيم حين سألهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، هي حجة إبراهيم ﷺ ).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: (أي: الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم ﷺ لعبادة الله وتوحيده, ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، الأمن من العذاب، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة).
وقال ابن زيد: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال بِشرك. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فأما الذنوب فليس يبرأ منها أحد).
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
стр. 1355
بِظُلْمٍ﴾، قال أصحابه: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] (١).
وأخرج الإمام مُسلم في صحيحه عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله قال: [لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيّنا لا يظلمُ نَفْسَهُ؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس هو كما تَظُنُّون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]] (٢).
وفيِ لفظ أحمد: [إنه ليسَ الذي تعنُون! ألم تسمعوا ما قال العبدُ الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، إنما هو الشرك].
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.
قال مجاهد: (قال إبراهيم حين سأل: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾؟ قال: هي حجة إبراهيم، وقوله: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، يقول: لقناها إبراهيم وبصَّرناه إياها وعرَّفناه).
وقرأ قراء الكوفة: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، في حين قرأها قراء الحجاز والبصرة: ﴿نرفع درجاتِ مَنْ نشاء﴾. وهما قراءتان مشهورتان متقارب معناهما. قال ابن جرير: (وذلك لأن من رفعت درجته، فقد رفع في الدرج، ومن رفع في الدرج، فقد رفعت درجته. قال: فمعنى الكلام إذن: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، فرفعنا بها درجته عليهم، وشرّفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا فآتيناه فيها أجره، وأما في الآخرة، فهو من الصالحين، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، أي: بما فعل من ذلك وغيره).
وفي الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون
стр. 1356
إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم .. ] الحديث (١).
وقال القرطبي: (﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بالعلم والفهم والإمامة والملك). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
قال القاسمي: (﴿حَكِيمٌ﴾ في رفعه وخفضه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بحال من يرفعه واستعداده له).
وقال شيخ المفسرين: (إن ربك، يا محمد، ﴿حكيم﴾، في سياسته خلقَه، وتلقينه أنبياءَه الحجج على أممهم المكذبة لهم، الجاحدة توحيد ربهم، وفي غير ذلك من تدبيره, ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم، من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم، وهلاكهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله، والرجوع إلى طاعته).
٨٤ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.
في هذه الآيات: اختصاصُ الله سبحانه إبراهيم ﵊ بذرية فيها النبوة، منهم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب، هديناهم لسبيل الرشاد، كما هدينا
стр. 1357
نوحًا لذلك من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن. كما هدينا أيضًا من ذرية نوح إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وفضلناهم على العالمين. كما هدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم أمة اخترناها لهذا الدين، وهذا الهدى توفيق الله ولطفه بمن يشاء من عباده، ولو أشرك هؤلاء الأنبياء لبطل ما كانوا يعملون ولذهب جزاء ما كانوا يتقربون. وهؤلاء الذين سميناهم من الأنبياء والرسل قد آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها قومك يا محمد، فقد استحفظناها أولئك الرسل والأنبياء ومن سار معهم على هداهم وما كانوا بها كافرين، وهؤلاء الذين هدى الله من إخوتك الأنبياء والرسل قبلك يا محمد موضع القدوة والأسوة في أمة الدعوة من الخلق أجمعين، فامض على منهاجهم واصبر على إقامة الحق والدين في الأرض، وأخبر قومك أنك لا تريد بهذا البلاغ عوضًا فما هو إلا ذكرى للعالمين.
فقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾.
قال ابن كثير: (يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طَعَنَ في السنِّ، وأيس هو وامرأته "سارّة" من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبَشَّروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعَقِبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، أي: ويولد لهذا المولود ولدٌ في حياتكما، فتقرّ أعينكما به كما قَرَّتْ بوالده، فإن الفَرَح بِوَلَدِ الولدِ شديدٌ لبقاء النَّسل والعَقِب. ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يُتَوهَّم أنه لا يُعْقَبُ لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم "يعقوب"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاةً لإبراهيم ﵇ حين اعتزل قومه وترَكهم، ونزَحَ عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوّضه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صُلْبِه على دينه، تَقَرُّ بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]. وقال ها هنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾).
стр. 1358
وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: وفقناه إلى اتباع منهج الحق قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال القاسمي: (﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله، هديناه كما هديناه. وعدّ هداه نعمة على إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد). قال ابن كثير: (كل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح ﵇ فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا مَن آمن به، وهم الذين صَحِبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح وكذلك الخليل إبراهيم ﵇، لَمْ يبعث الله بعده نبيًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]).
أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في "الأسماء"، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: [إن نبيّ الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ: "لا إله إلا الله" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كنّ حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا، قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس] (١).
وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فيه قولان:
стр. 1359
القول الأول: وهدينا من ذريته - أي: من ذرية نوح ﷺ هؤلاء الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.
قال ابن جرير: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾، من ذكر نوح. وذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومعلوم أن لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين. قال: ولكنه من ذرية نوح).
القول الثاني: وهدينا من ذريته - أي: ذرية إبراهيم ﷺ هؤلاء الرسل الكرام.
قال ابن عباس: (هؤلاء الأنبياء جميعًا مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم مَنْ لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم، لأن لوطًا ابن أخي إبراهيم).
والعرب تجعل العمّ أبًا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل عمُّ يَعْقوب.
قال القرطبي: (وعدّ عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت. فأولاد فاطمة ﵂ ذريّة النبي ﷺ . وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد. قال أبو حنيفة والشافعي: من وَقَفَ وقفًا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا).
قلت: وفي السنة الصحيحة ما يدل على هذا:
فقد أخرج البخاري من حديث أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن علي: [إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله أن يُصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين] (١).
قال ابن كثير: (وعود الضمير - في ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى ﴿نوح﴾ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعودُه إلى ﴿إبراهيم﴾ لأنه الذي سيقَ الكلام من أجله حَسَن، لكن يشكل على ذلك ﴿لوط﴾، فإنه ليس من ذرية ﴿إبراهيم﴾، بل هو ابن أخيه ماران بن آزَرَ، اللهم إلا أن يُقَالَ: إنه دخل في الذريَّة تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
стр. 1360
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبًا. وكما في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ. .﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذُمَّ على المخالفة، لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل فيهم تغليبًا، وإلا فهو كان من الجِنّ وطبيعته من النار والملائكة من نور).
قلت: وكلا المعنيين حق، ويحتملهما السياق، وإعجاز البيان الإلهي الكريم.
و(داود): هو داود بن إيشا. و (سليمان) هو ابنه: سليمان بن داود. و (أيوب): هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. و (يوسف): هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و (موسى): هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. و (هرون): هو أخو موسى.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال النسفي: (ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف).
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضًا لمثل الذي هدينا له نوحًا من الهدى والرشاد من ذريته: زكريا بن إدُّو بن برخيَّا، ويحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا). ثم ذكر قولين في إلياس:
١ - كان ابن إسحاق يقول: هو إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران، ابن أخي موسى نبيّ الله ﷺ .
٢ - وكان غيره يقول: هو إدريس. فعن عبد الله بن مسعود قال: ("إدريس" هو "إلياس"، و"إسرائيل"، هو "يعقوب") - ذكره بسنده إليه.
ثم قال شيخ المفسرين: (وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون: "إدريس"، جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، و"أخنوخ" هو "إدريس بن يرد بن مهلائيل". وكذلك روي عن وهب بن منبه، والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب. وذلك أن الله تعالى ذكره نسب "إلياس" في هذه الآية إلى "نوح"، وجعله من ذريته، و"نوح" ابن "إدريس" عند أهل العلم، فمحال أن يكون جدّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته).
стр. 1361
وقوله: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يعني هؤلاء الرسل الكرام: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾.
المعنى: وكذلك هدينا أيضًا من تلك الذرية ﴿إسماعيل﴾، وهو: إسماعيل بن إبراهيم، ﴿واليسع﴾، وهو: اليسع بن أخْطُوب بن العجوز، كما ذكر ابن جرير.
قال القرطبي: (وتوهّم قوم أن اليسع هو إلياس، وليس كذلك، لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى). وقيل: إلياس هو الخضر، وقيل: بل اليسع هو الخضر، والله تعالى أعلم.
﴿ويونس﴾: هو يونس بن متى. ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: على عالم أزمانهم.
وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾.
يعني: وهدينا كذلك مما لم نذْكر آخرين سواهم من آباء مَنْ سمَّيْنا، وكذلك من ذرياتهم وإخوانهم، هديناهم للحق والدين الخالص ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. قال مجاهد: (أخلصناهم).
وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وهو الدين الحق الذي ارتضاه الله للأنبياء والرسل والعباد.
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
أي: هذا التسديد والتوفيق لطاعة الله على منهاج الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما هو شرف يؤتيه الله من يشاء من عباده، واصطفاء واجتباء منه سبحانه، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعرف بقلوب عباده وحبهم له ولطاعته وإقامة دينه كما قال جل ذكره: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
تحْذيرٌ من مغبة الشرك وتَغْليظٌ لأمره. وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله تعالى: (﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. وكقوله
стр. 1362
جل ذكره: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧].
فالمعنى: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سمّاهم ربهم فعبدوا معه غيره، لبطل ثواب عملهم ولذهب الأجر وكان الهلاك. ولكنهم لم يفعلوا فقد كانوا خير البشر بحق، واستحقوا الاصطفاء بصدق، فليحذر مغبة الشرك أقوامهم ومن جاء بعدهم من أمة الخلق. فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته] (١).
ورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٢).
ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٣).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
يعني الفهم بالكتاب، وَفِقْهَ ما فيه من الأحكام والشرائع، واصطفاء مقام النبوة. والحديث عن الأنبياء والرسل الذين مضى ذكرهم والثناء عليهم، فقد قاموا بمهمة النبوة والحكم بمنهاج الوحي أحسن قيام - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: إن يكفروا بالقرآن). والمعنى: فإن يكفر - يا محمد - هؤلاء المشركون من قومك. قال قتادة: (أهل مكة).
وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾
قال قتادة: (أهل المدينة) - يعني الأنصار الذين استجابوا لله والرسول وحرسوا هذا الدين مع إخوانهم من المهاجرين. قال السدي: (إن تكفر بها قريش، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾
стр. 1363
الأنصار). قال ابن كثير: (أي: إن يكفر بهذه النعم (١) من كَفَرَ بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عَرَبٍ وعجم، ومِلّيين وكتابيِّين، فقد وكلنا بها قومًا آخرين، يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة, ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، أي: لا يجحدون شيئًا منها، ولا يَرُدّون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: مُحْكَمِها ومُتَشَابهها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه وإحسانه).
وقيل: المقصود: الملائكة. وقيل بل المقصود: الأنبياء الثمانية عشر. واختاره ابن جرير.
قلت: والراجح ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير، من أن المقصود مَنْ يحملُ رسالة النبي محمد ﷺ من أمته بعد استكبار كفار قريش وبعض العرب والملل عن ذلك، فيشمل المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم ومضى على منهاجهم إلى يوم الدين، من جماعة الحق وطائفة المؤمنين حفظة هذا الدين.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا من سرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (٢).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
قال ابن عباس: (ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾).
والمعنى: هؤلاء أهل الهداية والمراتب الرفيعة عند الله - يا محمد - من إخوتك الأنبياء الذين سبقوك وكانوا على منهاج الحق والنبوة، فاقتد بهم في الطريق والمنهج فإن دين الأنبياء والمرسلين واحد.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني سُليمان الأحْوَلُ: [أن
стр. 1364
مجاهدًا أخْبَرَهُ: أنَّه سألَ ابن عباس أفي ﴿ص﴾ سَجْدَةٌ؟ فقال: نَعَمْ، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم.
زاد يزيدُ بنُ هارون، ومحمدُ بن عُبَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ يوسفَ عن العَوَّام، عن مجاهد: قُلْتُ لابن عباس، فقال: نبيّكم ﷺ مِمَّن أمِرَ أَنْ يُقْتَدي بهم] (١).
وقوله: ﴿هو منهم﴾، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٩٥): (أي: داود ممن أُمِرَ نبيكم أن يقتدي به). ومراد ابن عباس - كما ذكر أهل العلم - إثبات سنية السجود في سورة ﴿ص﴾ إذ سجد داودُ ﵇.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علّات (وفي رواية: الأنبياء إخوة من علات)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).
وبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى، لذلك أمرنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة عليهم كما نصلي عليه.
فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (٣).
وله شاهد عند ابن عساكر بسند حسن عن وائل بن حجر ولفظه: [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت].
فربط الله تعالى منهاج نبينا محمد ﷺ بمنهاج إخوته الأنبياء قبله، وأمرنا بالصلاة عليهم كلما ذكرناه وصلينا عليه، فإنهم قد بعثوا جميعًا بدين واحد ومنهج واحد فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 1365
وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
أي: لا أطلب منكم على القرآن جُعْلًا ولا أجرة ولا مالًا، بل هو موعظة للخلق، فمن شاء استفاد من هذه الذكرى واتعظ وتهيأ ليوم المعاد، ودافع الكفر بالصدق واليقين والإيمان.
٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلت عظمته: وما عظموا الله حق تعظيمه، وما أَجَلُّوه حق إجلاله، حين قالوا ما أنزل الله على آدمي كتابًا ولا وحيًا! فقل يا محمد - لمشركي قومك -: من أنزل التوراة جلاءً وضياء وبيانًا للناس يجعلها حملتُها قراطيس - أي: قِطعًا - يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرِّفون فيها ويبدلون ويغيرون ويقولون كذبًا هذا من عند الله، ثم قل لهم يا محمد: ومَنْ أنزل القرآن الذي علَّمكم الله فيه خبر الأمم التي سبقتكم، وأنبأكم فيه ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم؟ ! قل الله أنزله بعلمه ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يتخبطون ويلعبون. وهذا القرآن كتاب مبارك أنزله الله سبحانه وختم به الكتب من عنده مصدقًا لما قبله ولتنذر به مكة وما حولها من أحياء العرب وسائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، وكل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب ويحافظ على الصلاة وسائر الفرائض من شعائر هذا الدين.
فقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قال ابن عباس: (ما آمنوا أنه على كل شيء قدير). وقال الحسن: (ما عظموه حق عظمته).
قال القرطبي: (وشرحُ هذا أنهم لما قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسبوا الله إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح، فلم
стр. 1366
يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته). وقال أبو عبيدة: (أي: ما عرفوا الله حق معرفته).
قلت: والخطاب في الآية لقريش، كما قال ابن عباس: (يعني مشركي قريش). وقيل لليهود، والأول أرجح. وبه قال ابن جرير، ورجحه كذلك ابن كثير، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما قريش فقد حكى الله ذلك عنهم:
قال تعالى في سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾.
وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾.
فقد حاجَّهم سبحانه بقضية معروفة يَعْلمونها هُمْ نتيجة صلتهم ومعاملتهم لليهود، ويعلمها كل أحد، أن التوراة كتاب من عند الله أنزله على موسى ليستضاء به في كشف الشبهات والظلمات ومحو الجهالات التي كانت في حياة بني إسرائيل.
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
فيه قراءتان:
القراءة الأولى: ﴿يَجعلونه قراطيس يُبْدونها ويخفون كثيرًا﴾ بالياء. وهي قراءة مجاهد.
فالمعنى: أن اليهود كانوا يجعلون التوراة في قراطيس يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ويبدلون حسب الأهواء والمصالح، حتى أخفوا ما جاء فيها من إثبات نبوة محمد ﷺ ووجوب متابعته والإيمان معه.
القراءة الثانية: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
والمعنى، كما قال القاسمي ﵀: (فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء - حكاه الخفاجيّ - وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضًا لهم بأن إنكارهم إنزال الله تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان).
стр. 1367
قلت: وكلا المعنيين حق يحتمله السياق، ويقتضيه البيان الإلهي، فإن كانت هذه الآية مدنية دون سائر السورة، وعني بالخطاب اليهود، كان التأويل واضحًا وسهلًا.
وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ومَن أنزل القرآن الذي عَلَّمَكُم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تَعْلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم. وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين).
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.
قال ابن عباس: (أي: قلُ: الله أنزله).
وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. تهديد ووعيد.
قال القاسمي: (أي: يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجرّ لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضررًا، مع تضييع الزمان).
والمقصود: اتركهم واعتزلهم حتى يأتيهم - وهم في غمرة ضلالهم وجهلهم - اليقين من الله، وحتى يوقنوا ويعاينوا لمن ستكون العاقبة أللمتقين أم للجاحدين المستهزئين.
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
أي: وهذا القرآن كتاب من الله تعالى أنزله مباركًا مصدقًا ما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها، وناسخًا لما سلفه من الشرائع السابقة بأحكام استقرت إلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد يجحد بهذا الكتاب وَلَوْ آمَنَ بكل الكتب السابقة.
وعن ابن عباس: (يعني بـ: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة, ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من القرى إلى المشرق والمغرب).
وقال قتادة: (﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ , مكة, ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، الأرض كلها). وقال: (بلغني أن الأرض دُحِيَت من مكة).
قلت: وأم كلّ شيء وسطه ومركزه وأصله - هكذا في كلام العرب - ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض.
والخلاصة: لتنذر - يا محمد - أهل مكة - ومن حولها من أحياء العرب وقبائلهم وكذلك من سائر طوائف بني آدم عربهم وعجمهم، فالكل داخل تحت بلاغ هذا النبي ﷺ ونذارته.
стр. 1368
قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. . .﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال جل ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: [أعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ - بالرعب مسيرةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجل من أمَّتِي أدركتْهُ الصلاةُ فليصلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصّةً وبُعثت إلى الناس عامة] (١).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
المعنى: إن كل مَنْ صَدّق بالآخرة خاف الوعيد الذي سينزل بمن كذب بهذا القرآن وهذا النبي - عليه الصلاة السلام - فيحمله هذا الخوف - ولا بد - على الإيمان واليقين، والمحافظة على الصلاة عمود هذا الدين. قال النسفي: (خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهرًا).
وقال القاسمي: (وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرًا).
وقال الرازي: (ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة]. أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال ﵊: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر (٢). فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام).
أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: أأي: يحافظون على مواقيتها).
ولا شك أن المحافظة عليها تشمل أيضًا المحافظة على أركانها وواجباتها ووضوئها وركوعها وسجودها وخشوعها، فهي عنوان التزام العبد بهذا الدين وَعَلَمُهُ وعمودُه.