← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته). وقال أبو عبيدة: (أي: ما عرفوا الله حق معرفته). قلت: والخطاب في الآية لقريش، كما قال ابن عباس: (يعني مشركي قريش). وقيل لليهود، والأول أرجح. وبه قال ابن جرير، ورجحه كذلك ابن كثير، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما قريش فقد حكى الله ذلك عنهم: قال تعالى في سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾. وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾. فقد حاجَّهم سبحانه بقضية معروفة يَعْلمونها هُمْ نتيجة صلتهم ومعاملتهم لليهود، ويعلمها كل أحد، أن التوراة كتاب من عند الله أنزله على موسى ليستضاء به في كشف الشبهات والظلمات ومحو الجهالات التي كانت في حياة بني إسرائيل. وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾. فيه قراءتان: القراءة الأولى: ﴿يَجعلونه قراطيس يُبْدونها ويخفون كثيرًا﴾ بالياء. وهي قراءة مجاهد. فالمعنى: أن اليهود كانوا يجعلون التوراة في قراطيس يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ويبدلون حسب الأهواء والمصالح، حتى أخفوا ما جاء فيها من إثبات نبوة محمد ﷺ ووجوب متابعته والإيمان معه. القراءة الثانية: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾. والمعنى، كما قال القاسمي ﵀: (فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء - حكاه الخفاجيّ - وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضًا لهم بأن إنكارهم إنزال الله تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان).

стр. 1367

قلت: وكلا المعنيين حق يحتمله السياق، ويقتضيه البيان الإلهي، فإن كانت هذه الآية مدنية دون سائر السورة، وعني بالخطاب اليهود، كان التأويل واضحًا وسهلًا. وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ومَن أنزل القرآن الذي عَلَّمَكُم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تَعْلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم. وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين). وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس: (أي: قلُ: الله أنزله). وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. تهديد ووعيد. قال القاسمي: (أي: يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجرّ لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضررًا، مع تضييع الزمان). والمقصود: اتركهم واعتزلهم حتى يأتيهم - وهم في غمرة ضلالهم وجهلهم - اليقين من الله، وحتى يوقنوا ويعاينوا لمن ستكون العاقبة أللمتقين أم للجاحدين المستهزئين. وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. أي: وهذا القرآن كتاب من الله تعالى أنزله مباركًا مصدقًا ما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها، وناسخًا لما سلفه من الشرائع السابقة بأحكام استقرت إلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد يجحد بهذا الكتاب وَلَوْ آمَنَ بكل الكتب السابقة. وعن ابن عباس: (يعني بـ: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة, ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من القرى إلى المشرق والمغرب). وقال قتادة: (﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ , مكة, ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، الأرض كلها). وقال: (بلغني أن الأرض دُحِيَت من مكة). قلت: وأم كلّ شيء وسطه ومركزه وأصله - هكذا في كلام العرب - ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض. والخلاصة: لتنذر - يا محمد - أهل مكة - ومن حولها من أحياء العرب وقبائلهم وكذلك من سائر طوائف بني آدم عربهم وعجمهم، فالكل داخل تحت بلاغ هذا النبي ﷺ ونذارته.

стр. 1368

قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. . .﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال جل ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: [أعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ - بالرعب مسيرةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجل من أمَّتِي أدركتْهُ الصلاةُ فليصلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصّةً وبُعثت إلى الناس عامة] (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. المعنى: إن كل مَنْ صَدّق بالآخرة خاف الوعيد الذي سينزل بمن كذب بهذا القرآن وهذا النبي - عليه الصلاة السلام - فيحمله هذا الخوف - ولا بد - على الإيمان واليقين، والمحافظة على الصلاة عمود هذا الدين. قال النسفي: (خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهرًا). وقال القاسمي: (وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرًا). وقال الرازي: (ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة]. أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال ﵊: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر (٢). فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام). أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: أأي: يحافظون على مواقيتها). ولا شك أن المحافظة عليها تشمل أيضًا المحافظة على أركانها وواجباتها ووضوئها وركوعها وسجودها وخشوعها، فهي عنوان التزام العبد بهذا الدين وَعَلَمُهُ وعمودُه.

стр. 1369

التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ تَفْسِيرُ القُرآنِ الكَريمِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ - الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ - عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ تَفْسِيرٌ مَنْهَجِيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ الجُزْءُ الثَّالِث تأليف الأستاذ الدكتور مَأْمُون حَمُّوش

стр. 1370

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1371

التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ

стр. 1372

جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م موافقة وزارة الإعلام رقم: ٩١٠٩٢ ورقم: ٩١٤٥١ تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م دمشق - سورية يطلب من المؤلف دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١ المدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش

стр. 1373

٩٣ - ٩٤. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾. في هذه الآيات: يقول سبحانه: ومن أشد جرمًا وأجهل فعلًا وأكثر بغيًا ممن اختلق على الله كذبًا أو ادعى النبوة والرسالة وأنه يوحى إليه من الله، أو زَعَمَ أنه سينزل مثل ما أنزل الله، ولو ترى - يا محمد - إذ يغمر الموت بسكراته حين موعده الظالمين المكذبين، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون لهؤلاء الظلمة: اخرجوا إلى سخط من الله وغضب، فتفرق أرواحهم في أجسادهم، فينتزعونها فتَقَطَّعُ مع ذلك النزع الشديد العروق والعصب، هذا يومكم الذي توعدون، وهذا الخزي جزاء ما كنتم تفترون على الله وتكذبون وتستكبرون. ولقد قدمتم - يوم القيامة - وحدانًا لا مال ولا سلطان ولا ولد ولا خدم، وخلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما فتنكم وأكثرتم به التباهي والاستكبار، وما نرى معكم مَنْ زعمتم أنهم سيكونون لكم شفعاء، بل تمزقت الأوصال بينكم وبينهم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون. فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. قال ابن جرير: (ومن أخطأ قولًا وأجهل فعلًا ممن اختلق على الله كذبًا، فادعى عليه أنه بعثه نبيًا وأرسله نذيرًا، وهو في دعواه مبطل، وفي قيله كاذب). قال عكرمة وقتادة: (نزلت في مُسيلمة الكذّاب). وذلك أنه زعم أن الله أوحى إليه. قلت: وبنحوه الأسود العنسي وسجَاح زوج مُسَيلمة، كلهم تنبأ وزعم النبوة وورود الوحي من الله عليه، وهم مفترون في ذلك كاذبون، تشملهم الآية وتشمل أمثالهم إلى

стр. 1374

يوم الدين. وقد أخبر النبي ﷺ عن تتابع ما لا يقل عن ثلاثين كذابًا على ذلك الافتراء - في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن بين يدي الساعة كذابين، فاحذروهم] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلونكم ولا يفتنونكم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله] (٣). وله شاهد عند أبي داود من حديث ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : [وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ الله، وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي]. الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: [سيكون في أمتي دجالون كذّابون يحدثونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم]. وفي لفظ: [بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالين كذابين، كلهم يقول: أنا نبي، أنا نبي]. وفي لفظ من طريق ابن عمر: [إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا]. وفي لفظ عنده وعند الطبراني عن حذيفة: [في أمتي كذابون وَدَجَّالون، سبعة وعشرون، منهم أربعُ نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبيّ بعدي] (٤). فهؤلاء الدجالون بين يدي الساعة يخرجون فيزعمون أنه يوحى إليهم من الله، وإنما

стр. 1375

هو في حقيقته تَنَزُّلٌ من الشياطين عليهم نتيجة انحراف مناهجهم فسلطهم الله عليهم كما قال جلت عظمته في سورة الشعراء: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾. قال القرطبي: (قلت: ومن هذا النَّمط من أعرض عن الفقه والسّنَن وما كان عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوّها عن الأغيار، فتتجلّى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيَستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بِها عَلى الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: "استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتون" (١) ويستدلون على هذا بالخَضِر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زَنْدَقَةٌ وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، فإنه يلزم منه هدّ الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ ). وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. قال ابن كثير: (يعني: ومن ادّعى أنه يُعارض ما جاء من عند الله من الوحي بما يفتريه من القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا. . .﴾ [الأنفال: ٣١]). وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: (هذا عند الموت. و"البسط"، الضرب، يضربون وجوههم

стр. 1376

وأدبارهم). قال: (و ﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، وملك الموت يتوفاهم). وقال الضحاك: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، يعني سكرات الموت). وأصل الغَمْرة الشيء الذي يغمرُ الأشياء فيغطيها، ومنه قولهم: غَمَرَه الماء. ثم استعملت في الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. قال الجوهري: (والغَمْرَة الشدة). وقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. قال القرطبي: (أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرهًا، لأن روح المؤمن تَنْشَطُ للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تُنْتَزَعُ انتزاعًا شديدًا). وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾. قال ابن كثير: (وذلك أن الكافر إذا احْتُضِرَ بشَّرته الملائكة بالعذاب والنَّكال، والأغلال والسَّلاسِل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرَّق روحُه في جسده، وتَعْصِي وتأبى الخروج، فتضم بهم الملائكة حتى تخرجَ أرواحُهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ .. الآية، أي: اليوم تُهانون غايةَ الإهانة، كما كنتم تُكَذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي بسند صحيح من حديث البراء: قال رسول الله ﷺ : [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه - أي: رأس الكافر أو الفاجر - فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد

стр. 1377

الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [وإن الكافر إذا خرجت روحُه - قال حمّاد وذكر من نَتْنِها، وذكَرَ لَعْنًا - ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثةٌ جاءت من قِبَلِ الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل] (٢). وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي: تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته). وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن جرير: "فرادى" وحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، عراة غلفًا غرلًا حفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾] الحديث (٣). وقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. أي: أتيتمونا مجردين من كل ما أعطيناكم وما مَلّكْناكم في هذه الحياة الدنيا، وخلفتم وراءكم النعم والأموال التي اقتنيتموها فلم يعد لكم فيها من لذة أو متاع. وأصل الخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم. أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، من حديث قَتادة عن مُطَرِّف، عن أبيه قال: [أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقولُ ابن آدم: مَالِي،

стр. 1378

مَالِي. قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدَمَ! مِنْ مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ] (١). وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [يقول العَبْدُ: مالِي، مالِي، إنما له مِنْ مالِهِ ثلاثٌ: ما أَكَلَ فأفنى، أو لَبِسَ فَأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ، وتاركه للنَاس] (٢). وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾. قال السدي: (فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الآلهة, لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأن هذه الآلهة شركاء لله). والآية توبيخ للمشركين وتقريع بفساد منهجهم، فإنهم ظنوا أن الأمر في الآخرة يمكن أن يعالج بمثل ما كانوا يعالجون قضايا حياتهم الدنيا، فأخبرهم الله سبحانه أنه لا ينفع اليوم واسطة ولا رشوة، ثم لا شفاعة لتلك الآلهة التي كانوا يعبدونها، وإنما الشفاعة يوم القيامة للملائكة والنبيين والصالحين حين يأذن الله تعالى لهم، وشفاعتهم منحصرة بالمؤمنين دون الكافرين والمشركين. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم

стр. 1379

مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١). وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾. المعنى: لقد تقطع الوصل بينكم وما كان يجمعكم، وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم تظنونه من رجاء الأصنام وشفاعة الأوثان، وبدا لكم من الله ما لم تكونوا تحتسبون. فعن مجاهد: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: تواصلهم في الدنيا). وقال قتادة: (وصلكم). وقال أيضًا: (ما كان بينكم من الوصل). وقال ابن عباس: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، يعني الأرحام والمنازل). وقراءة أهل المدينة بالنصب ﴿لَقَدْ تَّقَطَعَ بَيْنَكُمْ﴾ - أي: تقطع ما بينكم. في حين قرأها قراء مكة وأهل العراق: ﴿لَقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمُ﴾ بالرفع، أي: لقد تقطع وصلكم وشملكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان. والمقصود أن الأمر سينقلب على المشركين يوم القيامة، وسيمزق الله الأرحام والأنساب والأوصال التي جمعتهم على الشرك بالله تعالى، وسيرون فساد المنهج الذي ضمّهم ووصلهم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].

стр. 1380

٩٥ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾. في هذه الآيات: إن الله سبحانه - معشر العادلين به الآلهة والأنداد - هو الذي فلق الحب فشقّه من كل نبات ينبت في الأرض وأخرج لكم به الزرع، وكذلك فلق النوى - مما له نواة - فأخرج لكم به الشجر، يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي، أفلا يستحق هو أن يفرد بالعبادة والتعظيم أيها الجاهلون. وهو الذي شق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده، فأضاء لكم به الفجر وما بعده، بعد أن جعل لكم الليل سكنًا، فاستقر كل شيء وهدأ راحة لكم ونعمة يحتجّ بها عليكم، وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب، تحصون بذلك عدد الأيام والشهور والسنين، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم علامات تهتدون بها إذا ضللتم الطريق في البر والبحر، أفلا تعني لكم هذه الآيات الكبيرة بطلان شرككم والنهوض لعبادة الواحد الأحد، الجبار القهار الذي دانت له السماوات وما فيهن والأرضين وما فيهن. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. قال السدي: (أما ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: ففالق الحب عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة). وقال قتادة: (يفلق الحب والنوى عن النبات). وقال الضحاك: (خالق الحب والنوى). وقال مجاهد: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: الشقان اللذان فيهما). وخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: (﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يشُقُّهُ في الثرى فَتَنْبُتُ الزروعُ على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى. ولهذا فسّر قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، أي: يُخرجُ النباتَ الحيَّ من الحبِّ والنوى الذي هو كالجماد

стр. 1381

الميت، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]). وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. معطوف على قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال ابن عباس: (يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا). وقال السدي عن أبي مالك: (النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة). قال السدي: (أما ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية). ولا شك أن الآية تشمل كل إخراج للميت من الحي والحي من الميت حقيقة أو كناية، فيدخل في ذلك خروج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، وغير ذلك. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. أي: إن الذي أجرى هذه السنن وأمضى هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له، فكيف تصرفون عن عبادته وإفراده بالتعظيم والكبرياء، فتعبدون معه غيره. أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَف عنكَ، والذي إن أضللت بأرضٍ قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١). وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال مجاهد: (إضاءة الفجر). وقال الضحاك: (إضاءة الصبح). وعن ابن عباس: (يعني بالإصباح، ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل).

стр. 1382

قال ابن جرير: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾، شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده). والإصباح مصدر، من قول القائل: أصبحنا إصباحًا. وقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. قال النسفي: (أي: ليسكن فيه الخلق عن كدّ المعيشة إلى نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق). وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال ابن عباس: (يعني عدد الأيام والشهور والسنين). وقال: (يجريان إلى أجل جُعِل لهما). وقال الربيع: (الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامهما فذاك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر). وقال قتادة: (يدوران في حساب). وفي التنزيل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. والحسبان في كلام العرب جمع حِساب، والمقصود أن الشمس والقمر يمضيان بحساب ويدوران لمصالح العباد، حتى يبلغا نهاية أمرهما وحد آجالهما. قال السيوطي: (فالآية أصل في الحساب والميقات). وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يدعو فيقول: [اللهم فالقَ الإصباح وجاعلَ الليل سكنًا والشمس والقمر حُسبانًا اقض عني الدَّيْن وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك] (١). قلت: ويَشهد لبعض هذه المعاني ذلك الدعاء الجامع الذي كان يدعو به رسول الله ﷺ عند النوم. ففي صحيح مسلم عن جرير عن سُهيل قال: [كان أبو صالح يأمُرُنا، إذا أراد أحَدُنا أن ينامَ، أن يضطجعَ على شِقِّهِ الأيمن، ثم يقول: اللهمَّ! ربَّ السماوات وربَّ الأرض ورَبَّ العَرْشِ العظيم، ربَّنا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فالِقَ الحَبِّ والنوى، ومُنْزِلَ التوراةِ والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شَرِّ كل شيءٍ أنت آخذٌ بناصِيَتِهِ، اللهمَّ! أنت

стр. 1383

الأول فليس قبلك شَيْء، وأنت الآخر فليس بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقكَ شَيْءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنا الدَّينَ وأغْنِنا من الفَقر. وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ] (١). وفي رواية: عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ يأمُرُنا، إذا أخذنا مضاجِعَنا أن نقولَ، بمثل حديث جرير، وقال: "من شرِّ كل دابة أنت آخِذٌ بناصيتَها"]. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. قال القاسمي: ﴿ذلك﴾ أي: التسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالب على أمره، ﴿العليم﴾ بتدبيرهما، ومراعاة الحكمة في شأنهما). وقال الرازي: ﴿العزيز﴾ إشارة إلى كمال قدرته، و ﴿العليم﴾ إشارة إلى كمال علمه). وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال ابن عباس: (يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق). أي: فجعل الله النجوم يهتدي بها الضال في سبيله في البر أو في البحر، فيعدل مساره. وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدى بها. فمن تأول غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وكلف ما لا عِلْمَ له به). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]. قال شيخ الإسلام ﵀: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم). قلت: فإن ثمة علمًا صحيحًا يستنبط من دوران النجوم وحركة الشمس والكواكب، وهو علم الفلك الثابت بالحسابات والجداول المعروفة عند أهل هذا التخصص، وهذا

стр. 1384

علم مباح وفيه فوائد كثيرة، وقد استعمله العرب قديمًا وأقره الإسلام، فقد كانوا يهتدون إلى الجهات في أسفارهم بما يعلمونه عن حركات الكواكب وظهور وأفول النجوم. ثم أثبت الله سبحانه أنه جعل هذه النجوم ترجُمُ الشياطين رحمة منه بعباده، ليظهر لهم كذب هؤلاء الدجالين من السحرة والعرافين والمنجمين، الذين لا يستطيعون إتمام استراق خبر كامل من السماء، فيلجؤون إلى إكمال الخبر بالكذب، والطلاسم والسحر. أخرج الإمام أحمد في المسند بسند قوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد] (١). وعند ابن عساكر - عن أبي محجن مرفوعًا: [أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف السلطان، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر] (٢). وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. أي: بيّنا هذه الحجج والدلالات لقوم يحبون معرفة الحق فلا يستمرون في الخوض في الباطل والشبهات. ٩٨ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾. في هذه الآيات: يتابع الله تعالى بيان آلائه ونعمه على الجاحدين توحيده فيقول: وإلهكم - أيها المشركون العادلون بالله أوثانكم وآلهتكم - الذي أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئًا، فخلقكم من صلب أبيكم آدم فتناسلتم وقد جعل المستقر في الأرحام والمستودع في الأصلاب فانحدرت الذرية المتتابعة فكان أجدادكم ثم آباؤكم

стр. 1385

ثم أوجدكم من بعدهم، وقد بينا لكم الحجج وميزنا الأدلة والعبر لكم لعلكم تعتبرون. إن الله ربكم هو الذي أنزل لكم من السماء ماء فأخرج لكم به نباتكم ونبات أنعامكم وأرزاقكم المختلفة، وأخرج منه رطبًا من الزرع أخضر، وأخرج من الخضر حبًا في السنابل، ومن النخل من طلعها قنوانه دانية لاصقة عُذوقها بالأرض تنعمون بقربها من أيديكم وسهولة تناولها، وأخرج لكم جنات من أعناب، وأخرج الزيتون والرمان مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره، متاعًا لكم، فانظروا إلى ثمر هذه الأشجار المختلفة ونضجه إذا نضج، إن في كل ذلك لآيات لقوم يثبتون التعظيم لله وحده، ويعظمون أوامره وينتهون عن محرماته. فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعني الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا). وعن السدي وقتادة: (﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: من آدم ﵇. وقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ - فيه أقوال: ١ - القول الأول: هو الذي أنشاكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنشر القيامة. قال ابن مسعود: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت). وقال إبراهيم: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها في الأرض، حيث تموت فيها). ٢ - القول الثاني: المستودع أصلاب الآباء، والمستقر بطون النساء وبطون الأرض أو ظهورها. فعن سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، قال: مستودعون، ما كان في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقروا). ٣ - القول الثالث: قيل بل المعنى: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله. قال مجاهد: (المستقر في الأرض، والمستودع عند ربك). وقال إبراهيم، قال عبد الله: (مستقرها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة). ٤ - القول الرابع: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.

стр. 1386

قال ابن عباس: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخْلق). وقال: (المستقر في الأرحام، والمستودع في الصلب، لم يخلق وهو خالقه). وقال عكرمة: (المستقر الذي قد استقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب). قلت: والراجح القول الرابع، فهو أقرب للسياق، واختاره الحافظ ابن كثير، في حين اعتبر شيخ المفسرين كل التأويلات السابقة واردة، والله تعالى أعلم. وقد رأى آدم ﵊ كل ذريته التي أخرجها الله من صلبه أمامه بنعمان قريب من عرفات. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]] (١). وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. قال قتادة: (﴿فَصَّلْنَا﴾ بينا وقررنا). وقال ابن جرير: (قد بينا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه). وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: وإن من آياته العظيمة الدالة على وجوب إفراده بالعبادة والتعظيم أنه أنزل الماء بأمره من السماء فأخرج به بقدرته العجيبة بدائع من النبات من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأقوات بني آدم ومطاعمهم وما يتغذون به فينبتون عليه وينمون). وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾. قال الأخفش: (أي: أخضر). قال القرطبي: (والخَضِر رطب البقول).

стр. 1387

وقوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. أي: السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا. قال ابن عباس: (يريد القمح والشعير والسُّلت (١) والذرة والأرز وسائر الحبوب). وقال السدي: (فهذا السنبل). والمقصود أنه يركب بعضه على بعض كالسنبلة. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. أي: عذوق قريبة متهدلة. قال ابن عباس: (يعني بـ "القنوان الدانية"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض). وقال قتادة: (عذوق متهدلة). وقال البراء: (قريبة). وقال الضحاك: (يعني النخل القصار الملتزقة بالأرض، و"القنوان" طلعه). والمقصود: أنها دانية قريبة المنال، لتهدّل العُذوق من الطلع. والقِنْوان: جمع قِنْو أو قُنْو، وهو العِذْق. وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾. أي: وأخرجنا كذلك بساتين من أعناب. وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. أي: متشابهًا في الأوراق، أو النظر، مختلفًا في المذاق والطعم. قال قتادة: (مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره). وقال ابن جرير: (مشتبهًا في النظر، وغيرَ متشابه في الطعم، مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف). قال القرطبي: (وخصّ الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. ردّهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه). وقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾. أي: تدبروا في صنع الله سبحانه إذ أخرجه لكم من العدم ثمارًا مختلفة الألوان والأشكال والروائح والطعوم، وبعد أن كان حطبًا صار عنبًا ورطبًا، فإذا أنتم تنعمون به عند نضجه وبلوغه حين ينضج ويبلغ. قال ابن عباس: (﴿ينعه﴾ نضجه). وقال: (يعني: إذا نضج).

стр. 1388

وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فخص بالذكر المؤمنين, لأنهم هم المنتفعون بحجج الله وآياته ومواعظه، دون غيرهم ممن طبع الله على قلبه، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. ١٠٠ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ومن آثام هؤلاء المشركين بربهم وشركهم به أن جعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم، واختلقوا له بنين وبنات افتراء على الله وسوء أدب منهم مع جلاله وعظمته سبحانه وتعالى عما يصفون. إنه - جلت عظمته - مبتدع هذه السماوات وهذه الأرض ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن، وخلق ما في هذا الكون الفسيح من مخلوقات ولم تكن قبله شيئًا، أفبعد هذا يكون لله ولد، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، وجلّ الله وعزّ عن اتخاذ صاحبة، فهذا يكون للمخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى ذلك، أمَا والله تعالى هو الذي خلق كل شيء وهو به عليم فإنه - جل ذكره - يتنزه عن تلك النعوت التي يُطلقها المشركون، ولا يتأدبون ولا يخجلون. إن الذي خلق كل شيء، وعلم كل ما كان وما يكون وما سيكون هو الله الواحد الأحد المستحق للعبادة، وهو على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، وإليه التدبير والتصريف وتقسيم الأرزاق والأقوات، ولا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها وهو اللطيف الخبير. قال قتادة: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ كذبوا, ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان، وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون). وعن السدي: (﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، يقول: قطعوا له بنين وبنات، قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله).

стр. 1389

وقال ابن زيد: (فكل خرقوا الكذب، و"خرقوا"، اخترقوا). وقال مجاهد: ("خرقوا": كذبوا). فالمعنى كما قال ابن جرير: (وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، يقول: وتخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات، بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبغي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك). وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾. قال قتادة: (عما يكذبون). وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال ابن زيد: (هو الذي ابتدع خلقهما ﷻ ، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله). وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولدُ إنما يكون متولِّدًا عن شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يُشابهه شيء من خلقه، لأنه خالقُ كل شيء، فلا صاحبة له ولا وَلَد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم]). وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: هو الله سبحانه الذي أبدع الجنّ والإنس - الولد والذكر والأنثى، البنين والبنات والصاحبة - وكل شيء في هذا الكون الفسيح، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو وحده الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء. قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾.

стр. 1390

وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾. أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم، ولَمْ يَكُنْ له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدِر أن أعيدَه كما كان، وأما شَتْمُهُ إيايَ، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخِذَ صاحبة أو ولدًا]. وله لفظ مقارب عنده أيضًا - من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم ولم يكنْ له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبُهُ إيَّاي فقَوْلُه: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلق بأهْوَنَ عليَّ من إعادتِه، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفُوًا أحد] (١). قال البخاري: (والعرب تُسَمِّي أشرافَها الصَّمَد. قال أبو وائِلٍ: هو السَّيِّدُ الذي انتهى سُؤددُهُ). وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾. أي: إن الموصوف بما سبق من صفات الجمال والكمال، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة هو الله ربكم ورب كل شيء، فأفردوه بالإلهية والعبادة والتعظيم، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. أي: رقيب وحفيظ، وكل شيء من تدبيره وتحت تصريفه. قال القاسمي: (يدبر كلّ ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار). وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. قال ابن عباس: (لا يحيط بصر أحدٍ بالمَلِكِ). وقال قتادة: (وهو أعظم من أن تدركه الأبصار). وقال إسماعيل بن عُلَيَّة: (هذا في الدنيا).

стр. 1391

قلت: لقد أثبت الله سبحانه الرؤيا للمؤمنين يوم القيامة، ينظرون إلى وجه ربهم ، فما أعطوا في الدنيا ولا في الآخرة نعمة هي أعظم من تلك النعمة ولا أقر لأعينهم، وأما في الدنيا فلا أحد كتب الله له ذلك، فهذا نبي الله موسى ﵊ من أولي العزم من الرسل ما استطاع رؤية تجلي الله سبحانه للجبل حتى خر صعقًا. قال الله في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفَعُه، ويُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه] (٢). وفي لفظ: (رأيت نورًا). فإذا كان يوم القيامة هيّأ الله سبحانه المؤمنين لرؤيته وأذن لهم بذلك: قال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وأما الكفار فيحرمهم ربهم من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم: قال جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى] (٣). وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يرونه .

стр. 1392

وفي التنزيل أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. ففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (١). وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك] (٢). يعني في عرصات القيامة - مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله فال: قال رسول الله ﷺ : [إنكم سترون ربكم عِيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (٣). وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (٤). وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. قال السدي: (لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق). أي: يحيط بها ويعلمها - كما قال جل ذكره: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك]. وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. قال أبو العالية: (اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها). وفي التنزيل: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا

стр. 1393

إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان]. قال ابن جرير: (فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه). وقال النسفي: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أي: العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها. ﴿الْخَبِيرُ﴾ العليم بظواهر الأشياء وخفياتها، وهو من قبيل اللف والنشر). ١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى لنبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين المكذبين بالله ورسوله: إنه قد جاءكم ما تبصرون به الهدى من الضلال، والحق من الباطل، فمن تبيّن هذه الحجج فآمن بالله وصدّق رسوله فإنما يختار حظ نفسه وسبيل سعادتها، ومن تنكر لهذه البراهين والدلالات فهو يضر نفسه ويوردها سبيل هلاكها، وما أنا بالذي يحصي عليكم أعمالكم إنما هو ربكم ، الذي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم. وهذه الآيات نتابع تصريفها وبيانها ولئلا يقولوا: درست - أي: قرأت أنت يا محمد، من كتب أهل الكتاب - وإنما هي آيات الله وحججه يوضحها لقوم يفهمون ويعقلون. اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه ودع أمر المعاندين المكذبين، فإنه لا معبود يستحق العبادة وإخلاص التعظيم إلا الله، فأعرض عنهم واترك مجادلتهم وخصومتهم، فلو أراد ربك هدايتهم لكان ما أراد وإنما هو سبحانه أعلم بالشاكرين، وما أنت بقيم عليهم بل أرزاقهم وأقواتهم وآجالهم بيد الله خالقهم وهو على كل شيء حفيظ رقيب. فقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال قتادة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: بينة).

стр. 1394

وقوله: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾. قال القرطبي: (الإبصار: هو الإدراك بحاسة البصر، أي: فمن استدل وتعرّف فنفسه نفع). وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾. قال القاسمي: (أي: ضل عن الحق. والتعبير عنه بـ "العمى" للتقبيح له، والتنفير عنه، ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعلى نفسه عمى، وإياها ضر بالعمى). وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾. قال النسفي: (أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قال السدي: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، لهؤلاء العادلين بربهم، كما صرفتها في هذه السورة، ولئلا يقولوا: درست). وقال ابن عباس: (قالوا: قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش). قال ابن جرير: (﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب). وهناك قراءة ثانية: ﴿دارست﴾. قال ابن عباس: (قالوا: دارست أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلمتها). وقراءة ثالثة: "دُرِسَتْ". قال قتادة: (أي: قرئت وتعلمت). وقراءة رابعة: "دَرَسَتْ". قال الحسن: (أي: انمحت) - بمعنى تقادمت. واختار ابن جرير القراءة الأولى "دَرَسْتَ" - أي تعلمت من أهل الكتاب. كما في التنزيل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولنوضِّحَهُ لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه). وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال القرطبي: (يعني القرآن، أي: لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله). وقال القاسمي: (وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكّد به إيجاب الاتباع، أو

стр. 1395

حال مؤكدة من ﴿ربك﴾، بمعنى: منفردًا في الألوهية). وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال أبو مسلم: (أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار، وترك الموعظة). وقال المهايمي: (أي: لا تحزن عليهم إذا أَصرّوا على الشرك والعمى مع هذه البصائر. فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى، لاقتضاء استعدادهم ذلك). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. ٤ - وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤]. أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ] (١). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. قال ابن عباس: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين). وقال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ نصّ على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطال

стр. 1396

لمذهب القدرية. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا يمكنك حفظهم من عذاب الله). وقال ابن كثير: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: أي: حافظًا يحفظ أعمالهم وأقوالهم). وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فيما لم يُجْعَل إليك حفظه من أمرهم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. ١٠٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾. في هذه الآية: توجيه من الله تعالى لنبيّه ﷺ وللمؤمنين بعدم التعرض لآلهة المشركين بالسَّب خشية أن يقعوا في سب الله جهلًا دون علم، واعتداءً وبغيًا دون فهم، وكذلك زيَّن الله لكل جماعة من الأمم ما اجتمعوا عليه من عمل، ثم مردهم إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها. قال قتادة: (كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستَسِبّوا لربهم، فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله). وقال ابن زيد: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك، فلا تسبوا آلهتهم). قال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة وخِيف أن يَسُبَّ الإسلام أو النبي ﵇ أو الله ، فلا يحلّ لمسلم أن يَسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدّي إلى

стр. 1397

ذلك, لأنه بمنزلة البعث على المعصية، وعبّر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ ﴿الذين﴾ على معتقد الكفرة فيها). وهذه الآية دليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، والأخذ بفقه الموازنات، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: [من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه] (١). وقوله: ﴿عَدْوًا﴾. من الاعتداء. تقول العرب: عدا فلان على فلان إذا ظلمه واعتدى عليه. وقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: وكما زيّنا لهؤلاء القوم حُبَّ أصنامهم والمحاماةَ لها والانتصار، كذلك زيَّنا لكل أمة أي من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختار). قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل]. فالإضلال والتزيين بحكمة الله وعدله. قال ابن عباس: (زينا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر). وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: ثم مصيرهم ومعادهم إلى ربهم، ويومئذ يكشف لهم سجلات أعمالهم ويعرضها على الميزان للحساب والجزاء. قال ابن جرير: (فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًا فشرًا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا). ١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ

стр. 1398

وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾. في هذه الآيات: أقسم هؤلاء المشركون العادلون بربهم أوثانهم وأصنامهم، فحلفوا بالله أَوْكَدَ الحلف وأَشَدَّ الأَيْمان، لئن جاءتهم آية تُصدق ما يقول محمد كما جاءت الأمم قبلهم ليؤمنن بها وأن محمدًا رسول من عند الله، فأجابهم ربهم سبحانه: هو القادر على إرسال ذلك دون كل أحد من خلقه، ولكن ما يدريكم أنها إذا جاءت سوف يؤمنون. إنه سبحانه هو يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرفها كيف يشاء، وأن قلوبهم بيد الله لو شاء أقامها ولو شاء أزاغها، وأبصارهم بيده فلو شاء أعماها عن رؤية الحق ومعرفة مواضع الحجة، كما لم يؤمنوا - بتقليب الله لها قبل ذلك، ومن ثمَّ نذرهم في تمردهم وشكهم واعتدائهم يترددون ولا يهتدون. فقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. أي: حلفوا بالله غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. وجَهْدُ اليمين أشدها. وهو بالله. قال القاسمي: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال. أي: أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم، باذلين في توثيقها طاقتهم). وقال القرطبي: (وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنًا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، كانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمّونه جَهْد اليمين إذا كان اليمين بالله). وقوله: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. أي: معجزة وخارق، ليصدقنّها. قال ابن جرير: (قالوا نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدق ما تقول، يا محمد، مثل الذين جاء مَنْ قبلنا من الأمم، ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك، وأنك لله رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقٌّ من عند الله). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تَعَنُّتًا وكفرًا

стр. 1399

وعِنادًا، لا على سبيل الهُدى والاسترشاد: إنما تَرْجِعُ هذه الآياتُ إلى الله، إن شاء أجابَكُم، وإن شاء تَرَكَكُم). وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال مجاهد: (ما يدريكم. قال: ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون). وفي لفظ قال: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت. ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون). وهذا على قراءة بعض أهل مكة والبصرة: ﴿إنها﴾. والقراءة الأشهر والتي عليها قراء الأمصار من أهل المدينة والكوفة وغيرهم: "أنها" - على سبيل الخطاب من الله لنبيّه ﷺ وأصحابه. قال ابن جرير: (وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون، لعل الآيات إذ جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخَّروا به). وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال ابن عباس: (لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر). وقال مجاهد: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة). وقال ابن زيد: (نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة). وفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. المعنى: أي: نتركهم في بغيهم وتنطعهم وكبرهم يتحيرون ويترددون، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. قال ابن عباس: (﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في كفرهم). وقال أبو العالية: (في ضلالهم). وقال الأعمش: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يلعبون). وقال مجاهد: (في كفرهم يترددون). وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة

стр. 1400

ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١). ١١١ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. في هذه الآيات: تَفْهيمٌ من الله سبحانه لنبيه ﷺ عن طبيعة هؤلاء المشركين المعاندين. يقول: فلو نزلنا إليهم - يا محمد - الملائكة حتى يروها وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم - آية من عندنا - لإثبات نبوتك، وأخبروهم أنك صادق محق فيما جئت به من الوحي، وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة، وجماعة جماعة، مقابلة ومواجهة، يكفلون أنك على الحق وأن ما تعدهم به هو الحق، ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون حقائق الإيمان والهداية والتوفيق لذلك من عند الله سبحانه. ثم إخْبارٌ من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ عن سنته سبحانه في الابتلاء، بأن جعل لكل الأنبياء والرسل أعداءً من أقوامهم يؤذونهم بالجدال والخصومات بإيحاء من شياطين الجن واشتراك معهم بتزيين الباطل، ولو شاء الله لآمن الناس جميعًا وآمنت الشياطين وتركوا المكر والإجرام، فلا تأبه لهم - يا محمد - فدعهم وما يفترون ويكذبون. إنما تميل لتزيينهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فيرضونه وليكتسبوا ما هم مكتسبون. قل لهم - يا محمد - أفغير الله أختار حكمًا وهو أحكم الحاكمين، وقد أنزل إليكم القرآن فيه بيان كل حكم وكل فصل أو قضاء، وأهل التوراة

стр. 1401

والإنجيل يعلمون أن القرآن حق منزل من عند الله، فلا تكونن - يا محمد - من الشاكِّين فيما جاءك واثبت على الحق، فإنه قد كملت كلمة ربك من الصدق والعدل ولا تبديل لكلماته، وهو السميع لما يقوله هؤلاء، العليم بمصائرهم وما تؤول إليه أحوالهم في العاقبة والآخرة. فقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾. أي: لتخبرهم بأن الرسل على الحق وَوَجَبَ الإيمان بهم. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ - بإحيائنا إياهم. ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سألوه من الآيات والمعجزات ﴿قُبُلًا﴾ مقابلة ومعاينة. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ - قال ابن عباس: (وهم أهل الشقاء، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ. .﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وقرأ قراء المدينة "قِبَلًا" بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة. وقرأ عامة أهل الكوفة والبصرة "قُبُلًا" بضم القاف والباء. وفي ذلك ثلاثة أوجه من التأويل ذكرها ابن جرير. التأويل الأول: وحشرنا عليهم كل شيء كُفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. فيكون "القبل" جمع "قبيل". والقبل هنا الضمناء والكفلاء. التأويل الثاني: "القبل" بمعنى المقابلة والمواجهة. قال ابن عباس: (يقول: لو استقبلهم ذلك كله، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله). وقال ابن زيد: (حشروا إليهم جميعًا، فقابلوهم وواجهوهم). وقال عبد الله بن يزيد: (قرأ عيسى: "قُبُلًا" ومعناه عيانًا). التأويل الثالث: "القبل" جمع "قبيل"، الذي هو جمع "قبيلة"، فيكون "القبل" جمع الجمع. قال مجاهد: (﴿قُبُلًا﴾، أفواجًا، قبيلًا قبيلًا). وخلاصة المعنى: لو عرضت عليهم كل أمة بعد أمة، فتخبرهم بِصدق الرسل فيما

стр. 1402

جاؤوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فالهداية والقلوب بيد الله سبحانه وهو أعلم بمن يستحقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. أي: هذه الحقائق عن القلوب وأمر الإيمان، واصطفاء الله من يشاء لعبادته والقيام بحمل لواء دينه، دون غيرهم من أعدائه وأعداء شرعه وأوليائه. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءً يخالِفونَك ويعانِدُونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداءً، فلا يَهيدَنَّكَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]. . . الآية, وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. الآية). قال قتادة: (﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض). أخرج الإمام أحمد في المسند من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال له: [يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١). قال ابن جرير: (وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك

стр. 1403

يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (١). وعن ابن عباس: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: حَسَّنَ بعضهم لبعض القولَ ليتّبعوهم في فتنتهم). وعن عكرمة: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، قال: تزيين الباطل بالألسنة). وعن السدي: (﴿غُرُورًا﴾، قال: يغرون به الناسَ والجنّ). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. أي: لو شاء الله ما فعلوا إيحاء القول بالغرور فدعهم في غيهم وما يختلقون من إفك وزور. قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء، وإيحاء الزخارف. وهو أيضًا دليل على المعتزلة. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الكفر، فسوف يعلمون). وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾. قال ابن عباس: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾، يقول: تزيغ إليه أفئدة). أو قال: (لتميل). وقال السدي: (يقول: تميل إليه قلوب الكفار، ويحبونه، ويرضون به). وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. قال ابن عباس: (وليكتسبوا ما هم مكتسبون). وقال السدي: (ليعملوا ما هم عاملون). وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾. قال ابن جرير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك: "كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك"، إن الله قد حكم عليَّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾، أي: قل فليس لي أن أتعدّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، يعني القرآن، ﴿مُفَصَّلًا﴾، يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم).

стр. 1404

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. أي: إن اليهود والنصارى يعلمون في كتبهم أن هذا القرآن منزل بالحق، ويجدون عندهم من البشارات بنبوة محمد ﷺ ، ومما أخبرهم به رسلهم وتناقلته الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار قالت: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: [أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (١). ويروي ابن عساكر بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخرَ من بَشَّرَ بي عيسى بن مريم] (٢). وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قال الربيع: (يقول: لا تكونن في شك مما قصصنا عليك). وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. قال قتادة: (صدقًا فيما وَعَد، وعدلًا فيما حَكَم). قال ابن جرير: (وكملت: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني القرآن، سماه ﴿كلمة﴾، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: "هذه كلمة فلان"). وقال ابن كثير: (يقول: صدقًا في الإخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مِرْيَةَ فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عَدْلَ سواه، وكل ما نهى عنه فباطلٌ، فإنه لا ينهى إلا عن مَفْسَدَة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]).

стр. 1405

قال القرطبي: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: ودلت الآية على وجوب اتباع في دلالات القرآن، لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها). وقال القاشاني: (أي: تمّ قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاءً مبرمًا، وحكمًا صادقًا، مطابقًا لما يقع، عادلًا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مبدل لأحكامه الأزلية) ذكره القاسمي. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لما يصدر عنهم من الأقوال، العليم بما يخفون وبما يصدر عنهم من الأفعال. فلا يخفى عليه شيء من كلام عباده وسرائرهم وأعمالهم. ١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾. في هذه الآيات: لا تطع - يا محمد - هؤلاء المشركين العادلين بربهم أوثانهم وأصنامهم وأهواءهم، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن الدين الحق، فهم إنْ يتبعون إلا الظن وما هم إلا متخرصون كاذبون في منهاج التلقي حيث لا يقين ولا علم. وربك يا محمد هو أعلم بما اختار عباده من السبل: بما سلكوا من طرق الاعوجاج والغواية، أو بما سلكوا من سبيل النجاة والهداية، فهو مطلع على سبيل الفريقين وهو أعلم بالمهتدين. فقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ - من الناس. قال القرطبي: (أي: الكفار. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله). وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. أي: ما يتبعون إلا الظن. ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما. والخرص: الحَزْرُ والتخمين. قال
следующие страницы →