← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والإنجيل يعلمون أن القرآن حق منزل من عند الله، فلا تكونن - يا محمد - من الشاكِّين فيما جاءك واثبت على الحق، فإنه قد كملت كلمة ربك من الصدق والعدل ولا تبديل لكلماته، وهو السميع لما يقوله هؤلاء، العليم بمصائرهم وما تؤول إليه أحوالهم في العاقبة والآخرة. فقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾. أي: لتخبرهم بأن الرسل على الحق وَوَجَبَ الإيمان بهم. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ - بإحيائنا إياهم. ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سألوه من الآيات والمعجزات ﴿قُبُلًا﴾ مقابلة ومعاينة. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ - قال ابن عباس: (وهم أهل الشقاء، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ. .﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وقرأ قراء المدينة "قِبَلًا" بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة. وقرأ عامة أهل الكوفة والبصرة "قُبُلًا" بضم القاف والباء. وفي ذلك ثلاثة أوجه من التأويل ذكرها ابن جرير. التأويل الأول: وحشرنا عليهم كل شيء كُفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. فيكون "القبل" جمع "قبيل". والقبل هنا الضمناء والكفلاء. التأويل الثاني: "القبل" بمعنى المقابلة والمواجهة. قال ابن عباس: (يقول: لو استقبلهم ذلك كله، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله). وقال ابن زيد: (حشروا إليهم جميعًا، فقابلوهم وواجهوهم). وقال عبد الله بن يزيد: (قرأ عيسى: "قُبُلًا" ومعناه عيانًا). التأويل الثالث: "القبل" جمع "قبيل"، الذي هو جمع "قبيلة"، فيكون "القبل" جمع الجمع. قال مجاهد: (﴿قُبُلًا﴾، أفواجًا، قبيلًا قبيلًا). وخلاصة المعنى: لو عرضت عليهم كل أمة بعد أمة، فتخبرهم بِصدق الرسل فيما

стр. 1402

جاؤوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فالهداية والقلوب بيد الله سبحانه وهو أعلم بمن يستحقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. أي: هذه الحقائق عن القلوب وأمر الإيمان، واصطفاء الله من يشاء لعبادته والقيام بحمل لواء دينه، دون غيرهم من أعدائه وأعداء شرعه وأوليائه. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءً يخالِفونَك ويعانِدُونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداءً، فلا يَهيدَنَّكَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]. . . الآية, وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. الآية). قال قتادة: (﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض). أخرج الإمام أحمد في المسند من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال له: [يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١). قال ابن جرير: (وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك

стр. 1403

يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (١). وعن ابن عباس: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: حَسَّنَ بعضهم لبعض القولَ ليتّبعوهم في فتنتهم). وعن عكرمة: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، قال: تزيين الباطل بالألسنة). وعن السدي: (﴿غُرُورًا﴾، قال: يغرون به الناسَ والجنّ). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. أي: لو شاء الله ما فعلوا إيحاء القول بالغرور فدعهم في غيهم وما يختلقون من إفك وزور. قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء، وإيحاء الزخارف. وهو أيضًا دليل على المعتزلة. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الكفر، فسوف يعلمون). وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾. قال ابن عباس: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾، يقول: تزيغ إليه أفئدة). أو قال: (لتميل). وقال السدي: (يقول: تميل إليه قلوب الكفار، ويحبونه، ويرضون به). وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. قال ابن عباس: (وليكتسبوا ما هم مكتسبون). وقال السدي: (ليعملوا ما هم عاملون). وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾. قال ابن جرير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك: "كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك"، إن الله قد حكم عليَّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾، أي: قل فليس لي أن أتعدّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، يعني القرآن، ﴿مُفَصَّلًا﴾، يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم).

стр. 1404

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. أي: إن اليهود والنصارى يعلمون في كتبهم أن هذا القرآن منزل بالحق، ويجدون عندهم من البشارات بنبوة محمد ﷺ ، ومما أخبرهم به رسلهم وتناقلته الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار قالت: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: [أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (١). ويروي ابن عساكر بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخرَ من بَشَّرَ بي عيسى بن مريم] (٢). وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قال الربيع: (يقول: لا تكونن في شك مما قصصنا عليك). وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾. قال قتادة: (صدقًا فيما وَعَد، وعدلًا فيما حَكَم). قال ابن جرير: (وكملت: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني القرآن، سماه ﴿كلمة﴾، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: "هذه كلمة فلان"). وقال ابن كثير: (يقول: صدقًا في الإخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مِرْيَةَ فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عَدْلَ سواه، وكل ما نهى عنه فباطلٌ، فإنه لا ينهى إلا عن مَفْسَدَة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]).

стр. 1405

قال القرطبي: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: ودلت الآية على وجوب اتباع في دلالات القرآن، لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها). وقال القاشاني: (أي: تمّ قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاءً مبرمًا، وحكمًا صادقًا، مطابقًا لما يقع، عادلًا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مبدل لأحكامه الأزلية) ذكره القاسمي. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لما يصدر عنهم من الأقوال، العليم بما يخفون وبما يصدر عنهم من الأفعال. فلا يخفى عليه شيء من كلام عباده وسرائرهم وأعمالهم. ١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾. في هذه الآيات: لا تطع - يا محمد - هؤلاء المشركين العادلين بربهم أوثانهم وأصنامهم وأهواءهم، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن الدين الحق، فهم إنْ يتبعون إلا الظن وما هم إلا متخرصون كاذبون في منهاج التلقي حيث لا يقين ولا علم. وربك يا محمد هو أعلم بما اختار عباده من السبل: بما سلكوا من طرق الاعوجاج والغواية، أو بما سلكوا من سبيل النجاة والهداية، فهو مطلع على سبيل الفريقين وهو أعلم بالمهتدين. فقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ - من الناس. قال القرطبي: (أي: الكفار. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله). وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. أي: ما يتبعون إلا الظن. ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما. والخرص: الحَزْرُ والتخمين. قال

стр. 1406

القاسمي: (وقد يعبر به عن الكذب والافتراء، وأصله القول بالظن، وقول ما لا يستيقن ويتحقق - قاله الأزهري -). والمقصود: إن دين هؤلاء المكذبين المشركين يقوم على الحدس والظن والخرص لا على العلم والحق واليقين فاحذرهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال النسفي: (أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين). والمعنى: فرغ الله تعالى من أمور العباد وأحوالهم وأعمالهم ومستقبلهم بين يديه قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فقد جفت الأقلام ورفعت الصحف. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: [من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه]. وله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس ولفظه: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل] (٤).

стр. 1407

١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾. في هذه الآيات: إباحة الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ والمؤمنين أكل الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، وما يمنعكم أن تأكلوا مما ذبحه المؤمنون وذكروا اسم الله عليه، أو ذبحه من دان بتوحيد الله من أهل الكتاب، وقد فصل الله لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وأجاز لكم عند الاضطرار ما حرّم عليكم حتى تزول الضرورة، وإن المشركين أهل جهالة في آرائهم وأهوائهم ومنهاجهم في استحلال الميتات وما ذُكر عليه غير اسم الله تعالى، والله أعلم باعتدائهم وافترائهم وكذبهم وتنطعهم. فعن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قال: (يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به). وعن قتادة: (﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: قد بين لكم ما حرم عليكم). وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال قتادة: (من الميتة). وقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره: أن ما اضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّنَ تحريمها لنا في غير حال الضرورة، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين، حتى تزول الضرورة). وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال النسفي: (أي: يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة). قلت: ويدخل في مفهوم الآية أهل الابتداع في الدين والقول على الله ورسوله دون علم. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. تحذير من الاعتداء في الدين. قال القاسمي: (أي: المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام).

стр. 1408

وقال الرازي: (دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن الكلام في الدين دون علم أو الإحداث والابتداع فيه: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: [كان رسول الله ﷺ إذا خطب احْمَرَّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومسّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: [كنا عند النبي ﷺ فخطَّ خطًّا، وخطّ خطَّين عن يمينه. وخط خطَّين عن يساره. ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣). وفي لفظ من طريق ابن مسعود: [خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ الآية]. ١٢٠ - ١٢١. قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى عباده - يقول: ودعوا أيها الناس علانية الإثم

стр. 1409

وسرّه، إن الذين يعملون السوء ويأتون ما يسخط الله سيجازيهم على معصيتهم بما كانوا يقترفون. ولا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما ذبح فلم يذكر اسم الله عليه من ذبيحة المشركين، أو أُهِلَّ لأوثانهم فإن أكله فسق - معصية وإثم - وإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم معشر المؤمنين في أكل الميتة وما حرم الله، وإن أطعتموهم فقد تركتم أمر ربكم وأشركتم به كالمشركين. وعن قتادة: (﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، أي: قليله وكثيره، وسرّه وعلانيته). وعن الربيع بن أنس قال: (نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًا أو علانية، وذلك ظاهره وباطنه). وقال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: معصية الله في السر والعلانية). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه، ويركبون معاصي الله، ويأتون ما حرم الله، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه). وبعض المفسرين ذهب إلى تخصيص ظاهر الإثم هنا بنكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات أو الطواف بالبيت عريانًا، أو معاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان، أو علانية الزنا دون سرّه. والصحيح أن الإثم لفظ عام يشمل كل ما عُصي الله به من محارمه، والآية تدل على جميع ما ظهر من الإثم وعلن وجميع ما خفي منه وبطن. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يَرْعَى حول الحِمى يوشك أن يرتعَ فيه] (١). الحديث الثاني: أخرج الطيالسي والترمذي والنسائي بسند حسن، عن الحسن بن

стр. 1410

علي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [دع ما يريبك إلى ما لا يريبك] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم والترمذي وأحمد عن النَّواس بن سَمْعَانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله ﷺ عن البِرِّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلْقِ، والإثْمُ ما حاك في صدرك، وكرهت أن يَطَّلِعَ عليه الناس] (٢). وله شاهد في المسند من حديث أبي ثعلبة بلفظ: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تَسْكُنْ إليه النَّفْسُ، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون]. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. فيه مسائل: ١ - إذا كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي - كالبوذيين والهندوس وغيرهم من الملحدين الذين لا يؤمنون بالرسالات السماوية فلا تؤكل ذبيحته سواء أذكر اسم الله أم لا، لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط، واستثني ذبائح أهل الكتاب بالنص. ٢ - إذا كان المذكي من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، وكانت تذكيته بأن ذبح رقبتها أو نَحَرَهَا في لبّتهَا وهي حية، أُكِلَتْ سواء ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. أما إن ذكر الكتابي اسم غير الله عليها لم تؤكل وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. ٣ - إن ضربها بمسدس أو سلّط عليها تيارًا كهربائيًا فماتت من ذلك فهي موقوذة حتى ولو قطع رقبتها بعد ذلك، فقد حرّمها الله بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾. إلا إذا أدركها حية بعد ضرب رأسها فذكاها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. ٤ - المسلم لا بد له من التسمية عند الذبح، فهي واجبة بحقه. ففي الصحيحين عن أبي ثعلبة الخشني قال: [قلت يا رسول الله، إنا بأرض صيد

стр. 1411

أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل] (١). وذهب أحمد إلى أن التسمية شرط في الإباحة، وقال أبو حنيفة: هي شرط في حال الذكر فإن تركها ناسيًا حل الصيد، وهو المشهور عن مالك. وقال الشافعي: التسمية سنة، فإن تركها ولو عامدًا لم يحرم الصيد ويحل أكله. قلت: والحق أن تركها عامدًا إن كان من كتابي تؤكل لأن الآية لم تضع ذلك الشرط، وأما من مسلم فلا تؤكل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. وأما حديث "سموا الله وكلوا" فهو في ذبائح قوم أسلموا لكن حديثو عهد بجاهلية ولم يعلم أذكر اسم الله عليها أم لا. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا نَدْري: أَذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ قال: سَمُّوا عليه أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عَهْدٍ بالكفر] (٢). وأما آلة الذبح: فإنه لا بد من إنهار الدم بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا. ولا بد من قطع الحلقوم وهو مجرى النفس، والمري وهو مجرى الطعام والشراب، سواء كان القطع فوق الغلصمة وهو العظم الناتئ من الحلق أو دونها. ففي الصحيحين من حديث رافع بن خديج قال: [قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقَصَب؟ قال: ما أنهر الدمَ وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوه، ليسَ السِّنَ والظُّفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السِّنُ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة] (٣). وأما الصعق بالكهرباء أو الإلقاء في ماء حار حتى يموت الحيوان فهذا ميتة لا يؤكل. وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. أخرج أبو داود في السنن، بإسناد صحيح، عن ابن عباس: [في قوله:

стр. 1412

﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾] (١). وقولهم: "ما ذبح الله" يقصدون الميتة ويستهزئون بأن ذبحها الله ولا تأكلوها، وتأكلون ما ذبحتم أنتم! وأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس قال: [أتى ناس النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله: أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾] (٢). والخلاصة: الآية في مجادلة قوم من المشركين النبي ﷺ في تحليل الميتة بذلك الجدال السابق، وبتلك الفلسفة العقلية الباردة، فردّها الله وقبّحها من فلسفة، فلا رأي أمام كلامه الحق ووحيه العظيم. وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: لهم مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم). وقال النسفي: (﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حرمه الله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به). وقال القرطبي: (فدلّت الآية على أن من استحل شيئًا مما حرّم الله تعالى صار به مشركًا. وقد حرّم الله سبحانه الميتة نصًّا، فإذا قَبل تحليلها من غيره فقد أشرك). وفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي ﷺ تلا هذه الآية - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ [التوبة: ٣١]- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم] (٣).

стр. 1413

١٢٢ - ١٢٤. قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾. في هذه الآيات: نَهْيٌ من الله سبحانه للمؤمنين برسوله ﷺ عن طاعة المشركين وقبول أحكامهم. أو من كان ميتًا - أي: كافرًا - فهديناه وأنعشناه بالإسلام وجعلنا له بذلك حياة ونورًا وهدى بعد موت وظلام وضلال، كمن هو غارق في متاهات الظلمات لا يبصر طريق الحق والنجاة. إن الله قد خذل الكافرين فزُينت لهم سوء أعمالهم ليستوجبوا بذلك من فعلهم سخط الله وسوء العذاب ونزول النكال. وكذلك جعلنا في كل قرية عظماءها مجرميها - حين أسرف أهلها - ليمكروا فيها بإشاعة الكفر والفواحش والمعصية، ثم هم لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من الخزي وأليم العقاب مقابل غيّهم وعتوهم وتحاكمهم للأهواء والشهوات. وإذا جاءت هؤلاء المشركين حجة من الله على صدق نبوة محمد ﷺ وما يوحى إليه من الإيمان وشرائع الإسلام تنطعوا برفض التصديق حتى يعطيهم الله مثل معجزات الرسل، قل لهم يا محمد: الله أعلم بمواضع رسالته، وليس لأحد أن يشترط على الله في قبوله الإيمان، ثم ينتظر هؤلاء المستكبرين عذاب وذلة وهوان بما كانوا يمكرون. فقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، يعني: من كان كافرًا فهديناه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، يعني النور، القرآن، من صدَّق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني: بالظلمات، الكفر والضلالة). وقال: (فهو الكافر يهديه الله للإسلام. يقول: كان مشركًا فهديناه). وقال قتادة: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، هذا المؤمن معه من الله نور وبيّنة يعمل

стр. 1414

بها ويأخذ، وإليها ينتهي، كتاب الله، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وهذا مثل الكافر في الضلالة، متحيّر فيها متسكع، لا يجد مخرجًا ولا منفذًا). أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١). والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات. والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بنعمان - وهو واد إلى جنب عرفات. فالله سبحانه خلق خلقه في تلك الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره لئلا يبقوا في الظلمة، بل ليستضيئوا بنور الوحي والنبوة، فكادتهم الشياطين عند ذلك. أخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عياض مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل به سلطانًا] (٢). وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. قال ابن القيم: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات).

стр. 1415

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣]. وقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قَدَرًا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه). وقال القاسمي: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فنون الكفر والمعاصي، ولذا جادلوا بها الحق، وأصروا عليها). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾. قال ابن عباس: (سلّطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب). وقال مجاهد: (﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾: عظماءها). وقال النسفي: (﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾: ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي). قال: (وخصّ الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم). قال ابن كثير: (والمراد بالمكر ها هنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا. . .﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]).

стр. 1416

وقوله: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. تسلية من الله تعالى لنبيه ﷺ عما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم. أي: إن هؤلاء يحفرون لأنفسهم ليقعوا في حياض المهالك، ولن يعود وبال مكرهم إلا على أنفسهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: قال ابن جرير: (يقول: لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه، فهم في غيِّهم وَعُتُوِّهِم على الله يتمادَوْن). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ. . .﴾ [العنكبوت: ١٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (بيّن شيئًا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات، ونظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]. والكناية في "جاءتهم" ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقًا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنًا، وأكثر منك مالًا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدًا، إلا أن يأتينا وَحْيٌ كما يأتيه، فنزلت الآية). فأجابهم سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. قال القاسمي: (كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفى للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيره انكشافه له، لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا الاصطفاء من الله للنبوة وحمل رسالته، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن واثلةَ بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة،

стр. 1417

واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [بعثت من خير قرون بني آدم قَرْنًا فَقَرنًا، حتى كنت من القَرْن الذي كنت منه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن المطلب بن أبي وَدَاعَةَ قال: [قال العباس: بلغه ﷺ بعضُ ما يقول الناسُ، فصعد المنبر فقال: من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وأنا خيركم نفسًا] (٣). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إنّ لي خمسةَ أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، الذي يُحشَرُ الناس على قدمي، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب] (٤). وفي رواية لمسلم وأحمد من حديث أبي موسى بلفظ: [أنا محمد وأحمد والمقفّى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة]. زاد الطبراني في رواية: (ونبي الملحمة). الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود قال: [إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خَيْرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثَه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد

стр. 1418

قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وُزَراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيِّئ] (١). وقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. قال السدي: (الصغار: الذلة). وقال النسفي: (﴿صَغَارٌ﴾ ذل وهوان ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في القيامة ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدنيا). وقال ابن كثير: (هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيدٌ، لمن تكبر عن اتباع رُسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله ﴿صَغَارٌ﴾ وهو الذلة الدائمة، كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذُلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: صاغرين حقيرين. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾، لما كان المكر غالبًا إنما يكون خَفِيًّا، وهو التَلَطُفُ في التحيُّل والخديعة، قُوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وِفاقًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر). قال: (وجاء في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يُنْصبُ لكل غادر لواءٌ عند اسْتِهِ يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (٢). والحكمةُ في هذا أنه لما كان الغَدْرُ خفيًا لا يَطَّلِعُ عليه الناسُ، فيوم القيامة يصير عَلَمًا منشورًا على صاحبه بما فعَل). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بوصف ألوان ذلك الصغار الذي سيصيب المجرمين والمتكبرين يوم القيامة. الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى

стр. 1419

بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (٢). قال قتادة: (بلى وعزة ربنا). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال: اقرؤوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾] (٣). ١٢٥ - ١٢٧. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾. في هذه الآيات: يشرح الله صدر من أراد هدايته للحق والإيمان، فيوفقه لسلوك سبيل الهداية والرشاد، ويضيق - جلت عظمته - صدر من أراد أن يضله، نتيجة استهتاره وتهاونه وتعظيمه شهواته فوق أمر الله ، كأنه في ضيقه يرتفع في طبقات السماء حيث يضيق نفسه وصدره مع الارتفاع، كذلك يسلط الله الشيطان على من أبى الإيمان بالله وجحد رسالة نبته ﷺ والوحي الذي أنزل إليه، فيصده عن سبيل الهدى والحق. إن الذي بينا لك يا محمد هو صراط ربك المستقيم، ومنهاج الدين القويم، يظهر ذلك جليًا لأهل الفهم والإدراك والتمييز، الذين ينتفعون بهذه الذكرى

стр. 1420

وتنتظرهم دار السلام والأمان، إنهم في جنة عدن يوم القيامة، فالله ناصرهم ومؤيدهم في الدنيا والآخرة. قال السدي: (أما ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، فيوسع صدره للإسلام). وقال ابن جريج: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ بلا إله إلا الله، يجعل لها في صدره مُتَّسعًا). وعن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا. والإسلام واسع. وذلك حين يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق). وعَنْ مجاهد: (﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قال شاكًا). وقال قتادة: (ضيقًا ملتبسًا). وقال سعيد بن جبير: (لا يجد مسلكًا إلا صُعُدًا). وقال عطاء الخراساني: (ليس للخير فيه منفَذٌ). وقال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، بلا إله إلا الله، لا يجد لها في صدره مَسَاغًا). أو قال: (حتى تستطيع أن تدخله). وقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. قال عطاء: (مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء). وقال السدي: (من ضيق صدره). وقال ابن جريج: (من شدة ذلك عليه). قلت: وقد أثبت العلم الحديث ضيق النَّفَس والصدر بالإنسان كلما صعد في طبقات السماء وارتفع فيها حيث تقل الجاذبية والأوكسجين اللازم للتنفس. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فيه أقوال: ١ - عن مجاهد: (﴿الرِّجْسَ﴾، قال: ما لا خير فيه). ٢ - عن ابن زيد قال: (الرجس عذاب الله). ٣ - عن ابن عباس قال: (الرجس: الشيطان). واختار ابن جرير القول الثالث حيث قال: (كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك، كذلك

стр. 1421

يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصدّه عن سبيل الحق). قلت: والآية تشمل أكثر من ذلك، فالمعاناة والاكتئاب والقلق وكافة الأمراض النفسية إضافة إلى عذاب الله ووساوس الشيطان، كل ذلك داخل في مفهوم الآية. وقوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾. قال ابن عباس: (﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾، يعني به الإسلام). ونصب "مستقيمًا" على الحال. قال ابن كثير: (أي: هذا الدين الذي شرعناه لك - يا محمد - بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط الله المستقيم). وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. أي: قد بينا الحجج والدلالات لقوم لهم فَهْمٌ ووعي ويعقلون عن الله ورسوله. وقوله: (﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال السدي: (الله هو السلام، والدار الجنة). وقوله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: ناصرهم ومؤيدهم لقاء عملهم بطاعة الله واتباع رضوانه. ١٢٨ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾. في هذه الآيات: ويوم يحشر ربك - يا محمد - هؤلاء المشركين، العادلين بالله

стр. 1422

أوثانهم وأصنامهم والمعظمين شهواتهم فوق منهج الله تعالى، مع أوليائهم من الشياطين فيجمعهم في موقف المحشر، ثم يقول للجن: لقد استكثرتم من إضلال الإنس وإغوائهم، فيجيب أولياء الجن من الإنس: ربنا لقد تبادلنا المنافع فيما بيننا فأدركنا الشهوات بتعظيم المردة وطاعتهم حتى وافانا الأجل وحال بيننا الموت! قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما كان من مدة الحشر، إن ربك - يا محمد - حكيم بتدبير أمور خلقه، عليم بعواقب الأمور وبمصير كل فرد من الجن والإنس يوم القيامة. وكذلك نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بأعمالهم. ويوم القيامة يناديهم: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يعرفونكم آياتي ونعمي لديكم، ويبيّنون لكم ما يجب عليكم تجاه بارئكم من التعظيم والعبادة والاستعداد للقائه، فأجابوا: بلى شهدنا على أنفسنا ببلاغ الرسل ووضوح الآيات والحجج، ولكن غرتنا الحياة الدنيا وشهواتها ووقعنا في الكفر والآثام. فاعلم - يا محمد - أنه إنما نرسل الرسل لإقامة الحجة على الناس، فما كان الله ليرسل العذاب على أمة حتى يقيم عليهم حجته البالغة، ومن ثم فلكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب يبلغها يوم يوضع الميزان ليزن الأعمال وما ربك بغافل عما يعملون. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. قرأ ذلك نافع: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ وهي في محل نصب بفعل محذوف تقديره: نقول. أي: "ويوم نحشرهم جميعًا نقول. .". وأما جميعًا فهي في محل نصب على الحال، والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة. وأما قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ فهو منادى مضاف. وقوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. قال ابن عباس: (يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى الله إجابتهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا. قال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم). وقال ابن جريج في هذه الآية: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة). وفي

стр. 1423

التنزيل - قوله سبحانه في سورة [الجن]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾. وقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. ثم قال سبحانه يحكي قولهم يوم القيامة، وقد اصطفوا أمامه خزايًا نادمين: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. قال السدي: (أما قوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ فالموت). أي: فاستمتع بعضنا ببعض أيام حياتنا إلى حال موتنا وانقضاء الأجل. فأجابهم سبحانه إجابة مؤلمة مخزية: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. فيه أكثر من تأويل يحتمله السياق: التأويل الأول: يقول: لابثين فيها إلا ما شاء الله، من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك هي المدة المستثناة من خلودهم. التأويل الثاني: قيل بل المراد: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب. التأويل الثالث: قيل بل المعنى: أن الله قد جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته، كقوله تعالى في سورة [هود]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾. قال ابن عباس: (إن هذه الآية آيةٌ لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارًا). ثم سطّر سبحانه في كتابه في هذه السورة سنة عظيمة من سننه في الأمم، إذا ما تعاطوا ما يسخط الله ويغضبه، وإذا ما استباحوا بعض ما حرَّمَ عليهم، أو استهتروا

стр. 1424

في حمل الأمانة ولم يعظموا شعائره وأوامره، فقال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾. وفيه أكثر من تفسير: التفسير الأول: نولي بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر. قال قتادة: (وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي). التفسير الثاني: قيل بل معناه: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في النار، من الموالاة التي هي المتابعة بين الشيء والشيء. فعَن معمر: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: قال: في النار يتبع بعضهم بعضًا). التفسير الثالث: قيل بل المراد نسلط بعض الظلمة على بعض. قال ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس). وجملة القول: إن الله قد يسلِّط مردة الجن على عصاة المسلمين الذين يتجاوزون بعض ما حرم الله تكاسلًا أو تجاهلًا، فيسومونهم سوء العذاب، إذ يشاركونهم حياتهم وطعامهم وشرابهم، وينغِّصُون عليهم معيشتهم حتى يذوقوا الضنك الذي وعد الله به المعرضين عن ذكره وهديه بقوله في سورة [طه]: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. . (١٢٤)﴾. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١). وله شاهد عند ابن حبان بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج.

стр. 1425

ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (١). وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. خطاب الله لهم يوم القيامة، وقد وقفوا بين يديه أذلاء صاغرين. أي: ألم يأتكم في الدنيا - يا معشر الجن والإنس - رسل من بينكم ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ بالأمر والنهي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ أي: يحذرونكم ويخوفونكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ - قال القاسمي: (وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال). فأجابوه سبحانه: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾. قال القرطبي: (أي: شهدنا أنهم بلغوا). أي: أقررنا بمجيء الرسل وإقامتهم حجة الحق والوحي البالغة، وبتكذيب دعوتهم. ثم قال سبحانه: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. قال ابن كثير: (أي: وقد فرَّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغترُّوا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها). وقوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. أي: شهدوا على أنفسهم أمام ربهم في أرض المحشر، أنهم كانوا كافرين بالرسل وبما جاؤوا به من وحي الله العظيم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. أي: إن أمر الله بهلاك الأمم التي أهلكها لم يكن إلا بعد إعذارها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإقامة حجة الوحي البالغة عليها، فإنه سبحانه لا يعاقب عباده إلا بعد بلوغهم دعوة الحق. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

стр. 1426

وكما قال جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا. .﴾ [الملك: ٨، ٩]. وكقوله جل ذكره: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. .﴾ [النساء: ١٦٥]. أخرج ابن أبي عاصم في السنة - بسند صحيح على شرط الشيخين - عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا شخص أغير من الله تعالى، ولا شخص أحب إليه العذر من الله ، ولأجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله تعالى، ومن أجل ذلك وعد الجنة] (١). وأصله في الصحيحين من طريق أبي وائل، ولفظ البخاري - عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال -: [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلك حرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا شَيْءَ أحبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه، قلت: سمعتَه من عبدِ الله؟ قال: نعم، قلت: ورَفَعَهُ؟ قال: نعم] (٢). ويحتمل قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ وجهين - كما ذكر شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير ﵀ أحدهما: ذلك من أجل أن ربك لم يكن ليهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولًا يُنَبِّهُهُم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يومَ معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخِذهم غفلةً فيقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. والوجه الثاني: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، يقول: لم يكن ربك لِيُهْلِكَهُم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلّام لعبيده. والوجه الأول من التأويل أقوى، ورجّحه ابن جرير، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من المفسرين. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. قال القرطبي: (أي: ولكل عامل بطاعة درجاتٌ في الثواب. ولكل عامل بمعصية دركاتٌ في العقاب. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ أي: ليس بلاهٍ ولا ساهٍ. والغفلة أن يذهب

стр. 1427

الشيء عنك لاشتغالك بغيره). والآية تشمل الجن والإنس معًا. وفي التنزيل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف]. أي: لكل عامل من الثقلين ثواب عمله، فمطيع الجن في الجنة، وعاصي الجن في النار، شأنهم في ذلك شأن الإنس. ١٣٣ - ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ذكره: وربك - يا محمد - الذي يأمر بإفراده بالطاعة والتعظيم والعبادة، هو الغني عن عباده وعن عبادتهم واجتهادهم في طاعته، فهم المحتاجون إليه وإلى رحمته، ولو شاء لأهلك خلقه هؤلاء من ولد آدم واستبدلهم بخلق جديد يكونون أممًا تخلف أولئك في الأرض، كما أحدثكم من بعد خلق آخرين مضوا وَقد كانوا قبلكم. إن الذي يعدكم ربكم من العقاب على الكفر به ورسله واقع لا محالة وما أنتم بهاربين. فقل يا محمد لقومك من قريش الذين يصرون على طريقة آبائهم في الشرك بالله: اعملوا على ناحيتكم وحيالكم فسوف تعلمون عند حلول نقمة الله بكم من كان المحق من المبطل، إنه لا فلاح ولا سعادة للظالمين. قال القاسمي: (﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: يترحم عليهم بالتكليف، تكميلًا لهم، ويمهلهم على المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه، بل لترحمه على العباد). وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. قال النسفي: (﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الظلمة ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع).

стр. 1428

وقوله: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾. قال ابن جرير: (كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم. قال: لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم). وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. أي: أخبرهم يا محمد - إن الذي وعدكم به ربكم من النكال والعقاب لِمَنْ تمرّد على طاعته وعاند واستكبر وصدّ عن دينه الحق، واقع لا محالة، ولا طريقة للفرار حينئذ من عقاب الله وعذابه في الآخرة. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن جُبَيْر بن نُفَيْر عن بُسْر بن جَحَّاشٍ القُرَشي، أن النبي ﷺ بصق يومًا في كفّه فوضع عليها أَصْبُعَهُ ثم قال: [قال الله: إبن آدم أنّى تُعْجِزُني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومَنَعْتَ حتى إذا بَلَغَتِ التراقِيَ قُلْتَ أتصدقُ وأنّى أوانُ الصدقة] (١). وقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني: على ناحيتكم). وقوله: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. قال ابن كثير: (هذا تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيدٌ، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقي ومَنْهَجي، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢]). وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: (أي: أتكونُ لي أَوْ لَكُم. وقد أنجز مَوْعودَهُ له - صلوات الله عليه - فإنه تعالى مَكَّنَ له في البلاد، وحَكَّمَهُ في نواصي مخالفيه من العباد، وفتحَ له مكة، وأظهرهُ على من كَذَّبَهُ من قومه وعاداه وناوأه، واستقرّ أمرُه على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكلُّ ذلك في حياته. ثم فُتِحَت الأمصار والأقاليم والرَّساتيقُ بعد وفاته في أيام خُلفائه، ﵃ أجمعين. كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا

стр. 1429

وَرُسُلِي. .﴾ [المجادلة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. . .﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله تعالى ذلك بهذه الأمة المحمدية، وله الحمد والمنّةُ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا) انتهى. قلت: وقد سخّر الله الطبيعة والملائكة وجنوده المختلفة لنصر نبيّه ﷺ تعظيمًا لقدره وجهاده، وتسلية له عما أصابه به أعداؤه. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، أن أبا بكر حدثه قال: [قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: [لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: [قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا] (٣).

стр. 1430

الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن رفاعة، عن النبي ﷺ قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدون من شهد بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة] (١). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد بسطت أكثرها في كتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة. ١٣٦ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: وجعل هؤلاء المشركون - العادلون بربهم الأوثان والأصنام - لربهم قِسمًا وجزءًا مما خلق من الحرث والأنعام، والقِسم الآخر لشركائهم

стр. 1431

لا يكون لله أبدًا، وأما قسم الله فيمكن أن يكون لشركائهم، فعدلوا بمن خلقهم وأنعم عليهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم وفَضَّلوه بالقَسْم قلة أدب منهم، وسوء حكم وضلالة وجهالة. وقد زين لهم الشياطين - إضافة إلى ذلك القَسْم الفاسد وسوء الأدب مع الله تعالى - وأد البنات، ليهلكوهم وليشوهوا عليهم دينهم ولو شاء الله لردّهم عن تلك الأفعال القبيحة المشينة، ولكنه سبحانه خذلهم عن الرشاد، فقتلوا الأولاد، وخضعوا لأهواء الشياطين. ثم كان من هؤلاء المشركين أن حلَّلوا من قبل أنفسهم وحرّموا ما لم يأذن به الله، فجعلوا السائبة والبحيرة والوصيلة وغيرها مما سمّوا لآلهتهم فقالوا نحرم أكلها وظهورها والانتفاع بِرِسْلِها ونِتاجها ونجعلها وقفًا للأصنام، وكذلك حرموا أنعامًا أخر فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال، ولا إن حلبوها، ولا إن حملوا عليها، والله تعالى سيثيبهم جزاء ما كانوا يكذبون. وكذلك قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم، خالصة، دون إناثهم، فإن كان الذي في بطونها ميتة اشترك في أكله الرجال والنساء، سيجزيهم وصفهم وافتراءهم إنه تعالى حكيم بما سيصنع بهم، عليم باجترائهم التشريع الكذب وتنحية شرعه الحكيم. إن الذين قتلوا أولادهم ظلمًا وسفهًا وتعظيمًا لعادات القوم الجاهلية، وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم قد ضلوا وخسروا وما كانوا مهتدين. فقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. ذمٌّ وتوبيخٌ من الله تعالى للمشركين الذين اختلقوا تشريعًا كذبًا كفرًا وشركًا بالله تعالى. ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق وبرأ. ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسمًا وجزءًا. ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: من الزروع والثمار، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾. وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾. قال قتادة: (عَمدَ ناس من أهل الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم. وكانوا إذا خالط شيء مما جزؤوا لله فيما جزؤوا لشركائهم خلَّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ استعانوا بما جزؤوا لله، وأقروا ما جزؤوا لشركائهم، قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾) - أي: ساء ما يقسمون. وقال ابن عباس: (إن أعداء الله كانوا إذا حَرَثوا حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ، جعلُوا لله منه. جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان

стр. 1432

حفِظوه وأحصَوه. وإن سقطَ منه شيء فيما سُمِّيَ للصَّمد رَدُّوه إلى ما جَعَلوه للوَثَنِ. وإن سَبَقَهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئًا جَعَلُوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سَقَطَ شيءٌ من الحَرْثِ والثَّمَرِ التي جعلوا لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير. ولم يَرُدوه إلى ما جعلوه لله. وإن سبقهم الماءُ الذي جعلوه لله، فسقى ما سُمِّيَ للوثن، ترَكوه للوثن. وكانوا يُحَرِّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلةَ والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يُحَرِّمُونه قربة لله، فقال الله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. . الآية). قال ابن كثير: (﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولًا في القسمة، فإن الله تعالى هو ربُّ كلِّ شيء ومليكُه وخالقُه، وله الملك، وكل شيء له وفي تَصَرُّفِه وتحت قُدْرَتِه ومشيئته، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ثم لما قَسَموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جارُوا فيها، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢]). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾. توبيخ آخر، وذم متتابع من الله تعالى، لهؤلاء المشركين الذين صدرت منهم تلك القسمة الفاسدة في الحرث والأنعام - تجاه ربهم وخالقهم وخالق حرثهم وأنعامهم، وقد زيّن لهم الشيطان بعد ذلك قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار. قال ابن عباس: (زينوا لهم، من قَتْلِ أولادهم). وقال مجاهد: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة). وقال السدي: (أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وأما ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾، فيهلكوهم. وأما ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، فيخلطوا عليهم دينهم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ. . .﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].

стр. 1433

قلت: وهذا الظلم الذي كان يقع على الأولاد والبنات في الجاهلية، قد أبكى النبي ﷺ . يروي الدارمي في أول "سننه" عن الوَضين: [أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا كنا أهل جاهلية وعبادةِ أوثان، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يومًا، فاتبعتني، فمررت حتى أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه! يا أبتاه! فبكى رسول الله ﷺ حتى وكف دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء رسول الله ﷺ : أحْزَنْتَ رسول الله ﷺ ! فقال له: كُفَّ، فإنه يسأل عما أَهَمَّهُ. ثم قال له: أعد عليَّ حديثك، فأعاده، فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف العمل] (١). وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : [من أحسن فيما بقي، غُفِرَ له ما مضى. ومن أساء فيما بقي، أخِذَ بما مضى وما بقي] (٢). وأصله في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: [قال رجل يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر] (٣). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾. قال ابن جرير: (ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه، بأن كان يهديهم للحق، ويوفقهم للسداد، فكانوا لا يقتلونهم، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم). وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. أي: فذرهم يا محمد وما كان من قسمهم الفاسد، وقتل أولادهم وتقوّلهم على الله

стр. 1434

الكذب والزور، فإن ربهم لهم بالمرصاد، وينتظرهم عذاب موجع أليم فيه خزيهم وهوانهم ومذلتهم. وقوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. قال ابن عباس: (الحِجْرُ: الحرامُ، ما حَرَّموا من الوصيلة، وتحريم ما حَرَّموا). وقال قتادة: (تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظٌ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله تعالى). وقال ابن زيد: (﴿حِجْرٌ﴾، إنما احتجروها لآلهتهم). وقال السدّي: (﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، يقولون: حَرَام أن نُطْعِمَ إلا من شِئْنَا). وقال: (أما أنعامٌ حُرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والحام. وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها، قال: لا إذا أولدوها، ولا إن نحروها). وقال مجاهد: (كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حَلبُوا، ولا إن حَمَلوا، ولا إن سَحَبُوا، ولا إن عملوا شيئًا). وقال أبو وائل: (هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها). والآية تشبه ما في التنزيل من قوله تعالى: ١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. ٢ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. ٣ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. وقوله: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. أي: افتراء وكذبًا على الله في إقحامهم الجاهلية في دين الله وشرعه، مما لم يأذن الله به ولم يرضه بل عابه وحرّمه. وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. أي: سيثيبهم ربهم وسيحاسبهم على ما أسندوا إليه من التشريع الجاهلي المفترى، فإن أكذب الكذب وأشد الافتراء هو ما كان تجاه شرع الله ودينه الحنيف.

стр. 1435

وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. قال ابن عباس: (فهو اللبن، كانوا يحرِّمُونه على إناثهم، ويشرَبه ذُكْرانهم. وكانت الشاةُ إذا ولدت ولدًا ذكرًا ذَبَحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تُرِكت فلم تُذبح، وإن كانت مَيْتَةً فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك). وقال الشعبي: (البحيرةُ لا يَأْكُلُ من لَبَنِها إلا الرجال، وإن ماتَ منها شيءٌ أكَلَهُ الرجال والنساء). وقال مجاهد: (﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: هي السائبة والبحيرة). وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. قال مجاهد: (أي: قَوْلَهم الكَذِبَ في ذلك). وقوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. أي: حكيم في شرعه سبحانه وفي كل أقواله وأفعاله. عليم بكل شيء، وبما يجترئ عباده عليه من مخالفته، وبما سيقابل ذلك في الدنيا والآخرة من الخزي والشقاء. وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. أخرج البخاري فيِ صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [إذا سَرَّك أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئةٍ في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾] (١) قال قتادة: (هذا صنيع أهل الجاهلية. كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه، وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾، الآية، وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا، تحكمًا من الشياطين في أموالهم). وقال الشهاب: (وفي قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بعد قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾

стр. 1436

مبالغة في نفي الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض) - ذكره القاسمي. ١٤١ - ١٤٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾. في هذه الآيات: إعلام من الله سبحانه لهم ولكل خلقه عن جميل نعمه عليهم، في خلق الزروع والثمار والأنعام، ومما عَرَشَ الناس من الكروم أو رفعه الله وبناه، ومما أنشأ لهم سبحانه من النخل والزرع مختلفًا أكله وألوانه، ثم هم يقسمونه بأهوائهم ويجعلون منه حرامًا وحلالًا بعقولهم الفاسدة ويشركون بالله في التشريع، والله أحل لكم أكله والتمتع بثمره وما أمر بإخراج إلا الصدقة يوم حصاده، ونهى عن الإسراف وأخبر أنه لا يحب المسرفين. وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا، كبار الإبل وصغاره، وأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم، فكلوا مما رزقكم سبحانه، ولا تخوضوا في متاهات القول على الله بغير علم، أو التشريع بوحي من الشيطان، فإنه لكم عدو مبين. فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. أي: أحدث بساتين من الكروم المعروشة التي ترفعونها، أو غير المعروشة التي يَبْنيها الله وينميها وينبتها في البر والجبال. قال ابن عباس: (المعروشات: ما عرش الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات). وقال السدي: (أما ﴿جَنَّاتٍ﴾، فالبساتين، وأما ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، فما عرش كهيئة الكَرْم). وعن عطاء: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما يُعْرَشُ من الكروم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما لا يعرش من الكرم).

стр. 1437

وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال ابن جرير: (وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، في الطعم، منه الحلو، والحامض، والمزّ). وقال ابن جريج: ("متشابهًا"، في المنظر، و"غير متشابه"، في الطعم). وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال محمد بن كعب: (من رُطبه وعنبه). وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. ١ - قال ابن عباس: (العشر ونصف العشر). وقال الحسن: (الزكاة. وقال: هي الصدقة من الحب والثمار). وقال سعيد بن المسيب: (الصدقة المفروضة). وقال ابن عباس: (وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقّه، فيخرج من كل عشرة واحدًا، وما يَلْقُط الناس من سنبله). ٢ - قال قتادة: (وحقه يوم حصاده: الصدقة المفروضة. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطل - و"الطل"، الندى - أو كان بَعْلًا، العشرَ كاملًا. وإن سقي برشاء نصفَ العشر. قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسق، وذلك ثلاث مئة صاع، فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك). ٣ - قال عطاء: (﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: من النخل والعنب والحب كله). وقال: (يعطي من حُضور يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة). وقال: (ليس بالزكاة، ولكن يُطعم من حَضَره ساعتئذٍ حَصيده). وقال مجاهد: (سوى الفريضة). قلت: الزكاة في الزروع والثمار واجبة في أربعة أصناف: التمر والزبيب والحنطة والشعير. وفي ذلك حديثان: الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن

стр. 1438

لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب] (١). الحديث الثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح لغيره عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب قال: [إنما سَنَّ رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر] (٢). ويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار أن تبلغ النصاب - خمسة أوسق. والأوسق: جمع وَسْق، بفتح الواو أو كسرها، وهو ستون صاعًا بالاتفاق. أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس فيما دون خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة] (٣). والأواق: جمع أوقية. قال ابن حجر: (ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة). وأما المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار: العشر فيما سقت السماء والعيون، ونصف العشر فيما سُقي بالناضح أو السانية. ففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤). وفي صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥). والعشور: جمع عشر. والغيم: المطر. والسانية: هو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له الناضح. و"عَثَريًّا": هو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء

стр. 1439

المطر في سواق تشق له. واشتق من العاثور: الساقية التي يجري فيها الماء، لأن الماشي يعثر فيها (١). قلت: وأما بقية الأصناف من الزروع والثمار غير الأربعة ففيها صدقة سوى الزكاة، تسع الأقارب والجيران، والأهل والأرحام، متروك مقدارها لمنزلة الإحسان. تدخل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن النبي ﷺ : أمر من كل جاد (٢) عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في المسجد للمساكين] (٣). قال ابن سِيرين: (كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة)، وبنحوه قال مجاهد. وقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فيه أقوال متكاملة. ١ - قال أبو العالية: (كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تبارَوا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾). ٢ - قال ابن جريج، عن عطاء: (ينهى عن السَّرَف في كل شيء). وقال إياس بن معاوية: (ما جاوَزْتَ به أمرَ الله فهو سَرَف). ٣ - وقال السدي: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء). ٤ - وقال سعيد بن المسيب: (﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تمنعوا الصدقةَ فتعصوا ربكم). واختار ابن جرير قول عطاء: نهي عن الإسراف في كل شي. واختار ابن كثير: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مَضَرّة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. .﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 1440

قلت: والآية عامة تشمل التنبيه ضد المبالغة في الإنفاق والصدقة على حساب الأهل ومن يلزمه نفقتهم، كما تشمل التحذير من الإسراف في الأكل والشرب، كما تشمل الترهيب من مجاوزة أوامر الله في كل حال. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [إنك أَنْ تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرهم عالةً يتكفّفون الناس] (١). الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قِيلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةَ المال] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري تعليقًا: [كُلوا واشربوا والبَسُوا وتَصَدَّقوا، في غير إسرافٍ ولا مَخيلةٍ] (٣). وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. الحمولة: ما حمل عليه من الإبل وغيرها، والفرش: صغار الإبل التي لم يُحْمَل عليها بعد. ١ - قال ابن عباس: (الحمولة هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل). ٢ - قال الحسن: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني صغارها). ٣ - قال قتادة: (أما "الحمولة"، فالإبل والبقر. وأما "الفرش"، فالغنم). وقال ابن عباس: (فأما "الحمولة" فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما "الفرش"، فالغنم). ٤ - قال ابن زيد: ("الحمولة" ما تركبون، و"الفرش"، ما تأكلون وتحلبون، شاة
следующие страницы →