← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

مبالغة في نفي الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض) - ذكره القاسمي. ١٤١ - ١٤٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾. في هذه الآيات: إعلام من الله سبحانه لهم ولكل خلقه عن جميل نعمه عليهم، في خلق الزروع والثمار والأنعام، ومما عَرَشَ الناس من الكروم أو رفعه الله وبناه، ومما أنشأ لهم سبحانه من النخل والزرع مختلفًا أكله وألوانه، ثم هم يقسمونه بأهوائهم ويجعلون منه حرامًا وحلالًا بعقولهم الفاسدة ويشركون بالله في التشريع، والله أحل لكم أكله والتمتع بثمره وما أمر بإخراج إلا الصدقة يوم حصاده، ونهى عن الإسراف وأخبر أنه لا يحب المسرفين. وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا، كبار الإبل وصغاره، وأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم، فكلوا مما رزقكم سبحانه، ولا تخوضوا في متاهات القول على الله بغير علم، أو التشريع بوحي من الشيطان، فإنه لكم عدو مبين. فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. أي: أحدث بساتين من الكروم المعروشة التي ترفعونها، أو غير المعروشة التي يَبْنيها الله وينميها وينبتها في البر والجبال. قال ابن عباس: (المعروشات: ما عرش الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات). وقال السدي: (أما ﴿جَنَّاتٍ﴾، فالبساتين، وأما ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، فما عرش كهيئة الكَرْم). وعن عطاء: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما يُعْرَشُ من الكروم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما لا يعرش من الكرم).

стр. 1437

وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال ابن جرير: (وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، في الطعم، منه الحلو، والحامض، والمزّ). وقال ابن جريج: ("متشابهًا"، في المنظر، و"غير متشابه"، في الطعم). وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال محمد بن كعب: (من رُطبه وعنبه). وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. ١ - قال ابن عباس: (العشر ونصف العشر). وقال الحسن: (الزكاة. وقال: هي الصدقة من الحب والثمار). وقال سعيد بن المسيب: (الصدقة المفروضة). وقال ابن عباس: (وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقّه، فيخرج من كل عشرة واحدًا، وما يَلْقُط الناس من سنبله). ٢ - قال قتادة: (وحقه يوم حصاده: الصدقة المفروضة. ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطل - و"الطل"، الندى - أو كان بَعْلًا، العشرَ كاملًا. وإن سقي برشاء نصفَ العشر. قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسق، وذلك ثلاث مئة صاع، فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك). ٣ - قال عطاء: (﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: من النخل والعنب والحب كله). وقال: (يعطي من حُضور يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة). وقال: (ليس بالزكاة، ولكن يُطعم من حَضَره ساعتئذٍ حَصيده). وقال مجاهد: (سوى الفريضة). قلت: الزكاة في الزروع والثمار واجبة في أربعة أصناف: التمر والزبيب والحنطة والشعير. وفي ذلك حديثان: الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن

стр. 1438

لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب] (١). الحديث الثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح لغيره عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب قال: [إنما سَنَّ رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر] (٢). ويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار أن تبلغ النصاب - خمسة أوسق. والأوسق: جمع وَسْق، بفتح الواو أو كسرها، وهو ستون صاعًا بالاتفاق. أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس فيما دون خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة] (٣). والأواق: جمع أوقية. قال ابن حجر: (ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة). وأما المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار: العشر فيما سقت السماء والعيون، ونصف العشر فيما سُقي بالناضح أو السانية. ففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤). وفي صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥). والعشور: جمع عشر. والغيم: المطر. والسانية: هو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له الناضح. و"عَثَريًّا": هو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء

стр. 1439

المطر في سواق تشق له. واشتق من العاثور: الساقية التي يجري فيها الماء، لأن الماشي يعثر فيها (١). قلت: وأما بقية الأصناف من الزروع والثمار غير الأربعة ففيها صدقة سوى الزكاة، تسع الأقارب والجيران، والأهل والأرحام، متروك مقدارها لمنزلة الإحسان. تدخل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن النبي ﷺ : أمر من كل جاد (٢) عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في المسجد للمساكين] (٣). قال ابن سِيرين: (كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة)، وبنحوه قال مجاهد. وقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فيه أقوال متكاملة. ١ - قال أبو العالية: (كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تبارَوا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾). ٢ - قال ابن جريج، عن عطاء: (ينهى عن السَّرَف في كل شيء). وقال إياس بن معاوية: (ما جاوَزْتَ به أمرَ الله فهو سَرَف). ٣ - وقال السدي: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء). ٤ - وقال سعيد بن المسيب: (﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تمنعوا الصدقةَ فتعصوا ربكم). واختار ابن جرير قول عطاء: نهي عن الإسراف في كل شي. واختار ابن كثير: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مَضَرّة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. .﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 1440

قلت: والآية عامة تشمل التنبيه ضد المبالغة في الإنفاق والصدقة على حساب الأهل ومن يلزمه نفقتهم، كما تشمل التحذير من الإسراف في الأكل والشرب، كما تشمل الترهيب من مجاوزة أوامر الله في كل حال. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [إنك أَنْ تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرهم عالةً يتكفّفون الناس] (١). الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قِيلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةَ المال] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري تعليقًا: [كُلوا واشربوا والبَسُوا وتَصَدَّقوا، في غير إسرافٍ ولا مَخيلةٍ] (٣). وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. الحمولة: ما حمل عليه من الإبل وغيرها، والفرش: صغار الإبل التي لم يُحْمَل عليها بعد. ١ - قال ابن عباس: (الحمولة هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل). ٢ - قال الحسن: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني صغارها). ٣ - قال قتادة: (أما "الحمولة"، فالإبل والبقر. وأما "الفرش"، فالغنم). وقال ابن عباس: (فأما "الحمولة" فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما "الفرش"، فالغنم). ٤ - قال ابن زيد: ("الحمولة" ما تركبون، و"الفرش"، ما تأكلون وتحلبون، شاة

стр. 1441

لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا). وقال السدي: (أما "الحمولة"، فالإبل، وأما "الفرش" فالفُصْلان والعَجاجيل والغنم. وما حمل عليه فهو "حمولة"). قلت: والقول الثالث أشملها، فكل ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال والحمير وغير ذلك من الأنعام فهو حمولة، واختاره ابن جرير. ثم قال: (وكذلك "الفرش"، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: "الفرش". وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤها الناس). وفي التنزيل ما يشهد لهذا المعنى: ١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩، ٨٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ هو إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٦٦ - ٨٠]. وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾. أي: كلوا من طيبات ما رزقكم الله معشر المؤمنين، فقد أحل لكم ثمرات زروعكم وغروسكم وحروثكم، ولحوم أنعامكم، ولا تقلدوا المشركين الذين اتبعوا خطوات الشيطان، فحرموا طيبات أحلت لهم، وشرعوا ما لم يأذن به الله. قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم، وهي طاعة للخبيث). قلت: ومن خطوات الشيطان اكتساب الرزق من أي طريق، ولو كان في إشاعة منكر في الأرض من طعام أو شراب أو لباس أو علم فاسد المنهج أو غير ذلك، مما يعين على نشر الفواحش والمعازف في الأرض.

стр. 1442

أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم أستبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١). وأخرج ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: [آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًا، حتى لا يزيغَ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. قال ابن جرير: (إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم، ﴿مُبِينٌ﴾، قد أبان لكم عداوته، بمناصبته أباكم العداوة، حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخَدَعه حسدًا منه له، وبغْيًا عليه). وآيات القرآن كثيرة في مظاهرة العداوة مع هذا الشيطان اللعين وأعوانه: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا. . .﴾ [الأعراف: ٢٧] وقد حفلت السنة الصحيحة كذلك بالحث على مخالفته ومبادلته العداوة - في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ

стр. 1443

قال: [إذا قرأ ابنُ آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود فعصيت فليَ النار] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدع أرضك وسماءك. . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فَتُنْكَحُ المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد] (٣). ١٤٣ - ١٤٦. قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا

стр. 1444

كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ذكره: وأنشأ لكم - أيها الناس - من الأنعام ثمانية أزواج، من الضأن اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، ومن المعز اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر - فقل - يا محمد - لهؤلاء الكذبة على الله: آلذكرين حرم ربكم من الضأن والمعز - فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها - أم حرّم الأنثيين؟ فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم مرة أخرى، فهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره! أم حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين - أنثى الضأن وأنثى المعز؟ فإن أقروا فقد كذبوا باستمتاعهم ببعض ذلك! قل لهم: خبروني بعلم عن مذهبكم الذي شرعتموه وأشركتم بالله في التشريع. والأمر نفسه بالنسبة للإبل والبقر. قل لهم يا محمد: كيف حرمتم وأحللتم - هل شهدتم ربكم فوصاكم بهذا أم تفترون عليه الكذب، فمن أظلم ممن كذب على الله ليصد الناس عن سبيله، إن الله لا يوفق الكاذبين المفترين. قل لهؤلاء المفترين: إني لا أجد فيما أوحي إلي من كتاب الله وشرعه محرّمًا على آكل يأكله - مما تصفون - إلا ميتة ماتت دون تذكية أو دمًا انصبّ أو لحم خنزير - فذلك رجس - أو فسقًا - كذبح عبدة الأوثان والمشركين - فما سبق لا يجوز أكله إلا عند الضرورة وخشية الهلاك والله غفور رحيم. لقد حرمنا فيما مضى على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع - كالإبل والنَّعام والإوز والبط، ومن البقر والغنم حرم شحومهما إلا شحومَ الجَنْب وما علق بالظهر، أو ما حملت الحوايا - وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار - وإلا ما اختلط بعظم عقوبة على تنطعهم وبغيهم ونحن الصادقون في تشريعنا وأخبارنا عنهم، وهم الكاذبون في ادعائهم أن ذلك مما حرمه إسرائيل على نفسه فحرموه على أنفسهم. قال ابن عباس: (﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فهذه أزواج أربعة). وقال الضحاك: (﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى). قال ابن كثير: (بَيّنَ أصنافَ الأنعام إلى غَنَمٍ وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو

стр. 1445

المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها، وبقر كذلك. وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها، بل كُلُّها مخلوقةٌ لبني آدم، أكلًا، وركوبًا، وحمولة، وحَلْبًا، وغير ذلك من وُجوه المنافع، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ. . .﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، رَدٌّ عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: أخبروني عن يقين: كيف حَرَّمَ الله عليكم ما زعمتمُ تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلةِ والحامِ ونحو ذلك). وقوله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لم أُحَرِّم شيئًا من ذلك). وقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال ابن عباس: (يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا). وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾. توبيخ لصنيعهم وابتداعهم تشريعًا كاذبًا لم يأذن به الله. وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال السدي: (كانوا يقولون - يعني الذين كانوا يتخذون البحائر والسوائب -: إن الله أمر بهذا. فقال الله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قلت: وأول من دخل بهذا التهديد والوعيد من سَنَّ ذلك التشريع الكاذب في أمة العرب - عمرو بن لحي. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إنّ أول من سَيَّبَ السوائب وَعَبَدَ الأصنام أبو خزاعة عمرو بنُ عامر، وإني رأيته في النار يَجُرُّ أمعاءَه فيها] (١). وله شاهد عن ابن أبي عاصم، بسند حسن عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: [يا أكثم! رأيت عَمْرَو بن لُحَيٍّ بن قمعة بنِ خَنْدَف

стр. 1446

يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا بك منه. فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غَيَّرَ دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبَحَرَ البحيرة، وسَيَّبَ السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي] (١). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لا يوفق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب، وأضاف إليه تحريم ما لم يحّرم، كفرًا بالله، وجحودًا لنبوة نبيه محمد ﷺ ). وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. قال طاووس: (كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرّمون أشياء، فقال الله لنبيه: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا مما كنتم تستحلون إلا هذا، وكانت أشياء يحرّمونها، فهي حرام الآن). وقال عكرمة: (﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: لولا هذه الآية لتتبّعَ المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود). والدم المسفوح: هو الدم المُسال المُهراق. فعن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: سألته عن الدم وما يتلطَّخ بالمذْبح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحُمرة؟ قال: (إنما نهى الله عن الدم المسفوح). وقال قتادة: (حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا. وأما لحم خالطه دم، فلا بأس به). أخرج البخاري في صحيحه عن سفيان: قال عمرو: قلتُ لجابرِ بنِ زَيْدٍ: [يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن حُمُرِ الأهلية، فقال: قد كان يقول ذاكَ الحَكَمُ بن عَمْرٍو الغِفاري عِنْدَنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البَحْرُ ابنُ عباس وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾] (٢). قلت: لكن ثبتَ أن رسول الله ﷺ حرَّم لحوم الحمر الأهلية في أحاديث:

стр. 1447

الحديث الأول: أخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁: [أن النبي ﷺ رأى نيرانًا توقد يوم خيبر، قال: على ما توقدُ هذه النيران؟ قالوا: على الحمر الإنسية. قال: اكسِروها وأهرقوها. قالوا: ألا نُهْرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قال: اغسلوا] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس - يوم خيبر - قال: [وأصبنا حُمُرًا فطبخناها فنادى منادي النبي ﷺ : إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر فإنها رجس، قال: فأكفئت القدور بما فيها] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر قال: [نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر ورَخَّصَ في لحوم الخيل] (٣). قلت: فهذا تخصيص للآية السابقة، وكذلك كل تخصيص آخر جاء في تحريم بعض اللحوم. وعليه يحمل قول ابن عباس: [كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تَقَذُّرًا، فبعث الله تعالى نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرَّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾ إلى آخر الآية] (٤). ومن ذلك أيضًا ما أخرج الإمام أحمد والبخاري - واللفظ لأحمد - عن ابن عباس قال: [ماتت شاةٌ لسودةَ بنت زَمَعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانةُ - تعني الشاة - قال: فلولا أخَذْتم مَسْكها؟ قالت: نأخذ مَسْك شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول الله ﷺ : إنما قال الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وإنكم لا تَطعَمُونه، أَنْ تَدْبَغوه فتَنْتَفِعُوا به. فأرسَلَت فَسَلَخَت مَسْكها فدَبَغَتْه، فاتَّخَذَتْ مِنه قِرْبَةً، حتى تَخَرَّقَت عندها] (٥).

стр. 1448

وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾. يعني في أكلها لا في لمسها، فالنجاسة هنا معنوية، وليست حسية، فإن لحم الخنزير حرم أكله وبيعه، وعطف على الأنصاب والأزلام في الآية الأخرى، مما يدل على نجاسة الأكل، كما شبه اللعب بالنردشير في غمس اليد في لحم الخنزير أكلًا أو بيعًا. فهو تشبيه محرم بمحرم وليس تشبيه نجس بنجس. ففي المسند عن بريدة مرفوعًا: [من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه] (١). وقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. قال القاسمي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ أي: خُروجًا عن الدين الذي هو كالحياة المطهرة ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذبح على اسم الأصنام ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله. وإنما سمي ما ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فسقًا، لتوغله في باب الفسق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾). وقال النسفي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على المنصوب قبله. وقوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه). وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: من وقع في الضرورة إلى تناول شيء مما ذكر، غير متلبِّس ببغي على مضطر مثله، أو عدوان في تجاوزه قدر حاجته من تناوله، فالله تعالى لا يؤاخذه رحمة منه. وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. فيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (البعير والنعامة ونحو ذلك من الدَّواب). وقال مجاهد: (النعامة والبعير). ٢ - قال سعيد بن جبير: (هو الذي ليس بمنفرج الأصابع). قال: (كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك).

стр. 1449

٣ - قال قتادة: (البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان). وقال: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: الإبل والنعام، ظفر يد البعير ورجله، والنعام أيضًا كذلك. وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع). ٤ - وقال مجاهد: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا. قيل: ما "شقًا شقًا"؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود، والبعير والنعامة. والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد فُرِجَت). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وَحرّمنا على اليهود، ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط). وقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾. قال السدي: (﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثرب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنما حرمه إسرائيل، فنحن نُحَرِّمُه. قال: أما ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فالألْيات). وعن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، يعني: ما علق بالظهر من الشحوم). وقال أبو صالح: (الألية، مما حملت ظهورهما). وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾. جمع حاوِياء، وحاوية، وحَوِيّة. قال ابن جرير: (وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي "المباعر"، وتسمى "المرابض"، وفيها الأمعاء). ومن أقوال المفسرين: ١ - قال ابن عباس: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، وهي المبعر). وقال سعيد بن جبير: (المباعر). ٢ - وقال مجاهد: (﴿الْحَوَايَا﴾: المبعر والمرْبَض). وبنحوه قال قتادة. ٣ - وقال الضحاك: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، يعني البطون غير الثروب). ٤ - وقال ابن زيد: (الحوايا: المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها، وهي "بنات اللبن"، وهي في كلام العرب تدعى "المرابض"). وقوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. شحم الألية والجنب وما شابهه.

стр. 1450

قال ابن جريج: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: شحم الألية بالعُصْعُص، فهو حلال. وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم، فهو حلال). وقال السدي: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، مما كان من شحم على عظم). فيكون المعنى: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما، واستثني من ذلك ما حملت ظهورهما أو حواياهما أو ما اختلط بعظم فذلك حلال). وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. قال قتادة: (إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم). وقال ابن زيد: (فعلنا ذلك بهم ببغيهم). قال الحافظ ابن كثير: (﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به). وقال ابن جرير: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم، وفي غير ذلك من أخبارنا، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه). والخلاصة: إن الله جلت عظمته إنما ضيق على هؤلاء اليهود ما ضيق مجازاة لهم على تنطعهم وبغيهم. وفي التنزيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال: [بلغَ عُمرَ بن الخطاب ﵁ أن سَمُرَةَ باعَ خمرًا، فقال: قاتل الله سَمُرَة! ألم يَعْلَمْ أن رسول الله ﷺ قال: لَعَنَ الله اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فَجَملوها فباعوها] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ

стр. 1451

قال: [قاتل الله يهودًا، حُرِّمت عليهم الشُّحوم فباعوها وأكلوا أثمانها] (١). قال أبو عبد الله: قَاتَلَهم الله: لَعَنَهُم. "قُتِلَ": لُعِنَ "الخراصون": الكذابون. الحديث الثالث: أخرج الجماعة وأحمد وأبو يعلى وابن حبان عن جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: إن الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والمَيْتَةِ والخِنزيرِ والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ الميتةِ فإنها يُطلى بها السُّفُنُ ويُدهن بها الجلودُ، ويَسْتَصبحُ بها الناسُ، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حَرَّمَ شحومَها جَمَلوهُ ثم باعوه فأكلوا ثمنه] (٢). ١٤٧ - ١٥٠. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ في هذه الآيات: فإن كذبك المشركون وهؤلاء اليهود - يا محمد - فيما أخبرك الله مما كان من فساد منهجهم وافترائهم فقل ربكم واسع الرحمة بالمؤمنين خاصة وبجميع خلقه عامة لا يعاجلهم عقوبته بل يعطيهم فرصة ليستعتبوا، فإذا حان الأجل عنده أنزل غضبه بمن تمرّد على دينه وطاعته ثم لا راد لبأسه. سيحتج المشركون مبررين شركهم بالقدر ومشيئة الله، وبأن الله لو أراد لهم الإيمان ولآبائهم لكان ما أراد، وهذه المتاهة

стр. 1452

في التعامل مع الحق قد سبقهم بها أقوام كذبوا من قبل فدكهم عذاب الله، قل لهم - يا محمد - هل عندكم على دعواكم عن رضا الله بشرككم، أو تحريمكم بأهوائكم، حجة من العلم، وإنما أنتم تفترون على الله الكذب ولا برهان ولا علم ولا حجة لديكم. إن الحجة البالغة لله سبحانه فقد أعذر عباده وأنذر ولو شاء لألزمكم الهداية ولكنه ما أراد ذلك. ثم قل لهم يا محمد - هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرّم عليكم ما تدّعون، فإن فعلوا يا محمد - وأتوا بالشهداء فلا تشهد معهم فإنهم شهود زور وكذب، فاحذر أن تصدق قومًا يتبعون أهواءهم ولا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يشركون. فعن مجاهد: (﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ - قال اليهود). قال السدي: (كانت اليهود يقولون: إنما حرّمه إسرائيل - يعني الثَّرْبَ شحم الكليتين - فنحن نحرمه، فذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾). والآية ترغيب للمشركين واليهود في التماس رحمة الله الواسعة، بعد الترهيب من مغبة الكذب على الله والشرك به. والقرآن مليء بهذا المنهج الفريد الذي يتودد الله به إلى عباده رغم سوء صنيعهم وظلمهم علهم يرجعون إلى التماس عفوه ومغفرته. ١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. ختم بها هذه السورة. ٢ - وقال سبحانه في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾. ٣ - وقال جل ذكره في سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾. ٤ - وقال جلت عظمته في سورة البروج: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾. أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنانَ السماء ثم استغفرتني

стр. 1453

غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خَطَايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة] (١). وقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾. قال ابن كثير: (هذه مناظرة ذَكَرها الله تعالى، وشُبْهةٌ تَشَبَّثَ بها المشركون في شِرْكِهم وتحريم ما حَرَّموا: فإن الله مُطَّلِعٌ على ما هُم فيه من الشِّرك والتحريم لما حَرَّموه، وهو قادر على تغييره بأن يُلهمَنا الإيمان، أو يحولَ بيننا وبين الكفر، فلم يُغَيِّره، فدل على أنه بمشيئته وإرادتِهِ ورضاه مِنّا ذلك). وفي التنزيل ما يشبه هذه الدعوة الباطلة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ. . (٢٠)﴾ [الزخرف]. قلت: وفرق بين الإرادة والمحبة، أو المشيئة والرضا، فإن الله خلق إبليس وأراده ولا يحبه، وخلق الكفر ولا يرضاه، فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. أخرج أبو نعيم في الحلية، بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٢). وله شاهد عند البيهقي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر: [يا أبا بكر: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٣). وقوله: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (قول قريش بغير يقين: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة). وقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال النسفي: (أي: كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا

стр. 1454

فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود). وقوله: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. أي: حتى أنزلنا بهم النكال والعذاب. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾. أي: هل لديكم من خبر صحيح عن الله تعالى أنه راض عنكم فيما ذهبتم إليه فتظهروه لنا وتبرزوه. وقوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. أي: الوهم والغرور والخيال والافتراء. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ - أي: تكذبون وتفترون وتدّعون باطلًا. وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾. قال الربيع بن أنس: (لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده). وقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: لو أراد سبحانه لجمع عباده على دين الحق والهدى، ولألزمهم توحيده وتعظيمه، ولكنه تعالى بيّن طريق الحق وطريق الغواية، وترك لعباده الاختيار. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ٢ - وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ٣ - وقال جلت عظمته: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨, ١١٩]. ٤ - وقال جل ذكره: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. ٥ - وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ

стр. 1455

مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾. المعنى: قل هاتوا شهداءكم - أيها المشركون - الذين يشهدون ما زعمتم من التحليل والتحريم أن الله شرعه لكم. فإن فعلوا فاحذر - يا محمد - تصديقهم. ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ - قال ابن جرير: (فإنم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله). ثم احذر من اتباع أهواء قوم كذبوا بآيات الله ولقائه، وأسرفوا على أنفسهم بعبادة غيره من الأنداد والطواغيت وعدلوهم بربهم ظلمًا وعدوانا. ١٥١ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ في هذه الآيات: قل يا محمد - لهؤلاء المتجرئين على ربهم بالتشريع - تعالوا أيها القوم فاسمعوا ما حرّم ربكم عليكم حقًا، إنه حرّم أول ما حرّم عليكم الشرك به في العبادة أو التشريع، كما حرّم عليكم العقوق فأوصى بالوالدين إحسانًا، وحرّم قتل الأولاد ووأدهم خشية الفقر والضيق، وبشر برزقهم وإياكم، وحرم الفواحش الظاهرة والباطنة مما تخفون أو تعلنون، وحزم قتل النفس وسفك الدماء إلا بالحق، هذه وصية ربكم إليكم لعلكم تعقلون. ثم نهى عن العبث في مال اليتيم، بل أمر بحفظه واستثماره بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم فيستفيد منه، وأمر بالوفاء في الكيل والميزان ونبذ التلاعب والاحتكار، والأصل بذلك العدل فمن أحسن فله، ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ثم إذا حكمتم بين الناس بقول أو فعل فانصبوا الإنصاف والعدل سبيلًا

стр. 1456

لكم، واحذروا الجور والظلم فإنه ساء طريقًا ومنهجًا، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الانحراف عن منهاج العدل والحق، وأوفوا بعهد الله فالزموا طاعته واحذروا ما نهاكم عنه، وهذه وصية ربكم لكم لعلكم تتذكرون عواقب الأمور ونهاية الدهور ومشهد الحساب يوم القيامة. إن هذا الذي أوضحه لكم ربكم هو صراطه المستقيم الذي فيه النجاة والعبور بسلام فوق الصراط إلى الجنات في دار الخلود، فالتزموه واحذروا سبل الشياطين الكثيرة التي تحرفكم عن سبيل النجاة إلى دار الشقاء والأهوال، وهذه وصية ربكم سبحانه إليكم لعلكم تحذرون وتتقون. فقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . الآية. هذه هي الوصايا العشر التي قيل إنها وردت في التوراة والإنجيل والقرآن. قال القرطبي: (وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى). قال ابن عباس: (إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . . الآيات) أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس: (هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة "آل عمران" أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة). وقال ابن مسعود: (من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾). والمقصود: قل يا محمد - لهؤلاء المتطاولين على ربهم في التشريع - تقدموا واقرؤوا حقًا ويقينًا ما أوحى الله مما حرّم على عباده، لا ظنًا ولا كذبًا ولا زعمًا ولا افتراء. وقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. هو أصل الدين، ومفهوم شهادة التوحيد: ﴿لا إله إلا الله﴾. فإن الشرك يهدم العمل ولو كان حسنات كالجبال، فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.

стр. 1457

٢ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾. ٣ - وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . (٤٨)﴾. ومن السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي ﷺ وعليه ثَوْبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أَتَيْتُهُ وقد استيقظ فقال: ما من عَبْدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ. قلت: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإِنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ. قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، على رَغْم أنفِ أبي ذر. وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإِنْ رَغِمَ أنف أبي ذر] (١). قال أبو عبد الله: (هذا عند الموت أو قَبْلَهُ إذا تاب ونَدِمَ وقال: لا إله إلا الله، غُفِرَ له). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢). وله شاهد عنده من حديث عثمان - بلفظ: [من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة]. الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ] (٣). الحديث الرابع: أخرج البخاري في الأدب المفرد - بإسناد حسن - عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله ﷺ بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ،

стр. 1458

ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة (١)، ولا تشربَنَّ الخمرَ، فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرجَ من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت (٢)، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ] (٣). وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وصية بالإحسان إلى الوالدين ومجانبة عقوقهما. وآيات القرآن وفيرة في الأمر بذلك: ١ - قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . . (٨٣)﴾. ٣ - وقال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. . . (١٥)﴾. ومن السنة الصحيحة، أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٤).

стр. 1459

الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبيِ هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَجْزِي وَلَدٌ والِدًا إلا أنْ يَجِدَهُ مَمْلوكًا فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه] (١). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابتي؟ قال: أُمُّكَ. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أبوكَ] (٢). قال أهل العلم: ومقتضى الحديث أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع. وقال القرطبي: (إن الأم تستحق الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة). الحديث الرابع: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن ابن عباس، أنه أتاه رجل فقال: إني خَطَبْتُ امرأةً فأَبتْ أن تنكِحَني، وخَطَبها غيري فأحبت أن تَنْكِحَه، فغِرتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أُمُّك حيَّة؟ قال: لا، قال: تب إلى الله ، وتقرَّب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سألته عن حياة أمه؟ فقال: [إني لا أعلمُ عَمَلًا أقربُ إلى الله من بِرِّ الوالدة] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. قال ابن عباس: (الإملاق الفقر، قتلوا أولادهم خشية الفقر). وقال قتادة: (أي: خشية الفاقة). وقال ابن جريج: (﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ - قال: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة). وقال ابن كثير: (وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سَوَّلت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار).

стр. 1460

أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك. قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولَدكَ خشية أن يَطْعَمَ معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزانيَ حَليلة جارِك. ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. . . الآية] (١). وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .﴾ [الإسراء: ٣١]. وهذه الآية تتكلم على خشية الفقر الآجل في المستقبل، فطمأنهم الله وبدأ الكلام عن رزق الأولاد قبل الآباء، أي: لا تخشوا فقركم بسببهم، فإن رزقهم على الله. وأما آية الأنعام ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ فكأنها تتحدث عن الفقر الحاصل بهم، فعزّاهم ربهم وبدأ بتطمينهم بِسَوْق الرزق إليهم ثم لأولادهم من بعدهم. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال قتادة: (سرَّها وعلانيتها). قال ابن عباس: (كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية). وقال الضحاك: (﴿مَا ظَهَرَ﴾، الخمر، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا). قلت: والآية عامة في كل الفواحش الظاهرة والخفية - كما قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم، التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها، والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به، فإن كل ذلك حرام). أخرج البخاري ومسلم عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة، عن المغيرة قال: قال سعدُ بن عُبَادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربْتُهُ بالسيف غَيْرَ مُصْفَحٍ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: [تَعْجَبُون من غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ والله لأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ منِّي، ومن أجل غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الفواحِشَ ما ظهرَ منها وما بَطَن، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، ومن أَجْل ذلك بعث المنذِرينَ والمبشِّرينَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ من الله، ومن أجْل ذلك

стр. 1461

وَعَد الله الجنة] (١). وقال عُبيد الله بن عمرٍو عن عَبْد الملك: "لا شخصَ أغْيَرُ من الله". وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: [لا أحَدَ أَغْيَرُ من الله، ولذلك حَرَّم الفواحِشَ، ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شيءَ أحَبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه] (٢). ولفظ مسلم: [ليس أحَدٌ أحَبَّ إليه المَدْحُ من الله ، من أجْل ذلك مَدَحَ نَفْسَه، وليس أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجْل ذلك حَرَّم الفواحشَ، وليس أحدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل]. وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. إفراد لهذه الجريمة البشعة في الذكر والتنبيه، وإلا فهي داخلة في عموم مسمى الفواحش. ولكن لكونها أعظم الذنب بعد الشرك بالله، جرى إفرادها. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لا يزال العبد في فُسْحَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا] (٣). وله شاهد في سنن أبي داود - بإسناد صحيح - عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: [لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ] (٤). والمُعْنِق: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير. وقوله: "بَلَّحَ" أي: أعيا وانقطع، ووقع في عظيم الذنب وأشده عند الله. وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. .﴾ [الفرقان: ٦٨]. قلت: ولقد جاء النهي في السنة الصحيحة عن الإشارة إلى مسلم بسلاح أو حديدة،

стр. 1462

فإن المرء إذا فعل ذلك ربما أكمل الشيطان مشوار الإثم وأعانه على الوقوع في الدم الحرام. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: [لا يُشِرْ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان يَنْزعُ في يده، فيقع في حفرة من النار] (١). ويَنزِع وينزَغُ روايتان، بمعنى يرمي ويفسِد. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [من أشارَ إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعَه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود في السنن بسند حسن من حديث جابر قال: [نهى رسول الله ﷺ أن يُتَعاطى السيفُ مسلولًا] (٣). وأما الأحاديث التي تعظم دم المسلم وتحرم البغي عليه بالقتل فكثيرة جدًا، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّمَ الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (٤). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنَّفْسِ، والثَّيِبُ الزاني، والمفارِقُ لدينه التارِكُ للجماعة] (٥). الحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد، عن عائشة ﵂

стр. 1463

أن رسولَ الله قال: [لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ مُحصَن يُرْجَمُ، ورجُلٌ قتلَ رجلًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، ورجلٌ يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فَيُقتَلُ أو يُصْلَبُ أو يُنْفَى من الأرض] (١). وله شاهد عند الترمذي عن أمير المؤمنين عثمانَ بن عفان ﵁ أنه قال وهو محصورٌ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفَرَ بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس. فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا تَمنَّيْتُ أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلتُ نفسًا، فبِمَ تقتلونني] (٢). فإن كان المقتول مُعَاهَدًا - وهو المستأمن من أهل الحرب - فقد جاء الوعيد الشديد للقاتل. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: [مَنْ قتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّة، وإن ريحها توجَدُ من مسيرة أربعين عامًا] (٣). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تلك وصية الله لكم فاعقلوها واحذروا مخالفتها. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال ابن جرير: (يعني: ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره). ثم ذكر من أقوال المفسرين: ١ - قال مجاهد: (﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، قال: التجارة فيه). ٢ - قال السدي: (فليثمر مالَه). قال: (أما ﴿أَشُدَّهُ﴾، فثلاثون سنة). وقال غيره: (أربعون سنة).

стр. 1464

٣ - قال الضحاك بن مزاحم: (يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا). وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. قلت: وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. يعني حتى يحتلم، كما ذكر الإمام مالك والشعبي وغير واحد من السلف، والأقوال الأخرى بعيدة. أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [صعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: لا أقسم، لا أقسم، لا أقسم. ثم نزل فقال: أَبْشِروا، أَبْشِروا، إنه من صلَّى الصلوات الخَمْسَ، واجتنَبَ الكبائر، دخَلَ من أي أبواب الجنة شاء: عقوقَ الوالدين، والشرك بالله، وقَتْلَ النَّفْسِ، وقَذْفَ المُحْصَنات، وأَكْلَ مالِ اليتيمِ، والفِرارَ من الزَّحفِ، وأكلَ الربا] (١). وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾. أمر بالوفاء في المكيال والميزان وإقامة العدل في الأخذ والإعطاء. وقد عاب الله سبحانه على مَدْين - قوم شعيب - لعبهم بالكيل والميزان، وانتشار هذه الصفة الذميمة بينهم حتى دَمَّرهم العذاب فيما دَمَّرهم. فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾. وقال في سورة هود: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾. وتوعّد الله هذه الأمة إن سلكت سبيل مَنْ قبلها في ذلك الخلق المشين فقال جل ذكره: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦].

стр. 1465

وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر، قال: [أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين! خَمْسٌ إذا ابتليتُم بِهن، وأعوذ بالله أن تدركوهُنَّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَتْ في أسلافهم الذين مَضَوا. ولم ينقُصُوا المِكيال والميزان، إلا أُخِذوا بالسنينَ وشِدَّةِ المؤونة وجَوْر السُّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لَمْ يُمطروا. ولم ينقضوا عَهْدَ الله وعَهْدَ رسوله، إلا سَلَّطَ الله عليهم عَدُوًّا من غَيْرهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم. وما لم تَحْكم أئمتُهم بكتاب الله، ويتخيّروا مما أنزل الله، إلا جَعَل الله بأسهم بينهم] (١). وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: مَن اجتهد في أداء الحق وأخَذَه، فإن أخطأ بعدَ استفراغ وُسْعِهِ وبِذْلِ جُهْدِه فلا حرج عليه). وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. قال ابن زيد: (قولوا الحق). أي: قولوا الحق ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الجور أو الحكم بغير العدل، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، وذلك هو الوفاء بعهد الله).

стр. 1466

وقد مضى في الحديث السابق: [ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سَلّطَ الله عليهم عدوًا من غيرهم، فاخذوا بعض ما في أيديهم]. وله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم] (١). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أي: هذه وصية الله لكم أيها الناس، لعلكم تتذكرون عواقب الأمور، وانحراف مناهجكم لتنهضوا لإصلاحها، وتلتمسوا طاعة ربكم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وصية من الله بلزوم منهاج النبوة والحذر من رايات الفتن والبدع والدخن. قال مجاهد: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: البدع والشبهات). وقال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله). قال: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، يقول: لا تتبعوا الضلالات). أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [خطّ رسول الله ﷺ خَطًّا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخطَّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُّبُلُ ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾] (٢). قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، إنما وَحَّدَ سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتَشَعُّبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾).

стр. 1467

وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أي: هذه وصية الله لكم لعلها تحدث في حياتكم التقوي وتعظيم أمر الله واجتناب نهيه، ولتنهضوا بقوة لحمل الأمانة وإقامة هذا الدين. ١٥٤ - ١٥٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾. في هذه الآيات: ثم آتى ربك - يا محمد - رسوله موسى الكتاب تمامًا لنعمه عنده، لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة وقيام بأمر الله، وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمره به وتفصيلًا لأحكامه وحلاله وحرامه، وتقويمًا لأتباعه المؤمنين على الطريق المستقيم، ورحمة لمن ضل منهم لعله يعود ويتعظ بهدى ربه ويسلك سبيل المؤمنين. وهذا القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد كتاب مبارك فاجعلوه إمامًا واعملوا بما فيه، واحذروا تجاوز حدود الله ومحارمه التي فصّلها لكم فيه، لتفوزوا بالنجاة يوم القيامة. إنما أنزل الله القرآن لئلا يقول المشركون من قومك - يا محمد - إنما أقيمت الحجة بالتنزيل على الطائفتين - من أهل الكتاب - قبلنا، ولم ينزل علينا، وقد كنا عن تلاوة كتبهم غافلين، ليست بلساننا، ولا ندري ما كتب فيها. أو لئلا يقول هؤلاء المشركون: لو أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى قبلنا لكنا أحسن عملًا منهم، وأقوم اتباعًا للكتاب من سبيلهم. فها قد جاءكم كتاب بلسانكم عربي مبين، فيه الحجة البالغة عليكم، وفيه البيان والتفصيل لما أمرتم به، فمن أشد ظلمًا ممن كذّب

стр. 1468

به وحادَ عنه وأعرض عن هديه، إنّا سنجازي الذين يعرضون عنه سوء العذاب بما كانوا يعرضون. هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام والشهوات والطواغيت إلا مجيء الملائكة لقبض أرواحهم أو مجيء الله تعالى للفصل يوم القيامة، أو خروج بعض آياته العظمى قبل ذلك، حين لا تنفع التوبة، فإنه إذا طلعت الشمس من مغربها لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، قل - يا محمد - لهؤلاء المستكبرين عن الإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر: انتظروا بعض ما يباغتكم به ربكم من تلك الأهوال، إنا منتظرو ذلك، ليثيبنا ربنا على طاعته وإفرادنا له بالألوهية والتعظيم، ويفصل بيننا وبينكم بالحق، وهو خير الفاصلين. فقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال مجاهد: (تمامًا على المحسن المؤمن). وقال محمد بن يزيد: (أي: تمامًا على الذي أحسنه الله إلى موسى ﵇ من الرسالة وغيرها). وقال الربيع بن أنس: (تمامًا على إحسان موسى من طاعته لله . وقال قتادة: (من أحسن في الدنيا تمَّم له ذلك في الآخرة). قال ابن كثير: (﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا جامعًا لجميع ما يُحتاج إليه في شريعته، كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. . .﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥]. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. أي: جزاءً على إحسانه في العمل، وقيامِه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. . .﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]). ونصب ﴿تَمَامًا﴾ على أنه مصدر، أو على أنه مفعول لأجله - حكاه القرطبي وغيره. وقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من أمر الشرائع، وما فيها من بيان الحلال والحرام. قال قتادة: (﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فيه حلاله وحرامه). وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يعني: تقويمًا لهم على الطريق المستقيم، وبيانًا لهم سُبل الرشاد والهدي المبين،

стр. 1469

ورحمة بهم لئلا يقعوا في الضلالة والهلاك ومصير المعاندين والمجرمين. قال ابن جرير: (﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدِّق بما جاءه به نبيّه موسى ﷺ ). وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال قتادة: (وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد ﵇. فاتبعوا حلاله، وحرّموا حرامه). ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ أي: لترحموا وتنالوا شفاعة الله بالنجاة من عذابه وأليم عقابه يوم القيامة. وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. أي: لئلا تقولوا بهذا الاحتجاج: إنه أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا. قال مجاهد: (اليهود والنصارى. يُخاف أن تقوله قريش). وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين). وقال السدي: (يقول: وإن كنا عن قراءتهم لغافلين، لا نعلم ما هي). وقال ابن زيد: (الدراسة: القراءة والعلم. وقرأ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: علموا ما فيه، لم يأتوه بجهالة). وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال قتادة: (﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: فهذا قول كفار العرب). وقال السدي: (يقول: قد جاءكم بينة، لسانٌ عربي مبين، حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وحين قلتم: لو جاءنا كتاب لكنا أهدى منهم). وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. قال ابن جرير: (فمن أخطأ فعلًا وأشد عدوانًا منكم، أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته - وهي آياته -، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: وأعرض عنها بعدما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدق بحقيقتها).

стр. 1470

قال ابن عباسِ: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: أعرض عنها). وقال السدي: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: فصَدّ عنها). وقال مجاهد: (الصدف الإعراض). وقوله: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. أي: سنعاقب من أعرض عن دين الله وصدّ الناس عنه وصرفهم عن تعظيمه أليم العقاب ونكال العذاب مقابل إعراضهم وصدهم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ. .﴾ [النحل: ٨٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١, ٣٢]. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّلُ من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يُسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يقول: عند الموت حين توفَّاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، ذلك يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، طلوع الشمس من مغربها). وقال قتادة: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، بالموت، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، قال: آية موجبة، طلوع الشمس من مغربها، أو ما شاء الله). وفي السنة الصحيحة أحاديث تدل على آفاق هذا المعنى، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تقوم الساعةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعت من مغرِبها آمن

стр. 1471

الناس كلهم أجمعون، فيومئذ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوعُ الشمس من مَغْرِبها، والدَّجَال، ودابَّةُ الأرض] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي ذر: [أن النبي ﷺ قال يومًا: أَتَدْرون أين تَذْهَبُ هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تَجْري حتى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّهَا تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقال لها: ارتفعي، ارْجِعي من حيثُ جِئتِ فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري حتى تنتهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جِئْتِ، فترجِعُ فتُصْبحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري لا يَسْتنكِرُ الناسُ منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذلك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْرِبكِ، فَتصبح طالعة مِنْ مَغْرِبها. فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها، قُبِلَ منه] (٤). وله شاهد عند الترمذي من حديث زر بن حبيش عن صفوان بن عسال - في جوابه ﷺ للأعرابي: "المرء مع مَنْ أحَبّ". قال زر: فما برح يحدثني حتى حدثني: أن الله جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا، للتوبة لايغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية] (٥).

стр. 1472

وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضُحًى، فأيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها. ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتُب -: وأظن أُولاها خروجًا طلوعَ الشمس من مَغْربها، وذلك أنها كلما غَرَبَتْ أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع، فَأُذِنَ لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فَعَلت كما كانت تَفْعَلُ، أتت تحت العرش فَسَجَدَت واستأذنَتْ في الرجوع، فلم يَرُدَّ عليها شيءٌ، ثم تستأذنُ في الرجوع فلا يرد عليها شيء، ثم تستأذِنُ فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهبَ من الليل ما شاء أن يذهب، وعَرَفت أنه إنْ أُذِنَ لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: ربي، ما أبعد المشرق! من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفقُ كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيُقال لها: من مكانك فاطْلعي. فطَلَعت على الناس من مَغْرِبها. ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. . . الآية] (١). والمعنى: إذا كانت هذه الآية ورآها الناس فيومئذ لا يقبل الله من الكافر إيمانًا لو أنشأه، ولا يقبل من المسلم توبة يستأنفها، وإنما مصيره على ما كان منه من العمل، فلا سبيل لكسب عمل صالح جديد إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك. وقوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (تهديد شديد للكافرين، ووعيدٌ أكيدٌ لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقتٍ لا ينفعه ذلك. وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا. . .﴾ الآية [غافر: ٨٤, ٨٥]).

стр. 1473

١٥٩ - ١٦٥. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى نبيّه ﷺ عن براءته ممن فارق دينه - دين الحق - وفرقه، وكانوا فرقًا وشيعًا فيه وأحزابًا، وأنه ليس من هؤلاء في ابتداعهم وضلالهم، ولاهم منه، وأن مردهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون. الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون. قل - يا محمد - لهؤلاء المتكبرين على عبادة ربهم وإفراده سبحانه بالتعظيم - إنني أرشدني ربي إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، دين الحنيفية السمحة دين إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. إنني أتوجه بصلاتي وذبحي ونسكي ومحياي ومماتي وفي كل أعمالي لله رب العالمين، وحده لا شريك له وقد أمرني بذلك ربي وأنا أول المسلمين المطيعين. وكيف أبغي ربًا سواه وهو رب كل شيء ومليكه، ومن ثم فلا تكسب نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والمرجع إليه تعالى ليحكم في أعمال عباده وبما كانوا فيه يختلفون. وهو سبحانه - جلت عظمته - الذي جعلكم تخلفون بعضكم بعضًا في الأرض، يغادر جيل فيعقبه جيل آخر، ثم رفع بعضكم على بعض درجات وفضل بينكم بالأرزاق والأعمال، ليختبركم فيما قضاه لكم، إنه تعالى سريع العقاب وإنه سبحانه لغفور رحيم. قرأ علي وقتادة وحمزة والكسائي ﴿إن الذين فارقوا دينهم﴾، في حين قرأها الجمهور على قراءة حفص ﴿فرّقوا﴾ وهي الأشهر. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى). وقال ابن عباس: (وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يُبْعث

стр. 1474

محمد ﷺ فتفرقوا. فلما بعث محمد ﷺ أُنزِلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية). قلت: والآية عامة فلا تقتصر على أهل الكتاب - إن صحّ الخبر فيهم - وإنما تشمل أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. أي: فرقًا وأحزابًا شتى. أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا مَنْ سَرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (١). وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح، عن العرباض بن سارية قال: [وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة] (٢). وقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال أبو الأحوص: (برئ نبيكم ﷺ منهم). وقال الفراء: (المعنى: لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار). وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. تهديد ووعيد، وتحذير من يوم العرض والحساب. قال القرطبي: (﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ تعزية للنبي ﷺ ).

стр. 1475

وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. نص من الله تعالى بواسع كرمه على عباده، فإنه يضاعف الحسنة عشر مرات وأكثر إلى سبع مئة ضعف. وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾. نص من الله تعالى بواسع رحمته بعباده، فإن زلّ العبد أو وقع كتبت زلته سيئة واحدة ما لم يستعتب فيغفرها الله تعالى. قال مجاهد: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، قالوا: بالشرك والكفر). وهو قول ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم. قال القرطبي: (والحسنة هنا: الإيمان. أي: من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب). قلت: فالحسنة تشمل كل ذلك، فهي تدل على كل قول أو عمل يحبه الله ورسوله، والسيئة تشمل كذلك كل عمل أو قول يسخط الله ورسوله. وقد جاءت السنة الصحيحة بتضاعف أجور الحسنات وتخفيف آثار السيئات رحمة من الله تعالى لصاحبها ليتجاوزها بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح. وفي هذا أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: قال: [إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلها كَتَبَها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هَمَّ بها وعَمِلَها كتبها الله له عنده عشرَ حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلمْ يَعْمَلْها كتبَها الله له عنده حسنةً كامِلةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالِها وأزيدُ، ومن جاء بالسيئة،
следующие страницы →