الناس كلهم أجمعون، فيومئذ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوعُ الشمس من مَغْرِبها، والدَّجَال، ودابَّةُ الأرض] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي ذر: [أن النبي ﷺ قال يومًا: أَتَدْرون أين تَذْهَبُ هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تَجْري حتى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّهَا تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقال لها: ارتفعي، ارْجِعي من حيثُ جِئتِ فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري حتى تنتهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جِئْتِ، فترجِعُ فتُصْبحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري لا يَسْتنكِرُ الناسُ منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذلك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْرِبكِ، فَتصبح طالعة مِنْ مَغْرِبها. فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها، قُبِلَ منه] (٤).
وله شاهد عند الترمذي من حديث زر بن حبيش عن صفوان بن عسال - في جوابه ﷺ للأعرابي: "المرء مع مَنْ أحَبّ". قال زر: فما برح يحدثني حتى حدثني: أن الله جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا، للتوبة لايغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية] (٥).
стр. 1472
وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضُحًى، فأيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها. ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتُب -: وأظن أُولاها خروجًا طلوعَ الشمس من مَغْربها، وذلك أنها كلما غَرَبَتْ أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع، فَأُذِنَ لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فَعَلت كما كانت تَفْعَلُ، أتت تحت العرش فَسَجَدَت واستأذنَتْ في الرجوع، فلم يَرُدَّ عليها شيءٌ، ثم تستأذنُ في الرجوع فلا يرد عليها شيء، ثم تستأذِنُ فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهبَ من الليل ما شاء أن يذهب، وعَرَفت أنه إنْ أُذِنَ لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: ربي، ما أبعد المشرق! من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفقُ كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيُقال لها: من مكانك فاطْلعي. فطَلَعت على الناس من مَغْرِبها. ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. . . الآية] (١).
والمعنى: إذا كانت هذه الآية ورآها الناس فيومئذ لا يقبل الله من الكافر إيمانًا لو أنشأه، ولا يقبل من المسلم توبة يستأنفها، وإنما مصيره على ما كان منه من العمل، فلا سبيل لكسب عمل صالح جديد إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (تهديد شديد للكافرين، ووعيدٌ أكيدٌ لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقتٍ لا ينفعه ذلك. وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا. . .﴾ الآية [غافر: ٨٤, ٨٥]).
стр. 1473
١٥٩ - ١٦٥. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى نبيّه ﷺ عن براءته ممن فارق دينه - دين الحق - وفرقه، وكانوا فرقًا وشيعًا فيه وأحزابًا، وأنه ليس من هؤلاء في ابتداعهم وضلالهم، ولاهم منه، وأن مردهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون. الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون. قل - يا محمد - لهؤلاء المتكبرين على عبادة ربهم وإفراده سبحانه بالتعظيم - إنني أرشدني ربي إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، دين الحنيفية السمحة دين إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. إنني أتوجه بصلاتي وذبحي ونسكي ومحياي ومماتي وفي كل أعمالي لله رب العالمين، وحده لا شريك له وقد أمرني بذلك ربي وأنا أول المسلمين المطيعين. وكيف أبغي ربًا سواه وهو رب كل شيء ومليكه، ومن ثم فلا تكسب نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والمرجع إليه تعالى ليحكم في أعمال عباده وبما كانوا فيه يختلفون. وهو سبحانه - جلت عظمته - الذي جعلكم تخلفون بعضكم بعضًا في الأرض، يغادر جيل فيعقبه جيل آخر، ثم رفع بعضكم على بعض درجات وفضل بينكم بالأرزاق والأعمال، ليختبركم فيما قضاه لكم، إنه تعالى سريع العقاب وإنه سبحانه لغفور رحيم.
قرأ علي وقتادة وحمزة والكسائي ﴿إن الذين فارقوا دينهم﴾، في حين قرأها الجمهور على قراءة حفص ﴿فرّقوا﴾ وهي الأشهر. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى). وقال ابن عباس: (وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يُبْعث
стр. 1474
محمد ﷺ فتفرقوا. فلما بعث محمد ﷺ أُنزِلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية).
قلت: والآية عامة فلا تقتصر على أهل الكتاب - إن صحّ الخبر فيهم - وإنما تشمل أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
وقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. أي: فرقًا وأحزابًا شتى.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا مَنْ سَرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (١).
وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح، عن العرباض بن سارية قال: [وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة] (٢).
وقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
قال أبو الأحوص: (برئ نبيكم ﷺ منهم).
وقال الفراء: (المعنى: لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار).
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
تهديد ووعيد، وتحذير من يوم العرض والحساب.
قال القرطبي: (﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ تعزية للنبي ﷺ ).
стр. 1475
وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
نص من الله تعالى بواسع كرمه على عباده، فإنه يضاعف الحسنة عشر مرات وأكثر إلى سبع مئة ضعف.
وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
نص من الله تعالى بواسع رحمته بعباده، فإن زلّ العبد أو وقع كتبت زلته سيئة واحدة ما لم يستعتب فيغفرها الله تعالى.
قال مجاهد: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، قالوا: بالشرك والكفر). وهو قول ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم.
قال القرطبي: (والحسنة هنا: الإيمان. أي: من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب).
قلت: فالحسنة تشمل كل ذلك، فهي تدل على كل قول أو عمل يحبه الله ورسوله، والسيئة تشمل كذلك كل عمل أو قول يسخط الله ورسوله.
وقد جاءت السنة الصحيحة بتضاعف أجور الحسنات وتخفيف آثار السيئات رحمة من الله تعالى لصاحبها ليتجاوزها بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح. وفي هذا أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: قال: [إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلها كَتَبَها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هَمَّ بها وعَمِلَها كتبها الله له عنده عشرَ حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلمْ يَعْمَلْها كتبَها الله له عنده حسنةً كامِلةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالِها وأزيدُ، ومن جاء بالسيئة،
стр. 1476
فجزاءُ سيئة مِثْلُها، أَوْ أَغْفِرُ، ومن تَقَرَّبَ مني شبرًا، تقربت مِنْه ذِراعًا، ومن تقرَّب مني ذِراعًا، تقرَّبت مِنْه باعًا، ومن أتاني يَمْشي، أتيتُه هَرْوَلَةً، ومَنْ لقِيَني بقُراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئًا، لقيته بِمثلها مَغْفِرَة] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربّه قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ ربكم رحيم، من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنة، فإن عملها كتبت له عَشْرًا إلى سبع مئة، إلى أضعاف كثيرة. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتِبَت له حَسَنَة، فإن عملها كُتبت له واحدة، أو يمحوها الله ولا يهلِكُ على الله إلا هالِكٌ] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه والنسائي بسند صحيح عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ قال: [من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمامَ السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾] (٣).
وفي لفظ النسائي: [جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشَهْرٌ بعشرة أشهر، وصيامُ ستة أيام بعد الفطر تمام السنة].
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" ولفظه: [صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة].
وله شاهد عند ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ صامَ ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك صومُ الدهر. فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فاليوم بعشرة أيام].
قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (واعلم أن تاركَ السيِّئَةِ التي لا يَعْمَلُها على ثلاثة
стр. 1477
أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كَفِّه عنها لله تعالى، وهذا عَمَلٌ ونيَّةٌ. ولهذا جاء أنه يُكْتَبُ له حسنةٌ. كما جاء في بعض ألفاظ الصَّحيح: "فإنما تركها من جَرَّائي، أو: من أجلي" (١). وتارة يترُكها نِسيانًا وذُهولًا عنها، فهذا لا لَهُ ولا عَلَيْه، لأنه لم يَنْوِ خيرًا ولا فَعَلَ شرًّا. وتارةً يتركها عَجْزًا وكسلًا عنها بعد السَّعي في أسبابها والتَّلَبُّس بما يَقْرُبُ منها، فهذا يتنزَّلُ منزلة فاعِلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين: "إذا تواجَهَ المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كانَ حريصًا على قَتْلِ صاحبه" (٢)).
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
قال ابن جرير: (ولا يظلم الله الفريقين، لا فريق الإحسان، ولا فريق الإساءة، بأن يجازي المحسن بالإساءة، والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحق من الجزاء).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قرأها قراء المدينة وبعض قرّاء البصرة ﴿قَيِّمًا﴾ - كقوله تعالى في سورة التوبة ويوسف والروم: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وكقوله في سورة البينة: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. في حين قرأها قراء الكوفة: ﴿دينا قِيَمًا﴾ بالتخفيف. قال أهل اللغة: (القَيِّمُ والقِيَمُ بمعنى واحد)، والمراد الدين المستقيم.
ومن ثم فيكون قوله: ﴿دِينًا﴾ - قد نصب على الحال، أو نصب بهداني، أو يكون بدلًا من الصراط. والتأويل: هداني صراطًا مستقيمًا دينًا، وهو الدين الحق، ملة إبراهيم ﵊، دين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي
стр. 1478
إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
وعن مجاهد: (﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾، قال: ما أوصاك به وأنبياءه كلهم دين واحد).
وقال قتادة: (بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام).
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، من حديث ابن أبْزَى، عن أبيه قال: [كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: أصبحنا على مِلّةِ الإسلام، وكلمةِ الإخلاص، ودين نبيّنا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين] (١).
وأخرج الإمام أحمد والطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس قال: [قيل لرسول الله ﷺ : أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: الحنيفيّة السَّمْحَة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال مجاهد: (النسك: الذبائح في الحج والعمرة). وقال الضحاك: (﴿الصلاة﴾، الصلاة. و"النسك"، الذبح). وقال الحسن: (نسكي ديني). وقال الزجاج: (عبادتي، ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة). وقال قوم: (النسك في هذه الآية جميع أعمالى البر والطاعات، من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد) - ذكره القرطبي. ثم قال: (﴿ومحياي﴾: أي: ما أعمله في حياتي ﴿ومماتي﴾ أي: ما أوصي به بعد وفاتي. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ أي: حياتي وموتي له).
قلت: والآية إنكار على المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله أو يشركون بعبادته أوثانهم وشهواتهم وطواغيتهم ويذبحون لغير اسمه، فأمر الله نبيه ﷺ أن يخاطب هؤلاء القوم أنه مخالف لهم في عبادتهم وذبائحهم وشركهم، وإنما أمره الله تعالى بإفراده بالتعظيم والعبادة والنسك والتقرب، فلا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يذبح لغير الله، ولا يسأل غير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يستَعيذ بغير الله.
стр. 1479
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لَعَنَ والديه، لعنَ الله من آوى محدثًا، لعن الله من غيّر منار الأرض] (١).
بل جاء النهي عن الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، لقطع كل أوصال الجاهلية. فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: [نذر رجل أن ينحر إبلًا ببُوانة - موضع أسفل مكة - فسأل النبي ﷺ ، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : أَوْفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.
قال قتادة: (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أول المسلمين في هذه الأمة).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: [وَجَّهْتُ وَجْهيَ للذي فَطَرَ السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سَيِّئَها، لا يصْرِفُ عني سيئها إلا أنت .. ] (٣) الحديث.
ولفظ أحمد: [أن رسول الله ﷺ كان إذا كبّر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت. . .] الحديث.
стр. 1480
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
دعوة لإخلاص العبادة لله وحده، فهو رب هذا الكون وما فيه، وكلهم آتيه يوم القيامة عبدًا.
قال القاسمي: (﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ فأشركه في عبادته. وهو جواب عن دعائهم له ﵊ إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي العبادة، أبلغيّة لا تخفى ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في موضع العلة للإنكار والدليل له. أي: وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلا أكون عبدًا لعبده).
وفى التنزيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا. . .﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
قال السيوطي في "الإكليل": (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل أحد. وقد ردت عائشة به على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. أخرجه البخاري، وأخرج ابن أبي حاتم عنها، أنها سئلت عن ولد الزنى؟ فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية).
قلت: أما حديث: [إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه]. وفي رواية: [في قبره بما نيح عليه]. وفي لفظ: [إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه]. وفي لفظ مفسِّر للبكاء المنهي عنه - ألا وهو النياحة -: [من يُنَح عليه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة] (١). فهو حديث صحيح. واعتراض عائشة بالآية عليه لا يعني عدم ثبوته عن النبي ﷺ ، فهو مبلغ علم عائشة. وإنما المقصود به الإقرار من الميت بهذا الفعل المنكر وهو النياحة وعدم التحذير منه أهله قبل موته. وكذلك حديث: [ولد الزنا شر الثلاثة] (٢)، حديث صحيح، وهو كذلك إنما يحمل على الإقرار، فلو مضى الولد - ولد الزنا - على
стр. 1481
طريقة أبويه لكان شر الثلاثة، وإلا فإنه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
قال القرطبي: (أي: لا تحمل حاملة ثِقْل أخرى، أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجُرْمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوِزْر الثِّقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
قال النسفي: (من الأديان التي فرقتموها).
وقال القاسمي: (﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: رجوعكم بعد الموت يوم القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾.
خلائف: جمع خليفة. أي: جعلكم قرونًا وأجيالًا يخلف بعضكم بعضًا.
قال القرطبي: (وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي: جعلكم خلفًا للأمم الماضية والقرون السالفة). وقال ابن كثير: (أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقَرْنًا بعد قَرْن، وخلفًا بعد سَلَف. قاله ابن زيد وغيره).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. . .﴾ [البقرة: ٣٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ. . .﴾ [النمل: ٦٢].
٤ - وقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.
قال السدي: (في الرزق).
стр. 1482
وقال النسفي: (في الشرف والرزق وغير ذلك). وقال القرطبي. (في الخلق والرزق والقوة والبَسْطة والفضل والعلم). وقال ابن كثير: (أي: فاوت بينكم في الأرزاق والآجال، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
٢ - وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. . .﴾ [الزخرف: ٣٢].
قال قتادة: (فتلقاه ضعيف الحيلة عي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال الله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى).
وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.
أي: ليختبركم فيما أعطاكم وأنعم عليكم، فالغني في محل اختبار في سعة رزقه، والفقير في موضع اختبار في ضيق أمره، والمريض في شأن اختبار في مرضه، والعاجز كذلك في بلائه ومصيبته، والله عنده حسن الثواب، وجميل الخلود مع راحة النفس والبال.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرة، وإن الله مُسْتَخْلِفُكم فيها لينظُرَ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (١).
وأخرج الترمذي في السنن بسند حسن لغيره عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [ليَوَدَّنَ
стр. 1483
أهْلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودهم قُرِضَتْ بالمقاريض، ممّا يرون من ثواب أهل البلاء] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
ترهيب وترغيب. فرهّب سبحانه من معصيته وعقابه، ورغَّبَ في طاعته ومغفرته وجنته.
قال القاضي: (وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة - تنبيهًا على أنه غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩, ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث - منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [لمّا خَلَقَ الله الخَلْقَ، كتبَ في كتابهِ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٢). وفي لفظ: [قال الله : سبقت رحمتي غضبي].
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [جَعَلَ الله الرحمة مئةَ جُزْءٍ، فأمسكَ عنده تسعةً
стр. 1484
وتسعين، وأنزل في الأرض جُزءًا واحدًا، فَمِنْ ذلك الجُزْءِ يتراحمُ الخلائقُ، حتى تَرْفَعَ الدَّابةُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها، خَشْيَةَ أن تُصيبَه] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سَلْمان قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله خَلَقَ، يومَ خلقَ السماوات والأرض، مئةَ رحمة، كُلُّ رحمة طِبَاقَ ما بين السماوات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فَبِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ على وَلَدِها، والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها على بعض، فإذا كان يومُ القيامة، أَكْمَلَها بهذه الرَّحمة] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لو يَعْلَمُ المؤمنُ ما عند الله من العُقوبة، ما طَمِعَ بجنته أحد، ولو يَعْلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنِطَ من جنته أحدٌ] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قَدِمَ على رسول الله ﷺ بِسَبْي، فإذا امْرأة من السَّبْي، تبتغي، إذا وَجَدَت صبيًا في السبي، أَخَذَتْهُ فألصقَتْهُ بِبَطْنِها وأَرْضَعَتْه، فقال لنا رسول الله ﷺ : أَتَرَوْنَ هذه المرأةَ طارِحَةً وَلَدَها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال رسول الله ﷺ : للهُ أرحمُ بعباده من هذه بِولدها] (٤).
قلت: ولكن من أحب رحمة الله أن تناله بحق فليرحم الناس كافة، ولا يقتصر برحمته على من يحب وعلى من له في رحمته مصلحة.
стр. 1485
فقد أخرج الحافظ العراقي في "الأمالي" وابن المبارك في "الزهد" بسند صحيح عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة] (١).
تم تفسير سورة الأنعام
بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكرمه
° ° °
стр. 1486
دروس ونتائج وأحكام
١ - الله تعالى هو الإله الحق المعبود في السماء وفي الأرض، والقول بأن ذات الله في كل مكان ضلال وكفر دسهما اليهود، وإنما الله على العرش فوق السماوات استوى.
٢ - نكال الدنيا والآخرة واقع لا محالة بالمعاندين للرسل المكذبين بالحق.
٣ - الفوز هو الزحزحة عن النار ودخول الجنة، وما الحياة الدُنيا إلا متاعُ الغرور.
٤ - المشركون متأكدون من صدق محمد ﷺ ، ولكنهم معاندون مكابرون، وسيحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم.
٥ - عطاء الله تعالى العبد على معاصيه إنما هو استدراج.
٦ - هل تنصرون إلا بضعفائكم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم!
٧ - النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة.
٨ - ستفترق هذه الأمة شأن الأمم التي قبلها، والفرقة الناجية: هي من كانوا على ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه.
٩ - الولاء والبراء جزء من منهاج الإيمان عند المؤمنين - تحريم الاستمرار في الجلوس مع قومٍ يستهزئون بالدين - والله تعالى جامع المنافقين في جهنم جميعًا.
١٠ - آزر والد إبراهيم قطعًا، لا عمه كما يزعمون.
١١ - وحدة دين الأنبياء، وهو الدين الحق دين الإسلام.
١٢ - النجوم: زينة للسماء، ورجم للشياطين، وهداية في الليل.
١٣ - المؤمنون يرون الله في الآخرةِ، ويضحك إليهم ربهم ويخرون له سجدًا.
١٤ - إنه للإنس شياطين كما للجن شياطين.
١٥ - الواجب ترك المعاصي ظاهرًا وباطنًا، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليهِ الناس، ومن يتق الله يجعل في قلبهِ فرقانًا يفرق به بين الحق والباطل.
стр. 1487
١٦ - نسيان التسمية على الذبيحة لا يضر، وتركها عمدًا يحرم الذبيحة.
١٧ - لا يستوي من اتبع نور الإسلام، ومن غرق في ظلمات الكفر.
١٨ - محمد ﷺ صفوة وسيد الخلق، فهو أفضل وأعظم مخلوق.
١٩ - المكلف مخير في الأمور التكليفية لا مسيّر، ومن يرد الحق يهده الله إليه، ومن يستكبر عنه يخذله الله جزاء وفاقًا.
٢٠ - استمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم.
٢١ - كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلكَ استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة.
٢٢ - السحر كفر، والسَّحرة كذبة، وسورة البقرة لا تستطيعها البطلة.
٢٣ - الرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل.
٢٤ - تسليط الله تعالى ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون.
٢٥ - الأمر بالصدقة من كل ما تنبت الأرض كان قبل الزكاة.
٢٦ - لا أحد أظلم ممن يكذب على الله ليضل الناس بجهله.
٢٧ - أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
٢٨ - أشراط الساعة وعلاماتها بلَّغها رسول الله ﷺ ، وإذا ظهرت آيات الساعة فلا تنفع التوبة أحدًا.
٢٩ - براءة الله ورسوله من أهل البدع والزيغ والأهواء.
٣٠ - جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، ولا نعبد الله إلا بنص، ولا يحمل أحد خطيئة أحد فكل نفس مرتهنة بعملها.
° ° °
стр. 1488
٧ - سُورَةُ الأَعْرَافِ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٠٦).
أخرج النسائي بسند حسن عن عائشة: [أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرّقها في ركعتين] (١).
موضوع السورة
قصة الأعراف ووزن الأعمال واختبار اتباع المرسلين، وقصة حوار المؤمنين مع الكافرين أهل الجحيم.
- منهاج السورة -
١ - تعظيمُ القرآن وأمر المؤمنين باتباع الوحي المنزل إليهم، وذِكْرُ هلاك أقوام كذبوا الوحي والرسل فدكهم الله بالعذاب.
٢ - سؤال الله العباد ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤاله المرسلين عن إبلاغ الرسالات.
٣ - الوزن يوم القيامة للأعمال على الميزان، فمن ثقلت موازين أعماله الصالحات كان من المفلحين، ومن خفت موازينه كان من الخاسرين.
стр. 1489
٤ - طرد الشيطان من رحمة الله تعالى لتكبره وعصيانه.
٥ - معصية آدم وحواء بأكلهما من شجرة ثم تابا فتاب الله عليهما.
٦ - الكلمات التي تلقاها آدم، والهبوط إلى الأرض فالابتلاء فالموت فالبعث للحساب.
٧ - التحذير من الشيطان الذي فتن الأبوين، والتحذير من التقليد في الباطل أو الافتراء على الله، والأمر بإقامة الدين واتباع الرسل وأخذ الزينة عند كل مسجد.
٨ - تتابع الأمم في نار جهنم يوم القيامة، وكلما دخلت أمة لعنت أختها.
٩ - أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، بل تطرح في الأرض طرحًا لتقع في أجساد أصحابها لسؤال الملكين، وكتاب الأعمال في سجين في الأرض السفلى، والمصير إلى نار الجحيم يوم القيامة.
١٠ - المؤمنون تطهر صدورهم في الجنة من الغل والخصومات، وتجري من تحتهم الأنهار، وفي النعيم هم خالدون.
١١ - حوار أصحاب الجنة وأصحاب النار، وقصة أصحاب الأعراف.
١٢ - الله تعالى له الخلق والأمر، فادعوه تضرعًا وخفية، واجتنبوا الفساد في الأرض، واشكروه على نعمة الماء وتصريف الرياح وإخراج النبات والثمرات.
١٣ - أخبار المرسلين مع أقوامهم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. . . .، دعوهم إلى الإيمان وترك المنكرات، فأصرَّ الملأ الكافر على الكفر والكبر في الأرض، فدكهم الله بالعذاب، وأنجى اللهُ المؤمنين مع المرسلين.
١٤ - تتابع إرسال الرسل من الله إلى أقوامهم، وخبر فرعون مع موسى، وقصة إيمان السحرة، وإغراق فرعون وجنوده، وشفاء صدور قوم مؤمنين.
١٥ - تبديل بني إسرائيل الشكر لله على إنجائهم بالشرك به.
١٦ - قصة ذهاب موسى إلى الميقات، وتخليفه هارون على بني إسرائيل، وعبادة القوم العجل، وغضب موسى عليهم الذي أداه لإلقاء الألواح، ثم سَكَنُ الغضب عن موسى وجمعهُ الألواح وفيها الهدى والرحمة.
١٧ - سماع بني إسرائيل كلام الله، فلم يؤمنوا حتى يروا الله جهرة، فصعقوا، ثم ذِكْرُ استغفار موسى لهم، ورحمة الله التي وسعتهم ووسعت كل شيء.
стр. 1490
١٨ - صفة محمد ﷺ في الكتب المنزلة السابقة، كصفته في القرآن، ومحمد ﵊ أرسل إلى الناس كافة، وبعث بالحنيفية السمحة.
١٩ - إن من قوم موسى وقتئذ طائفة مهتدين.
٢٠ - الذين لم ينتهوا عن المعصية من بني إسرائيل مسخوا قردة وخنازير.
٢١ - ملعون من لا يتناهى عن المنكر.
٢٢ - من بني إسرائيل قومٌ صالحون، ثم كان منهم من بدّل وحرّف وركب الآثام، وما آمنوا إلا بعد أن كاد الله أن يسقط الجبل عليهم.
٢٣ - خبر الميثاق، وإشهاد الله تعالى بني آدم على أنفسهم أنه ربهم فشهدوا، فحذرهم الغفلة والاحتجاج بالتقليد.
٢٤ - قصة بلعام بن باعوراء، وانسلاخه من رضاء الله.
٢٥ - الكفار أضل من الأنعام التي لا تنتفع بحواسها إلا فيما يقيتها.
٢٦ - مفهوم الاستدراج: فتح أبواب الرزق والمعاش في الدنيا ثم الأخذ بغتة.
٢٧ - الساعة لا تأتي إلا بغتة، ولا يعلم موعدها أحدٌ من الخلق.
٢٨ - الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن شاءه الله من الرسل.
٢٩ - البشر مخلوقون جميعًا من نفس واحدة هي آدم ﵇.
٣٠ - أتعبدون ما لا يخلق شيئًا، وتتركون خلّاق السماوات والأرض.
٣١ - المشركون عبدوا تماثيل الصالحين، ما ظنكم بأرباب صنعها عابدوها؟ !
٣٢ - أمر الله بالعفو، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين.
٣٣ - أمرٌ من الله، بالاستعاذة بالله من نزغ الشيطان الرجيم.
٣٤ - الإنصات واجب إذا قرأ الإمام جهرًا، والقراءة واجبة إذا أسَرّ.
٣٥ - الأصل في الذكر الخفاء، ويشرع لتالي السجدة وسامعها السجود بالإجماع.
стр. 1491
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٩. قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف المقطعة التي تتخاطبون فيها، وهو كتاب عظيم أنزل إليك من ربك - يا محمد - فلا تشك أنه من عند ربك وامض فيما كلفك الله من النذارة وحمل أعباء النبوة، وَذَكِّر المؤمنين. ثم حَذِّر قومك الذين أشركوا فادعهم إلى الإيمان بما آمن به المؤمنون من الوحي الذي أنزل إليهم من ربهم، وأخبرهم عن سوء عاقبة اتباع أوليائهم ممن يضلونهم ويأمرونهم بالشرك بالله وقليلًا ما يَتَّعِظون. إنه كم من قرية عتت عن أمر ربها فجاءها العذاب ليلًا قبل أن يصبح القوم أو نهارًا في وقت قائلتهم. فما كان حينئذ منهم إلا أن اعترفوا أنهم كانوا ظالمين. فلنسألن الأمم الذين مضت فيهم الرسل ماذا أجبتم المرسلين، ولنسألن الرسل عن البلاغ المبين؟ فلنقصن على الرسل وأقوامهم بما كانوا عاملين، فقد أحصينا عليهم أعمالهم وما كانوا يفعلون. والوزن يوم الحساب العدل، فمن ثقلت أعماله على الميزان فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فطاشت الحسنات وثقلت السيئات فأولئك هم الخاسرون.
стр. 1492
فقوله: ﴿المص﴾.
مضى نحوه في أوائل البقرة وآل عمران. وخلاصة المعنى: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف المقطعة التي يتكلم بها العرب، وهو يتحدى ببيانه وإعجازه العرب والعجم أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله.
وقوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنزله الله إليك. ورفع "الكتاب" بتأويل: هذا كتابٌ).
وقوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾.
قال ابن عباس: (لا تكن في شك منه). قال ابن كثير: (وقيل: فلا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به، واصبر كما صبر أولو العَزْم من الرسل).
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: لتنذر به الكافرين مغبة ما هم عليه من الشرك والاستهزاء بالتنزيل. ولتبشر المؤمنين بذكره وآياته ومعانيه لِيَثْبُتوا على الحق ويلقوا على ذلك ربهم .
وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
أي: الزموا ما جاءكم من ربكم من الوحي العظيم، وهدي رسوله الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، واحذروا اتباع ما خرج عن منهاجه ﷺ ، فإن الحق في منهاجه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: قليلًا ما تتعظون وتسلكون سبيل نجاتكم وسعادتكم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. . .﴾ [الأنعام: ١١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
стр. 1493
وفي المسند وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد مرفوعًا: [يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول: نعم .. ] (١).
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾.
قال ابن كثير: (أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خِزيَ الدنيا موصولًا بذلّ الآخرة).
وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلًا قبل أن يصبحوا، أو جاءتهم "قائلين"، يعني: نهارًا في وقت القائلة (٢)).
ولا شك أن المقصود بقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ سكان القرية دون بنيانها، فهم الذين استحقوا بأس الله وعذابه بلزومهم ما يسخط الله من الأقوال والأفعال، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب والدمار، مثل ما نال سكانها.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
стр. 1494
وأما اختيار الله سبحانه وقت زحمة النهار وهدأة الليل للانتقام من عباده المتكبرين على طاعته وعبادته، فإنه وقت اللهو والخوض في اللعب وأشكال التلاعب على الشرع أثناء النهار، أو وقت ركوب الموبقات والفواحش عند استقرار الليل للفجّار.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧, ٩٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُهُ نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يختال في مِشْيَتِهِ، إذ خسف الله به، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
أي: ما كان منهم حين رأوا العذاب ونزول البأس إلا أن أقروا بذنوبهم وبما كانوا يظلمون. قال النسفي: (اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك).
أخرج الإمام أحمد في المسند - عن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير عن أبيه قال: [لما فتحت قبرس فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء، جالسًا وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظالمة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى] (٢).
وكذلك في المسند عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده، فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ ناس
стр. 1495
صالحون؟ قال: بلى. قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان] (١).
وله شاهد عند البيهقي في "شعب الإيمان" من حديث عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله] (٢).
وشاهد آخر عند الحاكم بسند صحيح من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله] (٣).
والخلاصة: فإن للذنوب آثارًا جسيمة إن تُركت وأطلقت، وهي سبب فساد العالم، وسبب قلق النفوس وتمزق قلوب الناس، ويعكس الله آثارها أحزانًا ومصائب في واقع الحياة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال ابن عباس: (يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا).
وقال السدي: (يقول: فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به). وقال مجاهد: (﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾، الأمم، ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه: هل بلغوا؟ ).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].
أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [يجيء النبيُّ
стр. 1496
ومعه الرجلان. ويجيء النبيُّ ومعه الثلاثة. وأكثر من ذلك وأقَلُّ. فَيُقَالُ له: هلْ بَلَّغْتَ قومَك؟ فيقول: نعم. فيدعى قَوْمُهُ، فيقال: هل بَلَّغَكُمْ؟ فيقولون: لا. فيقال: مَنْ شَهِدَ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمَّتُهُ. فَتُدْعَى أمَّةُ محمد فيقال: هل بَلَّغَ هذا؟ فيقولون: نَعَم. فيقول: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيّنا بذلك أن الرسل قد بَلَّغوا، فصدَّقْناه. قال: فذلكم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. . . (١٤٣)﴾] (١).
ولا شك أن السؤال واقع يوم القيامة على كل من استرعاه الله رعية، سواء أكان إمامًا أم والدًا أم والدة أم واليًا ولي أي شأن من شؤون الخلق ومصالحهم.
فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كُلُّكُم راع، وكُلُّكُم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ: الإمام راعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولة عن رَعيَّتِهِا، والخادمُ راعٍ في مال سَيِّده ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ. قال: وحسبتُ أنْ قَدْ قال: والرجل راعٍ في مالِ أبيه وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾.
قال ابن عباس: (ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم).
قال القرطبي: (﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ أي: كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالى عالمٌ بعلم). وقال النسفي: (﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ عنهم وعما وجد منهم. ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم).
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّ أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فَيُخْتَمُ على
стр. 1497
فيه، ويقال لأركانه انطُقي، فتنطق باعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١).
وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾.
قال مجاهد: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾، القضاء. ﴿الْحَقُّ﴾، قال: العدل).
وقال السدي: (﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: توزن الأعمال).
وقال عبيد بن عمير: (يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن جناح بعوضة).
وفي التنزيل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وفي صحيح الحاكم - بسند جيد - عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يَزِنُ هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٢).
قال ابن جريج: (قال لي عمرو بن دينار قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾، قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾.
أي: تقرأ النتائج من سجلات وقراءات الميزان، فمن رجحت حسناته فقد فاز، ومن طاشت فقد خسر.
قال مجاهد: (﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ قال: حسناته. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، قال: حسناته).
стр. 1498
وقال عبيد بن عمير: (يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث - منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند - بإسناد حسن - عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبيَّ الله من دقة ساقيه فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد] (٣).
الحديث الرابع: يروي ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعةٌ وتسعون سِجلًا، كل سجلٍّ مدُّ البصر، ثم يقول الله ﵎: هل تُنْكِرُ من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظَلَمَكَ كتبتي الحافظون؟ فيقوك: لا يا رب، ثم يقول: ألك عذرٌ، ألك حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليكَ اليوم، فَتُخرجُ له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول:
جعل لها رواسي وأنهارًا، وسخر لهم الرياح والسحاب فأجرى الأنهار، وأنبت الزرع والثمار، وجعل لهم منازل وبيوتًا، وذلّل لهم المكاسب والمعايش والمنافع وقليل منهم الشاكرون. ثم نبّه سبحانه على شرف أبيهم آدم، وأمر الملائكة بالسجود له تكريمًا، خلقه سبحانه بيده من طين، ثم صوركم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق، فأبى الشيطان السجود لأبيكم حسدًا وكبرًا، واغتر بخلقه من نار، واستخف خلق الصلصال، فأهبطه الله من دار النعيم، فكان من الصاغرين، فسأل الله النظرة إلى يوم الدين، فأعطاه الله النظرة، استحقاقًا للسخطة، واستتمامًا للبلية، فتوعد اللعينُ بإغواء الذرية، ليصرفهم عن مقام خير البرية، فتوعده الله تعالى هو ومن تبعه جهنم صاغرين. ثم أمر سبحانه آدم ﵊ أن يسكن هو وزوجه الجنة، وأن يتنعم فيها وأهله من كل شيء، إلا من شجرة جعلها الله سبحانه موضع اختبار، فوسوس اللعين بكل طريقة ليزلا في القرار، وما زال يغويهما حتى أكلا منها فبدت سوآتهما فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة - يلزقان بعضه على بعض ليواريا سوآتهما - وناداهما ربهما ألم أحذركم طاعة اللعين، ووسواس الرجيم، وأنه لكم عدو مبين. فأقرا بالذنب والسقوط والزلل، وسألاه سبحانه المغفرة والرحمة فهو يجيب المضطر إذا سأل، ثم قضى لهما الهبوط إلى دار الدنيا، ووصاهما الحذر ثانية من هذا العدو الرجيم، وكتب لهما الحياة فيها والموت فيها إلى أن يأذن الله بالخروج من القبور، في يوم النشور، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
قال ابن كثير: (يقول تعالى مُمْتَنًّا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارًا، وجعل لها رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباحَ لهم منافعها، وسخَّرَ لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم ﴿فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي: مكاسب وأسبابًا يتَّجرون فيها، ويَتَسَبَّبُون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]).
قال القرطبي: (والمعايش جمع مَعيشة، أي: ما يُتَعَيَّشُ به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة).
والخلاصة: لقد ذلل الله سبحانه أسباب الرزق والعافية لابن آدم، ثم إن أكثرهم
стр. 1501
لا يشكرون، بل بعضهم يجحدون ويكفرون، أو يتطاولون ويشركون.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ليس أحدٌ - أو ليسَ شيءٌ - أصبرَ على أذىً سمعه من الله، إنهم ليدْعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم وَيَرْزُقهم] (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾
قال الضحاك: (أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية). وقال ابن عباس: (خُلِقوا في أصلاب الرجال، وصوِّروا في أرحام النساء).
وقال: (﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾، يعني آدم، وأما ﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾، فذريته).
قال ابن جرير: (﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾، ولقد خلقنا آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، بتصويرنا آدم).
وهذا تفسير قوي مناسب للسياق، فالمراد آدم، وقيل ذلك بالجمع لأنه أبو البشر، فالكلام عليه ينسحب على كل ذريته من بعده.
وقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾
أي: فلما صورنا آدم، فكان خلقًا متكاملًا، ونفخنا فيه الروح، قلنا للملائكة اسجدوا لهذا المخلوق السوي تكريمًا له واختبارًا لهم بالأمر، فسجدوا طائعين، إلا إبليس كان من العاصين، ولم يكن من الملائكة بل من الجن، وإنما أُلْحِق بهم تغليبًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
قال ابن عباس: (فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر، لما كان حدّث نفسه، من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين! يقول: إن النار أقوى من الطين) - ذكره ابن جرير.
وقال الحسن: (قاس إبليس، وهو أول من قاس).
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [خُلقت
стр. 1502
الملائكة من نور، وخُلِقَ إبليس من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم] (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
قال السدي: (والصغار: هو الذل). فأهبطه سبحانه بسبب عصيانه الأمر، واستكباره عن الامتثال. قال ابن كثير: (قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة - يعني في قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ -، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
فاستجاب الله سؤاله، فأنظره إلى يوم البعث، استكمالًا للبلية، ولله الحكمة البالغة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
يتوعد إبليس بالانتقام من ذرية آدم بكل وسيلة يستطيعها - بعدما استوثق في التأجيل ليوم البعث - وكان ذلك حسدًا وكبرًا. قال ابن عباس: (﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: كما أضللتني). وقال مجاهد: (﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: سبيل الحق، فلأضلنهم إلا قليلًا).
وفي الآية بعدها أقوال:
١ - قال ابن عباس: (﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، يقول: أشككهم في آخرتهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، أرغبهم في دنياهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، أشهِّي لهم المعاصي).
٢ - وفي رواية عنه: (أما ﴿بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، فمن قبلهم - يعني من الدنيا -، وأما ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، فأمر آخرتهم، وأما ﴿عَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فمن قبل حسناتهم، وأما ﴿عَنْ شَمَائِلِهِم﴾، فمن قبل سيئاتهم).
٣ - وقال ابن جريج: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من دنياهم، أرغّبهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، آخرتهم، أكفّرهم بها وأزهدهم فيها، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، حسناتهم
стр. 1503
أزهدهم فيها، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، مساوي أعمالهم، أُحَسِّنُها إليهم).
٤ - وقال مجاهد: (قول الله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال: حيث يبصرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾، حيث لا يبصرون).
قلت: وكلها أقوال تحمل آفاقًا محتملة لتأويل الآية، وتشترك جميعها بأن إبليس اللعين توعد إغواء ذرية آدم من جميع وجوه الباطل ليصدهم عن الحق. وفي ذلك أحاديث كثيرة في صحيح السنة المطهرة، منها:
الحديث الأول: أخرج الحاكم في المستدرك، والبيهقي في "الأسماء" بسند صحيح في الشواهد - عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن، عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الشيطان قعد لابن آدم بِأَطْرُقِهِ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل، فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتل فَتُنْكَحُ المرأة ويُقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد .. ] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب
стр. 1504
الناس في حجة الوداع فقال: [إن الشيطان قد يئِسَ أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله، وسنة نبيه .. ]. وأصله في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
قال ابن عباس: (مُوَحِّدين).
وهذا الكلام من إبليس إنما كان عن ظن منه وتوهم، فتحقق بسبب زلل ابن آدم وضعفه وانقياده لشهواته وأهوائه، فتوافق ظن إبليس مع تفريط ابن آدم كما قال تعالى في آية سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
وقد كان الله حذّر الذرية كما حذر الأبوين منه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾.
وكذلك إنما جاءت أوامر النبي ﷺ تحذر من موافقة اللعين، وتؤكد على مخالفة هذا الشيطان الرجيم، فإنه لا يضمر للإنسان إلا الشر المبين. ومن ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: [هو اختلاس يختلِسُهُ الشيطان من صلاة العبد] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: [قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي! فقال رسول الله ﷺ : ذلك شيطان يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن
стр. 1505
يسارك ثلاثًا. قال: فعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني] (١).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند - بسند صحيح - من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحْرِزُ نَفْسَه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (٢).
وقوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾.
المذؤوم: المعيب، والمدحور: المُقْصَى. قال قتادة: (يقول: اخرج منها لعينًا مَنْفِيًّا).
وقال ابن عباس: (﴿مَذْءُومًا﴾: ممقوتًا. قال: يقول: صغيرًا منفيًا).
وعن مجاهد: (﴿مَذْءُومًا﴾، قال: مَنْفِيًّا، ﴿مَدْحُورًا﴾، قال: مطرودًا). وعن التميمي: (سأل ابن عباس: ما ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، قال: مقيتًا). وقال الربيع بن أنس: (مذؤومًا: منفيًا، والمدحور: المُصَغَّرُ).
وقوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
تَوَعُّدٌ من الله بالانتقام منه ومن أتباعه.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٥].
стр. 1506
وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس بمعصيته وأخرجه منها، وأباح الله تعالى لهما كل ثمرات الجنة إلا شجرة بعينها جعلها سبحانه موضع الاختبار، فحذرهما من الزلل ومخالفة الأمر.
وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
قال ابن جرير: (ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء، وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما).
وقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
قال قتادة: (فحلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يُخْدَع المؤمن بالله، فقال: إني خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما)
وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾.
أي: فخدعهما بغرور، فما زال بهما حتى خُدعا بكلامه ووسوسته.
وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
أي: فلما وقعا وذاقا ثمر الشجرة التي حرمها الله عليهما، أعراهما ربهما من الكسوة التي كان كساهما وتفضل عليهما، فهرعا إلى ورق الجنة لتغطية ما بدا من عوراتهما.
قال ابن عباس: (جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوآتهما).
وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
أي: نادي الله تعالى آدم وحواء: ألم أنهكما عن أكل ثمر تلك الشجرة وأحذركم عداوة إبليس ومحاولاته النيل من نَعيمكما، وأنه لكما عدو مبين، حاسد ظلوم.
قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قال الضحاك: (هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه).
стр. 1507
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
يقول جل ذكره لآدم وحواء وإبليس العدو: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدو. قال ابن عباس: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، قال: القبور. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: إلى يوم القيامة، وإلى انقطاع الدنيا). وكذلك قال ابن عباس: (﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: وجه الأرض وتحتها).
قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: قرارٌ وأعمارٌ مضروبةٌ إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدرُ، وسطِّرت في الكتاب الأول).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.
أي: حياتكم ثم مماتكم فيها ثم تبعثون منها ليوم الحساب.
وفي التنزيل: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث البراء - عند صعود الروح - قال رسول الله ﷺ : [فيستفتحون له، - أي: لروح المؤمن - فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيُرَدُّ إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده].
ثم قال في روح الكافر: [فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتطرح روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده] (١).
٢٦ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ
стр. 1508
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾.
في هذه الآيات: وصايا من الله سبحانه لذرية آدم بعدما حصل لأبويهم من فتنة الشيطان وما أعقبها من الهبوط إلى دار الدنيا والابتلاء والامتحان: يا بني آدم قد خلقنا لكم لباسًا مما تلبسون من الثياب يستر عوراتكم، ولباس الإيمان والحياء والعمل الصالح هو زينة اللباس، إن كنتم تعتبرون. يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان لكشف عوراتكم كما فعل بأبيكم آدم وأمكم حواء، ليسلبهما لباس التقوى والستر والحياء، إنه يراكم هو وجنسه دون أن تروهم، إنا جعلنا الشياطين نصراء الكفار والمتكبرين. وإذا فعل هؤلاء الكفرة قبيحًا - كالطواف بالبيت عرايا - فعوتبوا بذلك احتجوا بطريقة الآباء، وبأن الله أمرهم بذلك، قل - يا محمد - لهم: إن الله لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال، وإنما أنتم تكذبون. إنما أمر ربي بالعدل وإخلاص الدعاء والعبادة له
стр. 1509
سبحانه، وأن تَتَوَجهوا إلى البيت الحرام، ثم إليه تحشرون، فكما بدأكم تعودون. إنه سبحانه قد هدى فريقًا استحقوا الهداية بتواضعهم لأمره، وحرم الهداية فريقًا تمردوا على أمره وأظهروا الاستكبار والعناد، وآثروا ولاية الشياطين، وهم يحسبون أنهم مهتدون. يا بني آدم تجملوا باللباس عند كل مسجد فاختاروا أستره وأجمله، وكذلك كلوا واشربوا من الطيبات واجتنبوا الإسراف والمحرمات، إنه سبحانه لا يحب المسرفين. قل - يا محمد - لهؤلاء المنحرفين في منهاجهم: من حرّم عليكم - أيها القوم - زينة الله أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من الرزق من أصناف الطيبات في المطاعم والمشارب، قل - يا محمد - إذ أفلس القوم من الجواب: إنها زينة الله أخرجها لعباده وطيبات أحلها لهم، ثم ينعمون بها وحدهم في الآخرة دون الكفار، ونفصل التشريع الحق لقوم يفقهون. قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أيها القوم! إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده وطيّبه لهم، إنما حرم القبائح وهي الفواحش، سرّها وعلانيتها، والمعاصي والاستطالة على الناس بظلم، والشرك الذي هو أصل كل معصية وفاحشة وظلم، والقول على الله بغير علم، الذي هو أم كل جهل وأصله وسببه. ثم لكل أمة أجل هم بالغوه، فإذا جاء يومهم مضوا دون أي تأخير أو تقديم. يا بني آدم إنه لا فلاح لكم إلا باتباع الرسل، فمن صدق بهم ومضى على منهاجهم فقد فاز، ومن أبى فالنار ستلفحه يوم القيامة وبئس المصير.
فقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾.
قال مجاهد: (كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه).
وقال ابن عباس: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم). وفي رواية: (﴿وَرِيشًا﴾ يقول: مالًا).
وقال ابن زيد: (الريش: الجمال). قال ابن جرير: (و ﴿الريش﴾: إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال).
وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - قال قتادة: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، هو الإيمان).
стр. 1510
٢ - وقال معبد الجهني: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء).
٣ - وقال ابن عباس: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العمل الصالح). أو قال: (السمت الحسن في الوجه).
٤ - وقال عروة بن الزبير: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشية الله).
٥ - وقال ابن زيد: (يتقي الله، فيواري عورته، ذلك ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾).
قلت: وكلها أقوال متكاملة في معناها تزيد في توضيح آفاق الآية، فالإيمان والحياء وحسن السمت واللباس الساتر وخشية الله والعمل الصالح كل ذلك من لباس التقوى.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: كل ما سبق ذكره من اللباس والرياش وخير اللباس - لبالس التقوى - من حجج الله على من كفر بالله، عله يعتبر وينيب إلى الحق ويترك ما هو عليه من الضلال.
وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.
تحذير من الله عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء حتى جردهم من لباس الله ونزعه عنهما بغوايته لتظهر عوراتهما، وهذا من أخطر السبل التي يحاول بها الشيطان وأعوانه إضلال بني آدم، وما التعري وكشف العورات وأفلام الرذيلة وفشو الزنا بكل ألوان الشذوذ والإباحية اليوم في أرجاء الأرض إلا تصديق لهذه الآية.
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ - إخبار من الله عن رؤية الجن للإنس دون العكس عمومًا.
قال مجاهد: (الجن والشياطين). وقال ابن زيد: (قبيله: نسله).
وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - أي: نصراء لهم يعينونهم على فشو المنكر.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]