← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أمواتَ الذكر، خمولًا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَييتم، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. والآية تشبه قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. قال قتادة: (نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض). أي: لتتقوا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وخَلقَ: أي اخترع وأوجد بعد العدم. و (ما) بمعنى الذي. و (لكم) للانتفاع. قال ابن العربي: (وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرًا ولا إباحة ولا وقفًا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته). وقال أبو عثمان: (وَهَب لك الكلَّ وسخّره لك لتستدل به على سَعة جُوده، وتَسْكُن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بِرّه على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النّعم قبل العمل وهو التوحيد). وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. أما الاستواء فذكر فيه المعاني التالية: الأول: الإقبال. قال بعضهم: (معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها).

стр. 177

الثاني: عَمدَ لها. قيل: (كل تارك عملًا كان فيه إلى آخر، فهو مُستوٍ لما عَمَدَ له، ومستوٍ إليه). الثالث: العلو. قال القرطبي: (والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾). قال ابن عباس: (ثم استوى إلى السماء: صَعِد). وممن قال ذلك أيضًا من الأوائل -أهل التفسير- الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، يقول: ارتفع إلى السماء). واختاره ابن جرير وقال: (وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾، علا عليهن وارتفع، فدبّرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سماوات): قلت: ولا شك أن اختيار ابن جرير لمعنى الاستواء بالعلو والارتفاع هو الذي ينسجم مع بقية آيات الاستواء في القرآن. وقد رُوي عن الإمام مالك ﵀ أن رجلًا سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! قال مالك: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه). فائدة: قال القرطبي ﵀: (يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في "حم السجدة". وقال في النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ فوصف خلقها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أولًا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضًا وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمر إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات، ثم دحا (١) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلفها غير مَدْحُوّة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولًا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك).

стр. 178

قلت: وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: [خلق الله التوبة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١). وأما قوله ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبّرهن وقوّمهن. قال ابن جرير: (والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة. قال: فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سماواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ). قال الربيع بن أنس: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قول: سوّى خلقهن). والسماء تكون واحدة مؤنثة، أو جمعا لسماوة (قاله الأخفش) أو جمعًا لسماءة (قاله الزجاج) وجمع الجمع (سماوات وسماءات). قال القرطبي: (فجاء ﴿سواهن﴾ إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس. ومعنى سوّاهن سوّى سطوحهن بالإملاس. وقيل: جعلهن سواء). فائدة: جاء التصريح في القرآن أن السموات سبع، وحُمِلَ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، أي مثلهن في العدد، وقيل في غلظهن وما بينهن. ولا شك أن الأرضين سبع كالسماوات، وقد دلت على ذلك السنة الصحيحة: ففي صحيح مسلم عن سَعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من أخذ

стр. 179

شبرًا من الأرض ظُلْمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يأخذ أحدٌ شِبْرًا من الأرض بغير حَقِّهِ، إلا طَوَّقَهُ الله إلى سبعِ أَرَضينَ يوم القيامة] (٢). وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو: [. . . فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله. .] (٣) الحديث. وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. عليم بمعنى عالم. قال ابن عباس: (العالم الذي قد كمل في علمه). ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. في هذه الآية: يمتن الله سبحانه على بني آدم بذكرهم في الملأِ الأعلى قبل خلقهم وإيجادهم، ليعرفوا قدرهم عند بارئهم، وليُدْركوا يومًا قيمة وجودهم وعظيم ما خُلقوا له فيقوموا بحق الله سبحانه عليهم بالتعظيم والعبادة وإقامة شرعه في الأرض. والملائكة في لغة العرب جمع مَلأَك، وإنما اشتهر بغير الهمز فيقال في واحدهم ملك من الملائكة، وأصل ذلك من لأَكَ إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة. ومنه قول عدي بن زيد: أبلغ النعمان عني ملأكًا ... إنه قد طال حبسي وانتظاري فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رُسل الله بينه وبين أنبيائه.

стр. 180

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾. فيه تأويلان: التأويل الأول: إني فاعل. قال قتادة: (قال الله تعالى ذكره لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل). التأويل الثاني: إني خالق. قال أبو روق: (كل شيء في القرآن ﴿جعل﴾ فهو خلق). والأول أقرب للسياق، وبه أخذ شيخ المفسرين ابن جرير ﵀، حيث قال: (والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي مستخلف في الأرض خليفة، ومُصَيِّرٌ فيها خلفًا). وقيل ﴿الْأَرْضِ﴾ هي مكة، ولا دليل على هذا التخصيص. وأما (الخليفة) فهو من خلف فلان فلانًا في الأمر إذا قام مقامه فيه بعده، فالمقصود قوم يخلف بعضهم بعضًا. وفي التنزيل تأكيد ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. ٢ - قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. ٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. ٥ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل). وقال ابن جرير في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: (يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. من ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا). فهذا معنى قوله جل ذكره: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.

стр. 181

وقوله: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال ابن سابط: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، قال: يعنون به بني آدم ﷺ ). وقال ابن زيد: (قال الله تعالى ذكره للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعلَ فيها خليفة. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق). والظاهر من الآيات أن الله سبحانه كان أعلم ملائكته بطبيعة ما يريد خلقه وإيجاده في هذه الأض، وليس المقصود أبدًا أن الجن كانوا يعمرون الأرض قبل الإنس ويفسدون فيها فاستنتج الملائكة طبيعة الإنس القادم إلى الأرض من طبيعة ما يجرى بين الجن فسألوا الله ما سألوه! ! فهذا مما لا دليل عليه، بل ترده جملة نصوص القرآن والسنة فإن الإنسان أول من عمر هذه الأرض. فعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أن الله جل ثناؤه قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا). ويؤكد هذا قتادة بقوله: (كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكَوا الدماء، فذلك قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾). قال الحسن: (وقد كانت الملائكة علمت من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء (١)). وَهذا التأويل منسجم مع الآية التي تلي هذه الآيات، وهي من قبل الملائكة: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]. قال العلامة برهان الدين البقاعي في تفسيره: (وما يقال من أنه كان قبل آدم، ﵇، في الأرض خَلْقٌ يعصون، قاس عليهم الملائكة حال آدم ﵇ كلامٌ لا أصل له. بل آدم أول ساكنيها بنفسه) ذكره القاسمي. وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. التسبيح لغة: التنزيه. قال الرازي: (و"سبحان" الله معناه التنزيه لله، وهو نَصْب

стр. 182

على المصدر، كأنه قال أُبرِّئُ الله من السوء براءةً. و"سُبُحاتُ" وجه الله تعالى بضمتين جلالتُه. و"سُبُّوح" من صفات الله تعالى). والتقديس في لغة العرب: التطهير. والقُدسُ بسكون الدال وضمها الطُّهْر اسمٌ ومصدر. وقُدُّوس اسم من أسماء الله تعالى. والأرض المقدسة: أي المطهرة. وقد جاء في هذه الآية أكثر من تأويل: الأول: عن قتادة: (التسبيحُ: التسبيح، والتقديس: الصلاة). وعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلّي لك). الثاني: عن مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك). الثالث: عن الضحاك: (التقديس: التطهير). الرابع: عن محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه). قال القاسمي: (كأنهم قابلوا الفساد، الذي أعظمه الإشراك، بالتسبيح. وسفك الدماء، الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم، بتطهير النفس عن الآثام. لا تمدّحًا بذلك، ولا إظهارًا للمنّة، بل بيانًا للواقع). وهي أقوال متقاربة متشابهة. قال ابن جرير: (التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سُبُّوح قُدُّوس، يعني بقولهم: سُبُّوح، تنزيه له، وبقولهم: قُدُّوس، طهارة وتعظيمٌ له). وقال الحافظ ابن كثير: (فمعنى قول الملائكة إذن: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك). وقال القاسمي: (وقوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي: نصفك بما يليق بك -من العلو والعزّة- وننزّهك عما لا يليق بك). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁: [أن رسول الله ﷺ سُئِل: أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [كلمتان

стр. 183

حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحانَ الله العظيم] (١). وقوله: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فيه أكثر من تأويل: الأول: يعني من شأن إبليس. قال ابن عباس: (يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كِبره واغتراره). وقال مجاهد: (علم من إبليس المعصية وخلقه لها). وقال أيضًا: (علم من إبليس كتمانه الكبر أن لا يسجد لآدم). الثاني: يعني من شأن آدم. قال مجاهد: (علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلَقَه لها). وقال ابن إسحاق: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي فيكم ومنكم، ولم يُبْدها لهم، من المعصية والفساد وسفك الدماء). الثالث: يعني من شأن الخليفة. قال قتادة: (فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة). قلت: والأنسب من ذلك أن يقال بأن الآية عامة، وبأن لله حكمة في خلق الخليقة لا يعلم آفاقها إلا هو جل ثناؤه، وإن كان سبحانه قد نوّه بذكر بعض هذه الآفاق والحكم، إلا أن الخلق لا يحيطون بعلمه وحكمته مهما بلغوا من العلم. ٣١ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ

стр. 184

لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾. في هذه الآيات: يبين الله سبحانه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، ثم بأمره جل ثناؤه لهم بالسجود له. وقد قيل إنما سماه الله آدم لأنه خُلق من أديم الأرض. وفي ذلك أقوال جيدة ذكرها المفسرون. القول الأول: عن ابن عباس، قال: (بعث ربُّ العزة ملكَ الموت فأخذ من أديم الأرض، من عذْبها ومالحها، فخلق منه آدم، ومن ثمَّ سُمي آدم. لأنه خُلق من أديم الأرض). القول الثاني: عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده، عن علي، قال: (إن آدم خُلِقَ من أديم الأرض، فيه الطيب والصالح والرديء، فكل ذلك أنت راءٍ في ولده، الصالح والرديء). القول الثالث: عن سعيد بن جبير قال: (إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض). القول الرابع: عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (أن ملك الموت لما بُعث ليأخذ من الأرض تربة آدم، أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكَان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. ولذلك سُمي آدم، لأنه أخذ من أديم الأرض). قلت: وقد صحّ الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ دون إشارة إلى ملك الموت. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود والترمذي في السنن بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى خلقَ آدمَ من قُبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدْر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسهْلُ، والحزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ، وبين ذلك] (١). والأديم في لغة العرب وجه الأرض. قال أبو جعفر: (ويكون تأويله حينئذٍ: آدمَ الملك الأرضَ، يعني به بلغ أدمتها - وأدَمتها: وجهها الظاهر لرأي العين، كما أن

стр. 185

جلدة كل ذي جلدة له أدَمة. ومن ذلك سُمي الإدام إدامًا: لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه- ثم نقل من الفعل فجعل اسمًا للشخص بعينه (١)). وقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: أسماء الأشياء المعروفة المشهورة. وتفصيل ذلك: ١ - عن ابن عباس قال: (علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسانٌ ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها). ٢ - عن مجاهد قال: (علمه اسم كل شيء). وقال: (علمه اسم الغراب والحمامة واسم كل شيء). ٣ - عن سعيد بن جبير قال: (علمه اسمَ كل شيء، حتى البعير والبقرة والشاة). ٤ - عن سعيد بن مَعبد، عن ابن عباس، قال: (علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة). وفي لفظ قال: (حتى الفسوة والفُسَيَّة). وفي لفظ آخر قال: (علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة). وفي لفظ ثالث قال: (علمه القصعة من القُصيعة والفسوة من الفسية). ٥ - عن قتادة قال: (علمه اسم كل شيء، هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا وهذا كذا، لكل شيء. ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين). ٦ - عن الحسن قال: (علمه اسم كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه). التأويل الثاني: قيل بل هي أسماء الملائكة. فعن الربيع قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: (أسماء الملائكة). التأويل الثالث: أسماء الذرية. قال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: (أسماء ذريته أجمعين).

стр. 186

واختار ابن جرير أن المراد أسماء الملائكة وأسماء الذرية لأن قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ يخص من يعقل، بينما ردّ عليه الحافظ ابن كثير بأن ذلك غير لازم، فقد يعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥]. قال ابن كثير: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسَيّة. يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر). ولا شك أن الآية عامة في كل ما احتاج آدم معرفته لمواجهة هذه الحياة الدنيا في المستقبل، وقد دلت السنة الصحيحة على ذلك. ففي صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدمَ فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ. ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلَّمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم. ويذكر قَتْل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمَةَ الله وروحَه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَرَ الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستاذن على ربي، فيأذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاءَ ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمد بتحميد يُعَلِّمُنِيه، ثم أشفع فيَحُدُّ لي حدًّا فأدْخِلُهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي مثْلَه، ثم أشفع فَيَحُدّ لي حدًا فأُدْخِلهم الجنة، ثم أعود الثالثة ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حَبسه القرآن ووجب عليه الخلود] (١).

стр. 187

قال أبو عبد الله: إلا من حبسه القرآن: يعني قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. وهذا الحديث العظيم ذكره البخاري في تفسير هذه الآية، من كتاب التفسير، من صحيحه، وقوله: "وعلمك أسماء كل شيء" يدل على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات. وقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. فيه أقوال متقاربة يكمل بعضها بعضًا. ١ - عن ابن عباس قال: (ثم عرض هذه الأسماء، يعني جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق). ٢ - عن ابن مسعود وناس من الصحابة: (ثم عرض الخلق على الملائكة). ٣ - قال ابن زيد: (أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره، قال: ثم عرضهم على الملائكة). ٤ - عن قتادة قال: (علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة). ٥ - عن مجاهد: (عرض أصحاب الأسماء على الله الملائكة). قال: (يعنى عرض الأسماء، الحمامة والغراب). ٦ - عن الحسن وقتادة قالا: (علّمه اسم كل شيء: هذا الخيل، وهذه البغال، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة). وقوله: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء). وقال مجاهد: (بأسماء هذه التي حدَّثتُ بها آدم) وفي لفظ: (بأسماء هؤلاء التي حدّثت بها آدم). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فيه أكثر من تأويل: الأول: عن ابن عباس: (إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة). الثاني: عن ابن مسعود وغيره من الصحابة: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء).

стр. 188

الثالث: عن الحسن وقتادة قالا: (﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لم أخلقْ خَلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين). قال ابن جرير: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، تأويل ابن عباس ومن قال بقوله. ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة -القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، من غيرنا أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينوهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعدُ، وبما هو مستتر من الأمور -التي هي موجودة- عن أعينكم، أحرى أن تكونوا غير عالمين). والخلاصة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرط، والجواب محذوف لتقدّم ما قبله عليه: "أنبئوني". وقوله تعالى: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. هذا أدب رفيع من الملائكة الكرام، فيه مسارعة بالأوبة إلى الله العليم العلَّام، وتبرؤ من ادعاء العلم والمعرفة أو الخوض في متاهات الرأي والكلام. قال ابن عباس: (﴿قَالوا سُبْحَانَكَ﴾ (١) تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيب غيرُه، تُبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبرِّيًا منهم من علم الغيب، ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علمت آدم). قال ابن جرير: (فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم بقولهم: ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كل من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة (٢) والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة). وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة (٣) قال: [كنت

стр. 189

جالسًا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيمٌ أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عنك منه عِلمٌ ولا فرَج، أو عِلْمٌ ولا مَخرَج؟ فقال له القاسم: وعمَّ ذاك؟ قال: لأنك ابْنُ إمامَيْ هُدًى: ابنُ أبي بكر وعمر (١). قال يقول له القاسم: أقْبَحُ من ذاك عد مَن عَقَل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه] (٢). وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هُرْمُز يقول: (ينبغي للعالم أن يُوَرِّث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلًا في أيديهم، فإذا سُئِل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري) (٣). وذكر الهيثم بن جميل قال: (شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري). وجاء في الأثر أيضًا عن مالك أن رجلًا سأله عن مسألة وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، فقال له الإمام مالك: (فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها). قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: (من علّمه الله، قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾). وكان ابن عجلان يقول: (إذا أخطأ العالم قول "لا أدري" أصيبت مقاتله). قلت: والبعد والخشية من الفتوى صفة لازمة للعلماء الأوائل من الصحابة والتابعين ومن سار على منهجهم، متأثرين بنحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح عن علي، عن النبي ﷺ قال: [من حدَّثَ عني حديثًا وهو يُرَى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذبين] (٤). وفيه بإسناد حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر:

стр. 190

[إياكم وكثرةَ الحديثِ عني. فَمَنْ قال عليَّ فليقل حقًّا أو صِدْقًا. ومن تقوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فَلْيَتبَوّأ مَقْعَدَهُ من النار] (١). وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (أدركت في هذا المسجد -مسجد رسول الله ﷺ مئة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما منهم أحد يُسأل عن حديث أو فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه ذلك). وفي لفظ آخر: (كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى ترجع إلى الذي سئل عنها أول مرة). ومثل هذا كثير في حياة الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. قال القرطبي ﵀: (وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم. قال ابن عبد البَرّ: من بركة العلم وآدابه الإنصافُ فيه، ومن لم يُنصف لم يفهم ولم يتفهّم. روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف. قلت (٢): هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عمّ فينا الفساد وكثر فيه الطَّغام! وطُلِب فيه العلم للرياسة لا للدّراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمِراء والجدال الذي يُقْسِي القلب ويُورث الضِّغن، وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى (٣). قلت: فإن كان هذا في زمن القرطبي المتوفى (٦٧١ هـ) فكيف في زماننا اليوم بعد سبعة قرون من زمانه وبعد أربعة عشر قرنًا من زمان النبي ﷺ ، وقد أظلتنا فتن تجعل والله الحليم حيرانَ، وقد صرنا إلى الزمن الذي أخبر عنه المصطفى ﷺ بأنه يصبح الرجل فيه مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. وقد جاءني قبل ساعة من الآن رجل يسأل عن فتيا يشير واقعها إلى الحال الذي وصل إليه المسلمون في زماننا هذا، فهو يقول: إن زوجته يعتريها أوقات تتغير فيه وتضرب نفسها وتكاد تمزق ما حولها -فيما يبدو أنه مسّ من الجن- وتطلب منه الطلاق ولا تهدأ إلا إذا لفظ به، فهي تهدده بحالة مذعرة يخشى من عاقبتها كما يخشى من مقدّمها -مهرها- الكبير الذي كتبه على نفسه ولا يستطيعه إن حاكمته إلى القاضي،

стр. 191

حتى دُلَّ أو دُلّت على رجل دجال ساحر، زاد بكفره وشعوذته من المشكلة حين أمرها بحمل زوجها على أن يطلقها وكرّهها بالسحر منه بشدة ووعدها وعودًا كاذبة بإخراج هذه القوى الخفية منها وخلا بها وزنى بها ثم طلقها زوجها وطلب ذلك الدجال الزواج منها بدعوى متابعة معالجة المشكلة فتزوجها قبل أن تُنهي عدتها من زوجها ثم ظهر لها كذبه ودجله فهددته حتى طلقها، ثم رجعت إلى زوجها الأول نادمة عما حصل من أمرها، فجاءني زوجها يستفتيني -بعدما دُل عليَّ من كبار أهل العلم- هل تستطيع أن ترجع إليه وقد طلقها ثلاثًا ثم زنى بها ذلك الدجال ثم تزوجها أثناء عدتها ثم طلقها؟ ؟ فهذا حال زماننا نسأل الله السلامة والعافية. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال ابن عباس: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي قد كمل في علمه، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي قد كمل في حُكمهِ). وقيل: معنى الحكيم: الحاكم، كما أن العليم بمعنى العالم، والخبير بمعنى الخابر. قال ابن كثير: (أي العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء، ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام). وقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾. قال ابن عباس: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، يقول: أخبرهم بأسمائهم- ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا يعلمه غيري). وقال زيد بن أسلم: (قال: أنت جبرائيلُ، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدَّدَ الأسماء كُلَّها، حتى بلغ الغُراب). وقال مجاهد: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال: اسم الحمامة، والغراب واسم كل شيء). قال الحافظ ابن كثير: (فلما ظهر فضلُ آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سَرْده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدَّم

стр. 192

إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفيَّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧]. وكما قال تعالى إخبارًا عن الهُدْهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥ - ٢٦]). وقد ذكر غير ذلك من تأويل في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وتفصيل ذلك: التأويل الأول: عن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ قول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية. يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار). وقال سعيد بن جبير: (ما أسر إبليس في نفسه). وقال سفيان: (ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر ألا يسجد لآدم). التأويل الثاني: عن الحسن بن دينار، قال للحسن -ونحن جلوس عنده في منزله-: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله للملائكة: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ما الذي كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: (إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فأقبلَ بعضهم إلى بعض، وأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يُهمكم من هذا المخلوق! إن الله لن يخلق خلقًا إلا كنا أكرمَ عليه منه). وقال قتادة: (أسرّوا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاء أن يخلقُ، فلن يخلُقَ خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه). التأويل الثالث: عن الربيع بن أنس: (﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، فكان الذي أَبْدَوا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم. فعوفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم). التأويل الرابع: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم، فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمتُه ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني

стр. 193

ومن يطيعني، قال: وقد سبق من الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، فقال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل). اختار ابن جرير قول ابن عباس، قال: (والذي أظهروه بألسنتهم. . قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ـ، والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبر عن طاعته). وهذا يصح في كلام العرب، أن يخرجوا الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، وذكر أن الذي نادى كان واحدًا من بني تميم. ومثله قوله تعالى: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قلت: والذي أميل إليه أن تبقى الآية عامة دون تخصيص لقول دون قول، أو موقف دون آخر، فهو سبحانه يخبر الملائكة بعد هذا المشهد الذي وضعهم فيه أمام آدم أنه جل ذكره يعلم ما يظهرونه بألسنتهم وما كانوا يخفونه في أنفسهم. ولا شك أن هذا المشهد يدل الله به على فضل العلم وأهله، ومن ثم فإن الملائكة بعد ذلك لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم، أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك خاصة لأهل العلم. فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع] (١). وفي لفظ: [بما يطلب]. وفي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني بإسناد جيد واللفظ له عن صفوان بن عَسَّالٍ المُرادي ﵁ قال: [أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد مُتكئٌ على بُردٍ له أحمرَ، فقلت له: يا رسول الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: مرحبًا بطالب علم،

стр. 194

إن طالِبَ العلم تَحُفُّه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضُهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يَطلُبُ] (١). قلت: وأما إن كان من العلماء فتشريفه عند الملائكة أكبر من تشريف طلاب العلم، فهم يستغفرون له، ويحفون مجلسه بالسكينة والرحمة، ويُصلون عليه وعلى أمثاله من معلمي الناس الخير، ويُشاركهم في ذلك أهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحر. ففي حديث الترمذي من طريق أبي الدرداء: [وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحِيتانُ في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل الفمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ] (٢). وفي جامع الترمذي أيضًا عن أبي أُمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان: أحدُهما عابِدٌ، والآخر عالمٌ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فَضْلُ العالم على العابد، كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته وأهلَ السماوات والأرض حتى النملةَ في جُحرها، وحتى الحوتَ، ليصَلُّون على معلمي الناسِ الخيرَ] (٣). ورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا قال: [مُعلم الخير يستغفر له كلُّ شيء، حتى الحيتانُ في البحر]. قال القرطبي ﵀: (وفي الحديث "وإن الملائكَة لتضع أجنحتها رِضًا لطالب العلم" أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله، لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم ﵇ فتأدّبت بذلك الأدب. فكلما ظهر لها عِلْمٌ في بشر خضعت له وتواضعت وتذلَّلت إعظامًا للعلم وأهله، ورضىً منهم بالطلب

стр. 195

له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم) (١). قلت: وأما ما خاض به بعض الناس من أن الآية تدل على أن آدم أفضل من الملائكة وكذلك الأنبياء والرسل والعلماء، أو أن الملائكة أفضل منهم، فلا دليل على أي من المذهبين، بل ليست هذه القضية معروضة للبحث فعل مها متروك إلى الله سبحانه، وإنما الآية كما أسلفنا تدل على شرف العلم وفضل أهله. ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. في هذه الآية: يمتن الله سبحانه مرة أخرى على ذرية آدم بذكر كرامة عظيمة اختص بها أباهم آدم ﵇، إذ أمر ملائكته الكرام بالسجود له، فامتثلوا الأمر الكريم، إلا إبليس اللعين، اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة، فأبى السجود وكان من المستكبرين. فقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - أي سجود تكريم وتقدير. ففي الصحيحين والمسند وأكثر السنن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهمْ! ] الحديث (٢). وفي لفظ: [قال موسى: ربِّ أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته]. وأما إبليس فأبى السجود كبرًا وتعززًا، فسخط الله عليه وأنزل به لعنته إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] قال الحافظ ابن كثير: (والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل

стр. 196

إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُمَّ في مخالفة الأمر). وأما مفهوم هذا السجود ففيه أقوال: الأول: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. الثاني: كان هذا سجودَ تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. الثالث: وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. قلت: أما الثالث فبعيد ولا دليل عليه، وأما الثاني فهو كان مشروعًا في الأمم الماضية ثم نسخ في ملتنا، ويبقى التأويل الأول هو الأنسب للسياق. واختاره الحافظ ابن كثير وقال: (والسجدة لآدم إكرامًا وتعظيمًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ، لأنها امتثال لأمره تعالى). وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: قال قتادة: (حَسَدَ عدوُّ الله إبليسُ آدمَ ﵇ على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني). وإبليس "إفعيل" من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. والعرب تقول: أبْلسَ فلان من رحمة الله أي يئِس والعياذ بالله. قال الرازي: (ومنه سمي "إبليس" وكان اسمه عَزَازيل (١). و"الإبلاس" أيضًا الانكسار والحُزْن يقال: أبْلس فلان إذا سكت غمًا). قال ابن عباس: (إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته). وقال السدي: (كان اسم إبليس "الحارث"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا). وفي التنزيل: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ يعني: آيسون من الخير، نادمون حزنًا.

стр. 197

وقوله ﴿أَبَى﴾ أي امتنع من السجود لآدم ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي تعظَّمَ وتكبَّر عن طاعة الله في أمره بذلك، وهذا الاستكبار هو أول ذنب عُصِيَ الله به، وهو من أقبح الأفعال التي تسخط الله سبحانه وتُهَدِّدُ العبد في مصيره. ففي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة منْ كان في قلبه مِثْقال ذرَّة من كبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرجل يُحِبُّ أن يكونَ ثَوْبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١). قال ابن جرير: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه جبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم -اليهودُ الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَرِ رسول الله ﷺ ، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله ﷺ وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عَالِمين. ثم استكبروا -مع علمهم بذلك- عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله ﷺ ونبوته، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا). وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأ ابنُ آدم السَّجْدَة فسَجَدَ، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا وَيْلَهُ (وفي رواية: يا وَيْلي)! أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبَيْتُ فلِيَ النار] (٢). وفي لفظ: (فعصيت فلِيَ النار). وقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال عبد الله بن بُريدة: (من الذين أبوا، فأحرقتهم النار). وقال أبو العالية: (يعني من العاصين).

стр. 198

وقال السدّي: (﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد). وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: (ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصَيَّرَهُ الله إلى ما أبدى عليه خلقه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال القرطبي ﵀ في تفسيره: (وقال جمهور المتأولين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقةً والمؤمن حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة). قلت: ويشهد لهذا التأويل الجيد من السنة الصحيحة ما رواه الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [لا تعجبوا بعمل عامل، حتى تنظروا بمَ يختَمُ له] (١). وله تفصيل أكبر عن الإمام أحمد وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من دهره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل زمانًا من دهره بعمل سيِّئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله قبل موته فوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه] (٢). وقد ذكر العلماء في هذا المعنى: أنه لا نَقْطَعُ لمن أجرى الله على يديه الخوارق أن يوافي الله بالإيمان، فالخوارق قد تكون من الولي وغير الولي، فإن كانت من الولي الصالح فهي كرامات وإن كانت من الدجال الجاهل فهي فتنة له ولمن تبعه. قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: (قلت للشافعي ﵀: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغترّوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي: قصَّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة).

стр. 199

٣٥ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: تكريم الله تعالى آدم وزوجته في جنة النعيم، وتحذيرهما من شجرة إن يقرباها يكونا من الظالمين. فما زال يوسوس إليهما فيها الشيطان الرجيم، حتى أكلا منها فأهبطهم الله تعالى إلى الأرض حتى حين. فقوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية. قال ابن جرير: (وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأُسكنها آدم قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض). وإلى ذلك ذهب المفسرون، وذكر القرطبي أنه لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسكن. وهناك روايتان في ذلك عن أرباب التفسير: الأولى: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرِج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض. وعلّم الله آدم الأسماء كلها). الثانية: عن ابن إسحاق، قال: (لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها، فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾). وقوله: ﴿اسْكُنْ﴾ من السكينة: وهي الوَداع والوقار. حكاه الرازي. والمقصود: لازم الإقامة واتخذ الجنة مسكنًا، وهو محل السكون. يقال: سَكَنَ إليه يَسْكُنُ سكونًا. والسَّكَنُ: كل ما سُكن إليه.

стр. 200

وأما عن الحال التي خلقت لآدم زوجته، والوقت الذي جعلت له سكنا فهناك روايتان: الرواية الأولى: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (فأُخْرِجَ إبليسُ من الجنة حين لعن، وأسكِنَ آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. قالت له الملائكة -ينظرون ما بلغ علمه-: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم سُميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ. فقال الله له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾). فهذا الخبر يُنبئ أن حواء خلقت بعد أن سكن آدم الجنة، فجعلت له سكنًا. الرواية الثانية: قيل بل خلقت حواء قبل أن يسكن آدم الجنة. فعن ابن إسحاق، قال: (لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: ثم ألقى السِّنَةَ على آدم -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّهِ الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها. فلما كُشِف عنه السِّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي، فسكن إليها. فلما زوّجه الله ﵎، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له قَبيلًا: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾). قال أبو جعفر: (ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزوْجَتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْدِ شنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة). والخلاصة من أقوال المفسرين: لَقد أسكن الله آدم الجنة، وأخذ من ضلع من أضلاعه وهو نائم ضلعًا من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وخلق له من ذلك الضلع زوجة يسكن إليها، والله أعلم. وقد أشارت السنة الصحيحة إلى بعض ذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:

стр. 201

[إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن سمرة عن النبي ﷺ قال: [إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها، فدارها تَعِشْ بها] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند حسن عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : [إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقومها كسرتها، وإن تدعها ففيها أودٌ وبُلغَةٌ] (٣). أي فيها عوج، ولكن فيها كفاية لحصول الأنس والسكن رغم ذلك. وآدم ﵊ هو أول الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد كلمه الله قبلًا. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في الكبير، بسند حسن عن أبي أمامة قال: [قلت: يا نبي الله فأي الأنبياء كان أول؟ قال آدم ﵇. قال: قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم، نبي مكلّم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قِبَلًا. قال: قلت: يا رسول الله! كم وفى عدد الأنبياء؟ قال: مئة ألف وأربعة عشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر، جمًّا غفيرًا] (٤). وله شاهد عند الحافظ أبي بكر بن مَرْدَوَيه من حديث أبي ذر، قال: [قلت

стр. 202

يا رسول الله؛ أرأيت آدم، أنبيًّا كان؟ قال: نعم، نبيًّا رسولًا كلَّمة الله قبلًا - يعني عيانًا - فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾] (١). وشاهد آخر أخرجه أبو جعفر الرزّاز في "مجلس من الأمالي" بإسناد صحيح عن أبي أمامة: [أن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبيًّا كان آدم؟ قال: نعم، مُكلّم. قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل؟ قال: ثلاث مئة وخمسة عشر] (٢). وقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾. الرَّغَد في كلام العرب: الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. وعِيشَةٌ رَغْدٌ: أي واسعة طيِّبة، وأرغد فلان: إذا أصاب سعة من العيش. وقد ورد في الآية أكثر من تأويل: التأويل الأول: عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: (﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ قال: الرغد: الهنيء). التأويل الثاني: عن مجاهد: (﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ أي لا حساب عليهم). التأويل الثالث: عن الضحاك، عن ابن عباس: (الرغد: سَعة المعيشة). وهي تفاسير متقاربة متشابهة تفيد أن الله سبحانه قال لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رزقًا واسعًا هنيئًا في عيش لا حساب فيه ولا عتاب. وقوله ﴿رَغَدًا﴾ إما نعت لمصدر محذوف، أي أكْلًا رَكَدًا. وإما نصب على الحال. وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. الشجرة في كلام العرب كل ما قام على ساق. قال الرازي: (الشَّجَرُ والشجَرة ما كان على ساق من نبات الأرض).

стр. 203

وفي التنزيل ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. يعني بالنجم ما نَجم من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقل على ساق، كلاهما يخضعان وينقادان لله فيما خلقا له. والمقصود أن النجم هو النبات الذي ينجم ولا ساقَ له كالعشب والبقل، وأما الشجر فهو ما قام على ساق. واختلف في عين الشجرة التي نُهي آدم عن أكل ثمرها، وفي ذلك أقوال: الأول: السُّنبلة. قال ابن عباس: (الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، هي السنبلة). وقال وهب بن منبه: (هي البُرُّ، ولكن الحبة منها في الجنة كُكُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون: هي البُرّ). الثاني: الكرمة. قال ابن عباس: (هي الكرمة). وفي رواية: (وتزعم اليهود أنها الحنطة). وقال السدي: (الشجرة هي الكَرْم). وقال الشعبي: (هم العِنب). وقال جعدة بن هُبيرة: (الشجرة التي نُهي عنها آدم، شجرة الخمر). الثالث: التِّينة. قال ابن جريج: (تينة). الرابع: شجرة الخلد. قال يعقوب بن عتبة: (حُدِّث أنها الشجرة التي تحتكُّ بها الملائكة للخلد). وكلها أقوال لا يصح رفع شيء منها إلى النبي ﷺ ، ولو شاء الله سبحانه لعيّنها بعينها، ولكنه سبحانه ما أراد ذلك، إذ المقصود من الآية إدراك أثر المخالفة لأمره سبحانه لا الخوض في مسميات ليست هي المرادة بذلك. وقد أجاد شيخ المفسرين العلامة ابن جرير ﵀ بقوله: (فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها، من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة).

стр. 204

وقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. الظلم: أصله وضع الشيء في غير موضعه. وقوله ﴿فَتَكُونَا﴾ عطف على ﴿تَقْرَبَا﴾ لذلك حذفت النون. ومعنى الآية: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي ظالمين لأنفسكما. وقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ من الزَّلة وهي الخطيئة، أي استزلهما وأوقعهما فيها. وهي قراءة الجمهور. وقرأها حمزة "فأزالهما" من التنحية، أي نحّاهما. قال ابن كَيْسان: (فأزالهما من الزوال، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية). وقراءة الجمهور أقوى كما أشار ابن جرير والقرطبي وغيرهما. قال القرطبي: (وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى. يقال منه: أزْلَلْتُهُ فزَلّ. ودلّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان، إنما قدرته على إدخاله في الزلل، فيكون ذلك سببًا إلى زواله من مكان إلى مكان قدرته). وقوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة ورغد العيش. وقد أضاف الله إخراجهما من الجنة إلى الشيطان لأن ذلك كان بسبب إغوائه وإن كان المخرج هو الله تعالى. قال ابن عباس: (﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾: قال: أغواهما). قال ابن مفلح: (فآدم ﵇ لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله أخرجه، وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالمًا مستحقًا للشقاء) ذكره القاسمي. وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل: (لا براءة من المعصية أعظم من حال من ظن أن أحدًا لا يحلف حانثًا. وهكذا فعل آدم ﵇، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيًا لنص القرآن، ومتأولًا وقاصدًا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون مَلَكًا مقربًا أو خالدًا فيما هو فيه أبدًا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله

стр. 205

به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورًا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالمًا لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلًا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبًا) انتهى. وقد أجاد شيخ الإسلام في تفصيل هذا الحدث بقوله: (الصواب أن آدم ﵇، لما قاسمة عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها القسم. والثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلًا دالًا على الحدث. السادس تقديم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم آن أحدًا يحلف بالله كاذبًا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية). وقوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. هبط - في لغة العرب -: نزل والهُبُوطُ: الحُدُور. وفي المقصود بالهبوط أقوال: الأول: آدم وحواء والحية والشيطان، قاله ابن عباس. الثاني: آدم وحواء والوسوسة. قاله الحسن. الثالث: بنو آدم وبنو إبليس. قاله مجاهد. قلت: والراجح عندي أن الأمر بالهبوط كان لآدم وزوجته والشيطان إذ لا دليل على ذكر الحية في السياق ولا في السنة الصحيحة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [خيرُ يوم طلعت فيه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرجَ منها] (١). وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. فقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ جملة اسمية، مبتدأ وخبر، أي موضع استقرار. والمتاعُ: ما يستمتع به من أكل ولُبْس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك، ومنه سميت

стр. 206

مُتعة النكاح لأنها يُتَمتَّعُ بها. وقد جاء غير ذلك في معنى ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ عند المفسرين. وتفصيل ذلك: أولًا: المستقر. ١ - قال أبو العالية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال: (هو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]). ٢ - وقال السدي: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني القبور). ٣ - وقال ابن زيد: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ قال: مقامهم فيها). ثانيًا: المتاع. ١ - قال السدي: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ قال يقول: بلاغ إلى الموت). ٢ - قال ابن عباس: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: الحياة). ٣ - قال مجاهد: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ قال: إلى يوم القيامة، إلى انقطاع الدنيا). قلت: ولا شك أن الآية تتسع لكل هذه المفاهيم، وكأنه يقول: فإن لكم في الأرض منازل ومساكِن تستقرون فيها استقراركم، ثم تدفنون في بطنها من بعد وفاتكم، فتكون الأرض منزلًا وقرارًا وكِفاتًا لأجسادكم. وإن لكم في الأرض متاعًا بما أخرج الله منها لكم، وبما جعل لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ، وبما أعطاكم سبحانه على ظهرها أثناء حياتكم، ثم بما هيأ فيها من أجداثكم بعد وفاتكم، فتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن يبدلكم غيرها. وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾. قال الربيع: إلى أجل. قال الرازي: (وعن فتح المُوصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهمّ والحزن حتى نُرَدّ إلى الدار التي أخرجنا منها).

стр. 207

٣٧. قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾. في هذه الآية: لجوء آدم ﵇ إلى ربه تعالى راجيًا عفوه ومغفرته، فغفر له وعفا عنه، إنه هو الغفور الرحيم. والتلقي في لغة العرب: أصله التَّفَعُّل من اللقاء، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبله عند قدومه من غيبته أو سفره. قال الرازي: (تلقّاه: أي استقبله). وقيل هو بمعنى أخذ وقَبِل، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي يأخذ بعضٌ عن بعض. وكان ﵇ يتلقى الوحي أي: يستقبله ويأخذه ويتَلقَّفُه. وأصح ما قيل في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي تلك المُفسَّرَة بآية الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فعن ابن زيد في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية. قال: (لقّاهما هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾). قال ابن جرير: (فمعنى ذلك إذن: فلقّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا، فتاب الله عليه بقيله إياها، وقبوله إياها من ربه). وأما من قرأها: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فجعل الكلمات هي المتلقية آدم، فهو جائز لغة، إذ كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتَلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يوجه الفعل إلى أيهما شاء، إلا أن الجمهور ليس على هذه القراءة بل على القراءة الأولى، على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. أي: قبل توبته، أو وفّقه للتوبة، فإنه سبحانه يتوب على من تاب إليه وأناب. وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤].

стр. 208

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]. قلت: وهذا سرّ العبادة، الوقوف على بابه سبحانه عقب الزلل والوقوع، فإن الذنب كائن لا محالة، إذ الضعف يحيط بابن آدم وهو جزء من كيانه وهو من طبيعة تركيبه وخلقه. ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: [لما صَوَّرَ الله تعالى آدمَ في الجنة تركه ما شاء الله أن يَتْرُكَه، فجعل إبليس يُطيفُ به، يَنْظُرُ إليه، فلما رآه أجوفَ، عرف أنه خَلْقٌ لا يَتمالك] (١). ومن ثم فالسعيد من ألهمه الله التوبة وعَلَّمه حسن الكلام، وأعانه على سرعة الأوبة والإنابة. وفي سنن الترمذيِ ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لما خلقَ الله آدا ونَفَخَ فيه الروحَ عطَسَ، فقال: الحمدُ لله، فحمدَ اللهَ بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُكَ الله يا آدم! اذهبْ إلى أولئك الملائكةُ، إلى ملأٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمةُ الله، ثم رجَع إلى ربه، فقال: إن هذه تَحِيَّتُكَ وتحيَّةُ بنيكَ بينَهم، فقال الله له، ويداه مقبوضتان: اخْتَر أيَّهما شِئْتَ، قال: اخترت يمينَ ربي، وكِلْتا يَدَيْ ربي يمينٌ مباركةٌ، ثم بسطها فإذا فيها آدمُ وذُرِّيَتُه، فقال: أي رب! ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَتُك، فإذا كلُّ إنسان مكتوبٌ عُمُرُهُ بينَ عينيه، فإذا فيهم رجلٌ أضوَؤهُم أو مِنْ أضوئِهم، قال: يا ربِّ مَنْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داودُ، وقد كتبتُ له عُمْرَ أربعين سنَةً. قال: يا ربِّ زِدْ في عُمْره، قال: ذاك الذي كتبتُ له، قال: أي ربَّ فإني قد جَعَلْتُ له من عُمري ستين سنة، قال: أنتَ وذاكَ، ثم أُسكِنَ الجنةَ ما شاءَ الله، ثم أهْبِطَ منها، فكان آدمُ يَعُدُّ لنفسِه، فأتاه مَلَكُ الموت، فقال له آدمُ: قد تعجَّلتَ، قد كُتِبَ لي ألفُ سنةٍ. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنكَ داودَ ستينَ سنة، فجَحَدَ، فجحدت ذُرِّيَّتُه، ونَسِيَ فنسيت ذُرِّيَّتُه، فمِنْ يومَئذٍ أُمِرَ بالكتابِ والشُّهود] (٢).

стр. 209

والخلاصة: إن آدم ﵇ قد تلقى من ربه كلمات، التوبة والإنابة كما تلقى منه الحمد عند العطاس وكما تلقى منه سبحانه السلام - تحيته وتحية بنيه من بعده -، فقبل منه سبحانه توبته ورضي عن إنابته وعفا عما كان منه. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. و﴿التَّوَّابُ﴾: هو أن يقبل توبة عبده إليه، ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه. وأما ﴿الرَّحِيمُ﴾: فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. قال ابن جرير: (ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جُرمه). وقال النسفي: (التواب: الكثير القبول للتوبة). وقال القاسمي: (في الجمع بين الاسمين - التواب الرحيم - وعد للتائب بالإحسان مع العفو). وفي الصحيحين عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [للهُ أفْرَحُ بِتَوْبةِ عَبْدِهِ من أحدِكُمْ سَقَطَ على بعيره وقد أَضلَّه في أرض فلاة] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله تعالى يَبْسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النَّهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوبَ مسيءُ الليل حتى تطلعَ الشمس من مَغْرِبها] (٢). وفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من تابَ قبل أن تَطْلُعَ الشمس من مَغْرِبها تاب الله عليه] (٣). وفي جامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: [إن الله يقبل توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِر (٤)] (٥).

стр. 210

٣٨ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر سبحانه وتعالى عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة. ثم خاطب الذرية موضحًا لهم سبل السلام في الدنيا والآخرة، وذلك باتباع الهدى: الكتب والرسل، وأما الإعراض والجحود فمآله العذاب والخلود في النار. فعن أبي العالية، في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ قال: (الهدى: الأنبياء والرسل والبيان). وقال الحسن: (الهدى: القرآن). وقال مقاتل: (الهدى: محمد ﷺ ). وقول أبي العالية أعم وأشمل. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، يعني: فمن اتبعَ بياني الذي آتيتُه على ألسن رسلي، أو مع رسلي). وهو قول أبي العالية: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، قال: يعني بياني). وقوله: (﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال ابن زيد: (يقول: لا خوف عليكم أمامكم). أي لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في أمور الدنيا. وفي التنزيل أيضًا: ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. قال ابن عباس: (فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة). قال ابن جرير: (وليس شيء أعظمَ في صدر الذي يموت ممّا بعد الموت، فأمَّنَهم منه وسلَّاهم عن الدنيا فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعني: الذي جحدوا آيات الله وكذبوا رسله. كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].

стр. 211

ولا شك أن آيات الله تشمل كلَّ حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أخبرت عن ربها. وقد بسطنا القول في معنى الكفر فيما مضى، وأن أصله التغطية على الشيء. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ من الصحبة، وهي الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما. قال القرطبي: (فإن كانت الملازمة والخُلطة فهي كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها). وقال النسفي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها ومستحقوها). ولا شك أن المراد بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنهم أهل النار الذين لا يموتون فيها ولا يخرجون، ولا محيد لهم عنها ولا محيص. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة] (١). ٤٠ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾. في هذه الآيات: يوجه الله جل ثناؤه الخطاب إلى بني إسرائيل ويأمرهم بالدخول في الإسلام، ومتابعة النبي محمد ﵊، ويدعوهم إلى ذلك بنسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، فيذكرهم بذلك بعراقة نسب النبوة في تاريخهم، ويحذرهم مغبة مواجهة الوحي بالكفر والاستهزاء والعناد. وإسرائيل يعني عبد الله وصفوته من خلقه، فإن "إسرا" هو العبد، و"إيل" هو الله. قال ابن عباس: (إسرائيل كقولك: عبد الله). وقال عبد الله بن الحارث: ("إيل" الله بالعبرانية). وقال أبو جعفر: (كما قيل: "جبريل" بمعنى عبد الله).

стр. 212

قال الحافظ ابن كثير: (وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحقِّ. كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابنَ الشجاع، بارزِ الأبطال. يا ابن العالِم، اطلب العلم، ونحو ذلك). أخرج الطيالسي عن عبد الله بن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبيَّ الله ﷺ ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوبُ؟ قالوا: اللهم نعم. فقال النبي ﷺ : اللهم فاشهد] (١). ولا شك أن هذا الخطاب من الله سبحانه لليهود إنما يتوجه أولًا لأحبارهم وعلمائهم، فهم قدوة أقوامهم وأسوتهم. فعن ابن عباس: (قوله: "يا بني إسرائيل"، قال: يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود). وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فيه أقوال: ١ - عن ابن عباس قال: (أي آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه). ٢ - عن أبي العالية قال: (نعمتهُ أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب). ٣ - عن مجاهد قال: (يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل، فيما سمّى وفيما سوَى ذلك: فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون). ٤ - عن ابن زيد قال: (نعمه عامة، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام، والنعم بعدُ تبع لها، وقرأ قول الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وكلها أقوال تصب في حقيقة المعنى، ومفادها أن الله سبحانه يمتن على بني إسرائيل بما أحاطهم به من جميل نعمه وفضله كاصطفاء الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم، واستنقاذه إياهم مما نزل بهم من المصيبة من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم

стр. 213

في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فذكّر الذرية بِما تفضل به على الأجداد وحذرهم بذلك من دورة الزمن وحلول النقم. وهذا التذكير من محمد ﷺ لهم، نظير تذكير موسى ﵊ لأجدادهم. ففى التنزيل: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. العهد هو الميثاق، وهو ما أخذه الله عليهم في التوراة أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ من عند الله، وأنه الذي يجدونه مكتوبًا عندهم، وأن عليهم نصره واتباعه، وأن نتيجة ذلك الوفاء وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال في الدنيا وجنة الخلد في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي تفسير الآية أقوال متشابهة متقاربة ذكرها المفسرون: ١ - عن ابن عباس: (﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد إذا جاءكم، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، أي أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم). ٢ - عن أبي العالية قال: (عهدُه إلى عباده، دينُ الإسلام أن يتبعوه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني الجنة). ٣ - عن السدي قال: (أما ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، فما عهدت إليكم في الكتاب. وأما

стр. 214

﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فالجنة، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة). ٤ - عن ابن جريج قال: (ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] إلى آخر الآية. فهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم، وهو عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده). ٥ - عن الضحاك، عن ابن عباس: (يقول: أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي ﷺ وفي غيره، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يقول: أَرْضَ عنكم وأدخلكم الجنة). ٦ - عن ابن زيد قال: (أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، قال: هذا عهده الذي عهده لهم). وكل هذه الأقوال تصب في المعنى المرأد من آفاق هذه الآية الكريمة. وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، من باب الترهيب بعد الترغيب، أي: وإياي فاخشوا، وإياي فاحذروا، ما أحللت بمن خالف أمري وكذب رسلي، وما أنزلت بالأمم السالفة من النِّقم. وقد جاء تفصيل ذلك في أقوال أئمة التفسير: ١ - عن ابن عباس: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره). ٢ - عن السدي وأبي العالية: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: وإياي فاخشون). والرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَة: الخوف. وقد جاء في صيغة الأمر ﴿فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافون. ولا شك أنه أمر يتضمن معنى التهديد. ويجوز أن يكون التقدير: وإياي ارهبوا فارهبون، فيكون إيايَ منصوبًا بإضمار فعل، كما يجوز أن يكون التقدير: وأنا فارهبون على الابتداء والخبر. وقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. أمر الله اليهود بالإيمان بالقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، وأخبرهم سبحانه أن في

стр. 215

تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة، فإن التوراة تحفل بهذا الأمر كما يحفل به القرآن. قال مجاهد: (﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل). وقال أبو العالية: (يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقًا لما معكم. يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقوله ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الضمير في أنزلت، والتقدير: بما أنزلته مصدقًا، أو يكون حالًا من ما، والتقدير: آمنوا بالقرآن مصدقًا. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. فيه أكثر من تأويل حسب عودة الضمير في "به". وتفصيل ذلك: ١ - قيل الضمير يعود على محمد ﷺ . قال أبو العالية: (يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ ). ٢ - قيل بل الضمير يعود على القرآن. قال ابن جريج: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، بالقرآن). ٣ - وقيل بل الضمير يعود على التوراة: إذ تضمنها قوله ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾. قال بعضهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يعني: بكتابكم. ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد ﷺ تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد ﷺ ). واختار ابن جرير أن الضمير في "بهِ" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾. وقال ابن كثير: (وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان، لأن من كفرَ بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن). قلت: بل الأقوال الثلاثة متلازمة، فالإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمحمد ﷺ والإيمان بالتوراة، والكفر بالقرآن يعني الكفر بمحمد والكفر بالتوراة التي تأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
следующие страницы →