وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس بمعصيته وأخرجه منها، وأباح الله تعالى لهما كل ثمرات الجنة إلا شجرة بعينها جعلها سبحانه موضع الاختبار، فحذرهما من الزلل ومخالفة الأمر.
وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
قال ابن جرير: (ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء، وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما).
وقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
قال قتادة: (فحلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يُخْدَع المؤمن بالله، فقال: إني خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما)
وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾.
أي: فخدعهما بغرور، فما زال بهما حتى خُدعا بكلامه ووسوسته.
وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
أي: فلما وقعا وذاقا ثمر الشجرة التي حرمها الله عليهما، أعراهما ربهما من الكسوة التي كان كساهما وتفضل عليهما، فهرعا إلى ورق الجنة لتغطية ما بدا من عوراتهما.
قال ابن عباس: (جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوآتهما).
وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
أي: نادي الله تعالى آدم وحواء: ألم أنهكما عن أكل ثمر تلك الشجرة وأحذركم عداوة إبليس ومحاولاته النيل من نَعيمكما، وأنه لكما عدو مبين، حاسد ظلوم.
قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
قال الضحاك: (هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه).
стр. 1507
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
يقول جل ذكره لآدم وحواء وإبليس العدو: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدو. قال ابن عباس: (﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، قال: القبور. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: إلى يوم القيامة، وإلى انقطاع الدنيا). وكذلك قال ابن عباس: (﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: وجه الأرض وتحتها).
قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، قال: قرارٌ وأعمارٌ مضروبةٌ إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدرُ، وسطِّرت في الكتاب الأول).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.
أي: حياتكم ثم مماتكم فيها ثم تبعثون منها ليوم الحساب.
وفي التنزيل: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح من حديث البراء - عند صعود الروح - قال رسول الله ﷺ : [فيستفتحون له، - أي: لروح المؤمن - فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيُرَدُّ إلى الأرض، وتعاد روحه في جسده].
ثم قال في روح الكافر: [فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتطرح روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده] (١).
٢٦ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ
стр. 1508
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾.
في هذه الآيات: وصايا من الله سبحانه لذرية آدم بعدما حصل لأبويهم من فتنة الشيطان وما أعقبها من الهبوط إلى دار الدنيا والابتلاء والامتحان: يا بني آدم قد خلقنا لكم لباسًا مما تلبسون من الثياب يستر عوراتكم، ولباس الإيمان والحياء والعمل الصالح هو زينة اللباس، إن كنتم تعتبرون. يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان لكشف عوراتكم كما فعل بأبيكم آدم وأمكم حواء، ليسلبهما لباس التقوى والستر والحياء، إنه يراكم هو وجنسه دون أن تروهم، إنا جعلنا الشياطين نصراء الكفار والمتكبرين. وإذا فعل هؤلاء الكفرة قبيحًا - كالطواف بالبيت عرايا - فعوتبوا بذلك احتجوا بطريقة الآباء، وبأن الله أمرهم بذلك، قل - يا محمد - لهم: إن الله لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال، وإنما أنتم تكذبون. إنما أمر ربي بالعدل وإخلاص الدعاء والعبادة له
стр. 1509
سبحانه، وأن تَتَوَجهوا إلى البيت الحرام، ثم إليه تحشرون، فكما بدأكم تعودون. إنه سبحانه قد هدى فريقًا استحقوا الهداية بتواضعهم لأمره، وحرم الهداية فريقًا تمردوا على أمره وأظهروا الاستكبار والعناد، وآثروا ولاية الشياطين، وهم يحسبون أنهم مهتدون. يا بني آدم تجملوا باللباس عند كل مسجد فاختاروا أستره وأجمله، وكذلك كلوا واشربوا من الطيبات واجتنبوا الإسراف والمحرمات، إنه سبحانه لا يحب المسرفين. قل - يا محمد - لهؤلاء المنحرفين في منهاجهم: من حرّم عليكم - أيها القوم - زينة الله أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من الرزق من أصناف الطيبات في المطاعم والمشارب، قل - يا محمد - إذ أفلس القوم من الجواب: إنها زينة الله أخرجها لعباده وطيبات أحلها لهم، ثم ينعمون بها وحدهم في الآخرة دون الكفار، ونفصل التشريع الحق لقوم يفقهون. قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: أيها القوم! إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده وطيّبه لهم، إنما حرم القبائح وهي الفواحش، سرّها وعلانيتها، والمعاصي والاستطالة على الناس بظلم، والشرك الذي هو أصل كل معصية وفاحشة وظلم، والقول على الله بغير علم، الذي هو أم كل جهل وأصله وسببه. ثم لكل أمة أجل هم بالغوه، فإذا جاء يومهم مضوا دون أي تأخير أو تقديم. يا بني آدم إنه لا فلاح لكم إلا باتباع الرسل، فمن صدق بهم ومضى على منهاجهم فقد فاز، ومن أبى فالنار ستلفحه يوم القيامة وبئس المصير.
فقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾.
قال مجاهد: (كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه).
وقال ابن عباس: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم). وفي رواية: (﴿وَرِيشًا﴾ يقول: مالًا).
وقال ابن زيد: (الريش: الجمال). قال ابن جرير: (و ﴿الريش﴾: إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال).
وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - قال قتادة: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، هو الإيمان).
стр. 1510
٢ - وقال معبد الجهني: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء).
٣ - وقال ابن عباس: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: العمل الصالح). أو قال: (السمت الحسن في الوجه).
٤ - وقال عروة بن الزبير: (﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: خشية الله).
٥ - وقال ابن زيد: (يتقي الله، فيواري عورته، ذلك ﴿لِبَاسُ التَّقْوَى﴾).
قلت: وكلها أقوال متكاملة في معناها تزيد في توضيح آفاق الآية، فالإيمان والحياء وحسن السمت واللباس الساتر وخشية الله والعمل الصالح كل ذلك من لباس التقوى.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: كل ما سبق ذكره من اللباس والرياش وخير اللباس - لبالس التقوى - من حجج الله على من كفر بالله، عله يعتبر وينيب إلى الحق ويترك ما هو عليه من الضلال.
وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.
تحذير من الله عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء حتى جردهم من لباس الله ونزعه عنهما بغوايته لتظهر عوراتهما، وهذا من أخطر السبل التي يحاول بها الشيطان وأعوانه إضلال بني آدم، وما التعري وكشف العورات وأفلام الرذيلة وفشو الزنا بكل ألوان الشذوذ والإباحية اليوم في أرجاء الأرض إلا تصديق لهذه الآية.
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ - إخبار من الله عن رؤية الجن للإنس دون العكس عمومًا.
قال مجاهد: (الجن والشياطين). وقال ابن زيد: (قبيله: نسله).
وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - أي: نصراء لهم يعينونهم على فشو المنكر.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]
стр. 1511
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).
وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عن والديه فيقول: يوشك أن يَبرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت وَيُلبِسُه التاج] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال مجاهد: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة (٣) أو الشيء، فتقول:
اليَوْمَ يَبْدو بَعْضُه أوْ كُلُّهُ ... فما بدا مِنْهُ فلا أُحِلُّهُ)
وقال ابن جريج: (كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم).
فامر الله نبيّه ﷺ أن يقول لهم: أيها الناس، إن ربكم سبحانه لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال، وإشاعة المنكر والفواحش، فكيف تكذبون على ربكم وتقولون عليه دون علم.
стр. 1512
وقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾.
قال مجاهد والسدي: (بالعدل). أي: بالعدل والاستقامة.
وقوله: (﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - فيه قولان محتملان:
١ - عن مجاهد: (﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، إلى الكعبة حيثما صليتم، في الكنيسة وغيرها).
٢ - عن الربيع - قال فيها -: (في الإخلاص، أن لا تدعو غيره، وأن تخلصوا له الدين).
وقوله: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
قال الربيع: (أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم توجِّهون إلى البيت الحرام).
وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.
أما قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ففيه أكثر من تأويل، وبعض ذلك مُفَسَّرٌ بقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.
١ - قال مجاهد: (﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يحييكم بعد موتكم).
٢ - وقال الحسن: (كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء).
٣ - وقال قتادة: (بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم). وقال ابن زيد: (بدأكم أولًا، كذلك يعيدكم آخرًا).
٤ - وقال ابن عباس: (يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا). وقال أبو العالية: (عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾؟ ألم تسمع قوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾؟ ).
٥ - وقال سعيد بن جبير: (كما كتب عليكم تكونون). وقال السدي: (يقول: كما بدأكم تعودون، كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم).
стр. 1513
قلت: وكلها تفاسير يدل عليها السياق، ويحتملها المعنى، وقد وردت السنة الصحيحة في ذلك، ضمن أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]]، الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [إن العبد ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار. وإنه ليعمل - فيما يرى الناس - بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة. وإنما الأعمال بالخواتيم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان وأكثر أهل السنن عن علي مرفوعًا: [ما منكم مِنْ أَحَدٍ، ما مِنْ نَفْسِ مَنْفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكانُها من الجنة والنّار، وإلا قد كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدة. فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا ونَدَعُ العمل؟ فمن كان مِنّا من أهل السعادة فسيصيرُ إلى عمل أهل السعادة، وأما مَنْ كان منّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: أمّا أهلُ السعادة فَيُيَسَّرون لعمل السَّعادة، وأما أَهْلُ الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.
تعليل لدخول الفريق الثاني في الشقاوة، وتوضيح لمفهوم الكتابة في اللوح المحفوظ، فهي كتابة علم لا كتابة جبر، فالعبد اختار لنفسه الطريق وغدًا تظهر النتائج.
قال ابن جرير: (وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يُعَذِّبُ أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها
стр. 1514
عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضَلَّ وهو يحسب أنه هاد، وفريق الهدى، فرقٌ. وقد فَرَّق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية الكريمة).
وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة فتقول: من يعيرني تِطْوَافًا تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله .. فما بدا منه فلا أُحِلُّهُ. فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾] (١).
وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به، وفيه نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾.
قال ابن عباس: (كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يُواري السَّوْأَة، وما سوى ذلك من جَيّد البزّ والمتاع، فَأمِروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد). وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، في الطعام والشراب). قال: (أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سَرَفًا أو مخيلة). والمخيلة: الاختيال والكبر.
قال بعض السلف: (جمع الله الطب كله في نصف آية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في اللباس والطعام والشراب، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [البسُوا من ثيابكم البياضَ، فإنها من خير ثيابكم، وكَفِّنوا فيها موتاكم، وإن من خيرِ أكحالكم الإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبتُ الشعر] (٢).
стр. 1515
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : [عليكم بالثياب البياض فالبسوها، فإنها أطهرُ وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: [كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده] (٢).
ورواه النسائي وابن ماجه بلفظ: [كلوا وتصدقوا والبَسُوا، في غير إسراف ولا مخيلة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي والنسائي بسند جيد عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، حَسْبُ ابن آدم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلبه، فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه] (٤).
قال البخاري: (قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيلةٌ).
الحديث الخامس: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [من ترك اللباس تواضعًا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيَّرَ من أي حُلَلِ الإيمان شاء يلبسها] (٥). وحسنه الترمذي وقال:
(ومعنى قوله: "حلل الإيمان" يعني ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة).
стр. 1516
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: إن الله لا يحب المتعدِّين حَدَّه في حلال أو حراء، الغالين فيما أحلَّ الله أو حرَّم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به).
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
قال قتادة: (وهو ما حرّم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام).
وقال ابن زيد: (كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، وهو هذا، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾).
وقد أخرج أبو القاسم الطبراني بسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراةٌ، يُصَفِّرون ويُصَفِّقُون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾، فأمِرُوا بالثياب] (١).
وقوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: هذه الطيبات من الطعام والشراب واللباس ستخلص للمؤمنين يوم القيامة في أشهى وأجمل أحوالها، وإن شركهم بها الكفار في الدنيا مؤقتًا، ونبين هذه الحجج لقوم يفقهون.
قال ابن عباس: (يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، وخلصوا بها يوم القيامة). وقال مرة أخرى: (يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا، ثم يُخْلصُ الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء).
стр. 1517
وقال الضحاك: (المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب، ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين، وليس للمشركين في شيء من ذلك نَصيبٌ).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
قال مجاهد: (﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، طوافُ أهل الجاهلية عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾، الزنا).
وقال السدي: (أما ﴿الْإِثْمَ﴾ فالمعصية، و ﴿الْبَغْيَ﴾، أن يبغيَ على الناس بغير الحق).
وقال مجاهد: (نهى عن ﴿الْإِثْمَ﴾، وهي المعاصي كلها، وأخبر أن الباغيَ بَغْيُهُ كائن على نفسه).
قلت: ولا شك أن لفظ الفواحش يشمل من الموبقات أكثر مما ذكره مجاهد، ومن ثمَّ فإن كل الأعمال المُفْرِطَةِ في القبح داخلة في مسمى الفواحش. وكذلك فإن سرّها وعلانيتها يدخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. ولفظ ﴿الْإِثْمَ﴾ يدل على المعصية. ولفظ ﴿الْبَغْيَ﴾ يدل على الظلم وتجاوز الحدّ فيه. قال القرطبي: (وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما، فنصَّ على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما).
أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا أحد أغْيَرُ من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين] (١). وفي لفظ عند الإمام مسلم: [من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه] (٢).
وقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.
هذا أكبر الظلم، وكل الفواحش دونه في الإثم، فأعظم الظلم أن تدعو غير الله سبحانه الذي خلقك وسواك وعدلك وأغدق عليك نعمه ظاهرة وباطنة، أو تصرف
стр. 1518
عبادة لغيره تعالى. ولذلك كان الكفر بالطواغيت من شروط ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن والد أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ قال: [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعْبَدُ من دون الله حَرُمَ ماله ودمه. (وفي رواية: وحسابه على الله ] (١).
وفي لفظ: [من وَحَّدَ الله تعالى، وكفر بما يعبد من دونه، حَرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله ].
وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
من الكذب في الدين، والافتراء دون علم، ونسب الولد لله، أو جعل الملائكة إناثًا، أو تحريم ما أحل الله، إلى غير ذلك من ألوان القول على الله بغير علم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
أي: لكل أمة مدة أو وقت لنزول العذاب بهم، أو انقضاء أمرهم ووجودهم، وتلك الأيام يداولها الله تعالى بين الناس. فإذا جاء ميقاتهم المقدر لهُم، ويومهم الموعود، فلا يتركون بعد الأجل قليلًا ولا يهلكون قبله كذلك. قال القاسمي: (والساعة مثل في غاية القلة من الزمان).
وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾.
قال القرطبي: (﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ شرط. ودخلت النون توكيدًا لدخول ﴿مَا﴾. وقيل: ما صلة، أي: إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب. والقصص إتباع الحديث بعضه بعضًا. ﴿آيَاتِي﴾ أي: فرائضي وأحكامي).
وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قال النسفي: (فمن اتقى الشرك وأصلح العمل منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
وقال ابن كثير: (﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات).
стр. 1519
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أي: أما من كذّب بحجج الله وآياته ورسله، وجحد الحق واستكبر عليه، فإن عذاب الجحيم ينتظره، ومصير الخزي سيفجعه، فلا أحد يمكنه التكبر على أمر الله وهدي نبيّه ﷺ دون أن ينال جزاءه من النكال والخزي والعذاب.
أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّلُ من كل مكان، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولَسَ، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عُصَارة أهل النار طينة الخبال] (١).
٣٧ - ٤١. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: فمن أكثر ظلمًا وأجهل فعلًا وأبعد وأخطأ قولًا ممن اختلق على الله زورًا أو طعن بآياته وجحد صحتها، إن هؤلاء سيصل إليهم حظهم
стр. 1520
مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ من الشقاوة والعذاب والوعيد، حتى إذا جاءتهم رسلنا لقبض أرواحهم - ملك الموت وملائكة العذاب - قالت لهم الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم، ليدفعوا عنكم آلام النزع وما أنتم فيه من الكرب العظيم فينقذونكم؟ قالوا: تخلوا عنا وتركونا أحوج ما كنا إليهم، وشهد القوم على أنفسهم حينئذ أنهم كانوا بالله كافرين. وقال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة: ادخلوا - أيها المفترون على ربكم والمكذبون رسله - في جموع أمم سلفت قبلكم استحقت النار - من الجن والإنس - كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها، حتى إذا تداركت الأمم في النار - أي: اجتمعت - قالت الأخرى من كل ملة لمن كانت سلفت قبلها في قيادة الضلال والكفر: ربنا هؤلاء أضلونا عن هديك وسبيلك فأوردهم اليوم عذاب الضعف بما شرعوا وسنوا لنا، فقال الله مجيبهم: لكلكم ضعف ومكرّر من العذاب ولكنكم لا تعلمون حقيقة ما أعدّ الله لكم من الهوان والعذاب. وقالت أولاهم التي سنت الكفر ومنهاج الضلالة لأخراهم التي مضت على ذلك السبيل: فما كان لكم علينا من فضل، فقد ضللتم كما ضللنا، ومن ثم فقد نالكم ما نالنا من النكال والهوان، وقال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم أيها الكفرة عذاب جهنم بما كنتم تكسبون من الذنوب والمعاصي والآثام. إن الذين كذبوا بآياتنا وحججنا واستكبروا عن عبادتنا لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا خرجت من أجسادهم - كما هو شأن المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء حتى يستقبلهم ربهم - ثم لا يدخل هؤلاء - أهل التكذيب - الجنة أبدًا، كما لا يلج الجمل في ثقب الإبرة أبدًا - وهذا جزاء المجرمين المشركين. يمهد لكم من فرش النار مضاجع وبسطًا ومقاعد، ويظلهم لهب الجحيم من فوقهم، وهذه هي منازل الظالمين في الآخرة.
فقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلًا، وأجهلُ قولًا، وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب، ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقول: ممن اختلق على الله زُورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، يقول: أو كذب بأدلته وأعلامه الدالة على وحدانيته ونبوة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:
١ - قال السدي: (ما كتب لهم من العذاب). وقال الحسن: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، قال: من العذاب).
стр. 1521
٢ - وقال سعيد: (من الشِّقوة والسعادة). وقال مجاهد: (كشقي وسعيد).
وقال أيضًا: (ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة). وقال: (ما قد سبق من الكتاب). وقال: (قوم يعملون أعمالًا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها).
٣ - وقال ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرًا جُزِيَ به، ومن عمل شرًا جزي به). وقال مجاهد: (من أحكام الكتاب، على قدر أعمالهم). وقال قتادة: (ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسلفوا).
٤ - وقال الضحاك: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر).
٥ - وقال ابن عباس: (ينالهم ما كتب عليهم. يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسوَدٌّ).
٦ - وقال الربيع بن أنس: (﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، مما كتب لهم من الرزق).
وقال القرظي: (عمله ورزقه وعمره). وقال ابن زيد: (من الأعمال والأرزاق والأعمار، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها).
قلت: وبالجمع بين هذه الأقوال يكون المعنى: أولئك ينالهم نصيبهم مما مضى وسبق في علم الله وكتبه في اللوح المحفوظ من سيرهم على منهاج أهل الشقاوة، واستمتاعهم بما قسم لهم من الأرزاق والأيام بشهواتهم التي أطلقوها في الغي والضلال، ثم في الآخرة ينزل بهم نصيبهم من العذاب والنكال.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
أي: إن لحظات الغرغرة وصعود الروح هي بداية نزول العذاب المكتوب عليهم بعد فوات الحياة الدنيا وضياع العمر في الكبر والضلال، فإذا ما نزلت ملائكة العذاب وتبعهم ملك الموت لقبض الروح أيقنوا - حين سألوهم أين ما كنتم تعبدون وتدعون من دون الله لينقذوكم من ورطتكم هذه وأليم ما أنتم قادمون عليه - أنهم كانوا كافرين وقد فات العمر ومضى.
стр. 1522
وقوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.
يقول جل ذكره: ادخلوا مع أمم أمثالكم قد سلفت قبلكم من الجن والإنس هي اليوم في النار، فأنتم اليوم تشركونها في المصير كما شركتموها في السبيل، كلما دخلت النار جماعة شتمت من سبقها ومن سنَّ ذلك الضلال من أهل ملتها.
قال السدي: (﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦, ١٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.
أي: اجتمع فيها أهل الملة الواحدة من ملل الكفر - أولهم وآخرهم.
وقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال السدي: (﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾، الذين شرعوا لهم ذلك الدين، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾).
وقال مجاهد: (﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، مُضَعَّف). وقال السدي: (﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، للأولى، وللآخرة ضعف).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
أي: قدْر ما أعدّ الله لكم من الهوان والنكال والعذاب.
стр. 1523
وقوله: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾.
قال السدي: (فقد ضللتم كما ضللنا).
وقال أبو مجلز: (يقول: فما فضْلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا، وحُذِّرتم).
وقال مجاهد: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال: من التخفيف من العذاب).
قلت: فيُحمل قول مجاهد على قول السدي وأبي مجلز ويُجْمَعُ بين القولين: بأن أولاهم قد صرحت لأخراهم - أثناء المحاورة بين أهل الأحزاب والملل الكافرة في النار - بأنه لم يكن لكم أي سبق أو فضل علينا وقد أشركتمونا في سبيل الضلال، ومضيتم عليه كما مضينا، وقد كان يسعكم أن تعتبروا بما نالنا وتستأنفوا حياة جديدة في طاعة الله وحده لا شريك له، وفي ركل منهاج الآباء في الشرك والضلال، أمَا ولم تفعلوا، فأنتم ونحن في مصير واحد، ولِمَ يُخفَّفُ عنكم من العذاب! . ولذلك أجاب الله الفريقين بقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
في مفهوم الآية أقوال:
١ - قال ابن عباس: (عُني بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين).
٢ - وقال ابن جريج: (لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم).
٣ - وقال مجاهد: (لا يصعد لهم كلام ولا عمل). والأول أرجح.
فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: [خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلْحَد. فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو ثلاثًا - ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
стр. 1524
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخَذَها لم يَدَعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحَنُوط. ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عِلّيين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحُه: فيأتيه مَلَكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتابَ الله فآمنتُ به وصدَّقتُ. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مَدّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مَدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فَتُفَرق في جسده، فينتزعها كما يُنْتَزَعُ السَّفُودُ (١) من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذا لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يُنْتَهى به إلى السماء الدنيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفْتَحُ. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض
стр. 1525
السفلى. فتُطرَحُ روحُه طَرْحًا، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. فتُعاد روحُه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويُضَيَّىقُ عليه قبرُه حتى تختلف فيه أضلاعُه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنْتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك. هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعة] (١).
وقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.
قال الحسن البصري: (حتى يدخل البعير في خُرْق الإبرة). وهذه قراءة الجمهور، وهناك قراءة: "الجُمَّلُ" - يعني الحبل الغليظ في خُرم الإبرة، والقراءة الأولى أشهر وهي قراءة قراء الأمصار.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة).
وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
قال الضحاك: (المهاد: الفرش، والغواشي: اللُّحْف). وقال السدي: (أما ﴿المهاد﴾ كهيئة الفراش، و ﴿الغواشي﴾، تتغشاهم من فوقهم). أي: فرشهم من النار، وأغطيتهم من النار، والعياذ بالله من حال أهل النار.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
أي: كذلك نثيبهم في مستقرهم لقاء تكذيبهم الرسل وجحود الحق.
стр. 1526
٤٢ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: والذين أقاموا منهج الإيمان والعمل الصالح - ولا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها - أولئك هم أهل الخلود في جنات النعيم. وقد أذهبنا من صدورهم يومئذ كل ما اعتراها من حقد أو عداوة أو حظ نفس، فهم اليوم تغمرهم الأخوة والمحبة على سرر متقابلين تجري من تحتهم الأنهار، وقد حمدوا الله سبحانه على ما وفقهم له من الكرامة والفضل الذي ما كانوا ليهتدوا له لولا فضل الله عليهم ومنه وكرمه، وأقروا بمجيء الرسل للناس بالحق فآمن المؤمنون وكذب الكافرون، وناداهم مناد يومئذ: هذه الجنة التي أورثكموها ربكم بإيمانكم وطاعتكم وإحسانكم.
فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال القرطبي: (﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ كلام معترض. أي: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).
قال ابن جرير: (﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، يقول: لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه).
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَار﴾.
إخبار بتصفية ما في نفوسهم، والأنهار تجري من تحتهم.
قال الضحاك: (﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، قال: العداوة). وقال قتادة: (هي الإِحَن).
قال القاسمي: (أي: نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد والعداوة، أو نطهّرها
стр. 1527
منها، حتى لا يكون بينهم إلا التوادّ والتعاطف. وصيغة الماضي للإيذان بتحققه وتقرّره).
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: [إذا خَلَصَ المؤمنون من النار حُبِسوا بِقَنْطَرَةٍ بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالمَ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وَهُذِّبوا أُذِنَ لهم بدخول الجنة، فوالذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيده، لأَحَدَهُمْ بِمَسْكَنِهِ في الجنة أدَلُّ بمنزله كان في الدنيا] (١).
وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
أخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم - بسند حسن - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كلُّ أهل الجنة يرى مَقْعَدَه من النار، فيقول: لولا أنّ الله هداني، فيكون له شُكرٌ، وكُلُّ أهل النار يرى مقعَدَه من الجنةِ، فيقول: لو أنَّ الله هداني، فيكونُ عليه حسرة] (٢).
وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾.
قال النسفي: (﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فكان لطفًا لنا وتنبيهًا على الاهتداء فأهدينا، يقولون ذلك سرورًا بما نالوا وإظهارًا لما اعتقدوا).
وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قال القرطبي: (أي: قيل لهم: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي: قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. قال: ومعنى ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠]. وقال: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]).
قال ابن كثير: (أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منزلكم بحسب أعمالكم).
стр. 1528
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كان يومُ القيامة، دَفعَ الله إلى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهوديًا أو نصرانِيًّا، فيقول: هذا فِكاكُكَ من النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنْكُم مِنْ أحَدٍ إلا له مَنْزِلان: مَنْزِلٌ في الجنة، ومَنْزِلٌ في النار. فإذا مات، فَدَخَلَ النارَ، وَرِثَ أهل الجنة مَنْزِلَه. فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لن يُنَجِّيَ أحدًا منكم عَمَلُهُ. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدَني الله برَحْمَةٍ. سَدِّدُوا وقاربوا، واغْدوا وروحوا، وشيئًا من الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلغُوا]. هذا لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: [لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عَمَلُهُ الجنة. قالوا: ولا أنت؟ يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه بِفَضْلٍ ورحْمة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا. وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأسوا أبدًا. فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (٤).
٤٤ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا
стр. 1529
حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى أن أهل الجنة ينادون أهل النار بعد دخولهموها: يا أهل النار إنا وجدنا صدق ما وُعدنا به في الدنيا في التنزيل وعلى لسان الرسل، من جزيل الثواب على الإيمان بالله والتصديق برسله واتباعهم، فهل وجدتم أنتم ما وعد ربكم على ألسنة رسله على الكفر والمعصية من العقاب وأليم العذاب؟ فأجابهم أهل النار: بأنْ نعم، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فنادى مناد بينهم أن غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به، وصد عن سبيله، وحاول تحريف استقامة شرعه وتشويه معالم الحق والدين الحنيف، ثم هم لقيام الساعة والبعث والحشر والثواب والعقاب فيها جاحدون.
فعن السدي: (﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾، قال: وجد أهل الجنة ما وُعدوا من ثواب، وأهلُ النار ما وُعِدوا من عقاب).
و"أنْ" في الآية للتفسير، فهي مفسّرة للقول المحذوف، و"قد" للتحقيق، والتقدير: قالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا. والخطاب على وجه التقريع والتوبيخ، وهو أحد أشكال شفاء الله صدور المؤمنين في الآخرة، مما لاقوه من إجرام الطغاة في الدنيا.
وقد وَرَدَ نحو هذا اللفظ في كلام النبي ﷺ لأهل بدر من قتلى المشركين، الذين آذوه بمكة والمؤمنين، وبسطوا ألسنتهم وأيديهم بالسوء أيام الكبر والغرور بمكة.
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: [أنّ رسول الله ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جَهْلِ بنَ هشامٍ! يا أميَّة بنَ خَلَف! يا عتبة بن ربيعة! يا شَيْبَة بنَ ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعَدَكم ربُّكم حَقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعَدَني ربي حقًا. فسمع عُمَرُ قولَ النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيفَ يَسْمَعوا وأنّى يُجيبوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قال: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم
стр. 1530
لا يقدرون أن يُجيبوا. ثم أُمِرَ بهم فَسُحِبوا، فَأُلْقُوا في قليب بَدْر] (١).
قال قتادة: (أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونِقْمَةً وحسرة وندمًا) (٢).
وبنحو هذا الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، ذكر الله تعالى أخبارًا أخرى مشابهة تكون بعد دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ففي التنزيل:
١ - قال تعالى في سورة الصافات - عن الرجل الذي كان له قرينٌ من الكفار -: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾. ينكر عليه مقالته التي كان عليها، ويقرعه على المصير الذي آل إليه ونجاه الله منه.
٢ - وقال تعالى في سورة الطور - عن تقريع الملائكة الكفار -: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
وقوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فنادى مناد، وأعلم مُعْلِمٌ بينهم، ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، يقول: غضب الله وسخطه وعقوبته على من كفر به).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾.
هو وصف لحال أولئك الظالمين.
قال ابن كثير: (أي: يصدون الناس عن اتباع سبيل الله ورسوله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾، أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به. فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكرٍ من القول والعمل، لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أعمالًا وأقوالًا)
стр. 1531
٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن سور أو حاجز بين الجنة والنار وهو الأعراف، يقف عليه يوم الحساب رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم أو خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم يعرفون رجالًا مشهورين من أهل النار، ومن أهل الجنة، فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وهم محبوسون بأعمالهم المختلفة، ويطمعون بدخول الجنة. وإذا ذهبت أبصارهم نحو أصحاب النار استعاذوا بالله من اشتراكهم في ذلك المصير. ثم نادى أصحاب الأعراف رجالًا طغاة استقروا في النار وعرفوهم بسيماهم فقالوا: ما الذي نفعكم مما كنتم عليه في الدنيا من الطغيان والجند والأبهة والعظمة المصطنعة والكبر؟ أهؤلاء - أهل الإيمان الذين كانوا غرباء مستضعفين في الدنيا - الذين زعمتم أنهم مطرودون من رحمة الله؟ فإذا هم اليوم ينعمون في جنات النعيم، وأنتم أهل الملك والرياسة والحكم والطغيان تشقون اليوم في دركات الجحيم. فلما سمع الله هذا الحوار امتن على أصحاب الأعراف برحمته فقال لهم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
فقوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾.
قال السدي: (وهو السور، وهو الأعراف).
وقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾.
قال مجاهد: (الأعراف: حجاب بين الجنة والنار).
وفي التنزيل: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [لحديد: ١٣].
стр. 1532
والأعراف لغة: جمع عُرْف. وهو كل مرتفع من الأرض، وإنما قيل لعُرْفِ الديك "عرف" لارتفاعه على ما سواه من جسده. وبنحوه قال أهل التفسير:
١ - فعن ابن عباس: (يقول: "الأعراف"، هو الشيء المشرف). وقال: (سور كعرف الديك).
٢ - وعن مجاهد: (الأعراف: حجاب بين الجنة والنار، سور له باب).
٣ - وعن عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: (إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار، حُبِسَ عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار).
وكان السدي يقول: (إنما سمي "الأعراف" أعرافًا، لأن أصحابه يعرفون الناس). والتأويل الأول أشهر عند المفسرين، وهو اختيار ابن جرير ﵀.
وفي تحديد أهل الأعراف أقوال عند المفسرين:
١ - القول الأول: هم قوم من بني آدم، استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.
فعن الشعبي، عن حذيفة: أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: (هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم) - ذكره بسنده ابن جرير.
وفي رواية: (أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار، وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار).
وفي رواية أخرى: قال حذيفة: (أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سور بين الجنة والنار: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾).
٢ - القول الثاني: هم قوم كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا. فعن شرحبيل بن سعد قال: (هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم).
٣ - القول الثالث: قيل: بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.
فعن مجاهد قال: (أصحاب الأعراف، قوم صالحون فقهاء علماء).
٤ - القول الرابع: قيل: بل هم ملائكة، وليسوا ببني آدم.
стр. 1533
فعن أبي مجلز قال: (أصحاب الأعراف، الملائكة).
قلت: أما القول الرابع فمرفوض، لقوله تعالى ﴿عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾. ولو كان المراد الملائكة لصُرّح بذلك. والقول الثالث والثاني تخالفه السنة الصحيحة، ويبقى القول الأول هو المشهور عند المفسرين.
وقوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾.
قال ابن عباس: (يعرفون أهل النار بسواد الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه). وقال مجاهد: (الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيَضَّة وجوههم).
وقوله: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: (وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، قال الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
وقال الحسن: (والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال ابن عباس: (إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾.
قال ابن جرير: (﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾، من أهل الأرض، ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾، سيما أهل النار، ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾، ما كنتم تجمعون من الأموال والعَدَد في الدنيا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، يقول: وتكبُّركم الذي كنتم تتكبرون فيها).
وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾.
قال القرطبي: (﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ﴾ إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء، كبِلال
стр. 1534
وسَلْمان وخبّاب وغيرهم. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ في الدنيا. ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ﴾ في الآخرة. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ يوبخونهم بذلك).
وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
قال ابن عباس: (إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾).
وقيل غير ذلك، والراجح ما ذكرت، وهو متناسب مع السياق، والله تعالى أعلم.
٥٠ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله جلت عظمته عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند اشتداد الألم والعطش والجوع بهم من هول ما نزل بهم مقابل شركهم بالله وكفرهم بدينه وتحكيم شهواتهم وأهوائهم، ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا﴾ شيئًا من الطعام والشراب مما رزقكم الله، فأجابهم المؤمنون: إن الله قد حرّم ذلك على الكافرين. الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا واستهزؤوا وسخروا بالإيمان وأهل الإيمان، وعاشوا في غرور تلك الحياة الدنيا الفانية، يقول الله: فاليوم نتركهم في العذاب كما تركوا الدين الحق وأنكروا يومهم هذا وكانوا بآياتنا كافرين.
قال ابن زيد: (﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: يستطعمونهم ويستسقونهم).
وقال السدي: (﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: من الطعام).
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير، في ابن عباس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: قد احترقت، أفض
стр. 1535
علي من الماء. فيقال: أجيبوهم! فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾). قال ابن زيد: (طعام أهل الجنة وشرابُها).
وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
أي: كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا واستهزؤوا، وخدعهم عاجل ما هم فيه من العيش والرخاء وتداعي الحياة الدنيا عليهم بزينتها.
قال ابن عباس: (﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾، الآية، قال: وذلك أنهم كانوا إذا دُعوا إلى الإيمان سخِروا ممن دعاهم إليه وهزئوا به، اغترارًا بالله).
وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾.
قال مجاهد: (نسوا في العذاب). وقال: (نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا). وقال أيضًا: (نتركهم في النار).
وقوله: ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾.
قال ابن عباس: (نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا). وقال: (نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر). وقال مجاهد: (نؤخرهم في النار).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رؤية الشمس في الظهيرة، لَيْسَتْ في سَحَابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلةَ البَدْر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تضارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضارُّون في رؤية أحدهما. قال: فَيَلْقَى العَبْدَ فيقول: أي فُلْ (١)! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإبلَ، وأَذَرْكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنْسَاك كما نسيتني (٢)، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، يا رب! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنْسَاكَ كما نسيتني، ثم يلقى الثالثَ فيقول له مِثْلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رب! آمَنْتُ بِكَ
стр. 1536
وبكتابِكَ وبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، ويُثْني بِخَيْر ما استطاع، فيقول: ها هنا إذن. قال: ثُم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليكَ، وَيَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وعِظامه: انطِقي، فتنطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظَامُهُ بعَمَلِهِ، وذلك لِيُعْذِرَ من نفسه. وذلك المنافق، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه] (١).
وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
أي: يكذبون وينكرون ولا يصدقون.
٥٢ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ولقد جئنا هؤلاء الكفار - يا محمد - بالقرآن أنزلناه إليك مفصلًا على علم منا بحقٍّ فصلناه فيه لنميز به الباطل، ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينتظر هؤلاء المشركون ما يؤول إليه أمرهم من ورودهم العذاب، فإنه يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله يقول الذين فرطوا وضيعوا من قبل ذلك في الدنيا، لقد أتتنا رسل الله بالرسالة والنذارة، فهل لنا من أصدقاء وأولياء ليشفعوا لنا اليوم للنجاة من أهوال ما نرى من العذاب، أو نرد إلى الدنيا لنصلح العمل والمنهج ونعبد الله لا نشرك به شيئًا، لقد أفلسوا اليوم وخسروا الصفقة، وَأُهينت أنفسهم بالعذاب، وحاد عنهم أولياؤهم الذين كانوا يزعمون افتراء أنهم أربابهم من دون الله.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.
يعني القرآن بيناه ليعرفه من تدبره، فهو كتاب مفصَّل مبين. فيه بيان لكل ما يتعلق بالإنسان والكون والحياة، وفيه خبر قصة الخلود في الآخرة - فريق في الجنة وفريق في
стр. 1537
السعير. ليكون بمنهاجه المتكامل إعذارًا من الله تعالى إلى الناس بالكتاب والرسل. وقيل: ﴿فَصَّلْنَاه﴾ أنزلناه متفرقًا. والأول أرجح ويشمل الثاني.
كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
وقوله: ﴿على علم﴾.
أي: على علم منا بما فصلناه به. كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. . .﴾ [النساء: ١٦٦]. فهو كتاب محكم التفصيل لم يقع فيه سهو ولا لغط.
وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال الزجاج: (أي: هاديًا وذا رحمة). قال القرطبي: (فجعله حالًا من الهاء التي في ﴿فصلناه﴾). ثم قال: (﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، خُصَّ المؤمنون لأنهم المنتفعون به).
وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾.
أي: هل ينتظرون إلا تحقق وعده ووعيده، ونزول العقاب وفتح الحساب. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ - أي: يوم يجيء ما يؤول إليه حالهم من حلول النقمة والعذاب. ومن أقوال المفسرين:
١ - قال مجاهد: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، قال: جزاءه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، قال: جزاؤه).
٢ - وقال قتادة: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، أي: ثوابه، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، أي: ثوابه). أو قال: (عاقبته).
٣ - وقال السدي: (أما ﴿تَأْوِيلُهُ﴾، فعواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيها من موعد).
٤ - وقال الربيع بن أنس: (فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة).
وقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾.
فعن مجاهد: (﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾، قال: أعرضوا عنه). وقال السدي: (أما
стр. 1538
﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾، فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم، استيقنوا فقالوا: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾).
وقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
استفهام فيه معنى التمني. ﴿فَيَشْفَعُوا﴾ نصب لأنه جواب الاستفهام - ذكره القرطبي.
قال ابن جرير: (قال هذا القول المساكين هنالك، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم، فيذكروا ذلك في وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة).
وأما تمنيهم الرجعة إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح وما يرضي الله فقد كذبهم الله في نياتهم في موضع من القرآن، وأكد قضاءه بعدم الرجوع بعدما حصل الإعذار في موضع آخر:
١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
٢ - وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُم النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
وقوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
قال القاسمي ﵀: (﴿قد خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، بصرف أعمالهم في الكفر ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهب عنهم ما كانوا يفترون من أن معبوديهم شفعاؤهم عند الله، وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين).
٥٤ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
стр. 1539
وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلت عظمته: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن في ستة أيام ثم علا على العرش، يتابع على عباده ويعاقب بين الليل والنهار، يطلب كل واحد منهما الآخر على إثره سريعًا، والشمس والقمر والنجوم تحت تسخيره وتصريفه، وهي مقهورة بأمره، ألا له الخلق والتصرف، فتعالى الله رب العالمين. ادعوا ربكم أيها الناس تذللًا واستكانة لطاعته سرًا لا جهارًا إنه - تعالى - لا يحب الاعتداء في الدعاء بصياح أو نداء. واحذروا الفساد في الأرض وإلحاق الضرر بعد إصلاحها، وتوجهوا بكل أموركم إلى ربكم خوفًا منه وطمعًا في رحمته وجنته، وَرَحمتُهُ سبحانه مرصدة للمحسنين. والله سبحانه هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر، حتى إذا حملت الرياح سحابًا - ثقيلةً قريبة من الأرض لكثرة ما فيها من الماء - ساقه الله لأرض مجدبة فأحيا بها النبات وأخرجه، وكذلك يخرج سبحانه الأجساد من قبورها يوم القيامة - لعلكم تتفكرون. إن الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا - قليلًا لا ينفع - وأما الأرض الطيبة فتعطي ألوان الثمار والنبات والأزهار المختلفة، وكذلك القلوب: فالقلب المؤمن انتفع بالقرآن فأصدر أشعة الإيمان والإحسان، والقلب الكافر لم ينتفع بالقرآن فخبث وأصدر أشعة المكر والسوء والإجرام. وهذه المواعظ لا ينتفع بها إلا القوم الشاكرون.
فقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: [أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخرِ
стр. 1540
الخلق, في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).
قال الحافظ ابن كثير في صفة هذه الأيام: (فالجمهور على أنها كأيامنا هذه).
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
أي: علا واستعلى فله العلو والفوقية.
والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. والعرش: أعظم مخلوقات الله . قال ابن جرير: (﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ. .﴾ [فصلت: ١١]: ثم ارتفع إلى السماء). أي: بلا تكييف ولا تمثيل. وأدلة العلو في القرآن كثيرة، منها:
١ - قال سبحانه في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال مجاهد: (استوى: علا).
٢ - قال تعالى في سورة طه: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
٣ - قال جل ذكره في سورة فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
٤ - وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه. .﴾.
٥ - وقال في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾.
٦ - وقال في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
٧ - وقال في سورة فاطر: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
٨ - وقال في سورة الملك: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ
стр. 1541
أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.
٩ - وقال في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
١٠ - وقال في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا. . .﴾.
قلت: ومن ثمَّ فمن شك أن الله في السماء اليوم، فقد تشبه بطريقة فرعون.
قال ابن جرير- شيخ المفسرين ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ أي: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي من أن له في السماء ربًا أرسله إلينا).
وقال الإمام الجويني - أبو محمد والد إمام الحرمين -: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنه كاذبًا) (١).
وقال الإمام مالك ﵀: (الاستواء معلوم - يعني في اللغة، والكَيْفُ مجهول، والسؤال عن هذا بدعة).
قال ابن كثير: (وإنما يُسلك في هذا المقام مذهبُ السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة - منهم نُعيم بن حَمَّاد الخزاعي شيخُ البخاري -: من شَبَّهَ الله بخلقه فقد كفر، ومن جَحَدَ ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسولُه تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وَرَدَتْ به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونَفَى عن الله تعالى النقائص، فقد سَلَك سبيل الهدى).
قلت: وفي السنة الصحيحة إثبات علو الله على عرشه في أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس: أن زينب بنت جحش كانت تفخر على
стр. 1542
أزواج النبي ﷺ تقول: [زَوَّجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات].
وفي لفظ: [إن الله أنكحني في السماء].
وفي لفظ: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة -: [فنأتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيفتح لي فآتي ربي على كرسيه أو سريره فأخر له ساجدًا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي] (٢).
وبنحوه في الصحيح للبخاري من حديث أنس، وفي غير الصحيح بلفظ: [فأدخل على ربي وهو على عرشه ﵎].
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو مرفوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٣). ولأصله شواهد في الصحيحين.
وفي رواية: (فهو عنده فوق العرش).
قلت: لقد أثبت الله سبحانه لنفسه الاستواء على العرش، وهو استواء يليق بجلاله وكماله، وهو سبحانه غير محتاج إلى العرش ولا إلى الكرسي، وإنما ذكر العرش في القرآن وهو أعظم مخلوقاته، وكذلك جاء في السنة الصحيحة.
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٤).
شبه ورد:
١ - بطلان تأويل "استوى" بـ (استولى):
стр. 1543
قال الإمام عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، في كتاب "الرد على الجهمية": (زعمت الجهمية أن معنى استوى "استولى" من قول العرب: استوى فلان على مصر، يريدون استولى عليها. قال: فيقال له: هل يكون خلقٌ من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استولى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستولٍ عليه فيها).
٢ - بطلان دعوى الجهمية - الله في كل مكان -:
قال الإمام أحمد - في كتابه الرد على الجهمية -: (وقلنا للجهمية: زعمتم أن الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فقلنا لهم: أخبرونا عن قولِ الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. . .﴾ [الأعراف: ١٤٣]. لِمَ تَجَلّى، إذا كان فيه بزعمكم؟ ولو كان فيه، كما تزعمون، لم يكن يتجلى لشيء. لكن الله تعالى على العرش، وتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن يراه قط قبل ذلك.
وقلنا للجهمية: الله نور؟ فقالوا: نور كله. فقلنا: قال الله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا. . .﴾ [الزمر: ٦٩]. فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورًا، قلنا: أخبرونا، حين زعمتم أن الله في كل مكان، وهو نور، فلم لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إذا زعمتم أن الله في كل مكان؟ وما بال السراج إذا أدخل البيت المظلم يضيء؟ فعند ذلك تبين كذبهم على الله. فرحم الله من عقل عن الله، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول العلماء، وهو قول المهاجرين والأنصار، وتَرَك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته).
٣ - مفهوم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ. . .﴾ [الأنعام: ٣]. أي: إله من في السماوات، وإله من في الأرض.
قال الإمام أحمد - في الرد على الجهمية -: (ومما أنكرت الجهمية الضُّلال أن يكون الله سبحانه على العرش، فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟ إن الله سبحانه على العرش، وقد قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]. قالوا: هو تحت الأرضين السابعة كما هو على
стр. 1544
العرش، فهو على العرش، وفي السماوات، وفي الأرض، وفي كل مكان، لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. وتلوا آيات من القرآن ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾. فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، وليس فيها من عظمة الله شيء، فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أحشاؤكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب سبحانه شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ. . (١٦)﴾ الآية - وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾، وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ - فهذا أخبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾. وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانَهم؟ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس، ولكن إنما معنى قوله ﵎: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السماوات، وإله من في الأرض، وهو على العرش! وقد أحاط بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.
قال: ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير صافي، وفيه شيء، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، وقد علم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق).
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.
قال ابن عباس: (﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، يقول: سريعًا). وقال السدي: (﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعًا حتى يدركه). قال ابن كثير: (أي: يَذْهب ظلامُ هذا بضياء هذا، وضياءُ هذا بظلام هذا،
стр. 1545
وكل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، أي: سريعًا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا).
وفي التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.
أي: كل هذه المخلوقات العظيمة تحت تصرفه وتسخيره وهي مقهورة بأمره.
وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
أي: له الملك والتصرف .
قال القرطبي: (وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومُسْتَغَثٌّ. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه). وقال: (فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: ﴿كُنْ﴾. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]).
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال الأزهري: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم وارتفع).
وقيل: إن باسمه يُتَبَرَّكُ ويُتَيَمَّن.
أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع لهُ بالبركة، فإن العين حق] (١).