← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وفي لفظ مسلم من حديث أنس: [فقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان. قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا، قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله ﷺ ] (١). وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي ليكفر من كفر بعد الحُجَّة، لما رأى من الآية والعِبْرة، ويُؤْمِنُ مَنْ آمن على مِثْل ذلك). قال الحافظ ابن كثير: (يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصُرَكم عليهم، ويرفَع كلمةَ الحق على الباطل، ليصير الأمرُ ظاهرًا، والحجةُ قاطعةً، والبراهينُ ساطعةً، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمرَّ فيه على بصيرة من أمره أنه مُبْطلٌ، لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾، أي: يؤمن من آمن، ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، أي: حجة وبصيرة. والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقالت عائشة في قصة الإفك: فَهَلَكَ فِيَّ من هَلَكَ أي: قال فيها ما قال من الكذب والبهتان والإفك. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾، أي: لدعائكم وتضرّعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾، أي: بكم، فإنكم تَسْتَحِقّون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين). وقوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. قال مجاهد: (﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم). وقال ابن إسحاق: (فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، شجَّعهم بها على عدوهم، وكفَّ بها عنهم ما تُخُوِّف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم). فأرى الله تعالى نبيّه عدوه وعدو أصحابه في منامه قليلًا، فأخبر أصحابه فقويت

стр. 1752

عزائمهم، ولو أراه إياهم كثيرًا فأخبر أصحابه بذلك لَجَبُنوا وفَشِلوا عن لقائهم، ولكن الله شجعهم برحمته وتأييده. قال ابن عباس: (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، يقول: سلَّمَ الله لهم أمرهم حتى أَظْهَرَهُم على عدوهم). وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: بما تجنّه وتخبئه وتنطوي عليه، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. قال ابن مسعود: (لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة! قال: فأسرنا رجلًا منهم فقلنا: كم هم؟ قال: ألفًا). وقال ابن جرير: (﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: يقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم). وقال القرطبي: (كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جَزُور (١)، خذوهم أخذًا واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]. قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ تكرار هذا، لأن المعنى في الأوّل من اللقاء، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرها ومردّها إليه). ٤٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا

стр. 1753

تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. في هذه الآيات: يحثّ الله تعالى المؤمنين على الثبات عند لقاء العدو والاستعانة بذكره عند النزال، كما يأمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويحذرهم من مغبة الشقاق والخلاف، ويأمرهم بالصبر وعدم التأثر بمنهاج المبطلين. لقد زيّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم، فلما حمي الوطيس ظهر الشيطان على حقيقته فتقهقر أمام شدة بأس المؤمنين، ونزول الملائكة مسومين، وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه. إنه لما دنا القوم بعضهم من بعض، وقَلَّلَ الله المسلمين في أعين المشركين، قال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فثبت الله المؤمنين ودعاهم إلى صدق التوكل عليه إنه عزيز حكيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. أمر الله تعالى بالثبات عند قتال الكفار، كما نهى عن الفرار عنهم في الآية السابقة. قال القرطبي: (فالتقى الأمر والنهي على سواء، وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلّد له). وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن أبي أوفى: [أن رسول الله ﷺ ، كان في بعض أيامه التي لقِيَ فيها العَدوَّ، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: "يا أيها الناس! لا تتمنّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي ﷺ وقال: اللهمَّ! مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْري السَّحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهزِمْهُم وانْصُرنا عليهم] (١).

стр. 1754

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [لا تَمَنَّوا لِقاءَ العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا] (١). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - أمر بالذكر وترغيب في الدعاء عند اللقاء فإن في ذلك الفلاح. قال قتادة: (افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضِّراب بالسيوف). وقال ابن إسحاق: (اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم). وقال ابن جرير: (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم). وفي صحيح مسلم عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: اللهمَّ! مُنزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزِمِ الأحزابَ، اللهمَّ! اهزِمْهم وزلزِلْهُمْ] (٢). وكذلك في صحيح مسلم عن أنس: [أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أُحد: اللهمَّ! إنَّكَ إنْ تَشَأْ، لا تُعْبَدْ في الأرض] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. أَمْرٌ بطاعة الله ورسوله والحرص على الجماعة ووحدة الكلمة، فإن التفرق ضعف وهوان، وسبيل لتسلل الشيطان، ثم الصبر على كل ذلك، فإن الله مع الصابرين، يؤيدهم وينصرهم ويجعل بعد العسر يسرًا. قال القاسمي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ أي باختلاف الآراء، أو فيما أُمرتم به ﴿فَتَفْشَلُوا﴾، أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض).

стр. 1755

وقال مجاهد: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد ﷺ ، حين نازعوه يوم أحد). وقال السدي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: حَدُّكم وجِدُّكم). وعن قتادة: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قال: ريح الحرب). وقال ابن زيد: (الفشل، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم، فذلك "الفشل"). والخلاصة: إن التنازع تمزيق للجماعة، خرق للمحبة، سبيل إلى الهزيمة والضعف والهوان. وفي التنزيل - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال ابن مسعود: (حبل الله، الجماعة). وقال قتادة: (إن الله قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألف والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله). ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [آمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن وَلّاهُ الله أمركم، وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٢).

стр. 1756

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن الحارث الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [آمركم بخمس: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يُراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى (١) جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم] (٢). وختم الآية سبحانه بالحث على الصبر على شدائد الحرب، وعلى مخالفة الأهواء والحرص على وحدة المسلمين وشوكتهم، فالصبر مستلزم للنصر ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: يؤيدهم بنصره ويعينهم بمدده وعونه وتوفيقه. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. أخرج الخطيب في "التاريخ" والديلمي والحاكم - بإسناد صحيح - عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفرَجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال قتادة: (هم قريش وأبو جهل وأصحابه، الذين خرجوا يوم بدر). وقال الضحاك: (هم المشركون، خرجوا إلى بدر أشرًا وبطرًا].

стр. 1757

وقال محمد بن كعب: (لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف). فقال أبو جهل: (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا) - ذكره ابن هشام. والمقصود: تحذير الله سبحانه المؤمنين من التشبه بالمشركين في خُروجهم من ديارهم، ﴿بَطَرًا﴾ أي: دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: مفاخرة وتكبرًا عليهم، وصدًا للناس عن الدخول في دين الله. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أي: عالم بجميع ما كان من المشركين من البطر والرياء والكبر والصد عن سبيله، وهو سبحانه مجازيهم على ذلك ومعاقبهم. وقوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. المعنى: لقد زيَّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم. وقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: ظهر الشيطان على حقيقته عندما رأى صدق المؤمنين عند الالتحام، ومدد الله بجنده من السماء، فتقهقر وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه. قال القاسمي: (﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ أي تلاقتا، وتراءت كل واحدة صاحبتها، فرأى الملائكة نازلة من السماء لإمداد المؤمنين ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي ولّى هاربًا على قفاه ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أي من عهد جواركم ﴿إِنِّي أَرَى﴾ أي من الملائكة النازلة لإمداد المؤمنين ﴿مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ أي: أن يعذبني قبل يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي فلا يبعد مع إمهالي إلى القيامة، أن يعذبني لشدة عقابه).

стр. 1758

وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن جريج: (لما دنا القوم بعضهم من بعض، فقَلّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقَلَّلَ المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾). قال ابن جرير: (وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، أن يفوِّضوا أمرهم إليه، ويسلموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يستذلهم من ناوأهم، لأنه ﴿عَزِيزٌ﴾ غير مغلوب، فجاره غير مقهور، ﴿حَكِيمٌ﴾، يقول: هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم، لا يدخل تدبيره خلل). أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (١). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنَبْتُ وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (٢). ٥٠ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى

стр. 1759

قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى مخاطبًا نبيّه ﷺ : إنك يا محمد لو عاينت هول وفظاعة ما ينزل بالكفار، ساعة الفراق والمغادرة والاحتضار، لرأيت هولًا عجيبًا، وأمرًا فظيعًا، إذ الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وتمزق أعصابهم وشرايينهم، لتخرج أرواحهم من أعماق أجسادهم، ثم يبشرونهم بعذاب الحريق. وكل ذلك بما كسبت أيديهم، فالله تعالى ليس بظلام للعبيد. وهؤلاء المكذبون من قريش قد سلكوا مع نبيّهم محمد ﷺ ما سلكت الأمم من قبلهم مع رسلها، فدمرهم الله بذنوبهم إنه قوي شديد العقاب. فإنَّ من سنته سبحانه في عباده أن لا يغير نعمة أو يزيلها عن عباده حتى يغيروا ما بأنفسهم، فها هي قريش قد كذبت بمحمد ﷺ ، فأخرجه من بين ظهرانيهم وأنعم به على الأنصار، وكذلك كل نعمة تدوم بالشكر وتزول بالكفر، والله سميع عليم. وهذا كصنع الله تعالى بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، فأهلكهم بذنوبهم وسلبهم الجنات والعيون، والزروع والمقام الكريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم سبحانه بل كانوا هم الظالمين. إن شرّ ما دبّ على الأرض عند الله الذين كفروا وكذبوا بالحق وهم يعلمون. والذين ينقضون العهود في كل مرة ويخونون ولا يخافون. فإما ظفرت بهم في الحرب - يا محمد - فَنَكِّلْ بهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم على مدار الزمان، وهو أمر من باب أوْلى إلى الأئمة من بعد النبي ﷺ والخلفاء والحكام، وإما شعرت من قوم آخرين رائحة الغدر فانهض إليهم قبل أن يستفحل أمرهم وَأَظْهِرْ لهم معرفتك بغدرهم والله لا يحب الخائنين.

стр. 1760

لا يحسبن الذين كفروا أنهم قد أفلتوا وفاتوا بل هم يَنْتَظِرُهُم خزي الدنيا من القتل والسبي والتشريد، ثم هم في الآخرة لا يعجزون. فقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. أي: ولو عاينت يا محمد هول ما يكون، وفظاعة ما ينزل بالكفار عند الاحتضار، حين يتوفى الملائكة أرواحهم ويبشروهم بعذاب الحريق. قال مجاهد: (﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يَكْني). وقال أيضًا: (أستاههم، يوم بدر). وقال ابن جريج: قال ابن عباس: (إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم). أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث البراء - في احتضار الكافر - قال رسول الله ﷺ : [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء. . .] الحديث (١). وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: تقول ذلك لهم الملائكة مبشرين لهم بالنار، وبالغضب من الجبار، على ما أسرفوا على أنفسهم وأقوامهم وألحقوا بهم من الشقاء والدمار. أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٢).

стр. 1761

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي هذا العذاب لكم عند الاحتضار، والبشرى بصلي النار، هو بسبب ما اجْتَرَحْتُم من الآثام والجرائم والأوزار، فإن الله لا يظلم أحدًا أبدًا وهو الحكيم الجبار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١). وفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكمُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال مجاهد: (﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، كفعل آل فرعون، كسُنَنِ آل فرعون). أي: سلك هؤلاء المكذبون من مشركي قريش مع نبيهم محمد ﷺ إذ كذّبوه، كما سلكت الأمم الماضية المكذبة مع رسلها وأنبيائها فأهلكهم الله بذنوبهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يغلبه غالب، ولا يقف أمام قدرته أحد، ولا يرد قضاءه راد، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تمرد على طاعته وتكبر عن أمره ورسله. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هذه سنة عظيمة من سنن الله في خلقه، فإن الله ﵎ لا يغيِّر نعمة

стр. 1762

أنعمها على قوم إلا بما يكون منهم من التجرؤ على الذنوب والآثام، ومعصية أوامر الرحمان. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. أخرج الطبراني في "المعجم الصغير" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتَلجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبِ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثرُ] (١). قال السدي: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، يقول: "نعمة الله"، محمد ﷺ ، أنعم به على قريش، وكفروا، فنقله إلى الأنصار). وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: يسمع كل ناطق بخير أو شر، ويعلم السر وأخفى. وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (أي: كَصُنْعِهِ بآل فرعون وأمثالهم حين كَذَّبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم من جنات وعيون، وزروع وكنوز ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك، بل كانوا هم الظالمين). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبّ على الأرض عند الله، الذين كفروا بربهم، فَجحدوا وحدانيته، وعبدوا غيره، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يقول: فهم لا يصدِّقون رُسلَ الله، ولا يقرّون بوحيه وتنزيله).

стр. 1763

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. قال القرطبي: (أي لا يخافون الانتقام. "ومن" في قوله ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض، لأن العهد إنما كان يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه. والمعني بهم قُريظة والنضير، في قول مجاهد وغيره. نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم ﵇ ثانية فنقضوا يوم الخندق). قلت: والآية عامة في وصف كل من نقض العهد بعد توكيده، وخان المواثيق بعد عقدها، فهي تنطبق على اليهود، والأعراب من لصوص الصحراء الذين كانوا يمكرون ويخونون العهود مع النبي ﷺ ، وكذلك على المنافقين وأمثالهم في كل زمان. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. أي: فإذا ظفرت بهم في الحرب وظهرت عليهم فنكِّلْ بهم وأغلظ في إيلامهم، ليكونوا عبرة لمن سواهم من الأعداء، وإنذارًا لمن بعدهم من الخونة والعملاء. قال ابن عباس: (﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾، يعني: نكِّل بهم من بعدهم). أو قال: (نكِّل بهم من وراءهم). وقال قتادة: (عظْ بهم من سواهم من الناس). وقال السدي: (نكِّل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم من العدو، لعلهم يحذرون أن ينكثوا فتصنع بهم مثل ذلك). وقال سعيد بن جبير: (أنذر بهم من خلفهم). وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. قال القاسمي: (بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد، إثر بيان الناقضين له بالفعل. و"الخوف" مستعار للعلم. أي: وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر، ومخايل الشر ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: فاطرح إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي على طريق مستوٍ قصدٍ، بأن تظهر لهم النقض، وتخبرهم إخبارًا مكشوفًا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، كي لا يكون من قِبَلكَ شائبة خيانة أصلًا، وإن كانت في مقابلة خيانتهم) انتهى.

стр. 1764

أخرج أبو داود بسند صحيح عن سليم بن عامر - رجل من حمير - قال: [كان بين معاوية، وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْن وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة. فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ كانَ بينه وبين قوم عَهْدٌ فلا يَشُدُّ عُقدَةً، ولا يَحُلُّها حتى ينقضِيَ أمَدُها أو يَنْبِذَ إليهم على سواء" فرجع معاوية] (١). واتفق الشراح على أن هذا الحديث عام في جميع العقود بين المتحاربين. وهو بين المتعاملين من المسلمين أوثق وآكد. وقد أفاد أبو السعود: أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال، لكونها خيانة، فيكون تحذيرًا له ﷺ منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثًّا له ﷺ على النبذ أولًا، وعلى قتالهم ثانيًا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم، إن الله لا يحب الخائنين، وهم من جملتهم، لما علمت من حالهم. وقد فصّل ذلك شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير بقوله -: (﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، يقول: فناجزهم بالحرب، واعلمهم قبل حربك اياهم أنك قد نسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبين أن يغدر به فيحاربه، قبل إعلامه إياه أنه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. أي: لا يظنن الذين كفروا وغدروا أنهم قد أفلتوا من الظفر بهم، فهم وإن فاتوا، فإنهم لا يفلتون من عقاب الله يوم القيامة، بل ربما أمكن منهم بالقتل والتشريد والخزي في الدنيا، ثم يَنْتَظِرُهُم انتقام الله الشديد منهم في الآخرة.

стр. 1765

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧]. ٤ - وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧]. وفي السنة الصحيحة: إخبار من النبي ﷺ عن حال العتاة الطغاة وشدة ندمهم وبكائهم. فقد أخرج ابن ماجه والحاكم - واللفظ له - عن عبد الله بن قيس، أن رسول الله ﷺ قال: [إن أهل النار ليَبْكون، حتى لو أُجْرِيت السُّفُنُ في دموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدَّمَ - يعني - مكان الدمع] (١). ولفظ ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: [يُرسَلُ البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت]. ٦٠ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ

стр. 1766

اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين بالإعداد لأعدائهم من جميع أنواع القوة وآلات الحرب وما يكون فيه كسر شوكة الكفر في الأرض، والاهتمام بالخيل التي تربط في سبيل الله، فإنها لا تزال تحمل الخير للأمة إلى يوم القيامة: في الأجر والغنيمة، وكل ذلك كي تخزوا عدو الله وعدوكم، وترهبوا المنافقين الذين يتخللون بينكم، الله يعلمهم، وما تنفقوا في أعمال الجهاد والخير من نفقة فأجر ذلك عند الله كبير وأنتم لا تظلمون. وإن جنح الأعداء للصلح والمهادنة ورأى إمام المسلمين في ذلك مصلحة فليصالح وليتوكل على الله السميع العليم. وإن أرادوا بذلك خدعة ومكرًا فقد أيد الله نبيّه من قبل بالمهاجرين والأنصار، وألف بين قلوبهم، وقطع الحرب بين الأوس والخزرج بنور الإيمان، وبنبيه ﵊، ولو أنفقت أموال الدنيا بغير ذلك ما كان لهم أن يتحابوا، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم. فعن عكرمة: (قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، قال: الحصون). وقال السدي: (من سلاح). قلت: بل كل أنواع القوة داخل في مفهوم الأمر بالإعداد، فإن الحرب خدعة. قال ابن جرير: (فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة، . .، ومن القوة أيضًا السيف والرمح والحربة وكل ما كان معونة على قتال المشركين). فيكون تأويلُ قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما قال ابن كثير: (أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: مهما أمكنكم). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: [سمعت رسول الله ﷺ ،

стр. 1767

وهو على المنبر يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إنَّ القُوَّة الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إن القوة الرَّمْيُ] (١). فجعل ﵊ الرمي وإتقان التسديد من أعلى مراتب القوة. وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة تحث على الرمي والجاهزية القتالية وإحكام التسديد لإصابة الهدف، بل عدّ ذلك من اللهو المستحب. الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شُماسَةَ، أنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قال لعقبة بن عامر: تَخْتَلِفُ بينَ هذين الغَرضَيْن، وأنت كبير يَشُقُّ عليك، قال عقبة: لوْلا كلامٌ سمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ ، لمْ أُعَانِيه، قال الحارث - أحد الرواة - فقلت لابن شُمَاسَةَ: وما ذاك؟ قال: إنه قال: [مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثم تَرَكَهُ، فليس منا، أو قد عصى] (٢). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : [ارموا واركبوا، وأن ترموا خيرٌ من أن تركبوا] (٣). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي نجيح السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة، فبلغت يومئذ عشرة أسهم، وسمعته يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل رقبة محررة] (٤). وله شاهد عِند ابن ماجه من حديث عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مَنْ رَمَى العدوَّ بسهم، فَبَلَغَ سَهْمُهُ العدوَّ، أصاب أو أخطأ، فيعْدِلُ رقبةً]. الحديث الرابع: أخرج النسائي في "كتاب عشرة النساء" والطبراني في "المعجم

стр. 1768

الكبير" بسند صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كل شيء ليس من ذكر الله فهو (لغو، و) لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة] (١). وقوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. قال النسفي: (﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخصّ الخيل من بين ما يتقوى به كقوله جبريل وميكال). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم). وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر مرفوعًا: [الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة] (٢). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عروة البارقي مرفوعًا: [الإبل عِزٌّ لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري في "التاريخ" بسند جيد عن سوادة بن الربيع عن النبي ﷺ قال: [عليك بالخيل فارتبطها، الخيل معقودٌ في نواصيها الخير] (٤). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [الخيل لثلاثة: لرجل أجْر، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رجل وزْرٌ، فأما الذي له أجْرٌ فرجُلٌ ربطها في سبيل الله فأطالَ في مرْجٍ أو رَوْضَةٍ فما

стр. 1769

أصابت في طِيَلِها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حَسَنات، ولو أنها قَطَعَت طِيَلَها فاستَنَّتْ شرفًا أوْ شَرَفينِ كانت أرواثُها وآثارها حسناتٍ له، ولو أنها مَرَّت بِنَهْرٍ فَشربت منه ولم يُرِدْ أن يَسقِيَها كان ذلك حسناتٍ له، وأما الرجل الذي هي عليه وِزْرٌ فهو رَجُلٌ رَبَطَهَا فخْرًا ورياءً ونِواءً لأهل الإسلام فهيَ وِزْرٌ على ذلك] (١). وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾. قال مجاهد: (من بني قريظة). وقال السدي: (هؤلاء أهل فارس). وقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون لا إله إلا الله، ويغزون معكم). وقيل: هم قوم من الجن، وإن صهيل الخيل يرهب الجن، وأن الجن لا تقرب دارًا فيها فرس. واختار ابن كثير قول ابن زيد أنهم المنافقون. قال: (وهذا أشبهُ الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]). قلت: وهذا تفسير قوي يناسب السياق والنصوص. وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: لا يضيع لكم عند الله أجرُهُ في الآخرة، وعاجل خَلَفه في الدنيا). أي: كل ما أنفقتم في سبيل الله - في الجهاد وأسباب القوة والتمكين - فإنه ينالكم أجره على التمام والكمال، ويضاعف الله الأجر أضعافًا مضاعفة لمن يشاء. أخرج الترمذي بسند صحيح عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ : [من أنْفَقَ نَفَقَةً في سبيل الله كُتِبَتْ له سَبْعُ مئة ضِعف] (٢).

стр. 1770

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال السدي: (يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده). وقال ابن إسحاق: (أي: إن دعوك إلى السلم - إلى الإسلام - فصالحهم عليه). قال ابن زيد: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد). وبنحوه قال قتادة: (﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾، قال: للصلح، ونسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾). قلت: والحق أنه لا دليل على نسخ الآية، فإن آية براءة في الإجهاز على الشرك ومشركي العرب من عبدة الأوثان وعدم قبول الجزية منهم، بعدما استقر الإسلام وقامت دولة الحق في أرجاء الدنيا، وعلى هذه الوصية مات رسول الله ﷺ . وأما آية الأنفال - موضع التفسير - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإفه يمكن للإمام قبول الصلح والمهادنة أثناء قتاله وحربه لأعداء الإسلام، إن أظهروا المسالمة والمصالحة والمهادنة والتروي، إن رأى ذلك بحكمته لمصلحة إسلامهم أو لمصلحة جيشه وتقويته لاستئناف مناجزتهم. وهذا ما فعله رسول الله ﷺ عام الحديبية فصالح القوم ووضع الحرب بينه وبينهم بحكمته، وكل ذلك يرجع إلى قرار الإمام. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنما الإمام جُنَّةٌ، يقاتَلُ مِنْ وَرَائِه، ويُتَّقى به، فإنْ أمَرَ بتقوى الله وعَدَلَ، كان له بذلك أجْرٌ، وإنْ يأمُرْ بغيره، كان عليه مِنْه] (١). وعن ابن إسحاق: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، إن الله كافيك) - والخطاب للنبي ﷺ . قال النسفي: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالك).

стр. 1771

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد: (﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾، قال: قريظة). وقال ابن إسحاق: (﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، هو من وراء ذلك). وعن السدي: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾، قال: بالأنصار). وقال ابن جرير: (﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني بالأنصار). وقوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. قال السدي: (﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم). وقال ابن إسحاق: (﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، على الهدى الذي بعثك به إليهم، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، بدينه الذي جمعهم عليه، يعني الأوس والخزرج). فالآية في الأنصار (١)، وما كان بينهم من حروب مستعرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وتسلسل من أعمال الثأر والانتقام والشر، ما تَوَقَّفَ بينهم إلا بنور الإيمان، وهداية الرحمن، على يد خير الأنام، محمد ﵊. وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أخرج الإمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري - في قسمة غنائم حنين وَوَجْد بعض الأنصار في نفوسهم إذْ قسم النبي ﷺ للمتألفين من قريش وسائر العرب دونهم -: [فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى

стр. 1772

عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى. وفي رواية: قالوا: الله ورسوله أمَنُّ وأفضل] (١). ورواه البخاري من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: [لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلَّفة قلوبُهم ولم يعط الأنصار شيئًا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: يا معشَرَ الأنصار ألم أَجِدْكُمْ ضُلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألَّفَكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنُّ. .] الحديث (٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز الجناب، لا يقهره شيء، وأمره نافذ فلا راد لقضائه، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي جميع أقواله وأفعاله وقدره وشرعه. ٦٤ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾. في هذه الآيات: يأمر الله تعالى نبيه ﷺ وأصحابه بمناهضة الأعداء والله كافيهم ومؤيدهم بنصره وتمكينه، ويأمر نبيه بتحريض المؤمنين على قتال المشركين واقتحام الأهوال، فإنه يُفْتَرَضُ أن يثبت المؤمن أمام عشرة من الكفار لأنهم قوة خائرون، قد فسدت نياتهم وأعمالهم وعزائمهم، وجعل الله في قلوبهم الرعب والخوف على الدنيا. ثم جاء التخفيف من الله سبحانه فوجب أن لا يفر المؤمن من رجلين من الكفار،

стр. 1773

ولا يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا وصمدوا لهم غلبوهم بإذن الله. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الشعبي: (حسبك الله، وحسب من معك). أو قال: (حسبك الله، وحسب من شهد معك). وقال ابن زيد: (قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إن حسبك أنت وهم، الله). قال ابن جرير: (يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره). قلت: والحَسْب في كلام العرب الكافي. قال الرازي: (﴿حَسْبُكَ﴾ دِرْهم أي كفاك). وفي المسند ومعجم الطبراني بسند حسن عن سعيد بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: [سيكون بعدي فتن يكون فيها، ويكون. فقلنا: إن أدركنا ذلك هلكنا، قال: بحسب أصحابي القتل] (١). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. أي حُثّ أصحابك ومتبعيك على قتال المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وذمِّرهم على ذلك. قال النسفي: (التحريض المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت). وقد حفلت السنة الصحيحة بألوان من التحريض من رسول الله ﷺ لأصحابه على اقتحام الأهوال وإنزال الخزي والقتل في رقاب المشركين، ومن ذلك: الحديث الأول: في أثناء معركة بدر. فقد أخرج الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ قال: [فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى جَنّة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن

стр. 1774

الحمام الأنصاري ﵁: يا رسول الله جَنّةٍ عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تَمَرات من قَرَنهِ (١) فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حَييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل] (٢). الحديث الثاني: قبل اقتحام معركة أحد. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثابت، عن النبي ﷺ : [أنه أمسك يوم أحد بسيف ثم قال: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا. قال: من يأخذه بحقه؟ قال: فأحجم القوم. فقال: أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين] (٣). الحديث الثالث: قبيل غزوة تبوك. أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان ﵁: [أن النبي ﷺ قال: من جَهَّزَ جَيْشَ العسرة فله الجنة. قال: فجهَّزتُهُ] (٤). وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال عطاء: (﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل باثنين، لا ينبغي له أن يفرّ منهما). وقال الضحاك: (كان هذا واجبًا: أن لا يفر واحد من عشرة). وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: (لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعْظَموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفًا، فخفَّفَ الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ

стр. 1775

فِيكُمْ ضَعْفًا﴾. . الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عَدُوهم لم يَنْبَغِ لهم أن يَفِرُّوا من عدوِّهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوَّزوا عنهم). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شقَّ ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم أن لا يَفرَّ واحِدٌ من عَشَرة، فجاء التخفيفُ فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾] (١). قال ابن عباس: (فلما خفف الله تعالى عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم) (٢). وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: لا يقاتلون على نِيَّةٍ ولا حقٍّ فيه، ولا معرفة بخير ولا شر). وقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قال مجاهد: (كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفرّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فيقول: لا ينبغي أن يفرَّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم). ٦٧ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى نبيّه ﷺ وأصحابه المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم

стр. 1776

الدين، عن سنة قضاها بين أوليائه وأعدائه ما ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها، وهي أن أئمة الكفر يجب قتلهم وتخليص الأرض من رجسهم، وأن أسرى المشركين ينبغي أن ينزل بهم القتل حتى لا تكون لهم رجعة، ومن ثم فإن غير ذلك هو من عرض الحياة الدنيا والله عزيز حكيم. لولا ما سبق في كتاب الله من عفوه عن أهل بدر وإحلاله لهم الغنائم لنزل بهم فيما جَنَوْه على أنفسهم من قرار في الأسرى عذاب عظيم. ولكن إذا أخذتم الدرس واستفدتم من العتاب فانعموا بالغنائم وكلوا منها حلالًا طيبًا واحرصوا على مرضاة ربكم وهو الغفور الرحيم. فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: [استشار رسول الله ﷺ في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخلّ سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. قال: فلقي النبي ﷺ عمر ﵁ فقال: كاد يصيبنا بلاء في خلافك] (١). وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عمر قال: [. . فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم

стр. 1777

وقادتهم. . قال: فَهَوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء. فلما كان الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ : [للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء! ! قد عُرضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾] (١). قال سعيد بن جبير: (إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتل). وقال مجاهد: (الإثخان: القتل). وقال ابن إسحاق: (أي يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي المتاع والفداء بأخذ الرجال. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة). قال ابن جرير: (﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوٌّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره أمر خلقه). وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فيه سببان صحيحان من أسباب النزول: السبب الأول: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن خيثمة قال: [كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في نفر فذكروا عليًا فشتموه فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنا أصبنا ذنبًا مع رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فأرجو أن تكون رحمة من عند الله سبقت لنا] (٢). السبب الثاني: أخرج الإمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها. فقال رسول الله ﷺ : إن الغنيمة

стр. 1778

لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم، وكان النبي ﷺ وأصحابه إذا غنموا غنيمة جمعوها ونزلت نار فأكلتها، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] (١). قال ابن جرير: (قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى ألا يُضِلَّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبيِّنَ لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله ﷺ ناصرًا دينَ الله، لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم). فاشتملت الآية على المعاني الآتية: ١ - قضاء الله في اللوح المحفوظ ألا يعذب أهل بدر. ٢ - قضاء الله تعالى ألا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. ٣ - قضاء الله سبحانه الذي سبق بإحلال الغنيمة لأهل بدر ولهذه الأمة. قال ابن عباس: (وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي ﷺ في الأمم إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلًا أو كثيرًا). وقال الحسن: (وكان الله ﵎ قد كتب في أم الكتاب: المغنم والأسارى حلال لمحمد وأمته، ولم يكن أحله لأمة قبلهم). وفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعْطِيتُ جوامعَ الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيون] (٢). الحديث الثاني: يروي الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال: قال رسول الله ﷺ : [فضلتُ على الأنبياء بخمس: بُعِثْتُ إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي، وجُعلت لي الأرض

стр. 1779

مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحد قبلي] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي، أن النبي ﷺ قال: [لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] (٢). ورواه مسلم بلفظ: [لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم]. ثم إنه سبحانه قد عفا عنهم وتجاوز برحمته وكرمه عما اعتراهم فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ٧٠ - ٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ في هذه الآيات: يقول جل ذكره مخاطبًا نبيه ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الأسرى الذين أمسك الله بهم وأمكنك منهم، إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم من الفداء، ويصفح عنكم جُرْمكم أن قاتلتم نبي الله وأصحابه وكفرتم وأشركتم، وإن يريدوا غدرًا وخداعًا بالقول فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر، فإن الله محيط بهم لا محالة، ولا يفلت منه أحد. قال القرطبي: (﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي إسلامًا. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ أي من الفِدية، قيل في الدنيا، وقيل في الآخرة). وقد تباين فداء الأسرى وتفاوت حسب حالهم، وضيقهم وسعتهم، فمن كان منهم ذا مال فقد أخذ منه أربعة آلاف درهم كما يروي الطبراني وغيره، ومن لم يكن منهم له مال، فقد جُعِلَ فداؤهم أن يُعَلِّمُوا أبناء الأنصار. أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال: [كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. فجاء

стр. 1780

يومًا غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بِذَحْلِ - أي بثأر - بدر، والله لا تأتيه أبدًا] (١). ومع ذلك فقد عاملهم رسول الله ﷺ معاملة طيبة، عسى أن يترك ذلك أثرًا في نفوسهم فتلهف قلوبهم إلى الإسلام، وما كان هَمّ النبي ﷺ أخذ المال قدر ما هَمّهُ إذلال عتاة مكة وكسر شوكة قريش وكبريائها، وذلك فقد صرح ﵊ معترفًا للمطعم بن عدي بفضل سابق أنه لو كان حيًا لدفعهم إليه. يروي البخاري في صحيحه عن محمد بن جبير عن أبيه: [أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: لو كان المُطْعِمُ بن عَديٍّ حَيًّا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له] (٢). وقد أخذ النبي ﷺ الفداء من عمه العباس مثل غيره، وأبى شفاعة أحد به أو وساطة، مع أنه أخبر أنه كان يكتم إسلامه. يروي البخاري عن أنس: [أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا فَلْنَتْرُكْ لابن أُخْتنا عباس فداءَه، قال: "والله لا تذرون منه درهمًا"] (٣). وفي ذلك قمة الإنصاف والعدل، فالكل تحت حكم الله، ولا أحد يرفع رأسه ليتجاوز أو يشفع في دولة الحق، وهذا سرّ قوة الإسلام ودولته، فإن العباس وإن كان كما قيل قد خرج مكرهًا ولكنه عليه أن يواجه ضريبة تكثير سواد المشركين على المسلمين، فدفع يومئذ مئة أوقية، ودفع عقيل ثمانين أوقية، في حين دفع غيرهم أربعين أوقية كما فصّل ذلك الحافظ في الفتح وغيره من أهل السير. وأما العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي ﷺ ورضي الله عنها، فقد كان ضمن الأسرى، فأرادَتْ زينب أن تفديه بقلادتها ومالها، فَعَزَّ ذلك على المسلمين أن تبذل زينب مالها وهي مسلمة لا ذنب لها، فأطلقوا أسيرها. فقد أخرج أبو داود والحاكم بسند حسن من حديث عائشة قال: [لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رَقَّ لها رِقّةً شديدة

стр. 1781

وقال: إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها؟ فقالوا: نعم. وكان النبي أخذ عليه أوْ وَعَده أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه. .] الحديث (١). وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي إن تبتم من شرككم وغَدركم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال السدي: (يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم، ﴿خِيَانَتَكَ﴾، أي الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم). ٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾. في هذه الآيات: تقرير الله تعالى أن المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم والأنصار الذين استقبلوهم أحسن استقبال ونصروا هذا الدين أروع نصر أولئك بعضهم أولياء بعض. ثم في مقابل ذلك الكافرون المعاندون، أهل الفتنة والمكر، بعضهم أولياء بعض، فإن اختل هذا المنهج الفريد في الولاء والبراء كانت الفتنة في الأرض والفساد الكبير. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا

стр. 1782

وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، [الأحزاب: ٦]، في الميراث فنسخت التي قبلها، وصار الميراث لذوي الأرحام). وذكر ابن جرير أيضًا بسنده إلى ابن عباس قال: (قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، ﴿آوَوْا وَنَصَرُوا﴾، وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذّب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين. وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. وكان حقًا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]). أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : [المهاجرون

стр. 1783

والأنصار أولياء، بعضُهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة] (١). والخلاصة: كان المؤمنون زمن النبوة ثلاثة أصناف: ١ - المهاجرون الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصر دين الله وإقامة دينه وبذلوا لذلك أموالهم وأنفسهم. ٢ - الأنصار - أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم في منازلهم وآووهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض - آخى رسول الله ﷺ بينهم، كل اثنين أخَوان، يرث أحدهما الآخر، حتى نسخ الله تعالى ذلك بآية المواريث. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رَحِمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرِّفادة والنصيحة، وقدْ ذهب الميراث ويوصي له] (٢). ٣ - الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا بواديهم، فهؤلاء لا نصيب لهم من المغانم أو الخمس إلا إن حضروا القتال. وقرأ حمزة: ﴿وِلايتهم﴾ بالكسر، والباقون بالفتح، وكلاهما معروف، كالدِّلالة والدَّلالة. أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصَّة نفسه بتقوى الله ومَنْ معه من المسلمين خيرًا، وقال اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو: خلال - فَأَيَّتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم. ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين،

стр. 1784

وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبَوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبَوا فادعُهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم] (١). قال ابن جرير (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم، ﴿بَصِيرٌ﴾، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. قال ابن إسحاق: (حض الله المؤمنين على التواصل، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض. ثم قال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، أي: إلا يوالِ المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به، ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض، بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن، ثم ردّ المواريث إلى الأرحام). وقال ابن جريج: (﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين، ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾). واختار ابن جرير ذلك بقوله: (معناه: أن بعضهم - أي الكفار - أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقامَ في دار الحرب وترك الهجرة). وقال ابن كثير: (ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ

стр. 1785

كَبِيرٌ﴾، أي: إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر طويل عريض). قلت: والأولى أن يقال أن الآية عامة في الولاية والمواريث، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، فلا نصرة ولا تأييد من المؤمنين للكفار، بل كل النصرة والموالاة والتأييد والمحبة للمؤمنين، ولا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ﵄، أن النبي ﷺ قال: [لا يرث المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافرُ المُسلِمَ] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يتوارث أهل ملتين شتّى] (٢). وله شاهد عند الحاكم من حديث أسامة، عن النبي ﷺ قال: [لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾]. الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن لطرقه، عن سمرة بن جندب مرفوعًا: [من جامَعَ المُشْرِكَ، وسكنَ مَعَهُ، فإنه مثله] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند جيد عن جرير بن عبد الله مرفوعًا: [أنا بريءٌ

стр. 1786

من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: ولم؟ قال: لا تراءى نارُهما] (١). وله شاهد عند النسائي عن جرير قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط عليّ فأنت أعلم، قال: [أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشرك]. الحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض] (٢). ٧٤ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾. في هذه الآيات: بيان من الله تعالى لرفيع درجات أهل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، وكذلك أهل التأييد والنصر، لتشمل الآية المهاجرين والأنصار، وَعَدَهُم سبحانه مغفرة ورزقًا كريمًا. ثم بثَّ سبحانه البشرى لمن جاء من بعدهم وسار على منهاجهم أنه سيلحق بهم في المنزلة والشرف ورفيع المراتب، وجعل التوارث بالنسب بعد أن كان بالأخوة والإيمان، والله أعلم بمصالح عباده، وهو بكل شيء عليم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. قال النسفي: (لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن

стр. 1787

ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى). قلت: ولا تكرار مع الآية قبلها، لأن الأولى بيان لإيجاب التواصل بينهم، والثانية لبيان رفيع درجاتهم وعظيم شرفهم. وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. أي: ثواب عظيم في الجنة، ونعيم مقيم لا تنغيص فيه ولا انقطاع. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾. قال ابن كثير: (ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية. وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]). قلت: ويدخل في عموم هذه الآية كل من جاء بعدهم من المؤمنين على مدار القرون المتتابعة وسلك منهاجهم في الإيمان والعمل الصالح، فهو معهم يوم القيامة في الأجر والمنزلة والشرف بإذن الله تعالى. وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: [من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله] (٢). وفي الصحيح أيضًا: [المرء مع من أحب]. رواه البخاري من حديث ابن مسعود. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 1788

يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا ولم يَلْحَق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحبَّ] (١). الحديث الثالث: أخرج ابن نصر في "السنة" بسند صحيح عن عتبة بن غزوان - وكان من الصحابة - أن رسول الله ﷺ قال: [إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أومنهم؟ قال: بل منكم] (٢). وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. أخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب] (٣). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها). تم تفسير سورة الأنفال بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه. ° ° °

стр. 1789

دروس ونتائج وأحكام ١ - رزق هذه الأمة في الجهاد، والأنفال يقسمها النبي ﷺ والقادة من بعده. ٢ - المؤمنون توجل قلوبهم لذكر الله، وهم واثقون بنصر الله وعلى ربهم يتوكلون. ٣ - القتال كريه إلى النفوس، ولكن الله جعل فيه عزّ هذه الأمة. ٤ - الملائكة والريح من جنود الله، يُنصر بهما المؤمنون. ٥ - الباطل أعور وقراراته حماقات تنعكس عليه. ٦ - صلة القائد بالله وأثر الدعاء وقيام الليل في بنائه وصقله وشجاعته. ٧ - التجسس على العدو جزء من الأخذ بالأسباب الواجب. ٨ - أثر تواضع القائد المسلم واقترابه من نفوس جنوده. ٩ - وجوب الإمارة في الحضر والسفر والسلم والحرب. ١٠ - عدم جواز الاستعانة بالمشركين إن لم تكن هناك حاجة، فإن كان هناك حاجة فلا بد من تميز المسلمين وظهور شوكتهم. ١١ - إن الذين حملوا إلينا هذا الدين رجال. ١٢ - عبقرية رسول الله ﷺ العسكرية. ١٣ - الشورى واجبة وغير ملزمة. ١٤ - استحباب القتال بطريقة الصفوف. ١٥ - استحباب الدعاء أثناء القتال. ١٦ - أهمية الحفاظ على القيادة في الحرب. ١٧ - المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى. ١٨ - قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء. ١٩ - إذا ظهرت المعاصي في الأمة عمّها الله ببلاء حتى ترجع. ٢٠ - الإسلام جعل العرب ملوكًا، ولما تركوه صار حالهم في الذل كما ترى.

стр. 1790

٢١ - أولياء الله وأهل مسجده هم المتقون. ٢٢ - الكفار ربحوا الخسارة بإنفاقهم الأموال للصد عن دين الله في الأرض. ٢٣ - الغنيمة ما أخذ بعد الحرب، والفيء ما أخذ بغير ذلك. ٢٤ - الغلول نار، وعار في الدنيا والآخرة، ولا يقبل الله صدقة من غلول. ٢٥ - الخيانة حرام، حتى في حق الكفار، فالمسلم وفيّ لا غدّار. ٢٦ - وجوب حشد الأمة كل إمكاناتها وطاقاتها ضد الأعداء، وثواب نفقة الجهاد والإعداد مضاعفة. ٢٧ - رغبة المشرك المحارب المسالمة، يقابلها من المؤمن الاستجابة مع الحذر. ٢٨ - المسلمون أول من أحل الله لهم الغنائم، وفداء الأسرى. ٢٩ - الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم. ٣٠ - الإثخان أجمل وأحب إلى الله من الفداء والمال. ٣١ - الذل والصغار عقاب الله للمجرمين في الدنيا قبل الآخرة. ٣٢ - تجاوز الله عن هفوات وزلل السابقين إلى الإسلام. ٣٣ - لا واسطة ولا شفاعة أمام حكم الله، فالكل تحت الحق وقضاء الإسلام، ومن ذلك معاملة العباس كغيره من الأسرى في الفداء. ٣٤ - لا عُذر لأحد في البقاء في دار الحرب وتكثير سواد المشركين إلا الإكراه. ٣٥ - أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارث، والأخوة في الله أغلى من المال. ° ° °
следующие страницы →