← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله: ولم؟ قال: لا تراءى نارُهما] (١). وله شاهد عند النسائي عن جرير قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط عليّ فأنت أعلم، قال: [أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشرك]. الحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض] (٢). ٧٤ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾. في هذه الآيات: بيان من الله تعالى لرفيع درجات أهل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، وكذلك أهل التأييد والنصر، لتشمل الآية المهاجرين والأنصار، وَعَدَهُم سبحانه مغفرة ورزقًا كريمًا. ثم بثَّ سبحانه البشرى لمن جاء من بعدهم وسار على منهاجهم أنه سيلحق بهم في المنزلة والشرف ورفيع المراتب، وجعل التوارث بالنسب بعد أن كان بالأخوة والإيمان، والله أعلم بمصالح عباده، وهو بكل شيء عليم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. قال النسفي: (لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن

стр. 1787

ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى). قلت: ولا تكرار مع الآية قبلها، لأن الأولى بيان لإيجاب التواصل بينهم، والثانية لبيان رفيع درجاتهم وعظيم شرفهم. وقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. أي: ثواب عظيم في الجنة، ونعيم مقيم لا تنغيص فيه ولا انقطاع. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾. قال ابن كثير: (ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآية. وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]). قلت: ويدخل في عموم هذه الآية كل من جاء بعدهم من المؤمنين على مدار القرون المتتابعة وسلك منهاجهم في الإيمان والعمل الصالح، فهو معهم يوم القيامة في الأجر والمنزلة والشرف بإذن الله تعالى. وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: [من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله] (٢). وفي الصحيح أيضًا: [المرء مع من أحب]. رواه البخاري من حديث ابن مسعود. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:

стр. 1788

يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا ولم يَلْحَق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحبَّ] (١). الحديث الثالث: أخرج ابن نصر في "السنة" بسند صحيح عن عتبة بن غزوان - وكان من الصحابة - أن رسول الله ﷺ قال: [إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أومنهم؟ قال: بل منكم] (٢). وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. أخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب] (٣). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها). تم تفسير سورة الأنفال بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه. ° ° °

стр. 1789

دروس ونتائج وأحكام ١ - رزق هذه الأمة في الجهاد، والأنفال يقسمها النبي ﷺ والقادة من بعده. ٢ - المؤمنون توجل قلوبهم لذكر الله، وهم واثقون بنصر الله وعلى ربهم يتوكلون. ٣ - القتال كريه إلى النفوس، ولكن الله جعل فيه عزّ هذه الأمة. ٤ - الملائكة والريح من جنود الله، يُنصر بهما المؤمنون. ٥ - الباطل أعور وقراراته حماقات تنعكس عليه. ٦ - صلة القائد بالله وأثر الدعاء وقيام الليل في بنائه وصقله وشجاعته. ٧ - التجسس على العدو جزء من الأخذ بالأسباب الواجب. ٨ - أثر تواضع القائد المسلم واقترابه من نفوس جنوده. ٩ - وجوب الإمارة في الحضر والسفر والسلم والحرب. ١٠ - عدم جواز الاستعانة بالمشركين إن لم تكن هناك حاجة، فإن كان هناك حاجة فلا بد من تميز المسلمين وظهور شوكتهم. ١١ - إن الذين حملوا إلينا هذا الدين رجال. ١٢ - عبقرية رسول الله ﷺ العسكرية. ١٣ - الشورى واجبة وغير ملزمة. ١٤ - استحباب القتال بطريقة الصفوف. ١٥ - استحباب الدعاء أثناء القتال. ١٦ - أهمية الحفاظ على القيادة في الحرب. ١٧ - المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى. ١٨ - قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف شاء. ١٩ - إذا ظهرت المعاصي في الأمة عمّها الله ببلاء حتى ترجع. ٢٠ - الإسلام جعل العرب ملوكًا، ولما تركوه صار حالهم في الذل كما ترى.

стр. 1790

٢١ - أولياء الله وأهل مسجده هم المتقون. ٢٢ - الكفار ربحوا الخسارة بإنفاقهم الأموال للصد عن دين الله في الأرض. ٢٣ - الغنيمة ما أخذ بعد الحرب، والفيء ما أخذ بغير ذلك. ٢٤ - الغلول نار، وعار في الدنيا والآخرة، ولا يقبل الله صدقة من غلول. ٢٥ - الخيانة حرام، حتى في حق الكفار، فالمسلم وفيّ لا غدّار. ٢٦ - وجوب حشد الأمة كل إمكاناتها وطاقاتها ضد الأعداء، وثواب نفقة الجهاد والإعداد مضاعفة. ٢٧ - رغبة المشرك المحارب المسالمة، يقابلها من المؤمن الاستجابة مع الحذر. ٢٨ - المسلمون أول من أحل الله لهم الغنائم، وفداء الأسرى. ٢٩ - الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم. ٣٠ - الإثخان أجمل وأحب إلى الله من الفداء والمال. ٣١ - الذل والصغار عقاب الله للمجرمين في الدنيا قبل الآخرة. ٣٢ - تجاوز الله عن هفوات وزلل السابقين إلى الإسلام. ٣٣ - لا واسطة ولا شفاعة أمام حكم الله، فالكل تحت الحق وقضاء الإسلام، ومن ذلك معاملة العباس كغيره من الأسرى في الفداء. ٣٤ - لا عُذر لأحد في البقاء في دار الحرب وتكثير سواد المشركين إلا الإكراه. ٣٥ - أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارث، والأخوة في الله أغلى من المال. ° ° °

стр. 1791

٩ - سُورَةُ التَّوْبَة وهي سورة مدنية باتفاق، وعدد آياتها (١٢٩). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة حديثان من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ يقول: [آخِرُ آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] , وآخِرُ سورة نزلت براءة] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عَبَّاسٍ: سورةُ التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل: ومِنْهمُ ومِنْهم، حتى ظَنُّوا أنها لم تُبْقِ أحدًا منهم إلا ذُكِرَ فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورةُ الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير] (٢). وقد ثبت سقوط البسملة من أول هذه السورة، لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، والاقتداء بذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما قال الترمذي.

стр. 1792

قال عبد الله بن عباس: (سألت علي بن أبي طالب لِمَ لمْ يُكْتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان). وروي معناه عن المبرد قال: (ولذلك لم يجمع بينهما، فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة، وبراءة نزلت سخطة). وبنحو ذلك ذكر سفيان بن عيينة: (إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين). قال القرطبي: (والصحيح أن التسمية لم تكتب، لأن جبريل ﵇ ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيريّ. وفي قول عثمان: قُبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنها منها، دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه). موضوع السورة البراءة من المشركين، وفضح سبل المنافقين - منهاج السورة - ١ - البراءة من الله والرسول إلى المشركين، فمن كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله أن يكمل أربعة أشهر، وأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته. وأما من لا عهد له من المشركين فأجله إلى انسلاخ الأشهر الحرم. ٢ - المشرك إذا استأمن فأمِّنوه، حتى يسمع كلام الله. ٣ - المشركون لو ظهروا لم يراعوا في المسلمين عهدًا ولا قرابة ولا حلفًا. ٤ - تحريض الله المسلمين على قتال المشركين وعدم الخوف منهم. ٥ - المشركون لا يعمرون مساجد الله، وما يعمرها إلا المؤمنون.

стр. 1793

٦ - لا سواء: (عمارة المسجد وسقاية الحاج) مع (الإيمان والجهاد). ٧ - المؤمن لا يواد من حادّ الله ورسوله، والنصر من عند الله لا بكثرة العَدد والعُدد. ٨ - الإعجاب بالكثرة يوم حنين قابله الانهزام، واستئناف التوكل الكامل على الله قابله النصر. ٩ - إمداد الله بالملائكة، وانهزام هوازن، ثم إسلامهم، ورد سبيهم إليهم. ١٠ - تحريم دخول المشركين إلى المسجد الحرام، والله أغنى المسلمين من فضله. ١١ - الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية صاغرين. ١٢ - اجتراء اليهود على الله بقولهم: عُزيرٌ ابن الله، والنصارى بقولهم المسيح ابن الله، واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. ١٣ - الكفار في مكرهم بدين الله كانهم يطفئون نور الله الذي نوّر السماوات والأرض بأفواههم، والله متم نوره، ومظهر الحق ورسله. ١٤ - مانع الزكاة، يجعل ماله صفائح نار، تكوي جنبه وجبهته وظهره. ١٥ - الأمر بتعظيم حرمات الله، وفي الأشهر الحرم خاصة. ١٦ - النسيء زيادة في الكفر، وهو من أعمال الجاهلية. ١٧ - التخلف والتثاقل عن الجهاد عذابه أليم، واستثناء المريض والضعيف. ١٨ - ذكر بعض معالم الهجرة، وقول النبي ﷺ لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا، ومكر الله بالكافرين. ١٩ - الأمر بالنفير للجهاد وبذل الأموال والأنفس، والاعتذار الكاذب إنما هو سبيل المنافقين، وقد أقعدهم الله وعاقبهم على نفاقهم. ٢٠ - المنافقون يحلفون بأنهم مسلمون، والله يعلم أنهم كافرون. ٢١ - مصارف الزكاة الثمانية، والمنافقون لا ينفقون إلا وهم كارهون. ٢٢ - المنافقون يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وقد وعدهم الله نار جهنم، مقابل مكرهم وعدم اتعاظهم بأمثالهم من الكافرين في الأمم السالفة. ٢٣ - المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، وقد وعدهم الله مساكن طيبة في جنات عدن. ٢٤ - المنافقون يخلفون عهدهم مع الله، ويلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، ويفرحون بتخلفهم عن الجهاد في الحر، ونار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون.

стр. 1794

٢٥ - نهي الله تعالى نبيّه ﷺ عن الصلاة على المنافقين بعد صلاته على رأس النفاق ابن سلول، وكشف المنافقين أنهم أجبن الناس في الحرب، وأصحاب ألسنة حداد في السلم. ٢٦ - إذن الرسول ﷺ لأهل الأعذار، ولا يعذر الأغنياء القادرون على الجهاد بتخلفهم عنه. ٢٧ - جفاء الأعراب، وكفر بعضهم، والثناء على الأعراب المؤمنين المتصدقين. ٢٨ - الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. ٢٩ - الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا أمرهم إلى الله، والله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وينميها. ٣٠ - شأن مسجد الضرار، والنهي عن الصلاة فيه، والأمر بتحريقه، وكل مسجد لا يؤسس على التقوى فهو مسجد ضرار. ٣١ - شراء الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مقابل الجنة، والسياحة هي الجهاد في سبيل الله، وهي ضمن صفات المؤمنين المبشرين بالجنة. ٣٢ - النهي عن استغفار المؤمنين للمشركين ولو كانوا أولي قربى. ٣٣ - توبة الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ساعة العسرة. ٣٤ - قصة كعب بن مالك والمتخلفين عن تبوك. ٣٥ - النصب والظمأ والمخمصة في سبيل الله، وإغاظة المشركين، والنفقة لتجهيز جيش المؤمنين، كل ذلك من أعظم القربات إلى الله. ٣٦ - وجوب النفير مع المؤمنين في سبيل الله على طائفة، والبقية في التفقه في الدين، لينذروا قومهم بحجة البلاغ المبين. ٣٧ - الأمر بجهاد الكفار والإغلاظ عليهم. ٣٨ - الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. ٣٩ - الرسول ﷺ حريص على هداية أمته وهو بها رؤوف رحيم. ٤٠ - الاستعانة بالله والتوكل عليه خير معين للمؤمنين على إعراض الناس عن دين الله، فهو سبحانه الناصر لدينه المؤيد لأوليائه الممكّن لهم في الأرض. ° ° °

стр. 1795

تفسير سورة التوبة ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾. في هذه الآيات: براءة من الله ورسوله إلى المعاهَدين من المشركين، فمن كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله إكمال أربعة أشهر، ومن كان له عهد مؤقت فاجله إلى مدته، وأما من لا عهد له من المشركين فإمهالهم ينتهي بانسلاخ الأشهر الحرم، وليعلموا أنهم تحت قبضة الله وسلطانه، لا سبيل للفرار من بأسه إلا بالتوبة والإنابة إليه، والله مخزي الكافرين. وإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم النحر أن الله ورسوله يبرآن من المشركين، فإن تداركتم - أيها المشركون - أنفسكم بالتوبة وأعلنتم الإيمان بالله وأفردتموه بالتعظيم والعبادة نجوتم، وإلا فالعذاب الأليم مَوْعدكم.

стр. 1796

إنَّهُ بانقضاء المُحَرَّم من الأشهر الحرم يحاصر المشركون بالقتل أو الأسر أو منع التصرف ببلاد الإسلام، فإن رجعوا عن الشرك، وأخلصوا التوحيد لله والإقرار بالنبوة وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة خُلِّي سبيلهم والله غفور رحيم. وإن طَلَبَ المشرك أمانًا يُمَكِّنُ مِنْ إِبلاغه عهد الله وإقامة حجة الله البالغة عليه أُعطِيَ ذلك، ويكون آمنًا مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، فهو الخير لإبلاع دعوة الله إلى الناس في الأرض ليعلموا آفاق هذا الدين الحق عسى أن يكونوا يومًا قريبًا من أهله. فإلى تفصيل ذلك: لقد كان لغزوة تبوك أكبرُ الأثر في إظهار شوكة المسلمين وهيبة دولتهم، فقد ظهر للأمم أن هذه القوة التي يزداد نفوذُها وتتسع رقعتُها كلَّ يوم مستعدةٌ لتحدي الدنيا بأسرها، فدانت العرب جميعًا لسلطان الإسلام، وعلم المنافقون في المدينة وما حولها أن الدائرة ستكون عليهم إذا ما أظهروا أي محاولة مكر أو خداع، بعد أن خابت آمالهم التي كانوا عقدوها على دولة الرومان، إذ دفع القوم الجزية عن يد وهم صاغرون. وفي ذي الحجة من السنة التاسعة للهجرة، بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق أميرًا على الحج. قال ابن إسحاق: (ثم أقام رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوّالًا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجَّهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حَجِّهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين) (١). قال ابن سعد: (فخرج في ثلاث مئة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بَدَنة، قَلَّدَها وأشعَرَها بيده، عليها ناجيةُ بن جُنْدب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات) (٢). ولكن ما إن خرج أبو بكر بالناس من المدينة إلا نزل جبريل ﵇ بسورة

стр. 1797

براءة، فأمر عليًا ﵁ باللحاق بأبى بكر، وحمَّله صدر سورة براءة ليقرأها على الناس في الحج يوم النحر. قال ابن إسحاق: (فنزلت براءة في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج عليّ بن أبي طالب ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء) (١). قال ابن سعد: (فلما كان بالعَرْج، وابن عائذ يقول - بضَجْنَان - لحقه علي بن أبي طالب ﵁ على العَضْباء، فلما رآه أبو بكر، قال: أمير أو مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا). وفي رواية: (فقال له أبو بكر: أستعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده) (٢). وقد ذكر ابن إسحاق بإسناد حسن تفصيل هذا المشهد، من حديث محمد بن علي رضوان الله عليه أنه قال: (لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مُدَّته، فخرج علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على ناقة رسول الله ﷺ العَضْباء، حتى أدرك أبا بكرَ بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب ﵁، فأذّن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ ، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عَهدٌ فهو إلى مدته) (٣).

стр. 1798

و ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه)، ومنهم من جعلها كالمعرفة بصلتها بما بعدها، والتقدير: (البراءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)، والأول أشهر في كلام العرب. وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية. أي: مَنْ كان من أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة أو كان له عهد دون أربعة أشهر فله أن يكمل أربعة أشهر، فأما مَنْ كان له عهد مؤقت فاجله إلى مدته، لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾. وأما من لا عهد له من المشركين فأمهلهم إلى انسلاخ الأشهر الحرم، أي خمسين يومًا تنتهي بنهاية المحرّم. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بعثني أبو بكر في تلك الحِجّة في مؤذِّنين بعثهم يومَ النحر يؤذنون بمنى: ألَّا يَحُجَّ بعد هذا العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف النبي ﷺ أبا بكر بعليِّ بن أبي طالب ﵄، فأمره أن يُؤذن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل مِنى يومَ النحر ببراءة، وألَّا يحجَّ بعدَ العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان] (١). وله شاهد في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند قوي من حديث علي، وكذلك في مسند الحميدي عن زيد بن يُثَيْع، قال: سألنا عليًا، بأي شيء بعثتَ في الحجّة؟ قال: [بُعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع مُسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومَنْ كان بينَهُ وبين النبي ﷺ عهد، فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عَهْدٌ، فأجله إلى أربعة أشهر] (٢). وأما قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، قال ابن جرير: (فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله ﷺ وأتباعه). - وهو في لغة العرب من ساحَ يسيحُ سياحةً، وسُيوحًا وسَيَحانًا. قال قتادة: (قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، عشرون من ذي الحجة،

стр. 1799

والمحرم وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر). وقال ابن عباس: (حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره أن يضع السيف فيمن عاهد). ثم قال جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (قوله: ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل، إلا الإيمان به وبرسوله، والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم. وأما قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، يقول: واعلموا أن الله مُذِلُّ الكافرين، ومورثهم العارَ في الدنيا، والنار في الآخرة). ثم قال سبحانه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. المعنى: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم النحر. قال ابن زيد: (قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: إعلام من الله ورسوله). وقال ابن عباس: (الحج الأكبر يوم النحر). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (الحج الأكبر، يوم تُهرَاقُ فيه الدماء، ويحلق فيه الشعر، ويَحِلُّ فيه الحرام). وقيل: بل هو يوم عرفة، ذكره عطاء ومجاهد، والصواب الأول وبه جاء الخبر الصحيح. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: (ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبرُ من أجل قول الناس الحجُّ الأصغر) (١).

стр. 1800

وفي التفاسير عن ابن جريج، عن عطاء، قال: (الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة). فيقال للعمرة (الحج الأصغر) لأن عملها أقل من عمل الحج، إذْ في أعمال الحج ما هو زيادة عليها. وعن ابن إسحاق: (﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، أي: بعد هذه الحجة). وقوله: "ورَسُولُهُ" أي: ورسوله بريء من المشركين، فالخبر محذوف، وهي جملة معطوفة على ما قبلها. ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. والمعنى: أنكم إن تبتم أيها المشركون من كفركم ورجعتم إلى إفراد الله تعالى بالتعظيم والعبادة فهو خير لكم من الإقامة على الشرك سواء في الدنيا أو في الآخرة، وإن أعرضتم وأبيتم إلا دين الآباء وتقليدهم في عبادة الأوثان فأيقنوا أن الله سيأتي بكم لا محالة، ولا سبيل لكم أن تفلتوا من قبضته سبحانه، ثم الويل والوعيد الشديد يَنْتَظِرُكُم في صلي نيرانه. ثم قال جل وعزَّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر. فأمر الله نبيّه أن يوفِي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك). ثم قال جل ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقول جل ذكره: إذا انقضى المحرّم من الأشهر الحرم (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم) عن الذين لا عهد لهم أو عمن كان لهم عهد فنقضوه بإعلانهم العداء

стр. 1801

ومظاهرتهم الأعداء على المسلمين أو كان عهدهم إلى أجل غير معلوم، فاقتلوا هؤلاء المشركين حيث لقيتموهم من الأرض في الحل والحرم وفي أي شهر، وخذوهم أسرى واحصروهم بمنعهم التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة واقعدوا لهم بالطلب كل طريق ومرقب، فإن رجعوا عن الشرك وأخلصوا التوحيد والإقرار بالنبوة وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم. قال أنَس: (توبتهم، خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة). وكان قتادة يقول: (خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة: رهْط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عُشور ماله) - ذكرهما ابن جرير. ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه). قال ابن كثير: (والغرضُ أن من قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإِسلام في أداء رسالة أو تجارة، أو طلب صُلْح أو مهادنة أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلب من الإمام أو نائبه أمانًا، أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه. لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان، عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، ﵏. وخلاصة القول: إنْ طَلَبَ المشرك أمانًا يُمَكِّنُ من إبلاغه عهد الله وإقامة حجة الله البالغة عليه فإنه يُعطى ذلك ويكون آمنًا مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه، وقد شُرِّعَ ذلك ليعلموا دين الله، وتصل دعوة الله سبحانه إلى الخلق. وفي السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن نعيم بن مسعود الأشجعي، قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما - أي لرسولي مُسيلمة الكذاب - حين قرأ كتاب

стр. 1802

مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أما والله, لولا أن الرُّسْلَ لا تقْتَلُ لضَرَبْتُ أعناقَكُما] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن حارثة بن مُضرب أنه أتى عبد الله فقال: [ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ (٢) وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابهم، غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرظَة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق] (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود - واللفظ له - عن أم هانئ بنت أبي طالب: [أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال: قد أجرنا مَنْ أَجَرْتِ، وأمَّنا مَنْ أمَّنْتِ] (٤). ٧ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ

стр. 1803

يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾. في هذه الآيات: خطاب الله تعالى عباده المؤمنين: كيف يستقيم عهد المشركين وقد كفروا بالله وليس بعد الكفر ذنب! فإن تمسكوا بما عاهدتموهم يوم الحديبية فأوفوا لهم عهدهم والله يحب المتقين. إنهم يجمعون في صدورهم المكر والغدر والخديعة والبغضاء ولا يراعون في الحقيقة عهدًا ولا قرابة، فتنبهوا لذلك فإن أكثرهم فاسقون. لقد استبدلوا بالقرآن متاع هذه الدنيا، ومنعوا المؤمنين من اتباع الحق، وأولئك هم المعتدون. فإن تركوا الأوثان وأقبلوا على عبادة الرحمن، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فهم إخوانكم في الدين، وبذلك تحرم دماؤهم. وإن نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعَنوا في دينكم، فقاتلوا رؤوس الكفر حتى تنكسر أو تنفك من الكفر والعناد. أتخشون قتال قوم أَذاقُوكُم أَلَمَ المكر والطعن والغدر والتهجير من الديار، وهم الذين أعلنوا الحرب عليكم؟ ! إن الله أحق أن تخشوه إن كنتم صادقين. فانفروا لقتالهم يعذبهم الله بأيديكم ويشف بنصركم عليهم صدوركم، ثم يتوب سبحانه على كل من تاب، فأقلع عن الظلم والإثم وأناب، والله عليم حكيم. فقوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾، أي: لا يستقيم عهد القوم وهم مشركون بالله كافرون به وبرسله. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، قال ابن كثير: (يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، أي: مهما

стр. 1804

تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين، ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون، استمرّ العقد والهدنةُ مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست، إلى أن نقضت قريشٌ العهد ومالؤوا حلفاءهم بني بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم أيضًا، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفَرّ من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر، يذهب حيث شاء: منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإِسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله). وقوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. يذكر سبحانه في هذه الآية وما بعدها بعض صفات المشركين وما تنطوي عليه نفوسهم من المكر والغدر والبغضاء وعدم تفويت أية محاولة لإيقاع الأذى بالمؤمنين. وعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾، قال: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد). وقال قتادة: (الإلّ: الحلف). وقال مجاهد: (الإل: العهد). وقوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء، ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾، أي: تأبى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم. يحذِّر جل ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله، وأن لا يقصِّروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، يقول: وأكثرهم مخالفون عهدَكم، ناقضون له، كافرون بربهم، خارجون عن طاعته). وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 1805

أي: استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، فاعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهموا به من أمور الدنيا الخسيسة، فمنعوا المؤمنين من اتباع الحق، وقد ساء منهجهم إذ استبدلوا بالحق عرضًا زائفًا، وكانوا عَثَرَةً في طريق الهدى وما يحيي قلوب الناس ويوصلها بالله . وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من جوامع الكلم في ذلك: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن, بسند حسن، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي، فقال: [اقرؤوا القرآن، وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتيَ قومٌ يقيمونَه إقامة القِدْحِ، يتعجَّلونَهُ ولا يتأجَّلونهُ]. وفي رواية: [اقرؤوا فكل حسن، وسيجيء أقوامٌ يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه، ولا يتأجلونه] (١). والقِدْحُ: السهم قبل أن يُراش ويركب نصله، وقِدْحُ الميسر أيضًا. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري أن معاوية قال له: إذا أتيت فسطاطي فقم فأخبر ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اقرؤوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه] (٢). وفي رواية: [اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفُوا عنه، ولا تَغْلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن عمران بن حصين، أنه مرّ على قارئ يقرأ، ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس] (٣).

стр. 1806

وفي رواية: [اقرؤوا القرآن، وسلُوا الله به، قبل أن يأتيَ قومٌ يقرؤون القرآن فيسألون به الناس]. الحديث الرابع: أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم بسند صحيح لشواهده، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: [تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم، يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله] (١). وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. قال النسفي: (ولا تكرار, لأن الأول على الخصوص حيث قال فيكم، والثاني على العموم لأنه قال في مؤمن، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (حرَّمت هذه الآية دماء أهل القبلة). وقال قتادة: (يقول: إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِوَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾). قال ابن زيد: (افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. النكث هو النقض. قال القرطبي: (وأصله في كل ما فُتِلَ ثم حُلّ. فهي في الأيمان والعهود مستعارة). قال ابن عباس: (يعني أهل العهد من المشركين، سماهم ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وهم

стр. 1807

كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾). وأصل الطعن في كلام العرب القدح. قال الرازي: (وطعنَ فيه أي قَدَحَ). قال ابن كثير: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أي: عابوه وانتقصوه. ومن ها هنا أُخِذَ قتلُ من سبّ الرسولَ - صلوات الله وسلامه عليه - أو مَنْ طعن في دين الإسلام أو ذكره بِتَنَقُّصٍ، ولهذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾، أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال). قلت: وأكثر أهل العلم أنّ من سبّ الله تعالى أو الدين أو الرسول ﷺ من أهل الذمة أو استخَفَّ بقدره أو وَصَفَهُ بغير الوجه الذي عُرِفَ به فإنه يقتل، فإنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا. واستدل بعضهم بأمره ﷺ بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهدًا. فإن ظهر السبّ من مسلم فإنه يخرج من ملة الإسلام ولا يستتاب بل حكمه القتل مباشرة. قال الإمام محمد بن سمنون: (أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) (١). وفي سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس: [أن أعمى كانت له أم ولد، تشتم النبي ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول (٢) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكِرَ ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق، إلا قام" فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها

стр. 1808

حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : ألا اشهدوا: أن دمها هدر] (١). وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال السدي: (قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾، من بعد عهدهم، ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه، ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، بالقتال). وقال مجاهد: (﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد ﷺ ). قال القاسمي: (﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي أتخافون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ بمخالفة أمره وترك قتالهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ - قاله الزمخشري - وفيه من التشديد ما لا يخفى). وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. يعزم تعالى بذلك على المؤمنين ويحرضهم على قتال المشركين وأعداء هذا الدين الناكثين لأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم. قال السدي: (﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، قال: خزاعة، يشف صدورهم من بني بكر). والآية عامة في كل زمان ومكان، لمواجهة كل من نكث العهود وطعن في المواثيق وأظهر الغدر والإفساد، فواجب على الحاكم المسلم أن ينبذ إليهم ويؤدبهم. فخلاصة المعنى: قاتلوهم - معشر المؤمنين - يعذبهم الله بآلام الجراحات والموت ويخزهم بالأسر والاسترقاق والقهر ويعطيكم الظفر والغلبة عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين صبروا حتى أراهم الله تعالى ذل عدوهم.

стр. 1809

وقوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال السدي: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ - أي خزاعة - حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم قريش). قال النسفي: (﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل الله هذه المواعيد كلها فكان دليلًا على صحة نبوته). قلت: والآية أيضًا عامة في كل زمان ومكان، فإن الله تعالى يُنْزل الخزي والذل بأعداء دينه وينصر عليهم فئة المؤمنين الصادقين، فيذهب غيظ قلوبهم مما لاقوه منهم من ظلم وتجبر وعلو في الأرض بغير الحق ونشر للكفر والفساد، ثم الله جل وعلا يتوب برحمته على من تاب إليه من عباده فأقلع عن الإثم والظلم ورجع إلى جادة الحق، والله عليم بأفعال عباده الظاهرة والباطنة، حكيم في أقواله وأفعاله وتقديره وتشريعه. أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله ﵎: يا ابن آدمَ إنك ما دَعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عَنَان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشْرك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابِها مَغْفِرَة] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لو يعلمُ المؤمن ما عنْدَ الله من العقوبة، ما طَمِعَ بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عِنْدَ الله من الرحمة، ما قَنِطَ من جَنَّتِهِ أحدٌ] (٢). ١٦ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ

стр. 1810

أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: خِطَابُ الله تعالى عباده المؤمنين: هل ظننتم أن تمضوا دون اختبار يُظْهِرُ صِدْقَ جهادكم وولائكم لله تعالى وبراءتكم من تقريب المشركين؟ ! إن الله خبير بأعمالكم وأحلافكم. إنه لا يكون من المشركين عمارة لمساجد الله وهم قائمون على منهاج الكفر، بل إن أعمالهم قد بطلت وهم في النار يوم القيامة ماكثون. إنما عُمّارُ المساجد على الحقيقة هم مَنْ أخْلص التوحيد لله وآمن باليوم الآخر وأقام الصلوات الخمس ولم يعبد إلا الله فأولئك بإذن الله من المفلحين. هل جعلتم الافتخار بالسقاية وسدانة البيت كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله؟ ! كلا، لا تعتدل أحوال ومنازل الفريقين. فالمؤمنون والمهاجرون والمجاهدون أعظم درجة من الذين افتخروا بالسقي والعمارة، لهم البشرى من الله برحمته ورضوانه والقرار في النعيم المقيم، والخلود في الأجر العظيم. فقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾. الوليجة: الشيء يدخل في آخر غيره. والمقصود هنا البطانة من المشركين. قال السدي: ﴿وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾، يتولَّجها، من الولاية للمشركين).

стр. 1811

وقال الربيع: (﴿وَلِيجَةً﴾: دَخَلًا). وقال ابن زيد: (أبى أن يدعهم دون التمحيص). وقال الحسن: (﴿وَلِيجَةً﴾، قال: هو الكفر والنفاق، أو قال أحدَهما). والمعنى: هل حسبتم أن تتركوا بغير اختبار يتبين فيه صدق إيمانكم وصدق جهادكم عدو الله وعدوكم، وصدق ولائكم لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، وتبرئكم من تقريب المشركين. قال ابن جرير: (نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: يعلم أعمالكم وأحلافكم ومَنْ توالون ومَنْ تُعادون، ثم هو سبحانه مجازيكم بأعمالكم إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشر. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. أي: ما ينبغي للمشركين إعمار مساجد الله التي أسست على التقوى وعبادة الله وحده لا شريك له. قال القاسمي: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، أي: ما صحَّ لهم وما استقام ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، أي: التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، أي يعمروا شيئًا منها، فهو جمع مضاف في سياق النفي، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولًا أوليًا، إذ نفيُ الجمع يدل على النفي عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية. وقرئ ﴿مسجد الله﴾ بالتوحيد، تصريحًا بالمقصود، وهو المسجد الحرام،

стр. 1812

أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده، لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن). قال في "البصائر": (- يعمر -: إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا أي أقمت به). قال السدي: (﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها، ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْر﴾، قال: النصراني يقال له: ما أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقال له: ما أنت؟ فيقول: يهودي، والصابئ يقال له: ما أنت؟ فيقول: صابئ). والخلاصة: لا يوصف المشركون بعمارة المساجد، وما ينبغي لهم لا ببنائها خالصة لوجه الله تعالى، ولا بعمارتها وارتيادها لعبادته جل ثناؤه، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وقَالِهم. وهؤلاء ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، أي: بطلت وذهبت أجورها إذ لم تكن لله بل للرياء والمصلحة والكذب والنفاق والشيطان ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مُؤْمِنًا حَسَنَة، يُعطِي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجْزَى بها] (١). وفي رواية: [إن الكافر إذا عمل حسنةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمِنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِهِ في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزقًا في الدنيا على طاعته]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. قال ابن عباس (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، يقول: مَن وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر. يقول: أَقَرَّ بما أنزل الله، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، يعني

стр. 1813

الصلوات الخمس، ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، يقول: ثم لم يعبد إلا الله، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾، يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة، وكل "عسى"، في القرآن فهي موجبة). وقال ابن إسحاق: (و ﴿عَسَى﴾ من الله حق). فعرّف في هذه الآية عمار المساجد على الحقيقة، بعد أن نفى ذلك عن المشركين. وفي التنزيل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير في آفاق هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" - بسند جيد - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لينادي يوم القيامة: أين جيراني، أين جيراني؟ قال: فتقول الملائكةُ: ربنا! ومن ينبغي أن يجاورك؟ فيقول: أين عُمّار المساجد؟ ] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوةٌ تكتبُ له حسنة، ذاهبًا وراجعًا] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان، عن النبي ﵊ قال: [من بني مسجدًا يبتغي به وَجْه الله بنى الله له مِثْلَهُ في الجنة] (٣). وله شاهد عند ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: [من بنى لله مسجدًا، ولو كَمَفْحَصِ قطاة أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة]. الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [سبعة يظلهم الله تعالى في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة

стр. 1814

الله، ورجل قلبه مُعَلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تَصَدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه] (١). والخلاصة: إن مَنْ يعمر مساجد الله ببنائها والقيام بعبادة الله فيها من آمن بالله تعالى وأسمائه وصفاته فأفرده بالعبادة والتعظيم، وآمن باليوم الآخر يوم يقوم الناس لرب العالمين، فاستعد لذلك بإقامة الصلوات وإعطاء الزكاة والصدقات وإفراد الله بالخشية والعبادة كما شرع، فهؤلاء لهم البشرى يوم الدين بالفلاح والفوز العظيم. وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (وهذا توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية). قال: (﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ هؤلاء، وأولئك، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملًا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، يقول: والله لا يُوفّق لصالح الأعمال من كان به كافرًا، ولتوحيده جاحدًا). قلت: وقد صحّ هذا المعنى في نزول هذه الآية كما ورد في السنة الصحيحة: فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه, وأحمد في مسنده, عن النعمان بن بشير قال: [كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية إلى آخرها] (٢).

стр. 1815

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. المعنى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أعظم درجة من الذين افتخروا بالسقي والعمارة، فإن الفوز يوم القيامة لا يكون إلا على منهاج النبوة، لا في أعراف وتقاليد الجاهلية وما كان غايته الرياء والسمعة والشهرة. وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. أي: يعلمهم ربهم سبحانه بكريم ثوابه عليهم وجزيل رحمته بهم ورضوانه الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل نعمة في هذا الوجود في الدنيا والآخرة، ثم يتوِّج كرمه عليهم بالخلوة في دار السعادة في جنات النعيم. أخرج ابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه، بسند صحيح على شرط الشيخين، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (١). ٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: نَهْيُ الله المؤمنين عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن رضوا بالكفر

стр. 1816

وقدموه على الإيمان, ومن يفعل ذلك فأولئك هم الظالمون. قل - يا محمد - لأصحابك متوعدًا: إن كنتم آثرتم الأهل والقرابة: من أب أو ابن أو أخ أو زوجة أو عشيرة، أو المال والتجارة والمسكن وغير ذلك من متاع هذه الدنيا الفانية على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله فترقبوا حلول نقمة الله بكم، والله لا يهدي من يؤثر هواه ودنياه، على إعلاء كلمة الله ورضاه. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. نهي عن موالاة الكفار، أبناء كانوا أو إخوانًا أو آباء، فإن الولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المؤمنين. وقد تألق في ذلك عبد الله ابن المنافق ابن سلول حين سجّل آنذاك رقمًا عالميًا في الولاء والبراء، ومفهوم الحب والبغض في الله، وقد وقف على باب المدينة يمنع أباه من دخولها، واستل سيفه مهددًا والده رأس النفاق - الذي أشعل حادثة الإفك وكثيرًا من الفتن بين المسلمين - أن لا يدخلها إلا بإذن من رسول الله ﷺ . روى ذلك الإمام الترمذي بسند حسن عن جابر، قال: [فقال له ابنُهُ عبد الله بن عبد الله: والله لا تَنْقَلِب حتى تُقِرَّ أنك الذليل ورسولُ الله ﷺ العزيز ففعل] (١). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وفي الصحيحين والمسند عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار] (٢). فنهى الله تعالى المؤمنين عن موادة ونصرة وتأييد الكفار، ولو كانوا إخوانًا أو أبناء

стр. 1817

أو آباء، ما داموا استحبوا الكفر على الإيمان, وتوعَّدَ سبحانه من يتخذهم بطانة من دون المؤمنين، أو يؤثِرُ المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ﷺ أو دار الإِسلام بأنه منهم، وبأنهم بفعلهم ذلك مخالفون لأمر الله وظالمون لأنفسهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يتوعد سبحانه من آثر أهله وقرابته - من أب أو ابن أو أخ أو زوجة أو عشيرة - أو مال أو تجارة أو مسكن أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا على محبة الله تعالى ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، بنزول نقمته وسخطه وغضبه، والله لا يهدي من خرج عن منهاجه وآثر هواه. قال ابن جرير: (﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾، يقول: اكتسبتموها، ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ بفراقكم بلدكم، ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾، فسكنتموها). وقال القرطبي: (﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ يقول: ومنازل تعجبكم الإقامة فيها. ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة). قلت: والآية تعم كل زمان ومكان، وقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد قائم لكل من آثر الحياة الدنيا وزينتها، وتعني: "فانتظروا وارتقبوا" نزول النكال من الله والعذاب. وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من الخير وجوامع الكلم في آفاق هذا المعنى، ومن ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين] (١). وفي لفظ آخر من حديث أبي هريرة: [والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده]. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام قال: [كنا مع

стр. 1818

النبي ﷺ وهو آخذٌ بيد عمرَ بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمَر] (١). الحديث الثالث: أخرج أحمد والنسائي بسند حسن عن سبرة بن الفاكه، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسْلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قَعَدَ له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك .. فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد. .] الحديث (٢). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن, بسند جيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعِيْنَةِ، وأخذتم بأذناب البقر، وَرَضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلًا لا يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (٣). ٢٥ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ

стр. 1819

اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾. في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده المؤمنين بنصره لهم في مشاهد كثيرة، ثم يوم حنين كذلك كان النصر بعد استيعابكم الدرس البليغ: أن النصر من عند الله لا بكثرة العَدد والعُدد، فها هي الكثرة لم تغن عنكم شيئًا أول المعركة وقد وليتم هاربين. فلما ثَبَّتَ الله رسوله وفئة الصدق حوله وأيَّدَهُ بالملائكة اختلفَ تَوَجُّه المعركة، فكان النصر للمؤمنين، والعذاب على الكافرين، ثم يتوب الله برحمته على التائبين، والله هو الغفور الرحيم. فقوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لقد نصركم الله أيها المؤمنون في أماكن حرب توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة). وقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. أي: ويوم حنين أيضًا قد نصركم ، بعد ما أعطاكم درسًا بليغًا، أن النصر من عنده وأن الكثرة لم تغن عنكم شيئًا، بل إن كثيرًا منكم ولوا على أعقابهم مدبرين منهزمين. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: [غزونا مع رسول الله ﷺ حُنَيْنًا، فلما واجهنا العدو، تقدّمتُ فأعلو ثنيَّة، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولّى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزمًا وعليّ بُرْدَتان مُتَّزِرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : لقد رأى ابن الأكوع فزعًا] (١).

стр. 1820

قال ابن زيد: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، قال: كانوا اثني عشر ألفًا). والباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ بمعنى في، كما ذكر أهل اللغة، والتقدير: وضاقت عليكم الأرض في رحبها وسعتها. وفي قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، قال قتادة: (ذكر لنا أن رجلًا قال يومئذ: لن نغلب اليوم بكُثْرة، وذُكِرَ لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس - أي فروا مسرعين -). ثم قال جل ذكره: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. روى مسلم في صحيحه عن سلمة قال: [فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تُراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله بذلك، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين] (١). وروى أحمد في المسند عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: [فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله ، فقال رسول الله ﷺ : يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله. قال: ثم اقتحم رسول الله ﷺ عن فرسه فأخذ كفًا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله . قال يحيى بن عطاء - أحد الرواة - فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفيه ترابًا] (٢). وكذلك في المسند، وسيرة ابن إسحاق، بسند حسن عن جابر قال: [فلما رأى رسول الله ﷺ أمر الناس قال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فأجابوه: لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مئة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صبراء عند الحرب] (٣).

стр. 1821

ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. وهي الملائكة حمت رسول الله ﷺ يومئذ حين حمي الوطيس وحين غشيه المشركون، كما شاركت المؤمنين الذين صمدوا قتالهم. يروي ابن جرير بإسناده إلى عبد الرحمن مولى أم برثن قال: (حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: فلما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حَلْبَ شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقُهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله ﷺ . قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسانُ الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها) (١). وروى أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الفهري، قال يحيى بن عطاء: (فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد) (٢). ويروي ابن إسحاق عن جبير بن مطعم ﵁ قال: [إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد (٣) الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة] (٤). ويروي البيهقي وكذلك ابن سعد - واللفظ له - عن شيبة بن عثمان الحَجَبي قال: [لما كان عام الفتح، دخل رسول الله ﷺ مكة عَنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيبَ من محمد غِرّة، فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كُلِّها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا، ما تبعته

стр. 1822

أبدًا، وكنتُ مُرْصدًا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كِدت أشعره إياه، فرُفع لي شُواظ من نار كالبرق كاد يمحُشُني، فوضعت يدي على بصري خوفًا عليه، فالتفتَ إليّ رسول الله ﷺ فناداني: يا شَيْبُ ادْنُ مني فدنوت منه، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال: ادْنُ فقاتل، فتقدمت أمامه أضربُ بسيفي، الله يعلم أني أحب أن أقِيَه بنفسي كُلَّ شيء. .] الحديث (١). ثم قال جل ذكره: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: بالرعب والقتل والهزيمة. قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حُنَينًا مع المشركين ثم أسلم بعد فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين! قال: فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا) (٢). وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، فقد سلط الله عليهم القتل والسبي والتشريد، حتى رُوي أن قتلى هوازن قد بلغ خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلًا من بني مالك من ثقيف وحدهم وقتيلين من الأحلاف. قال ابن إسحاق: (فلما انهزمت هوازن استحرَّ (٣) القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار - وهو عوف بن الربيع -، فلما قُتِلَ أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل بها حتى قتل. قال ابن إسحاق، وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ , قتلُه، قال: أبعده الله! فإنه كان يُبْغِضُ قريشًا). كما رُوي أنه خلال الهزيمة قتل ثلاث مئة رجل من بني مالك قتلهم المسلمون في

стр. 1823

أوطاس بقيادة الزبير بن العوام أثناء فرارهم وانتشار الفوضى في صفوف المنهزمين، حتى إن أبا طلحةَ وحده قتل عشرين رجلًا منهم وأخذ أسلابهم. يروي أبو داود بسند حسن عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله ﷺ يومئذ -يعني يوم حنين - من قتل كافرًا فله سلبه. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذَ أسلابَهُم] (١). وكذلك فقد لقي المئات من بني نصر بن معاوية ومن بني رئاب مصرعهم وهما من أهم فروع هوازن، وذلك حين اشتد فيهم القتل وسلط الله عليهم المؤمنين. قال ابن إسحاق: (واستحرَّ القتل من بني نَصر في بني رئاب). وقال ابن هشام: (فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فَصَمَدَ لهم، فلم يزل يُطاعنهم حتى أزاحهم عنها). وروي أن عليًا قتل منهم يومئذ أربعين رجلًا. ثم إن رسول الله ﷺ أمر بتعقب الفارين لكسر شوكتهم، وذلك بقتلهم وتشريدهم لئلا يعودوا، وشجع رجاله يومئذ بأن سَلَبَ المشرك لقاتله. يروي البخاري في صحيحه عن أبي قتادة قال: [وجلس النبي ﷺ فقال: من قتل قتيلًا، له عليه بَيّنَة، فله سلبه] (٢). وهو عند أبي داود من حديث أنس بلفظ: [من قتل كافرًا فله سلبه]. وفي لفظ الحاكم من طريق أنس: [فقتل أبو قتادة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. فقال أبو قتادة: يا رسول الله! ضربت رجلًا على حبل العاتق، وعليه درع له، فأعجلت عنه أن آخذ سلبه، فانظر من هو يا رسول الله؟ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذتها، فأرضِهِ منها، فأعطِنيها! فسكت النبي ﷺ ، وكان لا يُسْألُ شيئًا إلا أعطاه، أو سكت، فقال عمر: لا والله، لا يفيء الله على أسد من أسده ويعطيكها! فضحك رسول الله ﷺ ] (٣).

стр. 1824

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خيّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسًا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مئةً مئةً من الإبل، وكان من جملة من أعطى مئةً مالك بن عوف النَّصْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: ما إن رَأيتُ ولا سمعت بمثله ... في الناس كلّهم بمثل محمد أوفى وأعْطى للجزيل إذا اجتُدِي ... ومتى تَشَأ يُخْبركَ عمّا في غَدِ (١) وإذا الكتيبة عَرّدت أنيابُها ... بالسُّمْهَرِيّ وضَرْب كُلّ مُهَنّد فكأنه ليثٌ على أشباله ... وَسْطَ الهَبَاءة خادِرٌ في مَرْصد). ٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: تقريرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أَنَّ المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بطواف أو حج أو غير ذلك، فإن خفتم - معشر المؤمنين - فاقة أو فقرًا بمنعهم الاقتراب فاعلموا أن فضل الله يَغْمركم، وهو سبحانه من نعمه ورزقه يزدكم، والله هو العليم بمصالحكم، الحكيم بما يشرعه لكم. قاتلوا القوم المكذبين بالله واليوم الآخر المستهزئين بشرع الله وحلاله وحرامه، المستكبرين عن طاعته، من أهل الكتاب حتى يبذلوا الجزية للمسلمين صاغرين.

стр. 1825

فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، هي نجاسة معنوية، نجاسة الشرك والكفر. وليس المقصود نجاسة البدن، فقد يكون بدنه طاهرًا نظيفًا، ولذلك جاء في الحديث: [المؤمن لا يَنْجُس] , حتى ولو كان جُنبًا. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أن النبي ﷺ لقِيَهُ في بعض طريق المدينة وهو جُنُبٌ، فانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أينَ كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهْتُ أن أُجالِسَكَ وأنا على غير طهارة، فقال: سُبْحانَ الله! إنّ المؤمنَ لا يَنْجُسُ] (١). وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يَحُجَّ بعدَ هذا العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف النبي ﷺ أبا بكر بعليِّ بن أبي طالب ﵄، فأمره أن يؤذِّن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل منى يومَ النحر ببراءة، وألا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان] (٢). فأمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين، الذين هم نجس دينًا، أن يقربوا بيته الحرام بعد نزول هذه الآية في السنة التاسعة للهجرة أثناء حج أبي بكر بالناس. يروي ابن جرير بسنده عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو عمرو: (أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع في نهيه قول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾). قال عطاء: (الحرمُ كله قبلة ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ , لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم).
следующие страницы →