ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
وهي الملائكة حمت رسول الله ﷺ يومئذ حين حمي الوطيس وحين غشيه المشركون، كما شاركت المؤمنين الذين صمدوا قتالهم.
يروي ابن جرير بإسناده إلى عبد الرحمن مولى أم برثن قال: (حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: فلما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حَلْبَ شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقُهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله ﷺ . قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسانُ الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. قال: فانهزمنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها) (١).
وروى أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الفهري، قال يحيى بن عطاء: (فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد) (٢).
ويروي ابن إسحاق عن جبير بن مطعم ﵁ قال: [إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد (٣) الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة] (٤).
ويروي البيهقي وكذلك ابن سعد - واللفظ له - عن شيبة بن عثمان الحَجَبي قال: [لما كان عام الفتح، دخل رسول الله ﷺ مكة عَنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيبَ من محمد غِرّة، فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كُلِّها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدًا، ما تبعته
стр. 1822
أبدًا، وكنتُ مُرْصدًا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته، فأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كِدت أشعره إياه، فرُفع لي شُواظ من نار كالبرق كاد يمحُشُني، فوضعت يدي على بصري خوفًا عليه، فالتفتَ إليّ رسول الله ﷺ فناداني: يا شَيْبُ ادْنُ مني فدنوت منه، فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال: ادْنُ فقاتل، فتقدمت أمامه أضربُ بسيفي، الله يعلم أني أحب أن أقِيَه بنفسي كُلَّ شيء. .] الحديث (١).
ثم قال جل ذكره: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: بالرعب والقتل والهزيمة.
قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وقال سعيد بن السائب بن يسار عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حُنَينًا مع المشركين ثم أسلم بعد فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين! قال: فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا) (٢).
وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، فقد سلط الله عليهم القتل والسبي والتشريد، حتى رُوي أن قتلى هوازن قد بلغ خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلًا من بني مالك من ثقيف وحدهم وقتيلين من الأحلاف.
قال ابن إسحاق: (فلما انهزمت هوازن استحرَّ (٣) القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب، وكانت رايتهم مع ذي الخِمار - وهو عوف بن الربيع -، فلما قُتِلَ أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل بها حتى قتل. قال ابن إسحاق، وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ , قتلُه، قال: أبعده الله! فإنه كان يُبْغِضُ قريشًا).
كما رُوي أنه خلال الهزيمة قتل ثلاث مئة رجل من بني مالك قتلهم المسلمون في
стр. 1823
أوطاس بقيادة الزبير بن العوام أثناء فرارهم وانتشار الفوضى في صفوف المنهزمين، حتى إن أبا طلحةَ وحده قتل عشرين رجلًا منهم وأخذ أسلابهم.
يروي أبو داود بسند حسن عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله ﷺ يومئذ -يعني يوم حنين - من قتل كافرًا فله سلبه. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذَ أسلابَهُم] (١).
وكذلك فقد لقي المئات من بني نصر بن معاوية ومن بني رئاب مصرعهم وهما من أهم فروع هوازن، وذلك حين اشتد فيهم القتل وسلط الله عليهم المؤمنين.
قال ابن إسحاق: (واستحرَّ القتل من بني نَصر في بني رئاب).
وقال ابن هشام: (فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فَصَمَدَ لهم، فلم يزل يُطاعنهم حتى أزاحهم عنها).
وروي أن عليًا قتل منهم يومئذ أربعين رجلًا.
ثم إن رسول الله ﷺ أمر بتعقب الفارين لكسر شوكتهم، وذلك بقتلهم وتشريدهم لئلا يعودوا، وشجع رجاله يومئذ بأن سَلَبَ المشرك لقاتله.
يروي البخاري في صحيحه عن أبي قتادة قال: [وجلس النبي ﷺ فقال: من قتل قتيلًا، له عليه بَيّنَة، فله سلبه] (٢).
وهو عند أبي داود من حديث أنس بلفظ: [من قتل كافرًا فله سلبه].
وفي لفظ الحاكم من طريق أنس: [فقتل أبو قتادة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. فقال أبو قتادة: يا رسول الله! ضربت رجلًا على حبل العاتق، وعليه درع له، فأعجلت عنه أن آخذ سلبه، فانظر من هو يا رسول الله؟ فقال رجل: يا رسول الله! أنا أخذتها، فأرضِهِ منها، فأعطِنيها! فسكت النبي ﷺ ، وكان لا يُسْألُ شيئًا إلا أعطاه، أو سكت، فقال عمر: لا والله، لا يفيء الله على أسد من أسده ويعطيكها! فضحك رسول الله ﷺ ] (٣).
стр. 1824
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (قد تاب الله على بقية هوازن، وأسلموا وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجِعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خيّرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فرده عليهم، وقسم أموالهم بين الغانمين، ونفل أناسًا من الطلقاء ليتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مئةً مئةً من الإبل، وكان من جملة من أعطى مئةً مالك بن عوف النَّصْري، واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ما إن رَأيتُ ولا سمعت بمثله ... في الناس كلّهم بمثل محمد
أوفى وأعْطى للجزيل إذا اجتُدِي ... ومتى تَشَأ يُخْبركَ عمّا في غَدِ (١)
وإذا الكتيبة عَرّدت أنيابُها ... بالسُّمْهَرِيّ وضَرْب كُلّ مُهَنّد
فكأنه ليثٌ على أشباله ... وَسْطَ الهَبَاءة خادِرٌ في مَرْصد).
٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أَنَّ المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بطواف أو حج أو غير ذلك، فإن خفتم - معشر المؤمنين - فاقة أو فقرًا بمنعهم الاقتراب فاعلموا أن فضل الله يَغْمركم، وهو سبحانه من نعمه ورزقه يزدكم، والله هو العليم بمصالحكم، الحكيم بما يشرعه لكم.
قاتلوا القوم المكذبين بالله واليوم الآخر المستهزئين بشرع الله وحلاله وحرامه، المستكبرين عن طاعته، من أهل الكتاب حتى يبذلوا الجزية للمسلمين صاغرين.
стр. 1825
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، هي نجاسة معنوية، نجاسة الشرك والكفر. وليس المقصود نجاسة البدن، فقد يكون بدنه طاهرًا نظيفًا، ولذلك جاء في الحديث: [المؤمن لا يَنْجُس] , حتى ولو كان جُنبًا.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أن النبي ﷺ لقِيَهُ في بعض طريق المدينة وهو جُنُبٌ، فانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أينَ كنتَ يا أبا هريرة؟ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهْتُ أن أُجالِسَكَ وأنا على غير طهارة، فقال: سُبْحانَ الله! إنّ المؤمنَ لا يَنْجُسُ] (١).
وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: [بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يَحُجَّ بعدَ هذا العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف النبي ﷺ أبا بكر بعليِّ بن أبي طالب ﵄، فأمره أن يؤذِّن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل منى يومَ النحر ببراءة، وألا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفَ بالبيت عريان] (٢).
فأمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين، الذين هم نجس دينًا، أن يقربوا بيته الحرام بعد نزول هذه الآية في السنة التاسعة للهجرة أثناء حج أبي بكر بالناس.
يروي ابن جرير بسنده عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو عمرو: (أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع في نهيه قول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾).
قال عطاء: (الحرمُ كله قبلة ومسجد. قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ , لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم).
стр. 1826
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾.
قال قتادة: (أغناهم الله بالجزية الجارية، شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا).
وقال ابن إسحاق: (وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنَّ ما كنا نصيب فيها من المرافق! فقال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ففي هذا عِوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعَوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطاهم من أعْناق أهل الكتاب من الجزية).
وخلاصة المعنى: إن خفتم - معشر المؤمنين - فاقة وفقرًا بمنع المشركين اقتراب المسجد الحرام فسيغنيكم ربكم من فضله إن شاء والله ذو الفضل العظيم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عليم بما فيه مصلحتكم وسداد أمركم، حكيم في أقواله وأفعاله وتشريعه لكم.
وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
يأمر تعالى المؤمنين به من أصحاب نبيه ﷺ بقتال القوم المكذبين بالله واليوم الآخر المستهزئين بتشريعه سبحانه وحلاله وحرامه، المتنكرين لطاعته طاعة الحق، من أهل الكتاب حتى يعطوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها. فإنهم بكفرهم بمحمد ﷺ الذي يجدون صفاته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل - تنكر لبقية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، إذ أمروا جميعًا باتباع النبي أحمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم أصبحوا بذلك لا يدينون الدين الحق، فوجب عليهم دفع الجزية مقابل حمايتهم وجلوسهم آمنين.
قال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلما استقامت جزيرة العرب، أمر الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولذا تجهز رسول الله ﷺ لقتال الروم) انتهى.
وبعض الفقهاء على جواز أخذ الجزية من المجوس، وهو مذهب الشافعي وأحمد - في المشهور عنه -.
стр. 1827
واحتجوا بما أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عوف: [أن رسول الله ﷺ أخذها من مَجُوس هجَرَ] (١).
ولا شك أن في أخذها من أهل الكتاب إشعارًا لهم أنهم تحت هيمنة دَوْلة الإِسلام وسلطة الحق، ومن ثمَّ فإنه يَحْظُرُ عليهم نشر الفساد أو المنكرات في بلاد المسلمين.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتُم أحدَهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه] (٢).
وقوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾. قال ابن عباس: (يدفعه بنفسه غير مستنيب فيها أحدًا).
وقال قتادة: (عن قهر)، وهو الأصح، فالمراد عن قهر لهم وغلبة، ولذلك قال بعدها ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: ذليلون مهانون.
ولهذا يذكر هنا الفقهاء ما اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من شروط فيها تحجيم أمرهم ومحاصرة انتشار فسادهم بالتصغير والإذلال.
ففي رواية الأئمة الحفاظ من طريق عبد الرحمن بن غَنَم الأشعري قال: (كتبتُ لعمرَ بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى من أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا، وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحْدِث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قَلايَة ولا صومعة راهب، ولا نجدِّد ما خَرِبَ منها, ولا نحيي منها ما كان خِطَط المسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينزل من مَرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نُؤْوِي في كنائسنا ولا منازلنا جاسُوسًا، ولا نَكْتُم غشًا للمسلمين، ولا نُعَلِّم أَوْلادَنا القرآن، ولا نُظْهِرُ شركًا، ولا ندعو إليه أحد، ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإِسلام إن أرادوه، وأن نوقِّر المسلمين، وأن نَقُوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشَبَّه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق
стр. 1828
شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكُنَاهم، ولا نَرْكَب السروج، ولا نتقلَّدُ السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله معنا, ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور. وأن نَجُزَّ مقاديم رؤوسنا، وأن نَلْزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشُدَّ الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صُلُبَنا ولا كُتُبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيفًا، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء، من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا بعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا, ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا, ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نُرشِد المسلمين، ولا نَطَّلِعَ عليهم في منازلهم.
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نَضْرِب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم وَوَظفْنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق) - ذكره الحافظ ابن كثير.
٣٠ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
في هذه الآيات: ذَمُّ الله اليهود في قولهم الكذب: عزير ابن الله، وذمُّ النصارى في قولهم السوء المسيح ابن الله، وهم في ذلك مفترون آثمون.
لقد أطاعوا بذلك أحبارهم ورهبانهم في قولهم الإثم واستحلالهم الحرام وتحريمهم
стр. 1829
الحلال، وما أمروا إلا بافراد الله تعالى في التعظيم والعبادة والتشريع، سبحانه وتعالى عما يشركون.
إنما يريد المشركون تكذيب الحق والاستهزاء بالوحي ومنهاج الرسل، وهم بذلك كمن يحاول إطفاء نور الشمس بنفخه، والله يأبى إلّا أن يبهر إشعاع شرعه ودينه أرجاء المعمورة.
إنه هو الذي أرسل رسوله بهدي الوحي ونور النبوة ليعلن منهاجه ويرفعه فوق كل مناهج الأرض ولو كره المشركون.
فقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾.
قال القرطبي: (هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص, لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك).
وقد رُوي أن سبب ذلك القول أن الله تعالى رفع التوراة ومحاها من قلوب اليهود حين قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇، فخرج عُزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل فقال: "أين تذهب"؟ قال: أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها، فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم.
وقيل بل حفّظها الله عزيرًا كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل: إن الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده.
وكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب، وقتْل بُخْتَنَصَّر إياهم.
ثم إن التوراة المدفونة وُجدت مطابقة لما كان عُزير يدرس، فهنالك ضلوا حين زعموا أن هذا لما يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله - حكاه ابن جرير.
وقرأها قراء المدينة وبعض قراءة الكوفة ومكة دون تنوين: "عزيرُ ابن الله"، والقراءة بالتنوين أشهر. و"عزير" ينصرف عجميًا كان أو عربيًا. وأصله "عزراء" - لفظة عبرانية - بمعنى: (معين)، أو أصله "عزريا" - بمعنى الله مساعد.
وقوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، الظاهر أنهم أرادوا بنوّة النَّسل، كما قالت العرب في الملائكة. وهذا أشنع الكفر.
قال أبو المعالي: (أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن إله).
стр. 1830
قال ابن عطية: (ويُقال إن بعضهم يعتقدها بنوّة حنوّ ورحمة).
قال القرطبي: (وهذا المعنى أيضًا لا يحل أن تطلق البنوّة عليه، وهو كفر).
وقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، تكذيب من الله سبحانه للطائفتين، وأنهم افتروا على الله الكذب فيما قالوه ونسبوه.
وقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (يُشبِّهون). وقال قتادة: (ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم).
وقال السدي: (النصارى يضاهئون قول اليهود في "عزير").
٢ - وقال ابن عباس في رواية: (يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان).
٣ - وقيل: يحكون بقولهم قول أهل الأوثان، الذين قالوا: (اللات، والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى) - ذكره ابن جرير.
قلت: وأصل المضاهاة في كلام العرب من ضهأ أو ضهي.
قال الرازي: (المضاهأة: المشاكلةُ، تُهْمَزُ وتُلَيَّنُ وقرئ بهما)، وكذلك المضاهاة.
والمقصود بالآية المشابهة في طريقة الافتراء بالنعت والوصف دون حجة أو برهان.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، قال ابن عباس: (لعنهم الله. وكل شيء في القرآن "قتل"، فهو لعن).
قال ابن كثير: (﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل).
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
قال ابن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله، فأطاعوهم، فسمّاهم الله بذلك أربابًا).
وقال حذيفة: (أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرَّموه، فتلك كانت ربوبيّتهم).
стр. 1831
وقال السدي: (استنصحوا الرجال، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم).
قلت: والأحبار علماء اليهود، جمع (حَبْر) بكسر الحاء وفتحها. وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، والرهبان جمع راهب بمعنى المتعبد الخاشع الزاهد، وأصل الترهب عند النصارى، التخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذّها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها.
وفي الحديث: [تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى] (١).
أخرج الترمذي من حديث عدي: [أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: أليس يُحلّون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم] (٢).
وأخرج الإمام أحمد في المسند، وابن إسحاق في السيرة من حديث عدي بن حاتم - وكان قد هرب من النبي ﷺ إلى قيصر بالشام بعد حنين، ثم لحقته أخته ونصحته بالرجوع وحدثته عن رسول الله ﷺ وعفوه وكرمه - قال: [فاتيته وهو جالس في المسجد، فقال القومُ: هذا عديُّ بن حاتم، وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعت إليه، أخذ بيدي، وقد كان قبل ذلك قال: إني أرجو أن يجعل الله يدَه في يدي. قال: فقام لي، فلقيتْهُ امرأة، ومعها صبي، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يُفِرُّكَ؟ ! أَيُفِرُّكَ أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قال: قلت: لا. قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تَفِرُّ أنْ يُقالَ: الله أكبر، وهل تعلم شيئًا أكبرُ من الله؟ قال: قلت: لا. قال:
стр. 1832
فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون. قال: فقلت: إني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه يَنْبسِطُ فرحًا] (١).
وأما قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، قال ابن جرير: (فإن معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابًا من دون الله).
وقال النسفي: (﴿اتَّخَذُوا﴾ أي أهل الكتاب ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ علماءهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ نساكهم ﴿أَرْبَابًا﴾ آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله كما يطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على أحبارهم - أي اتخذوه ربًا حيث جعلوه ابن الله -).
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾.
قال ابن كثير: (أي: الذي إذا حرَّمَ الشيء فهو الحرام، وما حَلَّله حلَّ، وما شرعَهُ اتُّبِع، وما حَكَمَ به نفذ. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تعالى وتقدَّسَ وتَنَزَّه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
قال السدي: (يقول: يريدون أن يطفئوا الإِسلام بكلامهم).
والمقصود: أن محاولات الملأ الكافر على مدار الزمان تكذيب الحق والمكر بأهله والاستهزاء بالوحي ومنهاج الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما هي بمثابة من يحاول إطفاء شعاع الشمس أو نور القمر بِنَفْخِهِ، وهذا تهريج وعبث.
وقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
أي: يأبى الله تعالى إلا أن يظهر دينه ويعلي كلمته رغم أنف الكافرين الماكرين، الذين يكرهون أن يروا أمر الله يعلو في الأرض وأولياءه هم الغالبون.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
تشريف لمحمد ﷺ صاحب الرسالة الخاتمة، والشريعة الناسخة، لكل الشرائع التي سبقتها، وإعظام للمنهج الإلهي في صورته الأخيرة إلى البشرية جميعًا، وهو دين
стр. 1833
الإِسلام على منهج الوحيين: القرآن والسنة المحمدية العطرة.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، قال: ليظهر الله نبيّه على أمر الدين كله، فيعطيه إيّاه كله، ولا يخفى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك).
قال ابن جرير: (﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ، ﴿بِالْهُدَى﴾، يعني: ببيان فرائض الله على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق، وهو الإِسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، يقول: ليعلي الإِسلام على الملل كلها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، بالله ظهوره عليها).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا التمكين والانتشار والظهور، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله زوى ليَ الأرض، فرأيت مشارِقَها ومغارِبَها، وإن أمتي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي منها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله (الله) هذا الدين، بعِزِّ عزيز، أو بِذُلِّ ذليل، عِزًّا يعزّ الله به الإِسلام، وذُلًا يدُّل الله به الكفر].
فكان تميم الداري يقول: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرَ والشرفَ والعزّ، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذلَّ والصِّغار والجزيةَ) (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن خَبَّابِ بن الأرتِّ قال: [شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً له في ظل الكعبة، قلنا لَه: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ
стр. 1834
بالمِيشَار فيوضَعُ على رأسه فَيُشَقُّ باثنتين وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينه، ويُمْشَطُ بأمْشَاط الحديد ما دونَ لحمه من عَظْمٍ، أو عَصَبٍ، وما يَصُدّهُ ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون] (١).
ويشهد لهذا الحديث ما في مسند أحمد من حديث عدي بن حاتم يقول: [دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا عدي، أسلم تسلم. فقلت: إني من أهل دين. قال: أنا أعلم بدينك منك. فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ ! قال: نعم، ألست من الرَّكوسية (٢)، وأنت تأكل مرباع قومك؟ . قلت: بلى. قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يَعْدُ أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإِسلام تقول: إنما اتبعه ضَعَفَةُ الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب. أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: فوالذي نفسي بيده ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولَتُفتَحَنَّ كنوزُ كسرى بن هرمز. قلت: كسرى بن هُرْمُزَ؟ ! قال: نعم، كسرى بن هُرْمُزَ، ولَيُبْذلَنَّ المال حتى لا يقبله أحد. قال عَدِيّ بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله ﷺ قد قالها] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سَمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يذهب الليل والنهار، حتى تُعْبَدَ اللاتُ والعزَّى. فقلت: يا رسول الله، إن كنتُ لأظنُّ حين أنزل الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعثُ الله ريحًا طيِّبة فيتوفّى كلُّ من كان في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم] (٤).
стр. 1835
٣٤ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: تحذير الله تعالى المؤمنين من سلوك علماء اليهود وعباد النصارى في أكلهم الدنيا بالدين والمناصب والرياسة بين الناس، ويصدون الناس عن اتباع الحق والإيمان بنبوة محمد ﷺ واتباعه.
ثم تحذير وترهيب من سلوك الطائفة الثالثة - بعد العلماء والعباد - وهم الأغنياء أصحاب الأموال في كنزهم الذهب والفضة وحرمان الفقير من حقها، والتلاعب ضد إخراج زكاتها، بأن لهم عذابًا أليمًا، حيث تحمى صفائح في نار جهنم ثم تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ذوقوا ما كنزتم لأنفسكم فبئس ما كنتم تكنزون ولا تزكون ولا تتصدقون.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال السدي: (أما ﴿الْأَحْبَارِ﴾، فمن اليهود. وأما ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾، فمن النصارى. وأما ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فمحمد ﷺ ).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرًا من العلماء والقرَّاء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى، ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، يقول: يأخذون الرشا في أحكامهم، ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم ثم يقولون: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ويأخذون بها ثمنًا قليلًا من سفلتهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يقول: ويمنعون من أراد الدخول في الإِسلام الدخول فيه، بنهيهم إياهم عنه).
فالأحبار علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم.
стр. 1836
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].
قال ابن كثير: (والمقصود: التحذير من علماء السوء وعُبَّاد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فَسَدَ من علمائنا كان فيه شَبَهٌ من اليهود، ومن فَسَدَ من عُبَّادنا كان فيه شبه من النصارى).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري وابن ماجه وأبو يعلى من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم. فقال: ومن الناس إلّا أولئك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشير، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٣).
وفي لفظ أحمد والآجري من حديث شداد بن أوس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: [لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القُذَّة بالقذة] (٤).
стр. 1837
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
أصل الكنز لغة: الجمع والضم. قال الرازي: (اكتنَزَ الشيءُ: اجتمع وامتَلأَ).
والكنزْ أيضًا المال المدفون. والآية تحذير للمؤمنين من سلوك طريقة أهل الكتاب في الأموال، والاستهتار بحق الفقراء والمساكين فيها.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن وَهْب قال: [مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبي ذَرٍّ ﵁، فقلت له: ما أنزلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قال: كنتُ بالشام فاخْتَلَفْتُ أنا ومعاويةُ في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال معاوية: نَزَلَتْ في أهل الكتاب. فقلت: نزلَتْ فينا وفيهم، فكان بَيْني وبَيْنَه في ذلك، وكَتَبَ إلى عُثمانَ ﵁ يَشْكوني، فكتَبَ إليَّ عثمانُ: أنِ اقْدم المدينة، فقَدِمْتها، فَكَثُرَ على الناسُ حتى كأنَّهم لم يَرَوْني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تَنَحَّيْتَ فكنت قريبًا. فذاك الذي أنْزَلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حَبَشِيًّا لسَمِعْتُ وأطَعْتُ] (١).
فإنه بعد ذكر العلماء والعباد، أتبع الله في الآية ذكر الأغنياء، فإن الناس عالة على العلماء، وعلى العبّاد، وعلى أرباب الأموال، فإن صلح أمر هؤلاء صلح أمر الناس وإن فسد فسدوا، كما قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسَدَ الدين إلا الملوك ... وأحبارُ سوء ورهبانها
وبنزول أحْكام الزكاة وتفاصيل أنصبتها، يَتوجه معنى الآية في مفهوم الكنز.
كما قال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: (هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة).
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب، عن خالدِ بنِ أسْلَمَ قال: [خرجنا مع عبد الله بن عمر ﵄، فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؟ ! قال ابن عمر: مَنْ كَنَزَها فلم يُؤَدِّ
стр. 1838
زكاتَها فَوَيْلٌ له، إنما كان هذا قبل أن تُنزَلَ الزَّكاة، فلما أنزلت جَعَلَها الله طُهْرًا للأموال] (١).
الأموال التي تجب فيها الزكاة:
تجب الزكاة في النقدين، والزروع، والثمار، والمواشي، والركاز.
أولًا - زكاة النقدين: الذهب والفضة .
نصاب الذهب عشرون دينارًا، ونصاب الفضة مئتا درهم، وفيهما ربع العشر:
فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: [إذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا، فهذا كانت لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار] (٢).
ثانيًا - زكاة الزروع والثمار .
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
ولا تؤخذ الزكاة إلا من أصناف أربعة، كما روى الحاكم والبيهقي عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر, والزبيب] (٣).
ونصاب الزكاة في الزروع والثمار هو المذكور في هذا الحديث:
أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس فيما دون
стр. 1839
خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق (١) صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ (٢) صدقة] (٣).
المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار:
أخرج أبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: [في ما سقت الأنهار والعيون العشر، وما سقي بالسواني ففيه نصف العشر].
وأصله في صحيح مسلم بلفظ: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤).
وله شاهد عند البخاري والترمذي من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥).
ثالثًا - زكاة المواشي .
المواشي ثلاثة أجناس: الإبل، البقر، الغنم.
فقد مضى من حديث أبي سعيد - في الصحيحين - أن رسول الله ﷺ قال: [ليس فيما دون خمس ذَودٍ من الإبل صدقة].
وفي سنن أبي داود والنسائي عن معاذ بن جبل قال: [بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة] (٦).
وكتب أبو بكر ﵁ فريضة الصدقة لأنس وفيها: [وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة. .] الحديث. وتفصيل أنصبتها في كتب الفقه.
стр. 1840
رابعًا - زكاة الركاز .
الركاز: دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل. وتجب فيه الزكاة على الفور من غير اشتراط حول ولا نصاب، لعموم قوله ﷺ : [وفي الركاز الخمس] (١).
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وعيد شديد للكانزين المانعين الزكاة.
أخرج البخاري في صحيحه من حديث الأحنف عن أبي ذر الغفاري - يرفعه -: [بشِّر الكانزين بِرَضْفٍ يُحْمى عليهم في نار جهنم، ثم يوضع على حَلَمَةِ ثدي أحدهم حتى يخرُجَ من نُغْضِ كتفِهِ، ويوضع على نُغْضِ كتفِهِ حتى يخرجَ من حَلَمَةِ ثَدْيه، يتزلزَلُ] (٢).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من آتاهُ الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاتَه مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقْرَعَ له زبيبتان، يُطَوِّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخُذُ بِلِهزِمَتَيْه، يعني بشِدْقَيْه، ثم يقول: أَنا مالُكَ، أنا كنزكَ، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]] (٣).
وفي صحيح مسلم من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا جُعِلَ يوم القيامة صفائح من نار يُكْوَى بها جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يُقضى بين الناس، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار] الحديث (٤).
стр. 1841
ثم يقال لهم تقريعًا وتبكيتًا وتهكُّمًا: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فيقال لهم: فاطعموا عذاب الله بما كنتم تمنعون من أموالكم حقوق الله وتكنزونها مكاثرةً ومباهاة).
وفي التنزيل نحو هذا في التهكّم بالكافرين: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩].
٣٦ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.
في هذه الآيات: إثبات الله تعالى أن عدد أشهر السنة اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، منها أربعة أشهر حرم، ذلك دينُ الله المستقيم، فاحذروا - أيها الناس - الظلم فيها وانتهاك المحرمات، فالذنب فيها أعظم منه في غيرها، وقاتلوا المشركين، أيها المؤمنون، مجتمعين كما يقاتلونكم، واعلموا أن الله ولي المتقين.
إنما النسيء استهتار من المشركين، وهو تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، ليقضوا بذلك أوطارهم من قتال أعدائهم، وقد زَيَّنَ لهم الشيطان التحايل على شرع الله، والله لا يهدي القوم الكافرين.
فقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
قال السدي: (أما ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، فذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. أما ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾، فالذي عنده).
стр. 1842
وقال مجاهد: (﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قال: يعرف بها شأن النسيء، ما نقص من السنة).
أخرج الإمام أحمد والبخاري عن أبي بَكْرَةَ: [أن النبي ﷺ خطب في حجَّتهِ، فقال: ألا إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جُمادى وشعبان. ثم قال: أَلا أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ. فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحِجَّة؟ قلنا: بلى. ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ. فسكت حتى ظننّا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليس البَلْدَة؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، قال: أليسَ يومَ النحر؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلَّالًا، يضربُ بعضكم رقاب بعض، ألا لِيُبَلِّغ الشاهد الغائبَ، فَلَعَلَّ بعضَ من يُبَلَّغُهُ أن يكونَ أوعى له من بعض من سَمِعَهُ. ثم قال: ألا هل بَلَّغْت - مرتين -] (١).
وسمي (المُحَرّم) مُحَرَّمًا، لكونه شهرًا محرمًا، أو لتأكيد تحريمه.
قال السَّخاوي: (لأن العرب كانت تتلعَّبُ به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا).
وأما (صفر): فسمي بذلك لخلو بيوتهم منهم، حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفَر المكان: إذا خلا.
وأما شهر (ربيع الأول): فسمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في عمارة الرَّبع.
وسمي شهر (جُمادى) لجمود الماء فيه.
وأما (رجب): فمن الترجيب، وهو التعظيم، و (شعبان): من تَشَعُّب القبائل وتَفَرُّقها للغارة. و (رمضان): من شدة الرمضاء، وهو الحر، يقال: رَمِضَت الفصالُ: إذا عَطِشت.
стр. 1843
وأما (شوّال): من شالت الإبل بأذنابها للطِّراق.
وأما (القَعدة): بفتح القاف وكسرها لقعودهم فيه عن القتال والتَّرحال، و (الحِجَّة): بكسر الحاء وفتحها، فإنه سمي بذلك لإيقاعهم الحج فيه.
وأما الأيام فأولها الأحد، ثم ثانيها الاثنين، ثم الثلاثاء ثالثها، والأربعاء رابعها، والخميس خامسها، والجمعة سادسها، وآخرها السبت، وهو القطع، لانتهاء العدد عند (١).
فقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، هي الثلاثة المتواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، والإضافة إلى مضر إنما هي لبيان صحة مذهبهم فيه: أنه بين جمادى وشعبان، لا كما تظن ربيعة أنه بين شعبان وشوال، وهو رمضان بلا شك.
قال الحافظ ابن كثير: (وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سَردٌ، وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر، وهو ذو القعدة، لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر، وهو المحرم، ليرجعوا فيه إلى نائي أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّمَ رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا).
وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. أي: الشرع الحق المستقيم.
قال السدي: (المستقيم).
وقال ابن زيد: (﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، قال: الأمر القيم. يقول: قال تعالى: واعلموا، أيها الناس، أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وأن من هذه الاثني عشر شهرًا أربعةُ أشهر حرمًا، ذلك دين الله المستقيم، لا ما يفعله النسيء من تحليله ما يحلل من شهور السنة، وتحريمه ما يحرِّمه منها).
стр. 1844
وقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: احذروا ارتكاب المعاصي والآثام في هذه الأشهر الأربعة المحرمة بشكل خاص، فإن الإثم فيها أشد وأكبر، كما أن المعاصي في البلد الحرام أبلغ في الإثم.
كما قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وبنحو ذلك جاءت أقوال المفسرين:
١ - قال ابن عباس: (﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، في كلِّهن. ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُمًا، وعظَّمَ حُرُماتهن، وجعل الذنْب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم).
٢ - قال قتادة: (أما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووِزْرًا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما شاء.
وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رُسلًا، ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فَعَظِّموا ما عظَّم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل).
٣ - قال الحسن: ("ظلم أنفسكم"، أن لا تحرموهن كحرمتهن).
٤ - وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فـ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ الذي كانوا يصنعون من ذلك، ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لآية). وهو اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
قال السدي: (أم ﴿كَافَّةً﴾، فجميع، وأمركم مجتمع).
وعن ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، يقول: جميعًا).
стр. 1845
قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله، أيها المؤمنون، جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير متفرقين، كما يقاتلكم المشركون جميعًا، مجتمعين غير متفرقين).
قلت: والراجح أنه يجوز قتال المشركين في الشهر الحرام إذا كانت البراءة منهم، كما يجوز قتل القاتل في الحرم، فإن كان القاتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم يُخرج إلى الحل ليقتل فيه.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١].
٢ - وقال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قال ابن القيم: (والمقصود: أن الله سبحانه قد حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبَرِّئْ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقُ بالدم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:
وإذا الحبيبُ أتى بذنْبٍ واحدٍ ... جاءت محاسِنُهُ بألف شفيع
فكيف يُقاس ببغيض عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن) (١).
ومن السنة الصحيحة ما يدل على جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم، إن كانت المصلحة تقتضي ذلك:
١ - حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم.
стр. 1846
ففي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك: (أنه خرج إلى هوازن في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم، ورجع فَلّهُم فلجؤوا إلى الطائف - عَمدَ إلى الطائف فحاصرها أربعين يومًا، وانصرف ولم يفتتحها) (١).
٢ - دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحًا في شهر رمضان.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد الله أن ابن عباس ﵄ قال: [صام رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ الكَديد الماءَ الذي بين قُدَيْدٍ وعُسْفان أفطر، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر] (٢).
وفي رواية, قال ابن عباس: [سافر رسول الله ﷺ في رمضان فصام حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا ليُرِيَهُ الناس فأفطر حتى قدم مكة].
٣ - أعلن ﷺ يوم الفتح أنه: "لا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا"، وأذن بِقَتْلِ مَنْ قتَلَ في الحرم.
فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [مَنْ سَرَقَ أو قتَلَ في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجَالَسُ ولا يُكَلَّمُ، ولا يُؤوى، ولكنه يُناشَدُ حتى يخْرُجَ، فيؤخَذَ، فيقامَ عليه الحدُّ، وإن سَرَقَ أو قَتَل في الحرم أقيم عليه في الحرم] (٣).
وبنحوه روى الأثرم عن ابن عباس قال: [مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا في الحرم، أُقيم عليه ما أحدث فيه من شيء].
وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
تقريع وذمٌّ لتصرفِ المشركين في التعامل بأهوائهم مع حرمات الله، إذ أحدثوا قبل الإِسلام بمدّة تحليلَ المحرم وتأخيره إلى صفر، ليقضوا بذلك أوطارهم من قتال أعدائهم.
قال ابن عباس: (النسيء أنَّ جُنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يُكنى أبا ثُمامَةَ، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا
стр. 1847
وإن صفر العام الأول العامَ حلال. فيحله للناس، فيحرم صفرًا عامًا، ويحرم المحرم عامًا، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾).
وقال مجاهد: (﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: يعني الأربعة، ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، لتأخير هذا الشهر الحرام).
وقال ابن إسحاق في السيرة: (كان أوَّل من نسأ الشهورَ على العرب، فأحَلَّ منها ما حرَّم الله، وحرَّم منها ما أحَلَّ الله القَلَمَّسُ، وهو: حُذيفة بن عَبْدِ بن فُقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبّاد، ثم من بعد عباد ابنه. قَلَعُ بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه: عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جُنَادة بن عوف، وكان آخِرَهم، وعليه قام الإِسلامُ.
فكانت العرب إذا فرغت من حَجِّها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا، فحرَّم: رجبًا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عامًا، ويجعل مكانه صَفَر، ويحرمه عامًا ليواطئ عدة ما حرّم الله، فيُحلّ ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله، والله أعلم).
وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: حُسِّنَ لهم وحُبِّبَ إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، وما خولف به أمر الله وطاعته. قال: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، وما لله فيه رضىً، القوم الجاحدين توحيده، والمنكرين نبوة محمد ﷺ ، ولكنه يخذّلهم عن الهُدى، كما خذَّل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم). ٣٨ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾.
في هذه الآيات: يعيب الله تعالى على المؤمنين الاستئناس بالديار، والركون إلى الظلال، عند النفير إلى الجهاد، وقتال الأعداء، فهل رضيتم - أيها المؤمنون - بحظ
стр. 1848
هذه الدنيا الفانية، من نعيم الآخرة الباقية، فما بقاء هذه الدنيا ولذاتها إلا قليل.
إنكم إن تتقاعسوا عن النفير، ينزل بكم العذاب ويأتي الله بالبديل، من قوم يحبون نصرة دينه، والموت في سبيله، وما أنتم بترككم الجهاد بضارِّيه - تعالى - شيئًا، والله على كل شيء قدير.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
قال مجاهد: (أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنّفير في الصيف، حين خُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتَهُوا الظلال، وشقَّ عليهم المخرج).
وقوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾. من الثقل. أي تثاقلتم عن الجهاد إلى لزوم الديار والأرض والاستئناس بالجلوس فيها. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، أي: هل رصْيتم بحظ هذه الدنيا الفانية من نعيم الآخرة والخلود في جنات الإقامة والسرور الذي لا ينقطع.
وقوله: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
أي: فما دوام لذات هذه الدنيا وزينتها وبهجتها إلا قليل زائل متغير بالنسبة لدوام نعيم الآخرة والخلود في روضاتها وملذاتها.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن إسماعيل بن أبي خالد قال: حدّثنا قيسٌ قال: سمعت مُسْتَوْرِدًا أخا بني فِهْرٍ يقول: قال رسول الله ﷺ : [والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكُمْ إصْبَعَه (١) هذه في اليَمّ، فلينظرْ أحدُكُم بِمَ تَرْجِعُ؟ ] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح لغيره عن سهل بن سعد قال: قال
стр. 1849
رسول الله ﷺ : [لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء] (١).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح من حديث المستورد مرفوعًا: [ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكمْ إلى اليمِّ، فأدخل إصبعه فيه، فما خرج منه فهو الدنيا] (٢).
وله شاهد عند الإمام أحمد والطبراني بلفظ: [ما أخذتِ الدنيا من الآخرة، إلا كما أخذ المِخْيَط غُمِسَ في البحر من مائه] وسنده صحيح.
الحديث الرابع: أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح عن عبد الله مرفوعًا: [مالي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٣).
وله شاهد عند ابن حبان وأحمد عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: مالي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن عباس: (إن رسول الله ﷺ استنفر حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾).
стр. 1850
وقال قتادة: (استنفر الله المؤمنين في لَهَبَان الحرِّ في غزوة تبوك قِبَلَ الشام، على ما يعلم الله من الجَهْد).
فالمعنى: إن رضيتم - معشر المؤمنين - بالحياة الدنيا ودَعتها، ونكلتم عن الخروج إلى الجهاد في سبيل الله فقد توعدكم ربكم بعذاب موجع، وما أنتم بترككم الجهاد بضارِّيه شيئًا، بل هو القادر سبحانه أن يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أخرج أبو داود في السنن, بسند صحيح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا تبايَعْتُمْ بالعِينة، وأخذْتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرْع، وتَرَكْتُم الجهادَ، سلَّطَ الله عليكم ذُلَّا لا يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (١).
٤٠. قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾.
في هذه الآية: يقول تعالى ذكره: إنكم إنْ لا تنصروا هذا النبي - أيها الناس - فقد تكفل الله بنصره، فقد أخرجه كفار مكة هو وصاحبه، فنزلا مختفيين في الغار، وأعمى الله عنهما الأبصار، وأنزل تعالى عليه الطمأنينة والأمان، وأيّده بالجنود الكرام، وجعل كلمة الكفار السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز في انتقامه، حكيم في قضائه.
فقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾.
قال مجاهد: (ذكر ما كان في أول شأنه حين بُعث، فالله فاعلٌ به كذلك، ناصره كما نصره إذ ذاك، ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾).
стр. 1851
وقال قتادة: (فكان صاحبَه أبو بكر، وأما ﴿الْغَارِ﴾، فجبل بمكة يقال له: ثور).
لقد حدد الوحي غار ثور منطلقًا للهجرة، وتم ضرب الموعد مع الدليل بذلك المكان، وكان خروج المصطفى ﷺ والصديق ﵁ للغار ليلًا، وقد حمل الصديق رضوان الله عليه ثروته كلها لتكون تحت تصرف رسول الله ﷺ .
يروي الحاكم بسند حسن من حديث أسماء: [أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم] (١).
وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، تطمين لأبي بكر ﵁ من النبي ﷺ
وفي الصحيحين والمسند من حديث أنس أن أبا بكر حديثه قال: [قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما] (٢).
وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾.
أي: أنزل الله تعالى السكينة، وهي الطمأنينة والسكون، على رسوله، وقيل على أبي بكر، وقوّاه بجنود وهي الملائكة.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾. قال ابن عباس: (وهي الشرك بالله).
وقوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾. قال ابن عباس: (وهي: لا إله إلا الله).
قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمته ﴿الْعُلْيَا﴾ على الشرك وأهله، الغالبة).
ثم قال جل ذكره: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (والله ﴿عَزِيزٌ﴾ أي في انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله).
стр. 1852
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: [سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله] (١).
٤١. قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
في هذه الآية: دعوة الله تعالى عباده المؤمنين، إلى النفير للجهاد لحراسة الدين، وكسر شوكة الكافرين المعاندين، وذلك بالأموال والأنفس والرخيص والثمين، وهذا هو الخير العظيم لو كانوا يعلمون.
فقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
فيه أقوال متقاربة:
١ - قال الحسن: (شيبًا وشبّانًا). فعنى بالخفة: الشباب، وبالثقل: الشيخوخة.
٢ - قال عكرمة: (الشاب والشيخ). وقال مجاهد: (شبابًا وشيوخًا، وأغنياء ومساكين).
٣ - قال الضحاك: (كهولًا وشبّانًا).
٤ - وقال الحكم: (مشاغيل وغير مشاغيل). وقال الحسن: (في العسر واليسر).
٥ - وقال أبو صالح: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال: أغنياء وفقراء).
٦ - وقال قتادة: (﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالَ: نِشاطًا وغيرَ نشاط).
٧ - وقال مجاهد: (﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، قالوا: فإن فينا الثقيل، وذا الحاجة والضيعة والشغل، والمتيسر به أمره؟ فأنزل الله وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وعلى ما كان منهم).
والخلاصة: أمر الله تعالى المؤمنين بالنفير لقتال أعدائه ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ويشمل
стр. 1853
ذلك جميع أحوال عباده: في الصحة والمرض، والنشاط والكسل، والقوة والضعف، وسعة المال وضيقه، والفراغ والشغل، واليسر والعسر، والقدرة على الظهر والركاب والعجز عن ذلك، وقلة العيال وكثرتهم، وغير ذلك من تقلب الأحوال.
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ترغيب ببذل الأموال والنفوس في سبيل الله، فإن سلعة الله غالية، وسلعة الله هي الجنة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال حَجٌّ مبرور] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن زيْدِ بن خالدٍ، ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: [مَنْ جَهَّزَ غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيًا في أهله بخير فقد غزا] (٢).
стр. 1854
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَلِجُ النَّارَ رجُلٌ بكى من خشية الله حتى يعودَ اللَّبن في الضَّرعِ، ولا يجتمع على عَبْدٍ غُبَارٌ في سبيل الله ودخان جهنم] (١).
٤٢ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
في هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك، فإنهم لو رأوا الغنيمة قريبة المنال في سفر سهل قريب لخرجوا معك - يا محمد - ولكن استصعبوا مشقة الطريق وزمان القَيْظ، ويحلفون كذبّا لِتَقْبَلَ أعذارهم الكاذبة والله يعلم إنهم لكاذبون.
لقد عفا الله عنك - يا محمد - في إذنك لهم، وكان ينبغي التريث لاختبار الصادق من الكاذب.
إنه لا يطلب الإذن لعدم الخروج للجهاد من يؤمن بالله واليوم الآخر، بل يطلبه المنافقون المبطلون.
ولو كانوا أرادوا الخروج معك بصدق لأخلصوا التأهب والاستعداد، ولكنَّ الله عَلِمَ
стр. 1855
كَذِبَ قلوبهم فَثَبَّط هممهم وأقعدهم مع القاعدين، من المرضى والنساء والصبيان والعجزة المعذورين.
إنهم لَو خرجوا معكم ما زادوكم - معشر المؤمنين - إلا فسادًا وتخذيلًا، ولأوقعوا بينكم بالنمائم والوشايات الكاذبة، يريدون إفساد صفوفكم، والله عليم بالظالمين.
فقوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾.
قال ابن جرير: (لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك، والمستأذنيك في ترك الخروج معك (١) إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه، ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾، يقول: غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ يقول: وموضعًا قريبًا سهلًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقتِ الحرّ، وزمان القَيْظ، وحين الحاجة إلى الكِنِّ).
وعن قتادة: (﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾، قال: هي غزوة تبوك).
وقوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، أي: لو لم تكن لنا أعذار لكنا قد خرجنا معكم واشتركنا في الجهاد. ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بسخط الله نتيجة الكذب والحلف بالله زورًا وبهتانا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إنهم يستطيعون).
وقال قتادة: (إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئَة من عند أنفسهم والشيطان، وزهادة في الخير).
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
عتاب من الله سبحانه لنبيه ﷺ أنه كان ينبغي أن يتريَّثَ قبل الإذن لهؤلاء المتخلفين في التخلف عن غزوة تبوك حتى يتبين له الصادق من الكاذب، وصاحب العذر الحقيقي من المدعي ذلك.
قال مورِّق: (﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾: عاتبه ربه).
وقال مجاهد: (ناس قالوا: استأذنوا رسول الله ﷺ ، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا).
стр. 1856
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
قال ابن عباس: (فهذا تعييرٌ للمنافقين حين استأذنوا في القُعود عن الجهاد من غير عُذْر، وعذَرَ الله المؤمنين فقال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]).
والآية في فضح بعض مسالك المنافقين في الاعتذار الكاذب لئلا يخرجوا إلى الجهاد والله عليم بمن خافه واتقاه وسارع إلى طاعته وامتثال أوامره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
أي: إنما يستأذنك - يا محمد - في القعود عن الجهاد - ممن لا عذر له - الذين لا يثقون بالله ولا يرجون ثوابه ورضوانه في الدار الآخرة، بل هم في شك وحيرة وريبة يتخبطون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
أي: ولو أرادوا الخروج معك - يا محمد - بصدق إلى الغزو لكانوا أخلصوا في التأهب والاستعداد، أمَا وقد كذبوا النية في ذلك فأبغض الله خروجهم فأخرهم وثبّط هممهم وعزائمهم وقيل اقعدوا مع المرضى والعجزة والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان المعذورين، فإنه من لم يؤيّده الله بالقوة والعزيمة والثبات فلا سبيل له إلى ذلك.
وقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾.
قال النسفي: (ما زادوكم بخروجهم معكم ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ إلا فسادًا وشرًا، والاستثناء متصل، لأن المعنى ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: "ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا" والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلًا لأن الخبال بعضه. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين).
وقال ابن جرير: ("ولأوضعوا بينكم"، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم).
стр. 1857
والمقصود: الإسراع ببث النمائم والفساد للإيقاع بينكم ونشر الدعايات الكاذبة لتخذيلكم وتثبيطكم.
قال الشهاب: (الإيضاع: إسراع سير الإبل). فشبه النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها.
قال القاسمي: (وأعلم أن قوله ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ مرسوم في الإمام (١) بألفين، لأن الفتحة كانت تكتب ألفًا قبل الخط العربي. والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا وفتحها ألفًا أخرى ونحوه ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]).
وقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، قال مجاهد: (يبطئونكم).
وقال ابن زيد: (يخذلونكم)، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، الكفر). والمقصود يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، وبإفساد نياتكم وعزائمكم.
وقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم).
وقال قتادة: (وفيكم من يسمع لهم) - وهو الأرجح من القول السابق.
قال ابن كثير: (﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير).
قال محمد بن إسحاق: (كان - فيما بلغني - من استأذن من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول والجدُّ بن قيس، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطهم الله، لعلمه بهم، أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. إخبار من الله تعالى عن علمه بسرائر المنافقين وما يبيتون، وبأعمال المجرمين والظالمين، وبما كان ويكون وسوف يكون، وبما لن يكون لكن إن قُدِّرَ وكان كيف سوف يكون.
وهذه الآية من قبيل هذا المعنى، فإنه قال في أولها: ﴿لَوْ خَرَجُوا
стр. 1858
فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، فأخبر كيف يكون من أمرهم لو خرجوا، ومع هذا ما خرجوا، وهذا كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قَدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألفَ سنة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح من حديث عبادة بن الصامت قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ أوَّلَ ما خلق الله القلمَ، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَرَ ما كان وما هو كائن إلى الأبد] (٢).
وله شاهد عند أبي يعلى والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون].
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).
стр. 1859
٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه نبيّه ﷺ محذّرًا سلوك هؤلاء المنافقين: إنهم منذ مقدمك المدينة لم يُفَوِّتوا فرصة لِلنَّيل منك ومن دينك ومن أصحابك، حتى أظهر الله الدين الحق وَقَوَّى شوكة المؤمنين.
ومنهم من يعتذر عن الخروج بادِّعَاءِ ساقط: وهو خشيته الوقوع بفتنة النساء، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة عن نفسه أعظم، ونار جهنم تحرق المكذبين المنافقين.
إنك إن تسعد - يا محمد - بنصر أو غنيمة تسؤهم، وإن تنزل بك نازلة يفرح هؤلاء بحذرهم.
فقل لهم - يا محمد -: إنه لن يصيبنا إلا ما قدّره الله لنا وهو سبحانه سيدنا وناصرنا وعليه يتوكل المؤمنون.
فقوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾.
قال ابن إسحاق: (ليخذِّلوا عنك أصحابك، ويردّوا عليك أمرك ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾).
والمقصود: أن هؤلاء أهل النفاق لم يفوِّتوا فرصة منذ مقدمك المدينة - يا محمد - إلا أفادوا منها في محاولة لكيدك وكيد أصحابك وخِذلان دينك، حتى أظهر الله الإسلام وأبطل الجاهلية، وكشف سبل المنافقين، وأعز أولياءه وخذل أعداءه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
стр. 1860
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. أي: ائذن لي في القعود والتخلف ولا تفتني بالخروج معك لعدم احتمال رؤية الجواري من نساء الروم، فأجابهم الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، أي بهذا القول قد سقطوا، فإن التكاليف والأوامر الشرعية متحملة ولو ظهر فيها مشقة، فغض البصر أمر شرعي، وقتال الكفار أمر شرعي، وكل التكاليف والأوامر الشرعية مستطاعة.
ذكر الشاطبي: في "الموافقات": (أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنها دفع للتكليف، وبيّن أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد، وبين أن العمل الواحد له طرفان وواسطة، فحيث يقول تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، كان هذا موضع شدة لأنه يقتضي ألا رخصة في التخلف أصلًا ولكنه محمول على أقصى الثقل الذي يمكن إتيانه).
أخرج الطبري في التفسير، وابن إسحاق في السيرة، من طريق عبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمرَ بن قتادة وغيرهم قالوا: (قال رسول الله ﷺ ذاتَ يوم، وهو في جهازِه، للجَدِّ بن قيس أخي بني سَلِمَةَ: "هل لك يا جَدُّ في جِلاد بني الأصفر"؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذنُ لي ولا تَفْتنِّي، فوالله لقد عَرَفَ قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًا بالنساءِ مِنّي، وإني أخشى إن رأيت نساءَ بني الأصفر ألّا أصْبِرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: "قد أَذِنْتُ لك".
ففي الجَدِّ بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. . .﴾ الآية، أي: إنما كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بِتَخلّفهِ عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم) (١).
وقد كان الجدّ بن قيس من أشرافِ بني سلمة، ويبدو أن الآية السابقة نزلت فيه، ولا شك أنها تنسحب على أمثاله.
أخرج الطبراني في "الكبير" من حديث كعب بن مالك: [أن رسول الله ﷺ قال لهم: من سيدكم يا بني سَلِمة؟ قالوا: الجَدُّ بن قيس، على أنا نُبَخِّلُهُ.