← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا شك أن آيات الله تشمل كلَّ حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أخبرت عن ربها. وقد بسطنا القول في معنى الكفر فيما مضى، وأن أصله التغطية على الشيء. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ من الصحبة، وهي الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما. قال القرطبي: (فإن كانت الملازمة والخُلطة فهي كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها). وقال النسفي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها ومستحقوها). ولا شك أن المراد بقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنهم أهل النار الذين لا يموتون فيها ولا يخرجون، ولا محيد لهم عنها ولا محيص. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة] (١). ٤٠ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾. في هذه الآيات: يوجه الله جل ثناؤه الخطاب إلى بني إسرائيل ويأمرهم بالدخول في الإسلام، ومتابعة النبي محمد ﵊، ويدعوهم إلى ذلك بنسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، فيذكرهم بذلك بعراقة نسب النبوة في تاريخهم، ويحذرهم مغبة مواجهة الوحي بالكفر والاستهزاء والعناد. وإسرائيل يعني عبد الله وصفوته من خلقه، فإن "إسرا" هو العبد، و"إيل" هو الله. قال ابن عباس: (إسرائيل كقولك: عبد الله). وقال عبد الله بن الحارث: ("إيل" الله بالعبرانية). وقال أبو جعفر: (كما قيل: "جبريل" بمعنى عبد الله).

стр. 212

قال الحافظ ابن كثير: (وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحقِّ. كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابنَ الشجاع، بارزِ الأبطال. يا ابن العالِم، اطلب العلم، ونحو ذلك). أخرج الطيالسي عن عبد الله بن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبيَّ الله ﷺ ، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوبُ؟ قالوا: اللهم نعم. فقال النبي ﷺ : اللهم فاشهد] (١). ولا شك أن هذا الخطاب من الله سبحانه لليهود إنما يتوجه أولًا لأحبارهم وعلمائهم، فهم قدوة أقوامهم وأسوتهم. فعن ابن عباس: (قوله: "يا بني إسرائيل"، قال: يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود). وقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فيه أقوال: ١ - عن ابن عباس قال: (أي آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه). ٢ - عن أبي العالية قال: (نعمتهُ أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب). ٣ - عن مجاهد قال: (يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل، فيما سمّى وفيما سوَى ذلك: فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون). ٤ - عن ابن زيد قال: (نعمه عامة، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام، والنعم بعدُ تبع لها، وقرأ قول الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وكلها أقوال تصب في حقيقة المعنى، ومفادها أن الله سبحانه يمتن على بني إسرائيل بما أحاطهم به من جميل نعمه وفضله كاصطفاء الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم، واستنقاذه إياهم مما نزل بهم من المصيبة من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم

стр. 213

في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فذكّر الذرية بِما تفضل به على الأجداد وحذرهم بذلك من دورة الزمن وحلول النقم. وهذا التذكير من محمد ﷺ لهم، نظير تذكير موسى ﵊ لأجدادهم. ففى التنزيل: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. العهد هو الميثاق، وهو ما أخذه الله عليهم في التوراة أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ من عند الله، وأنه الذي يجدونه مكتوبًا عندهم، وأن عليهم نصره واتباعه، وأن نتيجة ذلك الوفاء وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال في الدنيا وجنة الخلد في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي تفسير الآية أقوال متشابهة متقاربة ذكرها المفسرون: ١ - عن ابن عباس: (﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد إذا جاءكم، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، أي أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم). ٢ - عن أبي العالية قال: (عهدُه إلى عباده، دينُ الإسلام أن يتبعوه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني الجنة). ٣ - عن السدي قال: (أما ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، فما عهدت إليكم في الكتاب. وأما

стр. 214

﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فالجنة، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة). ٤ - عن ابن جريج قال: (ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] إلى آخر الآية. فهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم، وهو عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده). ٥ - عن الضحاك، عن ابن عباس: (يقول: أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي ﷺ وفي غيره، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، يقول: أَرْضَ عنكم وأدخلكم الجنة). ٦ - عن ابن زيد قال: (أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، قال: هذا عهده الذي عهده لهم). وكل هذه الأقوال تصب في المعنى المرأد من آفاق هذه الآية الكريمة. وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، من باب الترهيب بعد الترغيب، أي: وإياي فاخشوا، وإياي فاحذروا، ما أحللت بمن خالف أمري وكذب رسلي، وما أنزلت بالأمم السالفة من النِّقم. وقد جاء تفصيل ذلك في أقوال أئمة التفسير: ١ - عن ابن عباس: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره). ٢ - عن السدي وأبي العالية: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: وإياي فاخشون). والرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَة: الخوف. وقد جاء في صيغة الأمر ﴿فَارْهَبُونِ﴾ أي: خافون. ولا شك أنه أمر يتضمن معنى التهديد. ويجوز أن يكون التقدير: وإياي ارهبوا فارهبون، فيكون إيايَ منصوبًا بإضمار فعل، كما يجوز أن يكون التقدير: وأنا فارهبون على الابتداء والخبر. وقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. أمر الله اليهود بالإيمان بالقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، وأخبرهم سبحانه أن في

стр. 215

تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة، فإن التوراة تحفل بهذا الأمر كما يحفل به القرآن. قال مجاهد: (﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل). وقال أبو العالية: (يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقًا لما معكم. يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقوله ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الضمير في أنزلت، والتقدير: بما أنزلته مصدقًا، أو يكون حالًا من ما، والتقدير: آمنوا بالقرآن مصدقًا. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. فيه أكثر من تأويل حسب عودة الضمير في "به". وتفصيل ذلك: ١ - قيل الضمير يعود على محمد ﷺ . قال أبو العالية: (يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ ). ٢ - قيل بل الضمير يعود على القرآن. قال ابن جريج: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، بالقرآن). ٣ - وقيل بل الضمير يعود على التوراة: إذ تضمنها قوله ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾. قال بعضهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ يعني: بكتابكم. ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد ﷺ تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد ﷺ ). واختار ابن جرير أن الضمير في "بهِ" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾. وقال ابن كثير: (وكلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان، لأن من كفرَ بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن). قلت: بل الأقوال الثلاثة متلازمة، فالإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بمحمد ﷺ والإيمان بالتوراة، والكفر بالقرآن يعني الكفر بمحمد والكفر بالتوراة التي تأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.

стр. 216

وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. يعني به أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشَرٌ كثير. قال بعض المفسرين: (أول فريق كافر به). وقال ابن عباس: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم). فالمقصود بالخطاب هم أهل الكتاب الذين سمعوا بالنبي ﷺ وبمبعثه. وقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: عن أبي العالية قال: (يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا. قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدم، عَلِّمْ مجّانًا كما عُلِّمْتَ مَجَّانًا). التأويل الثاني: عن السدي قال: (يقول: لا تأخذوا طمعًا قليلًا وتكتموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع). التأويل الثالث: قال بعضهم: (معناه، لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللَّبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب). قال القرطبي: (وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم. فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرًا فقد دخل في مقتضى الآية. والله أعلم). قلت: وكل هذه المعاني مقصودة وداخلة في مفهوم قوله تعالى ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك: ١ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أولَ الناس يُقْضى يوم القيامة عليه، رجل استُشْهِد، فَأُتِيَ به فعرَّفَهُ نِعْمَتَه فَعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لأَنْ يُقالَ جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجلٌ تعلَّم العِلْمَ وعَلَّمه وقرأ القرآن، فأتيَ به، فعرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفها. قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلمْتُ العلمَ وعَلَّمْتُهُ وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ ولكنَّكَ

стр. 217

تعلمتَ العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقِيَ في النار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتِيَ به فعرَّفه نِعَمَهُ فَعَرَفها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تَركْتُ من سبيل تحِبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلا أَنْفَقْتُ فيها لك، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك فعلْتَ ليُقال هو جَوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه، ثم أُلقيَ في النار] (١). ٢ - أخرج أبو داود في السنن، بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من تَعَلَّمَ علمًا مما يُبتغى به وجْهُ الله، لا يتعلَّمه إلا ليصيبَ به عَرَضًا من الدنيا لم يُرَحْ رائحةَ الجنَّةَ يومَ القيامة]. وفي لفظ: [لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يوم القيامة] (٢) يعني ريحها. ٣ - أخرج الترمذي عن كعبِ بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء (٣)، ويصرفَ به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار] (٤). وله شاهد عن ابن ماجة من حديث ابن عمر بلفظ. [من طلب العلم ليُباهيَ به العلماءَ، أو ليماريَ به السفهاءَ، أو ليصرفَ به وجوهَ الناس إليه فهو في النار]. وشاهد آخر عند الحاكم وابن ماجة وابن حبان من حديث جابر بلفظ: [لا تعلموا العلمَ لِتُباهوا به العلماء، ولا تُماروا به السفهاءَ، ولا تَخَيَّروا (٥) به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار] (٦). ٤ - أخرج عبد الرزاق في المصَنَّف، والدارمي والحاكم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (كيف بكم إذا لَبِسَتْكُم فتنة، يربو فيها الصغير، ويهرَمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذُ سنة، فإن غُيِّرَتْ يومًا قيلَ: هذا منكر! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلَّتْ

стр. 218

أُمناؤُكم، وكثُرَت أمراؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرَت قراؤُكم، وتُفقِّهَ لغير الدين، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة) (١). قلت: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم فقد اختلف فيه. فذهب بعضهم إلى التحريم والمنع كالزُّهري وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله ﵇ في حديث ابن عباس - حديث الرُّقْيَة -: [إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله] (٢). قال القرطبي: (وهو نصٌّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه). وقال ابن كثير: (فأما تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله بأجرة، فإن لم يحصُل له منه شيءٌ، وقطعَهُ التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعيَّن عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء). والذي يرجح في المسألة أنه يجوز للمعلم العلم والقرآن أخذ الأجر والراتب لقاء التفرغ والانشغال بتعليم الناس، كما يجوز للإمام أخذ الراتب لقاء تفريغ وقته لإقامة الصلاة وخطبة الجمعة ودروس العلم في المسجد لا مقابل الصلاة وتلاوة القرآن. وقد يستشهد لذلك بما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال - في قصة المخطوبة -: [اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن] (٣). وفي لفظ: (زوجتكها بما معك من القرآن). أي يكون مهرها مقابل تعليمك لها ما معك من القرآن.

стр. 219

وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. قال طَلْق بن حبيب: (التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقابَ الله) ذكره ابن كثير من طريق أبي العالية. وقال سهل بن عبد الله: (قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال: موضع علمي السابق فيكم. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ قال: موضع المكر والاستدراج، لقول الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فما استثنى نبيًّا ولا صديقًا) ذكره القرطبي. وكأن المقصود أن التقوى تكون بعد العلم بالحلال والحرام ومواضع الزلل التي قد يُستدرج بها العبد، في حين الرهبة تكون بعد الإيمان وصدق اليقين. ولذلك جاءت العبارة في البحر لأبي حَيَّان بلفظ: (وقال سهل: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ موضع اليقين بمعرفته، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ موضع العلم السابق وموضع السكر والاستدراج). قال ابن جرير: (﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ يقول: فاتقون - في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن، وشرائكم بها القليل من العَرَض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيِّي - أن أُحِلَّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمات). ٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: الخطاب لليهود الذين كانوا يتعمدون تلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وإظهار الباطل، فنهاهم سبحانه عن الشيئين معًا وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به. وقد كان من لَبْسِ بعضهم إقراره بمحمد ﷺ وزعمه أنه مبعوث إلى غيرهم. ثم أمرهم سبحانه بمتابعة هذا النبي والصلاة معه في الجماعة ودفع زكاة أموالهم إليه. ثم حذرهم من التناقض في السلوك بأمر الناس بطاعة الله ومخالفة ذلك بأعمالهم. وتفصيل ذلك:

стр. 220

اللَّبْسُ في لغة العرب الخلط. قال الرازي: (لَبَسَ عليه الأمر خلط). ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وفي الأمر لُبْسَةٌ: أي شبهة، يعني ليس بواضح. وعن ابن عباس: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون). ومن أقوال أئمة التفسير في ذلك: ١ - عن ابن عباس: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب). ٢ - عن أبي العالية قال: (يقول: لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد ﷺ ). ٣ - عن مجاهد: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ قال: اليهودية والنصرانية بالإسلام). ٤ - عن ابن زيد: (﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، قال: الحقّ، التوراة الذي أنزل الله على موسى، والباطل الذي كتبوه بأيديهم). وكلها أقوال متقاربة في المعنى مفادها نَهْيُ بني إسرائيل عن كتمان الحق وإظهار الباطل. وقد حذّر الله أمة محمد ﷺ من تقليد اليهود في تلك الصفة المشينة، وفي ذلك أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١). وفي رواية لابن ماجة بلفظ: [ما من رجلٍ يحفظُ علمًا فيكتمهُ إلا أتى يوم القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].

стр. 221

الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عَمروٍ أن رسول الله ﷺ قال: [من كَتَمَ علمًا ألجمَهُ الله يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١). وله شاهد عن ابن عدي في الكامل بسند صحيح من حديث ابن مسعود ولفظه: [من كتم علمًا عن أهله، أُلجِمَ يوم القيامة لجامًا من نار]. الحديث الثالث: أخرج الطبراني في الأوسط، وأحمد في المسند، بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [مثلُ الذي يتعلَّمُ العلمَ ثم لا يحدِّث به، كمثل الذي يَكنِزُ الكنزَ ثم لا يُنْفِق منه] (٢). وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه تأويلان: التأويل الأول: نهاهم أن يكتموا الحق كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، والتقدير: ولا تكتموا الحق، فيكون معطوفًا على مجزوم، فهو مجزوم مثله. قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقول: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون). التأويل الثاني: قوله ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ خبرٌ منه سبحانه عنهم، وقد جاء منصوبًا بإضمار أن، والتقدير: لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه، أي وأن تكتموه. قال أبو العالية: (كتموا بعث محمد ﷺ ). وأما الحق الذي كتموه وهم يعلمونه فهو نبوة محمد ﷺ وإرساله إلى الناس كافة. وفي ذلك أقوال متكاملة: ١ - عن ابن عباس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقول: إنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، فنهاهم عن ذلك). ٢ - عن مجاهد قال: (يكتم أهل الكتاب محمدًا ﷺ ) وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). ٣ - عن السدي قال: (الحقُّ هو محمد ﷺ ).

стр. 222

٤ - عن أبي العالية قال: (كتموا بعثَ محمد ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم). والخلاصة: لقد حذّر الله سبحانه أحبار اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة من كتم أمر محمد ﷺ على الناس أو زعم أنه مبعوث إلى غيرهم، فإنهم يعلمون أنه مبعوث إلى الناس كافة ويجدون نعته وصفاته في كتبهم، ويقرؤون فيها عهد الله الذي أخذ عليهم بالإيمان به وتصديقه ونصره. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في محل نصب حال. قال ابن كثير: (ومعناه: وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لترؤجوه عليهم. والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال قتادة: (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فريضتان واجبتان، فأدوهما إلى الله). وذكر ابن جرير ﵀ أنه: (ذُكر أن أحبار اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا). فأمرهم بالصلاة مع النبي ﷺ ودفع زكاة أموالهم إليه. قال الحسن: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة). وقال ابن عباس: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ما يوجب الزكاة؟ قال: مئتان فصاعدًا). وروي عنه أنه قال: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص). والزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد. قال القرطبي: (وسُمِّيَ الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكَّي. قال: وقيل: أصلها الثناء الجميل، ومنه زكَّى القاضي الشاهد. فكأن من يُخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل. وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال: زكا فلان، أي طهر من دَنس الجَرْحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهّره من تبعة الحق الذي

стр. 223

جعل الله فيه للمساكين. ألا ترى أن النبي ﷺ سمّى ما يخرج من الزكاة أوساخَ الناس، وقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]) انتهى. وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أحوالهم ولا شك أن الصلاة من أخص ذلك. والركوع في لغة العرب الانحناء. ولا يكون إلا لله. وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ يفيد وجوب الجماعة عند كثير من العلماء، فإن "مَعَ" تقتضي المعية والجمعية، فكأنه أمرهم بقوله "مع" بشهود الجماعة. وقد حثت السنة الصحيحة على صلاة الجماعة وبينت أجرها وحذرت من تركها دون عذر. ونبدأ أولًا بأحاديث الترغيب: الحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة أحدِكُمْ وَحْدَهُ بِخمْسَةٍ وعِشْرين جُزءًا] (١). الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [تَفْضُلُ صلاةٌ في الجميع على صلاة الرجل وحْدَهُ خمْسًا وعِشرين درجة. قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]]. الحديث الثالث: روى مسلم كذلك عن ابن عمرَ أن رسول الله ﷺ قال: [صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجةً] (٢). وأما أحاديث الترهيب من ترك حضورها لمن سمع مناديها فقد مضى ذكر بعضها، وأذكر هنا ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: [أن رسول الله ﷺ فَقَدَ ناسًا في بعض الصلوات فقال: لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ رجُلًا يُصلي بالناس، وثم أخالفَ إلى رجال يتخلفون عنها، فآمُرَ بهم فيحرِّقُوا عليهم، بِحُزَمِ الحطب، بيوتَهم، ولو عَلِمَ أحدُهم أنه يجدُ

стр. 224

عظمًا سمينًا لشهِدَها. يعني صلاةَ العشاء] (١). وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. البر: هو كل طاعة لله . وهو لغة ضد العقوق. وفلان (يَبَرُّ) خالقه و (يتبرَّره) أي يُطيعه. وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي عن النَّوَّاس بن سَمْعانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهْتَ أن يطّلِعَ عليه الناسُ] (٢). وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي ثعلبة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفسُ، واطمأنَّ إليه القلبُ، والإثم ما لمْ وتسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المُفتون] (٣). وقد ورد في مفهوم البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يَأمُرون الناسَ به وينسون أنفسهم الأقوال التالية: ١ - عن ابن عباس قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعُهْدَةِ من التوراة وتتوكون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون مِيثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي). وعنه قال فيا أيضًا: (أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ ، وغير ذلك مما أُمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم)، ٢ - عن السدي قال: (كانوا يأمرون الناس بطاعة اللة وبِتقواه، وهم يعصونه). ٣ - عن قتادة قال: (كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون، فعيّرهم الله). ٤ - عن ابن جريج قال: (﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾، أهل الكتاب والمنافقون،

стр. 225

كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدَعون العملَ بما يأمرون به الناس، فعيَّرهم الله بذلك. فمن أمرَ بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة). وقال: (كان الأحبار يحضّون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي). ٥ - عن ابن زيد قال: (هؤلاء اليهود، كان إذا جاء الرجل يسألُهم ما ليس فيه حقٌّ ولا رِشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: (﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾). ٦ - وعن أبي قِلابَة، في قولِ الله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: (قال أبو الدرداء: لا يفْقَهُ الرجل كلَّ الفقه حتى يمقُتَ الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا). وكل هذه الأقوال متقاربُ المعنى مفادها توبيخ هذا التناقض في السلوك الذي كان يعيشه اليهود وأمثالهم من المنافقين من أمر الناس بطاعة الله ومخالفة ذلك بأعمالهم. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعني، بالكتاب التوراة). وأصل التلاوة في لغة العرب الاتباع. و (تَلَوْتُ) الرجلَ: تبعتُه، حكاه الرازي. قال القرطبي: (ولذلك استعمل في القراءة، لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتيَ على نَسَقه. يقال: تلوتُه إذا تبعته تُلُوًّا، وتلوت القرآن تلاوة). وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أفلا تفهمون؟ ينهاهم عن هذا الخلُق القبيح). وقال النسفي: (أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم). وأصل العَقْل في لغة العرب: المنع والحجر والنُّهى. ومنه عِقال البعير: لأنه يمنع عن الحركة، والعقل أيضًا: الدية، لأنه يمنع وليّ المقتول عن قتل الجاني. ومنه يقال للحصن: مَعْقِل. قال الشافعي. (العقل آلة التمييز). وؤال المحاسبي: (العقل أنوار وبصائر) أو قال: (العقل غريزة). وخلاصة المعنى: أفلا تفقهون وتفهمون قبح هذا التناقض المسلكي من أمركم الناس طماعة الله واجتناب معصيته ثم وقوعكم في حبائل ذلك.

стр. 226

قال الحافظ ابن كثير: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالِم، ولكن الواجب والأولى بالعالِم أن يفعله مع مَنْ أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. قلت: ولا يحول الوقوع والزلل دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذ كان الزلل والوقوع من العالِم لا يشبهه مثله من عامة الناس، فإن زلة العالم مضروب لها الطبل، ولكن إن حصل منه شيء من الزلل فلا يعني الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر). قال مالك: (وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟ ). قلت: بل إن استمرار العالم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعينه بإذن الله على النهوض من زلة الشيطان وضعف النفس، ويحمله ذلك المنهج على الخجل من الله سبحانه ومن نفسه فيسارع إلى ضبط أعمال لسانه وجوارحه وقلبه. وأما المذموم فهو منهج النفاق الذي اتخذه بعض القصاص والخطباء لهم سلوكًا وتشبهوا به بأحبار بني إسرائيل. ففي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أسامةَ بن زيدٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يُؤتى بالرجل يومَ القيامة فَيُلْقى في النار، فتندلق أقتابُ بطْنِه، فيدور بها كما يدور الحِمارُ بالرَّحى، فيجتمِعُ إليه أهل النار، فيقولون: يا فلانُ! ما لك؟ ألم تَكُنْ تأمُرُ بالمعروف وتنْهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه] (١).

стр. 227

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيقي في الشُّعب - واللفظ له - بسند حسن عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أتيتُ ليلة أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريضَ من نار، كلما قُرِضت وفَتْ، فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتِكَ الذينَ يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتابَ الله ولا يعملون به] (١). وفي لفظ أحمد: [مررت ليلة أسري بي على قوم تُقْرَضُ شفاههم بمقاريضَ من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني والبزار بسند جيد عن جندب بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [مثَلُ العالِم الذي يُعَلِّمُ الناس الخيرَ، ولا يعمل به (وفي رواية: وينسى نفسه)، كمثل السراج يضيء للناس، ويُحْرِقُ نَفْسَه] (٣). وأما الآثار في ذلك فكثيرة، منها: ١ - يروي ابن مَرْدَوَيه في تفسيره عن الضحاك، عن ابن عباس: (أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَحَ بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف]. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨]. أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك). ٢ - يروي الحافظ ابن كثير الدمشقي في تفسيره عن إبراهيم النَّخَعي قال: (إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله:

стр. 228

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقوله إخبارًا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾). ٣ - وقال أبو الأسود الدؤلي: لا تَنْهَ عن خُلُق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يُقْبَلُ إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم ٤ - وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيري الزاهد يومًا على مجلس التذكير فأطال السكوت، ثم أنشأ يقول: وغير تقِيٍّ يأمر الناس بالتُّقَى ... طبيبٌ يُداوي، والطبيب مريض قال: فضج الناس بالبكاء. وقال أبو العتاهية الشاعر: وصفت التقى حتى كأنك ذو تُقىً ... وريحُ الخطايا من ثيابك تسطَعُ ٥ - وقال سَلْمُ بن عمروٍ: ما أقبحَ التزهيدَ من واعظٍ ... يُزَهِّدُ الناس ولا يَزْهَدُ لو كان في تَزْهِيدِهِ صادقًا ... أضحى وأمسى بيته المسجدُ إن رَفَض الناسَ فما باله ... يستمنحُ الناسَ ويَسْتَرْفِدُ والرزقُ مقسومٌ على من ترى ... يسعى له الأبيض والأسودُ ٤٥ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. في هذه الآيات: يرشد الله جل ثناؤه عباده إلى الاستعانة على الوفاء بالعهد على طاعته - جل ذكره - واتباع أمره وأمر نبيّه ﷺ ، وترك ما تهواه النفس من حب الرياسة والشهوات والدنيا، بالصبر والصلاة، ويخبرهم أن ذلك ثقيل إلا على الخاشعين الخائفين من ربهم والوقوف بين يديه يوم القيامة. فإن الصبر في لغة العرب: الحبس. وقُتِل فلان صَبْرًا: أي أُمْسِكَ وحُبِسَ حتى

стр. 229

أتلف. قال الرازي: (الصَّبْرُ: حبس النفس عن الجَزَع). وقيل لشهر رمضان "شهر الصَّبر" لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا. وأما الصلاة ففيها تلاوة كتابِ الله الداعيةِ آياتُه إلى رفض الدنيا والتقلل منها والاستعداد للرحيل، والمسليةِ النفوسَ عن زينتها وغُروراها، المذكرة الآخِرةَ ونعيمها وجحيمها، فلا شك أن فيها أكبر عون على الثبات على طاعة الله، فإن أضيف إليها الصبر عن المعاصي وضغط الشهوات كان العون من الله أكبر. وفي ذلك أحاديث من السنة العطرة: الحديث الأول: في مسند الإمام أحمد وصحيح أبي داود بسند حسن عن حذيفة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَهُ أم صَلّى] (١). وفي لفظ: [فزع إلى الصلاة]. الحديث الثاني: في سنن أبي داود عن حذيفة قال: [رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يُصَلِّي، وكان إذا حزبه أمرٌ صلى] (٢). الحديث الثالث: في مسند أحمد وصحيح ابن حبان بسند حسن عن علي ﵁ يقول: [لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح] (٣). وأما الآثار فكثيرة، منها: ١ - يروي ابن جرير بسنده إلى عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: (أن ابنَ عباس نُعِيَ إليه أخوه قُثَم، وهو في سفر، فاسترجع. ثم تنخّى عن الطريق، فأناخ فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾). ٢ - وجاء في سير أعلام النبلاء عن وَهْب بن منبه أن عيسى ﵇ قال للحواريين: (أشدُّكم جزعًا على المصيبة، أشدّكم حُبًّا للدنيا).

стр. 230

٣ - عن ابن جريج في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: (إنهما معونَتان على رحمة الله). وقال أبو العالية: (يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله). ٤ - قال ابن القيم: (الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش. قال: وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر). ٥ - وسئل الجنيد عن الصبر؟ فقال: (تجرع المرارة من غير تعبس). وقيل: (هو تعويد النفس الهجوم على المكاره). وفيل: (هو الثبات مع الله، وتلقي بلاءه بالرحب والدعة). وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ أي: الصلاة. قاله مجاهد. وعن الضحاك: (﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده). وفي تفسير ﴿الْخَاشِعِينَ﴾ أقوال متقاربة: ١ - عن ابن عباس: (﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، يعني: المصدّقين بما أنزل الله). ٢ - عن أبي العالية: (قال: يعني الخائفين). ٣ - عن مجاهد: (قال: المؤمنين حقًّا). ٤ - قال ابن زيد: (الخشوع الخوف والخشية لله، وقرأ قول الله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾، قال: قد أذلها الخوف الذي نزل بهم، وخشعوا له). ٥ - قال مقاتل بن حيَّان: (﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، بعني المتواضعين). وأصل الخشوع في كلام العرب: الخضوع، وخشع ببصره أي غضّه. فالخشوع يضم في مفهومه التواضع والتذلل والاستكانة. قال ابن جرير: (فمعنى الآية: واستعينوا، أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفّها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقرِّبة مِن مَراضي الله، العظيمةِ إقامتُها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته).

стр. 231

ولا شك أن الآية تبقى عامة في بني إسرائيل وغيرهم، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾. الظن هنا بمعنى: اليقين، وله في كلام العرب شواهد كثيرة. قال ابن جرير: (إن العرب قد تسمي اليقين "ظنًّا"، نظيرَ تسميتهم الظُّلمة "سُدْفة"، والضياء "سُدْفَة"، والمغيث "صَارخًا"، والمستغيث "صارخًا"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيءَ وضدَّه. ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قولُ دُرَيد بن الصِّمَّة: فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّحٍ ... سَراتُهُمُ في الفارِسيِّ المُسَرَّدِ يعني بذلك: تيقَّنُوا ألفي مُدَجَّح تأتيكم. وقولُ عَمِيرة بن طارق: بأن تَغْتَزُوا قومي وأقعُدَ فيكُمُ ... وأجْعَلَ مني الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا يعني: وأجعل مني اليقين غيبًا مرجَّمًا). وفي التنزيل: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. أي: أيقنوا أنهم داخلوها. وقد جاء بذلك تفسير المفسرين: ١ - عن أبي العالية: (﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال: إن الظن هاهنا يقين). ٢ - عن مجاهد قال: (كل ظن في القرآن يقين، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾، ﴿وَظَنُّوا﴾). وقال أيضًا: (كل ظن في القرآن فهو عِلْم). ٣ - عن السدي: (أما ﴿يَظُنُّونَ﴾ فيستيقنون). ٤ - قال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، علموا أنهم ملاقو ربهم، هي كقول، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. يقول: علمت). ٥ - عن ابن زيد: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، قال: لأنهم لم يعاينوا، فكان ظنهم يقينًا، وليس ظنًّا في شك، وقرأ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾). وفي السنة الصحيحة ما يشهد على هذا المعنى: ففي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة، فيُقال له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأسُ وتَرْبَعُ، فكنت تظنَّ أنك

стр. 232

مُلاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١). وله شاهد في الصحيح: [أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوِّجكَ، ألم أكْرِمْكَ، ألم أُسَخِّرْ لك الخيل والإبل، وأذركَ تَرْأسُ وتَرْبع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أفظننت أنك ملاقِيّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني]. والآية من تمام الكلام الذي قبله، أي وإن الصلاة أو الوَصاةَ لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم. قال ابن كثير: (أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون، أي أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعْلُ الطاعات وترك المنكرات). وقال القرطبي: (ومعنى ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ جزاء ربّهم). وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. إقرار بالبعث والجزاء والعَرْض على الملك الأعلى. فالهاء والميم في ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ تعود على الخاشعين، والهاء في ﴿إِلَيْهِ﴾ ترجع إلى الرب تعالى. قال أبو العالية: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة). وقال آخرون: (معنى ذلك: أنهم إليه يرجعون بموتهم). واختار ابن جرير قول أبي العالية، وهو المفهوم من السياق، إذ الرجوع إليه سبحانه يكون بعد الموت وانتهاء حياة البرزخ والنشر والبعث. أخرج الحاكم من حديث معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تعلمونَ المعادَ إلى الله، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجساد لا تموت] (٢). ٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ

стр. 233

عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الله اليهود بين ظهراني رسول الله مذكرًا لهم سالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم، ثم محذرًا بطشه وحلول نقمته فيهم إن هم أغفلوا هذه النعم واتبعوا أهواءهم. وأما نعمه عليهم فكثيرة، منها: إرسال الرسل منهم، ومنها: إنزال الكتب عليهم وتفضيلهم على سائر الأمم من أهل زمانهم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. وقوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾. فيه أقوال متكاملة: ١ - عن قتادة قال: (فضلهم على عالم ذلك الزمان). ٢ - عن أبي العالية قال: (بما أُعْطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم مَنْ كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عَالمًا). ٣ - عن مجاهد قال: (على من هم بين ظَهْرانيه). قلت: ولا شك أن هذا التفضيل مرحلي يخص ذلك الزمان، وإلا فأمة محمد ﷺ أفضل منهم لقوله جل ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ويؤيد هذا ما روى ابن جرير بسنده عن ابن وهب قال: (سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردةُ، وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ

стр. 234

لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: هذه لمن أطاع الله، واتبع أمره، واجتنب محارمه). وفي المسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن معاوية بن حَيْدَة قال: قال رسول الله ﷺ : [أنتم تُوَفّونَ سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ] (١). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. تحذير من الله تعالى عباده المخاطبين بهذه الآية، والمقصود: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا. قال السدي: (أما ﴿تَجْزِي﴾، فتغني). فإن أصل الجزاء في لغة العرب: القضاء والتعويض. قال الرازي: ("جزى" عنه هذا أي قضى ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾). فالآية عطف على التذكير بالنعم، وذلك عن طريق التحذير من حلول النقم. فإن أكبر المصائب هو موقف الحساب بين يدي الله يوم القيامة، حيث لا يغني أحد عن أحد، ولا يقضي والد عن ولد. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، وهذا أبلغ المقامات: أن كلًّا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. وإنما القضاء بين الناس يوم القيامة بالحسنات والسيئات، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، وإنما تُقَوَّمُ الحقوق بما يكافئها من قيمة الثواب والعقاب. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك: ١ - أخرج البخاري فيِ كتاب الرقاق من صحيحه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: [من كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأخيه فليتحلَّلْهُ مِنها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درْهَمٌ مِنْ قَبْلِ

стр. 235

أَنْ يُؤْخَذَ لأخيه مِن حسناتِه، فإن لم يكُنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فَطُرِحت عليه] (١). ٢ - وأخرج البخاري فيه عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يَخْلُصُ المؤمنون من النار فيُحْبَسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالِمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا وَنُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدُهُم أهدى بِمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا] (٢). ٣ - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: [أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فينا من لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال: إن المفلسَ من أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه، قبلَ أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار] (٣). ٤ - أخرج الحاكم وابن ماجة وأحمد - واللفظ للحاكم - بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [من مات وعليه دين، فليس ثمَّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات] (٤). ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: [الدَّين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه، فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم] (٥). وله شاهد عند البيهقي من حديث أبي هريرة ولفظه: [من كانت عنده مَظْلَمةٌ لأخيه من عوضه أو ماله، فليؤدها إليه، قبل أن يأتي يوم القيامة لا يقبل فيه دينار ولا درهم،

стр. 236

إن كان له عمل صالح أُخذ منه، وأُعطي صاحبه، وإن لم يكن له عمل صالح، أُخِذَ من سيئات صاحبه فحملت عليه] (١). وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. الشفاعة في كلام العرب مصدر من شَفَعَ، والشَّفْعُ ضدُّ الوَتْر. و"استَشْفَعَهُ" إلى فلان سأله أن يشفع له إليه. قال أبو جعفر: (وإنما قيل للشفيع "شفيعٌ وشافع"، لأنه ثنَّى المستشفِعَ به فصار به شَفعًا، فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به في حاجته - فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبُه فيه وفي حاجته شفاعة). فالشفاعة طلب من المستشفِع في قضاء حاجته، وقد كذّب الله سبحانه بهذه الآية يهود الذين كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم سبحانه بأن نفسًا يومئذ لا تجزي عن نفس، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها، حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه. وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لَتُؤَدَّنَ الحقوقُ إلى أهلها يومَ القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء من الشاةِ القَرْناء] (٢). قال ابن جرير: (فآيسهم جل ثناؤه مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم، من النجاة من عذاب الله - مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق، وخلافِهم أمر الله في اتباع محمد ﷺ وما جاءهم به من عنده - بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم، وأخبرهم أنه غيرُ نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم، والإنابة من ضلالهم. وجعل ما سَنَّ فيهم من ذلك إمامًا لكل من كان على مِثل منهاجِهم، لئلا يطمعَ ذو إلحاد في رحمته). قلت: والآية خاصة بمن كفر بالله وخرج من الدنيا على ذلك وهو يظن أن تناله شفاعة يوم القيامة، وأما المؤمنون فقد تظاهرت الآيات والأحاديث النبوية الصحيحة على بلوغ الشفاعة إليهم فهم نائلوها بأحد أشكالها إن شاء الله تعالى. ففي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال: [أتاني آتٍ من عند ربي، فخيرني بين أن يدخلَ نصفَ أمتي الجنة، وبين

стр. 237

الشفاعة، فاخترت الشفاعةَ، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا] (١). وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ["إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي] (٢). قال ابن عمر: (ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من في نبينا ﷺ يقول: "إن الله ﵎ لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" قال: فإني أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة. فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا) (٣). وقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. العَدْل: ضد الجَوْر. والعرب تقول رَجُلٌ "عَدْلٌ" أي رِضًا ومَقْنَع في الشهادة. قال الرازي: (والعَدْل الفِدية ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: وإن تَفْد كلَّ فِداء. وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي: فِداء ذلك). وبنحو ذلك أخبر أهل العلم بالتفسير، كما يتضح من النقول التالية: ١ - عن أبي العالية: (﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، قال: يعني فداء). ٢ - عن السدي قال: (أما عَدل: فيعدلها، من العدْل. يقول لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقبِّل منها). وقال قتادة: (لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها). ٣ - وقال مجاهد: قال ابن عباس: (﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، قال: بَدَل، والبدل: الفدية). وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا سبيل لأحد إلى إنقاذهم من عذاب الله الذي حقّ عليهم، فلا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا ينصرهم ناصر من أنفسهم أو من غيرهم، ولا يقبل منهم فداء. قال ابن جرير: (بطلت هنالك المُحاباة، واضمحلت الرُّشَى والشفاعات، وارتفع

стр. 238

بين القوم التعاون والتناصر، وصار الحُكم إلى العَدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنُّصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]. قال الضحاك عن ابن عباس: (في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ ما لكم اليوم لا تُمانعونَ منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]. ٤٩ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. في هذه الآيات: يُذَكِّرُ الله سبحانه بني إسرائيل فَيُفَصِّلُ بعض ما أجمل مِنْ قبل في قوله تعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من فنون النعماء وألوان السراء. فإن ﴿وَإِذَ﴾ في موضع نصب عطف على ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. قال القاسمي: (أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم، أي آباءكم. فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم. والمراد بالآل، فرعون وأتباعه، فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه). وقال القرطبي: (أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوّكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد من سَلَفَ من الآباء، كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ أي حملنا آباءكم. وقيل: إنما قال: ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ لأن نجاة الآباء كانت سببًا لنجاة هؤلاء الموجودين. ومعنى "نجيناكم" ألقيناكم على نَجْوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها. هذا هو الأصل، ثم سُمِّيَ كل فائز ناجيًا. فالنّاجي مَن خرج من ضيق إلى سَعة).

стр. 239

وأصل "آل" في لغة العرب مختلف فيه: قال النحاس: (أصله أهل، ثم أبدل من الهاء ألفًا، فإن صغّرته رددته إلى أصله فقلت: أُهَيْل) وقال المهدَوي: (أصله أوْل). وقيل: أهل، قُلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفًا. وقال الكسائي: (وجمعه آلون، وتصغيره أُوَيْل). وقد ذهب ابن جرير إلى ما ذكره النحاس من أن أصل، "آل" أهل. قال: (وأحسن أماكن "آل" أن يُنْطَق به مع الأسماء المشهورة، مثلُ قولهم: آل النبي محمد ﷺ ، وآل علي، وآل عباس، وآل عَقِيل. وغيرٌ مُستحسن استعمالهُ مع المجهول). وقد تجاوز العرب النسبة في الآل إلى الأتباع، فآل فرعون قومه وأتباعه وأهل دينه. وكذلك آل الرسول ﷺ من هو على دينه وملته في زمانه ومن بعده، سواء كان نسيبًا له أو لم يكن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي آل دينه، فإن فرون لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخٌ ولا عَصَبَة. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ جِهارًا غَيْرَ سِرٍّ يقول: [ألا إن آل أبي يعني فلانًا، ليسوا لي بأولياء، إنما وَلِيِّيَّ اللهُ وصالح المؤمنين] (١). وفي لفظ: (ألا إن آل أبي فلان). قال النووي: (هذه الكناية هي من بعض الرواة، : خشي أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة ... قال القاضي عياض: قيل إن المكنى، عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص). وقد كان الحَكَمُ هذا من النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوْفى قال: [كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صلِّ عليهم. فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته، فقال: اللهم! صلِّ على آلِ أبي أوفى] (٢). وأما "فرعون" فهو اسم تسمى به ملوك عمالقة مصر، كما كانت ملوك الروم يسمّى

стр. 240

بعضهم "قيصر"، وبعضهم "هِرَقْل"، وكما كانت ملوك فارس تسمّى "الأكاسرة" واحدهم "كسرى"، وملوك اليمن تسمى "التبابعة" واحدهم "تُبَّع"، وكذلك واحد ملوك الحبشة: النجاشي. والعرب تقول: كل عاتٍ فرعون. والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي دهاء ونكر. وعند الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود ﵁ في مصرع أبي جهل يوم بدر- قال: [فلما وقف عليه ﷺ قال: هذا فرعون هذه الأمة] (١). وقوله "يسومونكم" أصله من السوم. والعرب تقول: سامه خسْفًا أي أولاه إياه وأراده عليه. وجملة "يسومونكم" في محل نصب حال، والتقدير: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب. وأما مفهوم اللفظ في الآية: ١ - قيل: المعنى يذيقونكم ويلزمونكم إياه. ذكره القرطبي. ٢ - قيل: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم. اختاره ابن جرير. وقال أبو عبيدة: (يولونكم). ٣ - وقيل: يديمون تعذيبكم. والسَّوْم: الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرَّعْي. قلت: وكل هذه المعاني يشملها اللفظ القرآني الجامع. وأما قوله ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني أشده وأسوأه. وفي تفصيل ذلك أقوال متكاملة: ١ - قال ابن إسحاق: (كان فرعون يعذِّبُ بني إسرائيل، فيجعلهم خَدَمًا وخَوَلًا، وصنَّفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصِنْفٌ يحرثُون، وصنف يَزرعون له، فهم في أعماله. ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله: فعليه الجزية - فسامهم - كما قال الله ، سوءَ العذاب).

стр. 241

٢ - قال السدي: (جعلهم في الأعمال القذرة، وجَعل يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم). ٣ - قيل: فسر العذاب هنا بذبح الأبناء، ذكره ابن كثير. وقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾. فيه عند المفسرين أقوال متقاربة: ١ - عن السدي قال: (كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْطَ وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر. فدعا السَّحَرة والكهنة والعَافَة والقافَةَ والحازَة فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرجُ من هذا البلد - يعنون بيت المقدس - رجلٌ يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تُركت، وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجًا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يَلُون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم. فذلك حين يقول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ - يقول: تَجَبَّر في الأرض - ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ - يعني: بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة - ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤]. فجعل لا يُولد لبني إسرائيل مولودٌ إلا ذُبح، فلا يكبر الصغير وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه، فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشِك أن يقع العمل على غلماننا! نذبح أبناءهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار! فلو أنك كنت تُبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها، وُلد هارون فترك. فلما كان في السنة التي يذبحون فيها، حملت بموسى). ٢ - عن ابن عباس قال: (قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهبُ بملكك، قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مئة رجل، وعلى كل مئة عشرة، وعلى كل عشرة رجلًا، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حَمْلَها فانظروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلُّوا عنها. وذلك قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾).

стр. 242

٣ - عن أبي العالية قال: (إن فرعون ملكهم أربع مئة سنة، فقالت الكهنة إنه سيولد العامَ بمصر غلامٌ يكون هلاكُكَ على يديه. فبعث في أهل مصر نساءً قوابل، فإذا ولدت امرأة غلامًا، أتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري). وفي رواية ابن إسحاق: (فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قَتَلتُنَّه. فكن يفعلن ذلك. وكان يذبحُ مَنْ فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذَّبن حتى يطرحنَ ما في بطونهن). ٤ - عن مجاهد قال: (لقد ذُكِرَ لي أنه كان ليأمُرُ بالقصب فَيُشَقّ حتى يُجعل أمثال الشِّفار، ثم يُصَفُّ بعضه إلى بعض، ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهنّ عليه، فيحزّ أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصَع بولَدها فيقع من بين رجليها، فتظل تطؤه تتّقي به حدَّ القصب عن رجلها، لِما بلغ من جَهدِها، حتى أسرف في ذلك وكاد يُفنيهم. فقيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل! وإنهم خَوَلك وعُمَّالك! فأمر أن يُقتل الغلمانُ عامًا ويُستحيوا عامًا. فوُلد هارون في السنة التي يُسْتَحْيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون). وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. أي: نعمة من ربكم كبيرة أعقبت الاختبار والمحنة. قال ابن عباس: (نعمة). وقال السدي: (أما البلاء فالنعمة). وقال مجاهد: (نعمة من ربكم عظيمة). وقال ابن جريج: (نعمة عظيمة). قال ابن جرير: (يعني: وفي الذي فعلنا بكم، من إنجائناكم -مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم- على ما وصفتُ - بلاءٌ لكم من ربكم عظيم. قال: وأصل "البلاء" - في كلام العرب - الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر. لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ثم تسمي العرب الخيرَ "بلاءً" والشر "بلاءً". قال: غير أن الأكثر في الشر أن يقال: "بلوته أبلوهُ بلاءً"، وفي الخير: "أبليْتُهُ أبْلِيه إبلاءً وبلاءً"، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: جزى الله بالإحسان ما فَعَلا بِكمْ ... وأبلاهُما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلو

стр. 243

فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النِّعم التي يختبر بها عبادَه) انتهى. وفي التنزيل أيضًا: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. قال أبو الهيثم: (البلاء يكون حسنًا ويكون سيئًا، وأصله المِحنة، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل للحسن بلاء، وللسَّيِّئ بلاء). والخلاصة في المسألة: ١ - قيل: الإشارة بـ "ذلكم" إلى التنجية، فيكون البا، ء على هذا في الخير، أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وهو اختيار ابن جرير. ٢ - قيل: بل الإشارة إلى الذبح. قال القرطبي: (وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان). قلت: ولا مانع من اشتمال اللفظ القرآني على المفهومين معًا على ما تم تفصيله من معنى البلاء. فائدة: لقد نسب الله تعالى الفعل في هذه الآية - من العذاب والذبح وغيره - إلى آل فرعون، مع أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك بأمر فرعون وسلطانه. قال الشافعي: (إذا أمر السلطان رجلًا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظُلمًا كان عليه وعلى الإمام القَوَد كقاتلَيْن معًا، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلمًا كان على الإمام القَود). قلت: ولا شك أن الواجب على المسلم التباعد من أهل الظلم حتى لا تناله سيئاتهم، فإن أهمل نفسه في صحبتهم فلربما أشركوه في آثامهم. أخرج أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا عُملِت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمنْ غاب عنها، ومنْ غاب عنها فرضِيَها كان كمن شهدَها] (١).

стр. 244

وقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾. معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، خرجتم مع موسى ﵇، فلحقكم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، ففرقنا بكم البحر. فالآية معطوفة على ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ التي قبلها. قال السدي: (لما أتى موسى البحر ... وضرَبه فانفلق، فكان كل فِرْق كالطَوْد العظيم، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقًا، في كل طريق سِبْط). وأصل الفَرْق في كلام العرب الفصل، ومنه فَرْق الشعر، ومنه الفرقان، لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل، ومنه سمي يوم بدر يوم الفرقان، لأن الله سبحانه فرق به بين الحق والباطل. قال القرطبي: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ "إذ" في موضع نصب. و"فَرَقْنا" فلقنا، فكان كل فِرق كالطوّد العظيم، أي الجبل العظيم). وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. يعني: أخرجناكم منه وكتبنا الغرق والشقاء على فرعون وملئه وأنتم تشهدون. أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [لما أغرق الله فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتَني وأنا آخِذٌ من حالِ البحر فأدسُّهُ في فيه، مخافةَ أن تُدركه الرحمةُ] (١). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: [قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة، فوجَدَ اليهود يصومون يوْمَ عاشوراء، فَسُئِلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي ﷺ : نحن أَوْلى بموسى منكم. فأمر بصَوْمه] (٢). وفي لفظ: [فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا هذا يوم

стр. 245

عظيم، (وفي رواية: هذا يوم صالح)، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى ﵁ قال: [كان أهلُ خَيْبَرَ يصومون يومَ عاشوراءَ، يتَخذونه عيدًا، ويُلبِسونَ نِساءَهم فيه حُلِيَّهُم وشَارَتَهُمْ، فقال رسول الله ﷺ : فصوموه أنتم] (٢). وأما تفصيل النجاة والغرق، ففي روايات المفسرين التالية: ١ - عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: (لقد ذُكر لي أنه خرج فرعونُ في طلب موسى على سبعين ألفًا من دُهْمِ الخيْل، سوى ما في جنده من شُهْب الخيل. وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه مُنصرَف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، أي للنجاة، وقد وعدني ذلك، ولا خُلف لوعْده). ٢ - عن ابن إسحاق قال: (أوحى الله إلى البحر -فيما ذُكر لي-: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضًا فَرَقًا من الله وانتظاره أمرَه. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سُلطان الله الذي أعصاه، فانفلق فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، أي كالجبل على نشَرٍ من الأرض. يقول الله لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ، سلك فيه موسى ببني إسرائيل وأتْبَعَهُ فرعون بجنوده). ٣ - عن ابن عباس قال: (أوحى الله جل وعز إلى مواسى أن أسر بعبادي ليلًا إنكم مُتَّبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائبل ليلًا، فاتّبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ست مئة ألف ... فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقًا، كل طريق كالطود العظيم .. ).

стр. 246

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْق الله البحر لكم، والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صيَّر لكم في البحر طريقًا يبسًا. وذلك كان، لا شك، نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علم). ٥١ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾. في هذه الآيات: ذكْرُ الله تعالى مواعدته نبيه موسى ﵇، وذكر إعطائه الكتاب والفرقان هدى لبني إسرائيل، وانتكاس بني إسرائيل في عبادة العجل وعفوه تعالى عنهم. قرأ القراء ﴿وَاعَدْنَا﴾ و"وَعَدْنا"، أما القراءة الثانية "وعَدْنا" فهي قراءة أبي عمرو، واختاره أبو عبيد. قال النحاس: (وقراءة "واعدنا" بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي). و"موسى" بالقبطية كلمتان يُعنى بهما: ماء وشجر. "فمو"، هو الماء، و"شا" هو الشجر. قال ابن جرير: (وإنما سمي بذلك - فيما بلغنا - لأن أمه لما جعلته في التابوت - حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليَمِّ، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيةَ امرأة فرعون يغتسلنَ، فوجدن التابوت فأخذنه. فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، وكان ذلك بمكان فيه ماء وشجر. فقيل موسى، ماء وشجر) ذكره عن السدي. وقال أبو جعفر: (وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق). وأما مفهوم الآية فيما ذكر أهل التفسير: ١ - عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، قال: يعني ذا القَعْدة وعشرًا من

стр. 247

ذي الحِجَّة. وذلك حين خلَّف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح - وكانت الألواح من بَرَد - فقربه الربّ إليه نجِيًّا وكلّمه ... ). ٢ - عن ابن إسحاق قال: (وعد الله موسى- حين أهلك فرعون وقومَه، ونجَّاه وقومَه - ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربِّه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. واستخلف موسى هارونَ على بني إسرائيل، وقال: إني متعجِّلٌ إلى ربي، فاخلفني في قومي ولا تتَّبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلًا لِلُقِيِّهِ شوقًا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامريّ، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به). ٣ - عن السدي قال: (انطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر). والخلاصة: كأن الله سبحانه يقول لبني إسرائيل: اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، إذ عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. قال القرطبي: (والأربعون في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة. وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعِدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فعدّوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يومًا وعشرين ليلة، وقالوا قد أخلفنا موعده. فاتخذوا العجل. وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنوا إلى قوله. ونهاهم هارون وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا فيما رُوي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف، فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال، ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون، وأحرق العجل وذراه في البحر، فشربوا من مائه حُبًّا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة وورِمَت بطونهم، فتابوا ولم تُقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لَدُن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، فقتل بعضهم بعضًا، لا يسأل والد عن ولده

стр. 248

ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد، كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله، حتى عجَّ موسى إلى الله صارخًا: يا ربّاه، قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله، فقبل توبةَ من بقي وجعل من قُتل في الشهداء). ثم قال: (إن قيل: لم خصّ الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال أبو العالية: (يعني: من بعد ما اتخذتم العجل). وقال ابن جرير: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى "لعل" في هذا الموضع معنى "كي". قال: فمعنى الكلام إذن: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلهًا، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللبّ والعقل). روى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفُرقة عذاب] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. المراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: الفصل بين الحق والباطل. والمعنى: (واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل إذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل). وتفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير: ١ - عن أبي العالية: (﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، قال: فَرَق به بين الحق والباطل).

стр. 249

٢ - قال مجاهد: (الكتاب هو الفُرقان، فرق بين الحق والباطل). ٣ - قال ابن عباس: (الفرقان جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفُرقان). ٤ - قال ابن زيد: (أما "الفرقان" الذي قال الله جل وعز: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فذلك يومُ بدر، يومَ فَرَق الله بين الحق والباطل، والقضاءُ الذي فرق بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلَّمه وأنجاه، فَرَق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد ﷺ وبين المشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون). وقال: (الفرقان انفراق البحر له حتى صارَ فِرَقًا فعبروا). ٥ - وقيل: (الفرقان الفرج من الكرب، لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: فرجًا ومخرجًا. ذكره القرطبي. ٦ - وقيل: (إنه الحجة والبيان) قاله ابن بحر. قلت: وتوجيه الآية إلى التوراة وما نعتت به من الفصل بين الحق والباطل أقرب للسياق وأنسب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير، والحافظ ابن كثير. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يعني: لكي تهتدوا بها - أي التوراة - وتمتثلوا الحق الذي جاء فيها، فقد جعلها الله كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها. ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. في هذه الآية: ما زال الخطاب لبني إسرائيل: واذكروا أيضًا قول موسى لقومه - حين ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل ربّا بعد فراق موسى إياهم - يأمرهم بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردّتهم، والتوبة إليه سبحانه مما ركبوه بقتل أنفسهم. وقد استجاب القوم وقاموا بما أُمروا. فإلى تفصيل ذلك من أقوال أهل التفسير: ١ - عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: ﴿فَاقْتُلُوا

стр. 250

أَنْفُسَكُمْ﴾، قال: (عَمَدوا إلى الخناجر فجعل يطعن بعضهم بعضًا). ٢ - عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: (قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتُل بعضهم بعضًا، لا يَحنُّ رجلٌ على رجل قريب ولا بعيد، حتى ألْوَى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فتكشَّفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي، فقد اكتفيت! فذلك حين ألوى بثوبه). ٣ - عن ابن عباس قال: (قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمر موسى قومَه - عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجْلوْا عن سبعين ألف قتيل، كلّ من قُتل منهم كانت له توبة، وكل من بقِيَ كانت له توبة). ٤ - عن السدي قال: (فَصَفُّوا صَفَّين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثُر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قُتل بينهم سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهرون: ربَّنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدًا، ومن بقي كان مكفَّرًا عنه. فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾). ٥ - قال ابن جريج: (وكان قتلُ بعضهم بعضًا: أن الله علم أن ناسًا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتُل بعضهم بعضًا). ٦ - عن ابن إسحاق قال: (لما رجع موسى إلى قومه - وأحرق العِجل وذرّاه في اليمّ وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا - سأل موسى ربَّه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبرُ لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عَبَدَ العجلَ أن يَقْتُلَ من عَبَدَه. فجلسوا بالأفنية، وأصْلتَ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وبَهِشَ إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف). ٧ - قال ابن زيد: (لما رجع موسى إلى قومه وكان سبعون رجلًا قد اعتزلوا مع
следующие страницы →