← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (فهذا تعييرٌ للمنافقين حين استأذنوا في القُعود عن الجهاد من غير عُذْر، وعذَرَ الله المؤمنين فقال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]). والآية في فضح بعض مسالك المنافقين في الاعتذار الكاذب لئلا يخرجوا إلى الجهاد والله عليم بمن خافه واتقاه وسارع إلى طاعته وامتثال أوامره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. أي: إنما يستأذنك - يا محمد - في القعود عن الجهاد - ممن لا عذر له - الذين لا يثقون بالله ولا يرجون ثوابه ورضوانه في الدار الآخرة، بل هم في شك وحيرة وريبة يتخبطون. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. أي: ولو أرادوا الخروج معك - يا محمد - بصدق إلى الغزو لكانوا أخلصوا في التأهب والاستعداد، أمَا وقد كذبوا النية في ذلك فأبغض الله خروجهم فأخرهم وثبّط هممهم وعزائمهم وقيل اقعدوا مع المرضى والعجزة والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان المعذورين، فإنه من لم يؤيّده الله بالقوة والعزيمة والثبات فلا سبيل له إلى ذلك. وقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾. قال النسفي: (ما زادوكم بخروجهم معكم ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ إلا فسادًا وشرًا، والاستثناء متصل، لأن المعنى ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا، والاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: "ما زادوكم خيرًا إلا خبالًا" والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من الشيء فكان استثناء متصلًا لأن الخبال بعضه. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين). وقال ابن جرير: ("ولأوضعوا بينكم"، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم).

стр. 1857

والمقصود: الإسراع ببث النمائم والفساد للإيقاع بينكم ونشر الدعايات الكاذبة لتخذيلكم وتثبيطكم. قال الشهاب: (الإيضاع: إسراع سير الإبل). فشبه النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها. قال القاسمي: (وأعلم أن قوله ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ مرسوم في الإمام (١) بألفين، لأن الفتحة كانت تكتب ألفًا قبل الخط العربي. والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا وفتحها ألفًا أخرى ونحوه ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]). وقوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، قال مجاهد: (يبطئونكم). وقال ابن زيد: (يخذلونكم)، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، الكفر). والمقصود يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، وبإفساد نياتكم وعزائمكم. وقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. قال مجاهد: (أي عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم). وقال قتادة: (وفيكم من يسمع لهم) - وهو الأرجح من القول السابق. قال ابن كثير: (﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير). قال محمد بن إسحاق: (كان - فيما بلغني - من استأذن من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول والجدُّ بن قيس، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطهم الله، لعلمه بهم، أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. إخبار من الله تعالى عن علمه بسرائر المنافقين وما يبيتون، وبأعمال المجرمين والظالمين، وبما كان ويكون وسوف يكون، وبما لن يكون لكن إن قُدِّرَ وكان كيف سوف يكون. وهذه الآية من قبيل هذا المعنى، فإنه قال في أولها: ﴿لَوْ خَرَجُوا

стр. 1858

فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، فأخبر كيف يكون من أمرهم لو خرجوا، ومع هذا ما خرجوا، وهذا كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قَدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألفَ سنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح من حديث عبادة بن الصامت قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ أوَّلَ ما خلق الله القلمَ، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَرَ ما كان وما هو كائن إلى الأبد] (٢). وله شاهد عند أبي يعلى والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون]. الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).

стр. 1859

٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الله سبحانه نبيّه ﷺ محذّرًا سلوك هؤلاء المنافقين: إنهم منذ مقدمك المدينة لم يُفَوِّتوا فرصة لِلنَّيل منك ومن دينك ومن أصحابك، حتى أظهر الله الدين الحق وَقَوَّى شوكة المؤمنين. ومنهم من يعتذر عن الخروج بادِّعَاءِ ساقط: وهو خشيته الوقوع بفتنة النساء، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة عن نفسه أعظم، ونار جهنم تحرق المكذبين المنافقين. إنك إن تسعد - يا محمد - بنصر أو غنيمة تسؤهم، وإن تنزل بك نازلة يفرح هؤلاء بحذرهم. فقل لهم - يا محمد -: إنه لن يصيبنا إلا ما قدّره الله لنا وهو سبحانه سيدنا وناصرنا وعليه يتوكل المؤمنون. فقوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾. قال ابن إسحاق: (ليخذِّلوا عنك أصحابك، ويردّوا عليك أمرك ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾). والمقصود: أن هؤلاء أهل النفاق لم يفوِّتوا فرصة منذ مقدمك المدينة - يا محمد - إلا أفادوا منها في محاولة لكيدك وكيد أصحابك وخِذلان دينك، حتى أظهر الله الإسلام وأبطل الجاهلية، وكشف سبل المنافقين، وأعز أولياءه وخذل أعداءه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.

стр. 1860

وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾. أي: ائذن لي في القعود والتخلف ولا تفتني بالخروج معك لعدم احتمال رؤية الجواري من نساء الروم، فأجابهم الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، أي بهذا القول قد سقطوا، فإن التكاليف والأوامر الشرعية متحملة ولو ظهر فيها مشقة، فغض البصر أمر شرعي، وقتال الكفار أمر شرعي، وكل التكاليف والأوامر الشرعية مستطاعة. ذكر الشاطبي: في "الموافقات": (أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنها دفع للتكليف، وبيّن أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد، وبين أن العمل الواحد له طرفان وواسطة، فحيث يقول تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، كان هذا موضع شدة لأنه يقتضي ألا رخصة في التخلف أصلًا ولكنه محمول على أقصى الثقل الذي يمكن إتيانه). أخرج الطبري في التفسير، وابن إسحاق في السيرة، من طريق عبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمرَ بن قتادة وغيرهم قالوا: (قال رسول الله ﷺ ذاتَ يوم، وهو في جهازِه، للجَدِّ بن قيس أخي بني سَلِمَةَ: "هل لك يا جَدُّ في جِلاد بني الأصفر"؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذنُ لي ولا تَفْتنِّي، فوالله لقد عَرَفَ قومي ما رجلٌ أشدّ عجبًا بالنساءِ مِنّي، وإني أخشى إن رأيت نساءَ بني الأصفر ألّا أصْبِرَ عنهنَّ. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: "قد أَذِنْتُ لك". ففي الجَدِّ بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. . .﴾ الآية، أي: إنما كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بِتَخلّفهِ عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم) (١). وقد كان الجدّ بن قيس من أشرافِ بني سلمة، ويبدو أن الآية السابقة نزلت فيه، ولا شك أنها تنسحب على أمثاله. أخرج الطبراني في "الكبير" من حديث كعب بن مالك: [أن رسول الله ﷺ قال لهم: من سيدكم يا بني سَلِمة؟ قالوا: الجَدُّ بن قيس، على أنا نُبَخِّلُهُ.

стр. 1861

فقال رسول الله ﷺ : وأيُّ داءٍ أَدْوَأُ من البخل؟ ! ولكن سَيّدكم الفتى الأبيض الجَعْدُ، بشرُ بن البراء بن مَعْرور] (١). وقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا محيدَ لهم عنها، ولا محيص ولا مَهْرب). وقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: إن تصبك في سفرك هذه الغزوة تبوك، ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، قال: الجدُّ وأصحابه). وقال قتادة: (إن كان فتح للمسلمين، كبر ذلك عليهم وساءَهم). وقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. قال ابن جرير: (وإن تصبك مصيبة بفلول جيشك فيها، يقول الجدَّ ونظراؤه: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: قد أخذنا حذَرنا بتخلّفنا عن محمد، وترك أتباعه إلى عدوه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: من قبل أن تصيبه هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾، يقول: ويرتدُّوا عن محمد وهم فرحون بما أصاب محمدًا وأصحابه من المصيبة، بفلول أصحابه وانهزامهم عنه، وقتل من قُتِلَ منهم). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. إرشادٌ من الله تعالى نبيّه ﷺ كيف يجيبُ خصومه في عداوتهم التامة وشكهم في نصر الله وفرجه: قل لهم - أيها المرتابون في دينهم - نحن تحت مشيئة الله وحكمه وأمره، لن يصيبنا إلا ما كتبه علينا في اللوح المحفوظ وقضاه لنا، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي ناصرنا وسيدنا وملجؤنا، ونحن متوكلون عليه واثقون بنصره وفرجه إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 1862

قال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب). وقال سهل: (التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد). قال شيخ الإسلام ﵀: (المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده). وقيل: (التوكل إسقاط التدبير) - يعني الإستسلام لتدبير الرب لك، وهذا في باب التجربة الابتلائية وليس في باب الأمر والنهي. وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أَنَبْتُ، وبك خاصَمْت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (١). ٥٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾. في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل - يا محمد - لهؤلاء المنافقين: هل ترقبون بنا إلا النصر أو الشهادة؟ ! فنحن ننتظر بكم نزول نقمة الله بكم بعذاب من عنده أو بأيدينا فانتظروا إنا منتظرون. إنكم لن ينفعكم الإنفاق في أي حال ما دمتم كفرتم بالوحي وأنكرتم النبوة، ثم سخرتم بالصلاة وأتيتموها كسالى ولا تنفقون إلا وأنتم كارهون.

стр. 1863

فلا تعجبك - يا محمد - أموالهم وأولادهم، فهي عقوبة الله لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا جزاء الكافرين. فقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾. أي: الظفر أو الشهادة. وعليه أقوال المفسرين: ١ - قال ابن عباس: (يقول فتح أو شهادة. وقال مرة أخرى: يقول: القتل، فهي الشهادة والحياة والرزق، وإمّا يخزيكم بأيدينا). وقال مرة أخرى: (يقول: قتل فيه الحياة والرزق، وإما أن يغلب فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا. وهو مثل قوله ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]). ٢ - وقال مجاهد: (القتل في سبيل الله، والظهور على أعدائه). ٣ - وقال قتادة: (﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، إلا فتحًا أو قتلًا في سبيل الله). وقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾. قال قتادة: (أي قتل). وقال ابن جرير: (يقول: ونحن ننتظر بكم أن يصيبكم الله بعقوبة من عنده عاجلة، تهلككم، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، فنقتلكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾، يقول: فانتظروا إنا معكم منتظرون ما الله فاعل بنا، وما إليه صائر أمر كلِّ فريق منّا ومنكم). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. أي: لن ينفعكم الإنفاق على أي حال وأنتم في شك من دينكم، وإنكارٍ لِنُبوة نبيكم، وجهل بالله تعالى وثوابه وعقابه، فإنكم كنتم قومًا خارجين عن الإيمان واليقين بربكم ولقائه ومعاده. وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال، قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بها] (١). وفي رواية: [إن الكافر إذا عمل حسنة أُطْعِمَ بها طُعمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].

стр. 1864

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. أي: إنما حَجَبَ نفقاتهم على القبول عند الله إبطان الكفر والاستهزاء بالدين والرسول والوحي، ويظهر ذلك بمجاملتهم في الصلاة فيأتونها متثاقلين، وكذلك لا ينفقون نفقة إلا وهم كارهون. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أيها الناس! إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء يا رب يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك] (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. قال قتادة: (هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة). وقال الحسن: (﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: بزكاتها، والنفقة منها في سبيل الله) - وهو اختيار شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥, ٥٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى

стр. 1865

لهم وأشد لعذابهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه). وفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١). ٥٦ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى المنافقين لعباده المؤمنين، أنهم يحلفون بالله كذبًا أنهم معكم في الدين والإيمان، وإنما هم يتسترون بذلك خوف القتل والخذلان. إنهم لو يجدون محرزًا لفروا إليه منكم مسرعين. ومنهم - يا محمد - من يعيب عليك في قَسْمك الصدقات فإن حظوا منها بحظ وافر أظهروا الرضى، وإن لم يحظوا بما يرضيهم أظهروا السخط والغضب. ولو رضي هؤلاء المنافقون قسمة الله ورسوله لهم واستعانوا بالله على مزيد من الرضا والعطاء لكان خيرًا لهم ولكنهم قوم مذبذبون منافقون مخذولون. فقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. أي: يحلف هؤلاء المنافقون كذبًا خوفًا منكم بأنهم منكم في الدين والملة وليسوا كذلك، بل إنهم قوم يبطنون التكذيب والنفاق، إنما حملهم على الحلف الخوف من القتل.

стр. 1866

قال القرطبي: (والفَرَق الخوف، أي يخافون أن يظهروا ما هم عليه فيقتلوا). وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾. قال ابن عباس: (الملجأ: الحِرْز في الجبال، والمغارات: الغِيران في الجبال، والمدّخل: السَّرَب). وقال أيضًا: (﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾، يقول: ذهابًا في الأرض، وهو النفق في الأرض، وهو السَّرَب). وقال مجاهد: (﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾، قال: محرزًا لهم، لفرّوا إليه منكم). قلت: والغيران جمع مَغَارة، من غار الرجل في الشيء إذا دخل فيه، والملجأ: الحصن، والمُدَّخل: المَسْلك نختفي بالدخول فيه كالنفق والسرب وغيره. والمعنى: يود المنافقون أن لا يخالطوا المؤمنين كراهية رؤية نصرهم وعزهم، حتى لو سلكوا في حصن أو مغارات أو أنفاق تحجبهم عن رؤية عز الإسلام ورفعة جنده، لولجوا ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي يسرعون في مَشيْهم. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. أي: ومن المنافقين من يعيب عليك - يا محمد - في قسمك الصدقات، فإن حظوا منها بحظ وافر أظهروا الرضى وإن كان غير ذلك أظهروا السخط والغضب. قال قتادة: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يقول: ومنهم من يَطْعَنُ عليك في الصدقات). أي يعيب عليك فيها. وقال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون قالوا: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثرُ بها إلا هواه). أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [بينما نحنُ عند رسول الله ﷺ وهو يقْسِمُ قَسْمًا إذ أتاه ذُو الخُوَيْصِرَة وهو رجُلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدِلْ، فقال: وَيْلَكَ، ومن يَعْدِلُ إذا لم أَعْدِلْ؟ قد خِبْتُ وخَسِرْتُ إنْ لم أكُنْ أعْدِلُ، فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرِبَ عُنُقَهُ، فقال: دَعْهُ فإن له أَصْحابًا يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتَهُ مع صلاتِهم، وصيامَهُ مع صيامهِم،

стр. 1867

يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقِيَهمْ، يمرقون من الدين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيّة، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ فلا يوجدُ فيه شيءٌ، ثم يُنْظر إلى رِصَافِهِ فما يوجد فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ - وهو قِدْحُهُ - فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم يُنْظَرُ إلى قُذَذِهِ فلا يوجَدُ فيه شيءٌ، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُم رجلٌ أسود إحدى عَضُدَيه مِثْلُ ثَدْي المرأة أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويخرجونَ على حين فُرْقَةٍ من الناس. قال أبو سعيد: فأشْهَدُ أنّي سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أنَّ عليَّ بن أبي طالب قاتَلَهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرَّجلِ فالتُمِسَ فَأُتِيَ به، حتى نظرت إليه، على نعت النبي ﷺ الذي نَعَتَهُ. قال: فنزلت فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ أي: لو رضي هؤلاء الذين نافقوا ما قسم الله لهم ورسوله من عطاء، وقالوا: كافينا الله، سيعطينا الله من فضل خزائنه، وكذلك رسوله من الصدقة وغيرها، فإننا نرغب إلى الله في التوسعة علينا وفي بسط رزقه لنا حيث نستغني عن الصدقة والناس. قال النسفي: (جواب "لو" محذوف تقديره: ولو أنهم رضوا لكان خيرًا لهم، والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا، سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا رسول الله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم إنا إلى الله في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون). ٦٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾. في هذه الآية: بيان من الله تعالى لمصارف الزكاة بعد فضح المنافقين في سلوكهم ولمزهم.

стр. 1868

قال ابن كثير: (لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولَّى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين). هل يجب استيعاب هذه الأصناف؟ قال ابن كثير: (وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية، هل يجب استيعاب الدفع إليها أو إلى من أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة. والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران). قال ابن جرير: (وهو قول عامة أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ها هنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء). فإلى تفصيل مصارف الزكاة كما بيّنَها الله ﵎: ١ - قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾. الفقير: هو المحتاج الذي لا يجد ما يكفيه. أخرج ابن ماجه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تَحِلُّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيّ] (١). المِرّة: القوة والشدة، والمقصود صحيح البدن يحتمل التعب، و"سوي" أي سليم الأعضاء. وفي صحيح سنن أبي داود عن عُبيد الله بن عدي: [أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فَقَلّب فيهما بصره، فرآهما جَلْدَين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب] (٢).

стр. 1869

٢ - قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾. المسكين: أسوأ حالًا من الفقير. كما ذهب أبو حنيفة ﵀، وهذا قريب. فالمسكين يتعفف عن السؤال بعكس الفقير، وقد دلت النصوص على ذلك: ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : [ليس المسكينُ بهذا الطوَّافِ الذي يطوف على الناس، فتَردّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان. قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجدُ غِنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فيتصدَّقُ عليه، ولا يسأل الناس شيئًا] (١). وأخرج الطبراني والحاكم بسند حسن عن أبي سعيد: أحبوا المساكين، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول في دعائه: [اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين] (٢). قال البيهقي - كما ذكر الحافظ في "التلخيص" ص ٢٧٥ - : (ووجهه عندي أنه لم يسأل حال المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات والتواضع). ٣ - قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. العاملون عليها: هم الجباة والسعاة يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة. ففي صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن عباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة فقال: [إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس] (٣).

стр. 1870

قلت: وهذا الحكم خاص في حياة النبي ﷺ لأمرين اثنين: الأول: أن النبي ﷺ كان يعرف آله وأهله. والثاني: أنه ﷺ كان يكفي بني هاشم في حياته مقابل منع قبول الصدقة عنهم. وأما اليوم فلا حجة بكلام بعضهم أنه من آل بيت النبي ﷺ فلا تحل له الصدقة لأمرين اثنين: الأول: ربما لا يكون في التحقيق من آل بيته ﷺ . والثاني: لقد غاب النبي ﷺ حيث كان يكفيهم. ٤ - قوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. المؤلفة قلوبهم أصناف: أ - منهم من يعطى من الزكاة ليسلم. ب - ومنهم من يعطى منها ليحسن إسلامه ويثبت قلبه. ج - ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه. د - ومنهم من يعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. ففي صحيح مسلم عن ابن شهاب قال: [غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بِحُنَيْن، فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مئة من النّعَم، ثم مئة، ثم مئة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح - وفي لفظ: فما زال - يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] (١). وأعطى يوم حنين جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم: مئة من الإبل، ليحسن إسلامهم وتثبت قلوبهم. وقال - كما يروي البخاري عن سعد بن أبي وقاص -: [إني لأُعطي الرجل وغيرهُ

стр. 1871

أحبُّ إليّ منه، خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم] (١). وفي الصحيحين عن أبي سعيد: [أن عليًا بعث إلى النبي ﷺ بِذُهَيْبَةٍ في تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيينة بن بدر، وعلقمة بن عُلاثة، وزَيد الخير، وقال: أتألفهم] (٢). ٥ - قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. ذكر الحسن البصري وسعيد بن جبير: (أنهم المكاتَبون). وهو مذهب الشافعي والليث. وقال ابن عباس: (لا بأس أن تُعتَقَ الرقبة من الزكاة) - أي إنَّ الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا -، وهو مذهب مالك وأحمد. وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله منه بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجَهُ بفرجِه] (٣). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [ثلاثة حق على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتَبُ الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف] (٤). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد ورجاله ثقات عن البراء قال: [جاء رجل فقال: يا رسول الله، دُلَّني على عَمَلٍ يُقَرِّبُني من الجنة ويباعدني عن النار. فقال:

стр. 1872

أعتق النَسمة وفُكَّ الرقبة. فقال: يا رسول الله، أوليسا واحدًا؟ قال: لا، عِتْقُ النَّسَمة أن تُفْرَدَ بعتقها، وفك الرقبة أن تُعين في ثمنها] (١). ٦ - قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. الغارمون أنواع: أ - منهم من تحمل حمالة. ب - أو ضمن دينًا فلزمه فأجحف بماله. ج - أو غرم في أداء دينه. د - أو غرم في معصية ثم تاب. والأصل في هذا حديث قَبيصةَ بن مُخارِق الهِلالِيِّ - رواه مسلم في صحيحه - قال: [تحمَّلْتُ حَمَالَةً، فأتيتُ رسول الله ﷺ : أسألُهُ فيها، فقال: أقمْ حتى تأتِيَنا الصدقةُ، فنأمُرَ لك بها. قال: ثم قال: يا قبيصةُ، إن المسألة لا تَحِلُّ إلا لأحدِ ثلاثةٍ، رجلٌ تحمّلَ حَمَالَةً فَحَلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يُمْسِك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله، فحلّت له المسألة حتى يُصيبَ قِوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه، فيقولون: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ فحلَّتْ له المسألة، حتى يصيب قِوامًا من عيش - أو قال: سَدادًا من عيش - فما سواهُنَّ من المسألة يا قبيصة! سُحْتًا يأكلها صاحِبُها سُحْتًا] (٢). "حمالة": المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين. وقوله: "سُحْتًا" أي اعتقده سحتًا أو يُؤكلُ سحتًا، والسحت: الحرام. وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: [لا تحل المسألة إلا لثلاث: لذي فقر مُدْقِع، أو لذي غُرْمٍ مُفْظِع، أو لذي دم موجع] (٣).

стр. 1873

- وقوله: "مدقع": أي شديد - أي ملصق صاحبه بالدقعاء - وهي الأرض لا نبات فيها. - وقوله: "مفظع": أي شديد شنيع مجاوز للحد. - وقوله: "لذي دم موجع": أي يتحمل دية عن قريبه القاتل أو صديقه ليدفعها لأولياء المقتول، والتي إن لم يدفعها قتل صاحبه القاتل الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه. ٧ - قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هذا السهم يشتمل على نوعين اثنين: أ - الغزاة - أي في الجهاد - الذين لا حق لهم في الديوان. ب - الحج هو من سبيل الله - وهو قول أحمد -. وتفصيل ذلك من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى لغني] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس - وابن أبي شيبة واللفظ له، والطبراني عن طلق بن حبيب البصري أن أبا طُليق حدثهم: [أن امرأته أم طُليق أتته فقالت له: حضر الحج يا أبا طُليق! وكان له جمل وناقة، يحج على الناقة، ويغزو على الجمل، فسألته أن يعطيها الجمل تحج عليه؟ فقال: ألم تعلمي أني حبسته في سبيل الله؟ - وفي رواية: ذاك حبيس في سبيل الله . قالت: إن الحج من سبيل الله، فأعطنيه يرحمك الله! قال: ما أريد أن أعطيَك. قالت: فأعطني ناقتك وحجَّ أنت على الجمل. قال: لا أوثِرك بها على نفسي. قالت: فأعطني من نفقتك. قال: ما عندي فضل عني وعن عيالي ما أخرج به وما أترك لكم. قالت: إنك لو أعطيتني أخلفكها الله. قال: فلما أَبَيْتُ عليها قالت: فإذا أتيت رسول الله ﷺ فَأقْرِئْهُ مني السلام، وأخبره بالذي قلت لك. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأقرأته منها السلام وأخبَرْتُهُ بالذي قالت أمُّ طليق. قال: صَدَقَتْ أمُّ طُلَيْقٍ، لو أعْطَيْتَها الجمل كان في سبيل الله. (وفي رواية: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله). ولو أعطيتها

стр. 1874

ناقتك كانت وكنت في سبيل الله، ولو أعطيتَها من نَفَقَتِكَ أخْلَفَكَها الله] (١). ٨ - قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وهو المسافر انقطع ببلد السفر وإن كان غنيًا في بلده، فيعطى ما يكفيه إلى بلده. قال الحافظ ابن كثير: (وكذلك ابن السبيل: وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعينُ به على سفره، فَيُعْطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال. هذا الحكمُ فيمن أراد إنشاءَ سفر من بلده وليس معه شيءٌ، فيُعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه). وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤُه: قَسْمٌ قَسَمَهُ الله لهم، فأوجبه في أموال أهل الأموال لهم). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي عليم بمصالح عباده ودقائق أمور حياتهم وظروفهم وبظواهر الأمور وبواطنها، حكيم في تشريعه لهم وقسمته زكاة أموالهم ومصارفها وفي قوله وفعله وقَدَره. ٦١ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن بعض المنافقين الذين يؤذون رسول الله ﷺ

стр. 1875

ويعيبونه ويزعمون أنه أذن سامعة يسمع من كل أحد ويصدقه ويقبل منه، فكذبهم الله وأخبر أن نبيّه ﷺ أذن خير لا أذن شر، فهو يسمع ولا يقبل إلا من المؤمنين، فيؤمن بالله ويصدق المؤمنين، وقد جعله الله رحمة لمن صدقه واتبعه، وقد توعد الله المنافقين على إيذائهم رسول الله ﷺ وتكذيبهم العذاب الأليم. إنهم - معشر المؤمنين - يتكلمون بالمطاعن ويتخلفون عن الجهاد - أي المنافقون- ثم يعتذرون إليكم لترضوا عنهم والله ورسوله أحق بذلك لو كانوا مؤمنين. ألم يعلموا سوء عاقبة مخالفة الله ورسوله أنه العذاب الموجع في نار جهنم وذلك الخزي العظيم. يحذر المنافقون نزول سورة أو آية من القرآن تفضح ما في قلوبهم وتكشف سرائرهم أمام المؤمنين، فقال الله لهم: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ فإن الله سيفضح أمركم ويكشف بواطنكم ويطلع المؤمنين على ما في قلوبكم، فإن هذه السورة هي "الفاضحة". فقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾. قال مجاهد: (نقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدقنا). قال ابن كثير: (يقول تعالى: ومن المنافقين قومٌ يؤذون رسول الله ﷺ بالكلام فيه ويقولون: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: من قال له شيئًا صَدَّقه، ومن حدّثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس، ومجاهد وقتادة). وقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرّ). وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس: (يعني: يؤمن بالله، ويصدق المؤمنين). وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾. أي جعله الله رحمة لمن آمن به وتابعه وصدقه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، توعد لهؤلاء المنافقين سوء العذاب مقابل إيذائهم رسول الله ﷺ وبسطهم القول فيه بالعيب والتنقص. وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 1876

قال الزمخشري: (الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون مَعاذِيرهُم بالحلف ليعذروهم، ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾. أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون مغبة مخالفة أمر الله ورسوله أنه الخزي في نار جهنم خالدين فيها. قال أبو السعود: (والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من العظيمة، مع علمهم بسوء عاقبتها). والمحاددة من الحدّ، قال الليث: (حاددته أي خالفته، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من "الحدّ"، بمعنى الجهة والجانب، كما أن المشاقّة كان "الشق" بمعناه أيضًا، فإن كل واحد من المتخالفين والمتعاديَيْن في حدّ وشق، غير ما عليه صاحبه). وقال القاسمي: (فمعنى ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ يصير في حدٍّ غير حدِّ أولياء الله، بالمخالفة). وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. قال مجاهد: (يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا). والمقصود: يخشى المنافقون أن تَنْزِلَ فيهم سورة تظهر المؤمنين على ما في قلوبهم وتفضحهم، فأخزاهم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، فأظهر سبحانه أمرهم وكشف ما في قلوبهم وفضحهم. قال قتادة: (كانت تسمّى هذه السورة: "الفاضِحة"، فاضحة المنافقين). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ

стр. 1877

لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩, ٣٠]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]. ٦٥ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن المنافقين في سخريتهم من بعض المؤمنين، فإن سألتهم عن سبب هذا السلوك الساخر منهم لقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، فانتصر الله لأوليائه منهم مخبرًا أن السخرية من المؤمنين هي استهزاء بالله وآياته ورسوله، وأن الاستهزاء بشيء من الدين كفر، وأنه إن يُعْفَ عن التائبين فإنّه لا يُعفى عن المصرين المستكبرين. إن المنافقين والمنافقات بعضهم أولياء بعض، قد تواصوا بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل والشح، وقد نسوا حق الله عليهم فخذلهم ربهم وأكثرهم فاسقون. ثم يوم القيامة يحشرهم مع الكفار في نار جهنم خالدين فيها مطرودين من رحمة الله في عذاب مقيم. فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. أخرج ابن أبي حاتم ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: [قال رجل

стр. 1878

في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء لا أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسنة ولا أجبنَ عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بِحَقَبِ ناقة رسول الله ﷺ تنكبُهُ الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾] (١). زاد ابن جرير في رواية: (﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية). وقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. أي بما صدر منكم من قول واستهزاء. وقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، قال ابن كثير: (أي: لا يُعْفَى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم). وقال النسفي: (﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ بتوبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين منه). أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (٢). قال الزمخشري: ("ويل لأقماع القول": وهم الذين يستمعون ولا يعون) - فهو مَجَاز -. والأقماع: جمع قِمْع، وهو الإناء يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع. قال الألباني: (شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع). وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن لشواهده، من حديث جرير

стр. 1879

يقول: قال رسول الله ﷺ : [من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يَغْفِر لا يُغفر له، ومن لا يتب لا يتب عليه] (١). وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان، واستبطانهم الكفر). وقال القرطبي: (أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدّين). وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، أي يأمرون بالكفر والعصيان، وينهون عن الطاعة والإيمان. وقوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال مجاهد: (لا يبسطونها بنفقة في حق). وقال قتادة: (لا يبسطونها بخير). أو قال: (يقبضون أيديهم عن كل خير). والمقصود: قبض أيديهم عن الإنفاق في الجهاد وفي سبيل الله وفي أبواب الخير والبر. وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. قال قتادة: (نُسوا من الخير، ولم ينسوا من الشرّ). والمقصود: تركوا طاعة الله واتباع رسوله، فخذلهم الله عن توفيقه وهدايته وعنايته. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن سبيل الهدى والحق، الغارقون في طريق المعصية والضلال. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وعيد شديد ينتظر المنافقين مع الكفار في دركات جهنم خالدين فيها.

стр. 1880

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. أي: النار موعد المنافقين والمنافقات والكفار مقابل تمردهم في الكفر وانسلاخهم عن كل خير، وهي كفايتهم في العذاب إضافة إلى الطرد واللعن في عذاب مستمر. قال النسفي: (﴿حَسْبُهُمْ﴾ فيه دلالة على عظم عذابها وأنه بحيث لا يزاد عليه. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ وأهانهم مع التعذيب وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والظاهر المخالف للباطن خوفًا من المسلمين وما يحذرونه أبدًا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (١). وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سِجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢). ٦٩ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ

стр. 1881

بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾. في هذه الآيات: تشبيه الله تعالى حال هؤلاء المنافقين بحال من مضى على منهاجهم في الأمم قبلهم، أصابهم عذاب الله لما تمادوا رغم ما كانوا عليه من البأس والقوة ووفرة الأموال والأولاد، فكُلٌّ أَخَذَ نصيبه من متاع هذه الدنيا والخوض بالكذب والباطل ومحاربة منهاج النبوة، حتى بطلت الأعمال وحَقّت كلمة العذاب والخسارة. ألم يكن لهؤلاء المنافقين الذين اختاروا إسرار الكفر والمكر برسول الله والمؤمنين عبرة في خبر الأمم الماضية من قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم لوط حين كذبوا رسلهم وتمادوا بالباطل والمنكر، فدكهم الله بالهلاك والعذاب، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فقوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أي من الأمم الماضية، ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، أي أصابهم عذاب الله لما طغوا واستهزؤوا رغم القوة والعدد والعتاد، وكثرة الأموال والأولاد. قال عكرمة: قال ابن عباس: (ما أشبه الليلة بالبارحة! ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، هؤلاء بنو إسرائيل، شَبَّهَنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده، لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه). وقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾. قال الحسن البصري: (بدينهم). وقال ابن جرير: (يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضًا من نصيبهم في الآخرة. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾. قال: وقد سلكتم، أيها المنافقون، سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم. يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم، كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم، الذين أهلكتهم بخلاف أمري، ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾، يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾، في الكذب والباطل على الله، ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، يقول: وخضتم أنتم أيضًا، أيها المنافقون، كخوض تلك الأمم قبلكم). وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال ابن كثير: (أي: بطلت مَساعيهم، فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة).

стр. 1882

وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. أي: صفقة الآخرة لفساد التجارة والبضاعة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: [لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قبلكم شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضَبٍّ لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال النبي ﷺ : فَمَنْ؟ ] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره وزاد: قال أبو هريرة: [اقرؤوا إن شئتم القرآن: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ - قال أبو هريرة: الخَلاقُ: الدين - ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [لا تقوم الساعة حتى تأخذَ أمتي بأخْذِ القرون قبلها شِبرًا بشَبْر، وذِراعًا بِذراعٍ. فقيل: يا رسول الله، كفارسَ والروم؟ فقال: ومن الناسُ إلا أولئك] (٣). الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [لتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم، وحتى لو أنّ أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم] (٤). وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾. يَعِظُ الله تعالى المنافقين الذين اختاروا إسرار الكفر بالله ورسوله ومعاداة المؤمنين:

стр. 1883

ألم يكن لهم في خبر الأمم الماضية عبرة إذ اختاروا البغي والطغيان وتكذيب الرسل فدكّهم عذاب الله وأليم عقابه. فقوم نوح أصابهم الغرق، وقوم عاد أهلكوا بالريح حين كذبوا نبيهم هودًا ﷺ ، وثمود أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا ﵊ وعقروا الناقة، وقوم إبراهيم حين نصره الله عليهم وأهلك ملكهم النمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني، وأصحاب مدين: وهم قوم شعيب ﷺ أصابتهم الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾. قال قتادة: (قوم لوط، انقلبت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها). قال ابن كثير: (قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، أي الأمم المؤتفكة، وقيل: أم قراهم، وهي "سدوم". والغرض: أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطًا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين). وقال النسفي: (﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ مدائن قوم لوط، وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر). وقوله: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أي: كل هذه الأقوام التي مضت جَاءتها حجج الله البالغة، ودلالات الوحي القاطعة، فأقام الله عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، فما ظلمهم سبحانه، ولكن كانوا هم الظالمين بعنادهم وكبرهم واستهزائهم حتى صبحهم الهلاك والدّمار. ٧١ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾. في هذه الآيات: تَزْكِيَةٌ من الله تعالى لصفات المؤمنين في مُغايرتها لِنُعوت

стр. 1884

المنافقين: فالمؤمنون والمؤمنات كالأُسْرَةِ الواحدة في التناصر والتعاضد يتواصون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحرصون على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة ربهم ورسوله، أولئك تنالهم رحمته تعالى إنه عزيز حكيم. لقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات الخلود في الجنات، لهم فيها مساكن طيبة وتجري من تحتها الأنهار، ويحظون فيها بأكبر وأجَلّ النعم: رضوان الله عليهم، وذلك هو الفوز العظيم. فقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. بيان لصفات المؤمنين المحمودة، بعد ذكر نعوت أولئك المنافقين المقيتة، فهم يتناصرون ويتعاضدون لإقامة الدين، فالولاء بينهم والبراء من أعدائهم. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: [المُسْلم أخو المُسْلِم، لا يَظْلِمُهُ وِلا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فَرَّج عن مسلم كُرْبَةً فَرَّج الله عنه كُربَةً من كُرُبات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا، وشبك بين أصابعه] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [المُسْلِمُ أخو المُسْلِم لا يخونه ولا يكذِبُهُ ولا يخذُلُهُ، كل المسلم على

стр. 1885

المسلم حرامٌ عِرْضُهُ ومالُهُ ودَمُهُ، التقوى ها هنا، بِحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يَحْقِرَ أخاه المسلم] (١). وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال أبو العالية: (كل ما ذكره الله في القرآن من "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فالأمر بالمعروف، دعاء من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر، النهي عن عبادة الأوثان والشياطين). وفي التنزيل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وفي سنن الترمذي بسند حسن عن حذيفة بن اليمان: عن النبي ﷺ قال: [والذي نفسي بيده، لتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أوْ ليوشِكَنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعُنَّهُ فلا يستجيب لكم] (٢). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، قال: الصلوات الخمس). قال القرطبي: (وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة). وقال ابن عطية: (والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرائض). وقال ابن جرير: (﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فيأتمرون لأمر الله ورسوله، وينتهون عما نهياهم عنه). وقوله: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. قال النسفي: (السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد). وقال القرطبي: (والسين في قوله: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ مُدْخِلَةٌ في الوعد مُهْلَةً لتكون

стр. 1886

النفوس تنعم برجائه، وفضلهُ تعالى زعيمٌ بالإنجاز). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي ﴿عَزِيزٌ﴾ من أطاعه أعزّه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله، ﵎. وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾. أي: وعد الله الذين صدقوا الإيمان بالله ورسوله بساتين إقامة تجري تحت أشجارها الأنهار، لا يزولون عنها، وفيها مساكن طيبة هي منازل المؤمنين يسكنونها، حسنة البناء، طيبة القرار، قصور وغرف، في جنات عدن. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: [جنّتان من فِضة آنيتُهما وما فيهما، وجنّتان من ذَهَبٍ آنيتُهما وما فيهما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكِبْرِ على وجهه في جنة عدن] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي عِمْران الجَوْنيّ عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: [إن في الجنة خَيْمَةً مِنْ لُؤلؤةٍ مُجَوَّفة، عرضُها سِتُّون مِيلًا، في كل زاويةٍ منها أهل ما يَرَوْنَ الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصامَ رمضان، فإن حقًا على الله أن يدخِلَهُ الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جَلَسَ في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول الله، أفلا نُخْبِرُ الناس؟ قال: إن في الجنة مئة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، بين

стр. 1887

كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن] (١). الحديث الرابع: أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهلَ الجنة يَتَراءَوْنَ أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءَوْن الكوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين] (٢). الحديث الخامس: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: [إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام] (٣). وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: إن رضا الرحمن هو أكبر نعمة ينعم بها المؤمنون يوم القيامة، وهي فوق كل نعمة ولذة رأوها أو عاشوها في الدنيا والآخرة. أخرج الحاكم بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوقَ ما أعطيتنا؟ فيول: رضواني أكبر] (٤). وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيّكَ ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقكَ؟

стр. 1888

فيقول: أنا أعطيكم أفضلَ من ذلك، قالوا: يا ربِّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا] (١). ٧٣ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى نبيّه ﷺ بإعلان الحرب الشديدة على الكفار والمنافقين فهم أهل النار. إنهم يحلفون بالله كذبًا ما نطقوا كلمة كفر وهم في حقيقة الأمر منغمسون في الكفر والمكر بدين الله ورسوله، وما للرسول عندهم من ذنب إلا أن الله سبحانه أغناهم بسببه، فإن يتداركوا أنفسهم بالتوبة فهو خير لهم، وإن يصروا على الكبر والإعراض ينزل بهم عذاب الله في الدنيا ثم في الآخرة، وليس لهم في الأرض من يُنْقِذهم من بأس الله أو يدفع عنهم ما كتب عليهم من الخزي والهلاك. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. دعوة من الله سبحانه لنبيه ﷺ بمجاهدة الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فإنهم أهل النار. قال ابن عباس: (فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهبَ الرفق عنهم). وقال الضحاك: (يقول: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم). وعن الحسن: (قال: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود، أقم عليهم حدود الله). والحقُّ أنه لا فرق بين الفريقين في مفهوم الآية، وكل ذلك يرجع إلى الإمام، كما

стр. 1889

قال ابن مسعود: من أنّ الله أمر نبيَّه ﷺ من جهاد المنافقين بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين، وهو اختيار شيخ المفسرين - ابن جرير ﵀. فإذا أظهر المنافقون نفاقهم أو طعنهم في الدين فإنهم يجاهدون بالسيوف. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الغِلظ: نقيض الرأفة، وهي شدة القلب على إحلال الأمر بصاحبه. وقال: ومعنى الغِلظُ خشونة الجانب، فهي ضدّ قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح). وقال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، يقول: ومساكنهم جهنم، وهي مثواهم ومأواهم، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، يقول: وبئس المكان الذي يُصار إليه جهنم). وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾. إخبار من الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبًا عن كلمةِ كُفْرٍ تلفظوا بها وتشدقوا بذكرها أنهم ما قالوها. قال النسفي: (﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام، وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد، لأنه قال: وكفروا بعد إسلامهم). وأما تأويل قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، أي: من إطفاء نور الله بشكل من الأشكال، ومحاولة قتل النبي ﷺ أو التخلص منه بأي طريقة فأخزاهم الله. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن أبي الطُّفيل قال: [لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إنّ رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخُذها أحد. فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة ويسوقه عَمّار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا وهو يسوق رسول الله ﷺ ، وأقبل عمار ﵁ يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قَدْ، قَدْ". حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط نزل ورجع عمار، فقال: يا عمار، هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم.

стр. 1890

قال: أرادوا أن يُنَفّرُوا برسول الله ﷺ راحلته فيطرحوه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي الطفيل قال: [كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرَّة فمشى فقال: إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذ] (٢). وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن كثير: (أي: وما للرسول عندهم ذنبٌ إلا أن الله أغناهم ببركته ويُمْن سِفارته، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به). وقوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. أي: هذا باب التوبة قد فتحه الله لهم ودعاهم إليه فإن يستعتبوا كان خيرًا لهم، وإن يصروا ويستمروا على طريقهم نالهم عذاب في الدنيا بالقتل والهم والغم، وعذاب في الآخرة بالجحيم والهوان والصَّغار. ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، أي: وليس لهم في الأرض من يُنْجِدُهم أو يَدْفَعُ عنهم ما كتبَ الله عليهم من الخزي والهلاك. ٧٥ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا

стр. 1891

كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ الله طائفة من المنافقين كانوا عاهدوا الله على البذل إن أغناهم وأن يكونوا من الصالحين. فلما آتاهم سبحانه من فضله نكلوا وخانوا العهد ومضوا وهم معرضون. فعاقبهم الله تعالى بختم قلوبهم بالنفاق إلى يوم يلقونه ليكونوا من الخاسرين. ألم يعلموا أن سرائرهم وعلانيتهم مكشوفة لِعَلّام الغيوب رب العالمين! . فقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إخبار من الله تعالى عن طائفة من المنافقين كانوا قد أعطوا الله عهدهم وميثاقهم لئن أغناهم الله ليبذلن المال في الصدقات والقربات. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال النسفي: (بإخراج الصدقة). وقال القاسمي: (أي بإعطاء كل ذي حق حقه). قلت: والصلاح يشمل أكثر من ذلك، فينسحب إلى كل أعمال البر والتقوى. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي: فلما أغناهم الله من فضله كذبوا العهد وخانوا ميثاقهم وأظهروا الشح والبخل ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي: مصرون على الإعراض والإنكار. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. أي: فأعقبهم الله ببخلهم وشحهم وصنيعهم هذا في الخيانة ونقض العهد إطفاءً لنور قلوبهم، ونفاقًا سكن في أعماقها إلى يوم يلقونه . قال ابن جرير: (﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾، من الصدقة والنفقة في سبيله، ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، في قيلهم، وحَرَمهم التوبة منه، لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه إلى يوم يلقونه، وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا). وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر صفات المنافقين في أحاديث، منها:

стр. 1892

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [آية المنافق ثلاث (١): إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: [أربع مَنْ كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالصًا، وَمَنْ كانت فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّث كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَر] (٣). وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين). وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي ما غاب عن العباد وما ظهر وما بطن وكل سرٍّ ونجوى. ٧٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. في هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن صفة أخرى في نعت هؤلاء المنافقين، فإنه لا يَسْلَمُ أحد من عيبهم ولمزهم، فإنْ بذل المتصدق وسعه وجاء بمال قليل قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، وإن أعانه الله على بذل الجزيل والوفير اتهموه بالرياء وسخروا

стр. 1893

منه كما سخروا ممن قبله، والله تعالى في حقيقة الأمر هو يسخر من سلوكهم وأفعالهم وقد توعدهم على هذا الاستهتار العذاب الأليم. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: [لما نزلت آية الصدقة كنا نُحَامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقالوا: مُرَائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا - أو قال: عن صاع هذا - فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية] (١). ٨٠. قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. في هذه الآية: إخبار من الله تعالى لنبيه ﷺ إن هؤلاء المنافقين لن ينفعهم الاستغفار، إذ ليسوا له أهلًا، وأنه لو استغفر لهم ﵊ ولو سبعين مرة ما كان الله ليغفر لهم بما ركبوا من الكفر بالله ورسوله، وأصروا على التمرد والخروج عن طاعة الله سبحانه. قال ابن جرير: (وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم، يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم). ٨١ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ

стр. 1894

وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾. في هذه الآيات: ذمٌ من الله تعالى للمنافقين في تخلفهم عن ركب النبي ﷺ وصحابته ومسيرهم إلى تبوك، وفرحهم بمقعدهم في الظلال والثمار بعد خروجه، وخبره عنهم باعتذارهم عن الخروج بسبب شدة الحر، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : قل لهم - يا محمد - نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون ويعقلون. فليضحكوا في هذه الدنيا قليلًا فإنهم سيبكون في الآخرة كثيرًا مقابل ما كانوا يكسبون. فإن ردّك الله - يا محمد - من غزوتك هذه واستأذنك هؤلاء المنافقون مرة أخرى للخروج معك فلا تقبل منهم، فإنهم قد رضوا التخلف عنك أول مرة فليقعدوا مع المتخلفين. وحذار أن تصلي على ميت منهم أو تقوم على قبره، فإنهم عاشوا على الكفر والمكر والنفاق وماتوا فاسقين. ولا تبهرك أموالهم وأولادهم، فهي عذاب الله عليهم في الدنيا بما فتنتهم عن إقامة الدين، وحسرة عليهم في الآخرة توردهم الجحيم. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحرُّ الشديد، ولا نستطيع الخروجَ، فلا تنفر في الحرّ! فقال الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، فأمره الله بالخروج). وعن قتادة: (في قوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال: هي غزوة تبوك). وعن ابن إسحاق قال: (ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله ﷺ بالجهاد، وأجمع السير إلى تبوك، علي شدة الحرّ وجدب البلاد. يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾). وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال:

стр. 1895

فُصِّلَت عليهن بتسعة وستين جُزءًا كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها] (١). وفي لفظ: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم. قال: فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهن مثل حرِّها]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [أهونُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعل بنعلين يغلي منهما دماغه]. وفي لفظ في الصحيحين من طريق النعمان بن بشير: [إن أهونَ أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يَرى أن أحدًا أشَدُّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [اشْتَكَتْ النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ! أَكَلَ بَعْضي بَعْضًا. فجعل لها نَفَسَيْن: نَفَس في الشتاء ونفَس في الصيف. فَشِدَّةُ ما تجدون مِن البَرْدِ، من زَمْهَريرها. وشِدَّةُ ما تجدون من الحرِّ، مِنْ سَمُومها] (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال ابن عباس: (هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا. يقول الله ﵎: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، في النار).
следующие страницы →