← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ الله طائفة من المنافقين كانوا عاهدوا الله على البذل إن أغناهم وأن يكونوا من الصالحين. فلما آتاهم سبحانه من فضله نكلوا وخانوا العهد ومضوا وهم معرضون. فعاقبهم الله تعالى بختم قلوبهم بالنفاق إلى يوم يلقونه ليكونوا من الخاسرين. ألم يعلموا أن سرائرهم وعلانيتهم مكشوفة لِعَلّام الغيوب رب العالمين! . فقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. إخبار من الله تعالى عن طائفة من المنافقين كانوا قد أعطوا الله عهدهم وميثاقهم لئن أغناهم الله ليبذلن المال في الصدقات والقربات. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال النسفي: (بإخراج الصدقة). وقال القاسمي: (أي بإعطاء كل ذي حق حقه). قلت: والصلاح يشمل أكثر من ذلك، فينسحب إلى كل أعمال البر والتقوى. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي: فلما أغناهم الله من فضله كذبوا العهد وخانوا ميثاقهم وأظهروا الشح والبخل ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي: مصرون على الإعراض والإنكار. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. أي: فأعقبهم الله ببخلهم وشحهم وصنيعهم هذا في الخيانة ونقض العهد إطفاءً لنور قلوبهم، ونفاقًا سكن في أعماقها إلى يوم يلقونه . قال ابن جرير: (﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾، من الصدقة والنفقة في سبيله، ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، في قيلهم، وحَرَمهم التوبة منه، لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه إلى يوم يلقونه، وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا). وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر صفات المنافقين في أحاديث، منها:

стр. 1892

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [آية المنافق ثلاث (١): إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا اؤْتُمِنَ خان] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: [أربع مَنْ كُنَّ فيه كان مُنافقًا خالصًا، وَمَنْ كانت فيه خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانت فيه خَصْلَةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّث كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فَجَر] (٣). وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين). وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي ما غاب عن العباد وما ظهر وما بطن وكل سرٍّ ونجوى. ٧٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. في هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن صفة أخرى في نعت هؤلاء المنافقين، فإنه لا يَسْلَمُ أحد من عيبهم ولمزهم، فإنْ بذل المتصدق وسعه وجاء بمال قليل قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، وإن أعانه الله على بذل الجزيل والوفير اتهموه بالرياء وسخروا

стр. 1893

منه كما سخروا ممن قبله، والله تعالى في حقيقة الأمر هو يسخر من سلوكهم وأفعالهم وقد توعدهم على هذا الاستهتار العذاب الأليم. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن أبي مسعود ﵁ قال: [لما نزلت آية الصدقة كنا نُحَامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقالوا: مُرَائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا - أو قال: عن صاع هذا - فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية] (١). ٨٠. قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. في هذه الآية: إخبار من الله تعالى لنبيه ﷺ إن هؤلاء المنافقين لن ينفعهم الاستغفار، إذ ليسوا له أهلًا، وأنه لو استغفر لهم ﵊ ولو سبعين مرة ما كان الله ليغفر لهم بما ركبوا من الكفر بالله ورسوله، وأصروا على التمرد والخروج عن طاعة الله سبحانه. قال ابن جرير: (وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم، يا محمد، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم). ٨١ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ

стр. 1894

وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾. في هذه الآيات: ذمٌ من الله تعالى للمنافقين في تخلفهم عن ركب النبي ﷺ وصحابته ومسيرهم إلى تبوك، وفرحهم بمقعدهم في الظلال والثمار بعد خروجه، وخبره عنهم باعتذارهم عن الخروج بسبب شدة الحر، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : قل لهم - يا محمد - نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون ويعقلون. فليضحكوا في هذه الدنيا قليلًا فإنهم سيبكون في الآخرة كثيرًا مقابل ما كانوا يكسبون. فإن ردّك الله - يا محمد - من غزوتك هذه واستأذنك هؤلاء المنافقون مرة أخرى للخروج معك فلا تقبل منهم، فإنهم قد رضوا التخلف عنك أول مرة فليقعدوا مع المتخلفين. وحذار أن تصلي على ميت منهم أو تقوم على قبره، فإنهم عاشوا على الكفر والمكر والنفاق وماتوا فاسقين. ولا تبهرك أموالهم وأولادهم، فهي عذاب الله عليهم في الدنيا بما فتنتهم عن إقامة الدين، وحسرة عليهم في الآخرة توردهم الجحيم. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحرُّ الشديد، ولا نستطيع الخروجَ، فلا تنفر في الحرّ! فقال الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، فأمره الله بالخروج). وعن قتادة: (في قوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال: هي غزوة تبوك). وعن ابن إسحاق قال: (ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله ﷺ بالجهاد، وأجمع السير إلى تبوك، علي شدة الحرّ وجدب البلاد. يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾). وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال:

стр. 1895

فُصِّلَت عليهن بتسعة وستين جُزءًا كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها] (١). وفي لفظ: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم. قال: فإنها فَضَلَتْ عليها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهن مثل حرِّها]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [أهونُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعل بنعلين يغلي منهما دماغه]. وفي لفظ في الصحيحين من طريق النعمان بن بشير: [إن أهونَ أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يَرى أن أحدًا أشَدُّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [اشْتَكَتْ النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ! أَكَلَ بَعْضي بَعْضًا. فجعل لها نَفَسَيْن: نَفَس في الشتاء ونفَس في الصيف. فَشِدَّةُ ما تجدون مِن البَرْدِ، من زَمْهَريرها. وشِدَّةُ ما تجدون من الحرِّ، مِنْ سَمُومها] (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال ابن عباس: (هم المنافقون والكفار، الذين اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا. يقول الله ﵎: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، في الدنيا، ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، في النار).

стр. 1896

وقال أبو رزين: (﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾، قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع. فذلك الكثير). أخرج الحاكم بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن أهل النار ليَبْكُون، حتى لو أُجْريت السفن في دموعهم جَرَت، وإنهم ليبكون الدم] (١). ورواه في شرح السنة عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجِيَتْ فيها لجرت]. "أزجيت" أي: أرسلت. وله شاهد عند ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: [يُرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. قال ابن عباس: (والخالفون الرجال). قال قتادة: (قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾، أي: مع النساء. ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا من المنافقين، قيل فيهم ما قيل). وقوله ابن عباس في المخالفين أرجح، أنهم الرجال الذين نافقوا، ولا معنى لذكر النساء، وهو اختيار ابن جرير. والمعنى: فإن ردّك الله - يا محمد - من غزوتك هذه واستأذنك هؤلاء المنافقون في الخروج معك إلى غزوة أخرى فلا تقبل منهم أبدًا، بأنهم رضوا في التخلف أول مرة نفاقًا وإيثارًا للدعة وزينة الحياة الدنيا وليقعدوا مع المنافقين المتخلفين.

стр. 1897

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. براءة من المنافقين، ومنع للنبي ﷺ من الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم للدعاء أو الاستغفار لهم، لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا على ذلك. وفي أسباب نزول الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: [لما تُوُفِّي عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنُهُ عبدُ الله بنُ عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يُعْطِيَهُ قميصَهُ يكفِّنُ فيه أباه، فأعْطاهُ، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلِّي عليه، فقام عمرُ، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أتُصَلِّي عليه وقد نهاكَ ربُّكَ أن تُصَلِّيَ عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيّرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيده على السَّبْعين. قال: إنه منافقٌ، قال: فَصَلَّى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دُعِيَ له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وَثَبْتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أَتُصَلّي على ابن أُبيٍّ وقد قال يوم كذا، كذا وكذا؟ . قال: أُعَدِّدُ عليه قَولَه، فَتَبَسَّمَ رسول الله ﷺ وقال: أُخِّرْ عنِّي يا عُمَر. فلما أَكْثَرتُ عليه قال: إني خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، لو أعلمُ أني إن زِدْتُ على السَّبْعين يُغْفَرُ له، لَزِدْتُ عليها. قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم انصرف، فلم يَمْكُثْ إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان مِنْ براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسولُهُ أعلم] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن جابر ﵁ قال: [أتى النبي ﷺ عَبدَ الله بن أبي بعدما دُفِنَ فأخرجه فنفث فيه من ريقِهِ، وألبسه قميصه] (٣).

стр. 1898

وله شاهد في مسند أحمد من حديث جابر - أيضًا - قال: [لما مات عبد الله بن أبيّ، أتى ابنه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك إن لم تأته لم نَزَلْ نُعَيَّر بهذا. فأتاه النبي ﷺ فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: أفلا قبل أن تدخلوه! فأخرجَ من حُفرته، وتَفَل عليه من ريقه من قَرَنِهِ إلى قدَمِهِ، وألبسه قميصه] (١). قلت: والحكم استنادًا إلى هذه الآية عامٌ في كُلِّ من عُرِفَ نفاقه فيعتزل أهل العلم الصلاة عليه تعزيرًا لأمثاله وتحذيرًا من مسلك الفسق والنفاق. فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي قتادة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا دُعِيَ لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرٌ قام فصلّى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها، ولم يُصَلّ عليها] (٢). وقال أبو عُبيد في كتاب الغريب في حديث عمرَ أنه أراد أن يصلي على جنازة رَجُلٍ، فَمَرزَه حُذيفة، كأنه أراد أن يَصُدَّه عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم أن المَرْزَ بلغة أهل اليمامة هو: القَرْص بأطراف الأصابع. ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. أي: لا تعجبك يا محمد أموال المنافقين وأولادهم فتصلي على أحدهم عند موته لأجل كثرة ماله وولده، فإن الله تعالى إنما بسط لهؤلاء في المال والولد فتنة وعذابًا لهم في الدنيا بالهموم والغموم، ثم بما يلزمه من ذلك من المؤن والنفقات والزكوات، وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات، فإذا مات أحدهم وفارق المال والولد كان ذلك حسرة عليه عند موته مع ما ينتظره من وبال ذلك عليه في الآخرة، فإن الله تعالى لا يقبل عملًا مع الشرك به والكفر بدينه وجحد نبوة رسله. قال السدي: (﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، في الحياة الدنيا).

стр. 1899

وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يعطى بها (وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا) ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١). وأخرج النسائي بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال رسول الله ﷺ : لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله ﷺ : لا شيء له. ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه] (٢). ٨٦ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن سلوك المنافقين عند نزول سورة تدعوهم إلى الإيمان بالله والجهاد مع رسوله، فإذا الأغنياء منهم يطلبون البقاء مع المرضى والضعفاء المعذورين. لقد رضوا البقاء مع النساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، وإنما قد ختم الله على قلوبهم فهم لا يفهمون موعظة ولا يتدبرون مصلحتهم وما فيه نجاتهم وفوزهم. فقوله: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني أهل الغنى). أو قال: (يعني الأغنياء). والمقصود: نكولُ المنافقين عن الجهاد في سبيل الله مع وجود السَّعة والطَّول، وغياب العذر، إنما هو حب الدنيا وزينتها الفانية على حساب الآخرة ونعمتها الباقية. وقوله: ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وقالوا لك: دعنا،

стр. 1900

نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم، ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر). وفي التنزيل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠, ٢١]. وقوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. قال ابن كثير: (رضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف (١)، بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبنُ شيء). وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال النسفي: (ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الهلاك والشقاوة). ٨٨ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: ثناء من الله تعالى على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين الذين ناصروه وأيدوه وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم - وهو في موضع ذم، بالإشارة، إلى المنافقين، أو ثناء للمؤمنين بعد ذمٍّ للمنافقين - ثم بيان من الله تعالى لحسن عاقبة المؤمنين والمجاهدين - فإنهم أهل الفلاح والفوز العظيم. لقد أعد الله لهم جنات تجري الأنهار تحت أشجارها وعبر بساتينها مع الطمأنينة لهم بالخلود وذلك الفوز العظيم.

стр. 1901

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسطُ الجنة، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة، وفوقه عرش الرحمن] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: [يا أبا سعيد مَنْ رضيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وجبت له الجنة. فعجب لها أبو سعيد. فقال: أعِدْها عَليَّ، يا رسول الله! ففعل. ثم قال: وأخرى يُرْفَعُ بها العَبْدُ مئةَ درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي؟ يا رسول الله! قال: الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله] (٢). وفيه من حديث سهل بن سعد الساعدي، عن رسول الله ﷺ قال: [والغدوة يغدوها العَبْدُ في سبيل الله، خيرٌ من الدنيا وما فيها] (٣). ٩٠ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن محاولة نفر من أحياء العرب حول المدينة

стр. 1902

الاعتذار لرسول الله ﷺ بترك الجهاد لضعف أو عجز، وقعود المنافقين فلم يجيئوا ولم يعتذروا ليظهر كذبهم، وقد توعدهم الله بالقتل والخزي في الدنيا وبالعذاب الأليم في الآخرة. إنه لا حرج على الضعفاء والمرضى وكذلك من عجز بالمال عن الخروج للجهاد إذا قعدوا ونصحوا حال قُعودِهم فلم يُثَبِّطوا أحدًا بل أحسنوا النصيحة والله غفور رحيم. وكذلك لا سبيل - يا محمد - على النفر الذين جاؤوك صادقين يريدون الخروج وليس لديك ما تحملهم عليه، فتولوا وهم يبكون أن لا سبيل للحملان والخروج. إنما العتاب والعقاب على الأغنياء المتخلفين، الذين ختم الله على قلوبهم في المنافقين، فهم لا يعلمون سوء عاقبتهم. فقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾. هم أهل الأعذار بترك الجهاد لعجز أو ضعف. قال الضحاك: (كان ابن عباس يقرأ: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾، مخففة، ويقول: هم أهل العذر). وقال مجاهد: (نفر من بني غفار، جاؤوا فاعتذروا، فلم يُعْذِرْهم الله). والمقصود: محاولة نفر من أحياء العرب حول المدينة الاعتذار إلى رسول الله ﷺ بترك الجهاد لضعف أو عدم قدرة على الخروج. ولفظ ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ من عذّر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى، فهو يوهم أن له عذرًا، أو من لفظ: (المعتذرون) بإدغام التاء في الذال. وقوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾. قال النسفي: (هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان). وقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾. توعُّدٌ لهم بعذاب أليم إما بالقتل والخزي في الدنيا أو بالنار في الآخرة. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. هذه الآية نص في إعذار الضعفاء والمرضى، كأرباب الزمانة والهرم والعمى

стр. 1903

والعرج، وكذلك من عجز عن الخروج للجهاد من جهة المال. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية. أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيض حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفي السنة العطرة من آفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري وأبو داود وابن ماجه من حديث أنس ﵁: [أن النبي ﷺ -كان في غَزاةٍ، فقال: إن أقوامًا بالمدينة خَلْفَنا ما سَلكْنا شِعْبًا ولا وادِيًا إلا وهُمْ معنا فيه، حَبَسَهُم العُذْر] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق بسند رجاله ثقات قال: حدثني أبي إسحاق بن يَسار، عن أشياخ من بني سلمة: [أن عمرو بن الجموح كان رجلًا أعْرَج شديد العَرَج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسْد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حَبْسَه، وقالوا له: إن الله : قد عذرك، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخُروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بِعَرْجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله ﷺ : أما أنتَ فقد عَذَرك الله فلا جهادَ عليكَ، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلّ الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فَقُتِلَ يوم أحد] (٢). وله شاهد في مسند الإمام أحمد بسند حسن من حديث أبي قتادة، ﵁، وكان شاهد عيان، قال: [أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في

стр. 1904

الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمرّ رسول الله ﷺ ، فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة. فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد] (١). قال النسفي: (﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بأن آمنوا في السر والعلن وأطاعوا كما يفعل الناصح بصاحبه). وقال ابن كثير: (فليس على هؤلاء حَرَجٌ إذا قَعَدُوا ونَصَحُوا في حال قعودهم، ولم يُرْجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾). والنصح هو إخلاص العمل من الغش. قال الرازي: (والناصح: الخالص من كل شيء. قال: ورجل ناصح الجَيْب أي نقيّ الثوب. ومنه التوبة النصوح وهي الصادقة). وفي صحيح مسلم عن تميم الداري: [أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة". قلنا: لِمَنْ؟ قال: للهِ وَلِكتابِه ولِرَسُوله ولأئمة المسلمين وعامَّتِهم] (٢). قال العلماء: (النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفُه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في مَحابّه والبعد من مساخطه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقّه فيها والذبّ عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلّق بأخلاقه الكريمة ﷺ . وكذا النصح لكتاب الله: قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم. والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادُهم وحب الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم).

стр. 1905

وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: [مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى] (١). وقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القرطبي: (وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن). وقال النسفي: (﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ المعذورين الناصحين ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي لا جناح عليهم ولا طريق للعتاب عليهم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يغفر تخلفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم). وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضًا على النفر الذين إذا ما جاؤوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد، قلت لهم: لا أجد حَمُولة أحملكم عليها، ﴿تَوَلَّوْا﴾، يقول: أدبروا عنك، ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، ويتحمّلون به للجهاد في سبيل الله). وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: [أتيتُ النبي ﷺ في رَهْطٍ من الأشعريِّين نَسْتَحْمِلُهُ، فقال: والله! لا أحْمِلُكُمِ، وما عندي ما أحملكُم عليه. قال: فَلَبِثْنَا ما شاء الله، ثم أُتِيَ بإبلٍ، فأمَرَ لنا بثلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرا، فلما انطلقنا قلنا - أو قال بعضنا لبعض -: لا يُبارِكُ اللهُ لنا، أتَيْنا رسول الله ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فحلفَ أنْ لا يَحْمِلَنا، ثمَّ حَمَلَنا، فأَتَوْه فأخبروه، فقال: ما أَنا حَمَلْتُكم، ولكن الله حَمَلَكُم، وإني، والله! إن شاءَ الله، لا أَحْلِفُ على يمينٍ ثم أرى خيرًا منها، إلا كفَّرْتُ عن يميني وأتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ] (٢).

стр. 1906

وعن ابن إسحاق: (﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَزَنًا﴾ قال: وهم البكاؤون، كانوا سبعة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي بالعتاب والعقاب ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ أي قادرون على تحصيل الأهبة ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ أي من النساء والصبيان وسائر أصناف العاجزين. أي رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف). وقال ابن جرير: (﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب، ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، سوء عاقبتهم، بتخلفهم عنك، وتركهم الجهاد معك، وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا، وعظيم البلاء في الآخرة). ٩٤ - ٩٦. قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن المنافقين في حرصهم على الاعتذار إليكم عند وصولكم المدينة، فقولوا لهم: لن نصدقكم في محاولتكم وقد أخبرنا الله عن صفاتكم وأحوالكم ومحاولاتكم وسيُظهر الله أعمالكم للناس في الدنيا ثم يوم القيامة يخبركم سبحانه بما صدر منكم، وما اجترحتم من آثام ويجزيكم بها. إنهم سيحلفون بالله لكم معتذرين بكل وسيلة فأعرضوا عنهم تصغيرًا لشأنهم واحتقارًا لسلوكهم فإنهم "رجس" أي: خبثاء نجسة بواطنهم واعتقاداتهم ومآلهم في الآخرة إلى جهنم مقابل آثامهم ونفاقهم. إنهم سيحلفون لكم محاولين إرضاءكم خشية عاقبة الأمور وتغير

стр. 1907

أحوال الدنيا عليهم، فإن ترضوا أنتم عنهم فاعلموا أن الله لا يرضى عن القوم الخارجين عن طاعته المكذبين برسوله. قال القرطبي: (﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني المنافقين. ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف، أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج. ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي لتصفحوا عن لومهم). وقال ابن عباس: (أي لا تكلموهم). وقال النسفي: (﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ تعليل لترك معاتبتهم، أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم لأنهم أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم). قلت: والمقصود عملهم رجس ومنهجهم قبيح. وقال القاسمي: (﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ من تمام التعليل، فالعلة نجاسة جبلتهم التي لا يمكن تطهيرها). أخرج ابن جرير ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: [لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ : علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقْتُهُ حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إنَّ الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾] (١). ٩٧ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ

стр. 1908

الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن الأعراب الجفاة أنهم أشد كفرًا ونفاقًا وجهلًا في الدين. ومنهم طائفة يعيشون على المكر في المؤمنين ويترقبون الدائرة لتكون عليهم، والله سيوقعهم في سوء أعمالهم وهو السميع العليم. ومن الأعراب مؤمنون صادقون متصدقون، سيدخلهم الله في رحمته، والله غفور رحيم. فقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الأعراب أشد جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله). وفي مسند أحمد وسنن النسائي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [من سَكَنَ البادية جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتُتِن] (١). وله شاهد في المسند بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: [مَنْ بدا جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحدٌ من السلطان قُربًا إلا ازداد من الله بُعْدًا] (٢). وفي لفظ من حديث البراء ﵁ مرفوعًا: [من بدا جفا]. وقوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال قتادة: (هم أقل علمًا بالسنن). يروي ابن جرير بسنده عن الأعمش، عن إبراهيم قال: (جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد، فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني، وإن يدك لَتُريبُني! فقال زيد: وما يريبُك من يدي؟ إنها الشمال!

стр. 1909

فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمال؟ قال زيد بن صوحان: صدق الله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾). قال الحافظ ابن كثير: (ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله تعالى منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهديَّة لرسول الله ﷺ فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال: "لقد هَمَمْتُ ألا أقبل هدية إلا من قُرشِيّ، أو ثَقَفي أو أنصاري، أو دَوْسي" (١)، لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة، والطائف، والمدينة، واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب، لما في طباع الأعراب من الجفاء). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بأمثلة عن قسوة الأعراب وجفاء معاملتهم وسلوكهم في أحاديث. الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب: أخبرني عُبيد الله بنُ عبد الله بن عُتْبةَ: أن أبا هريرة أخبره أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ [دَعُوه وأهْريقوا على بَوْلِهِ ذَنُوبًا من ماء، أو سَجْلًا مِنْ ماء، فإنما بُعثتم مُيَسِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسِّرين] (٢). الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه من حديث طلحة بن عبيد الله يقول: [جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ مِنْ أهلِ نَجْدٍ، ثائِرُ الرأس، نسمع دويَّ صَوْتِه ولا نفقهُ ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام. .] الحديث (٣). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [جاء أعرابي إلى

стр. 1910

النبي ﷺ فقال: تُقَبِّلون الصِّبيان؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبي ﷺ : أو أمْلِكُ لك أن نزعَ الله من قلبك الرحمة] (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ , أي عليم بالمؤمن من عباده من المنافق، وبمن يستحق العلم والإيمان ممن لا يستحق، وبكل أحوال عباده وخلقه، حكيم في قسمته الإيمان والعمل والعلم والجهل والنفاق، وفي كل قدره وشرعه. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المنافقون من الأعراب، الذين إنما ينفقون رياءً، اتقاءَ أن يُغْزَوْا أو يحاربوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؟ ). قال ابن جرير: (﴿مَغْرَمًا﴾، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ، . . .، وغلبة عدو لكم. يقول الله تعالى ذكره: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم). وقال ابن كثير: (﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. هذا الصنف من الأعراب هو الأقرب إلى الله تعالى، وهم موضع المدح من بين ما قبلهم، فهم إنما صَدَقُوا الله الإيمان وصَدّقوا بالدار الآخرة وعملوا ما استطاعوا من القربات لرضاء ربهم ونيل استغفار نبيهم لهم، وقد وعدهم سبحانه أن يدخلهم في رحمته ويتجاوز عن سيئاتهم. قال ابن عباس: (﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، يعني: استغفار النبي ﵇. وقال قتادة: (دعاء الرسول، هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب).

стр. 1911

وقال النسفي: (﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي جنته، وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يستر عيب المخل ﴿رَحِيمٌ﴾ يقبل جهد المقل). وفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ تَصَدَّق بِعَدْل تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يقبل الله إلا الطَّيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبّي أحدُكم فَلُوَّهُ حتى تكونَ مثلَ الجبل] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ] (٢). الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [مَثَلُ البخيل والمُنْفِق، كَمَثَلِ رَجُليْنِ عَليْهما جُنَّتان من حديدٍ من ثُدِيِّهِما إلى تَراقِيهما، فأما المنْفِقُ، فلا يُنْفِقُ إلا سَبَغَت، أو وَفَرَتْ على جلدِهِ حتى تُخْفيَ بنانَهُ، وتَعْفُوَ أثرَهُ، وأما البخيل، فلا يريد أن ينُفِقَ شيئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها، فهو يُوَسِّعُها فلا تَتَّسِعُ] (٣). قال الخطابي فيما نقله الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٤٢): (وهذا مثل ضربه النبي ﷺ للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين، أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما يقع على الرأس إلى الثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، فكلما أراد لبسها اجتمعت إلى عنقه، فلزمت ترقوته، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه).

стр. 1912

١٠٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾. في هذه الآية: ثناء الله تعالى على السابقين للإسلام، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقد رضي الله عن منهاجهم، ورضوا عن شرعه وقدره وما أعدّه لهم، في روضات الجنات تجري من تحتها الأنهار، مع الخلود في لذات النعيم، وذلك هو الفوز العظيم. فقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصار﴾ قال الشعبي: (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية). وقال قتادة: (هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ ). قلت: ولا شك أن السبق إلى الإسلام والمسارعة إلى الحق أوائل الدعوة يندرج تحت مسمى السابقين الأولين، وقد كان في المهاجرين والأنصار أبطال ذلك وفرسانه. وقد جعل الله للسبق في الإيمان منزلة عالية بين الناس، فذم من يحاول إيذاء الأوائل من السابقين، ممن أسلموا من بعدهم، فإن للسبق حرمة ومكانة. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالد، فقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه] (١). والحديث يشير إلى عبد الرحمن من السابقين الأولين وممن أسلم قبل الفتح وشهد بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان ومنهم خالد،

стр. 1913

فنهى أن يسب من له صحبة آخرًا من له صحبة أولًا، لامتيازهم عنهم في الصحبة. وفي هذا يروي ابن بطة بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: [لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة] (٢). وفي لفظ: قال جابر: أخبرتني أم مُبَشِّرٍ أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حَفْصة: [لا يدخل النار، إن شاء الله، مِن أصحاب الشجرة، أحدٌ من الذين بايعوا تحتها]. الحديث الثالث: يروي الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبَّعَ عورة أخيه المسلم يتتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله] (٣). ثم أخبر النبي ﷺ أن هؤلاء الأوائل السابقين سيكون لهم حضور في كل زمان حتى قيام الساعة، وأن الأمة لا تزال تفرز الأبطال والقادة والعلماء، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته. يروي أبو نعيم في "الحلية" بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لكل قرن من أمتي سابقون] (٤). ثم أخبر صلوات الله وسلامه عليه أن هؤلاء الأوائل سيفوقهم واحد منهم ليكون السابق في ذلك الزمان. ففي رواية أخرى عند أبي نعيم عن أنس: قال رسول الله ﷺ : [لكل قرن سابق].

стр. 1914

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلبَ رضى الله). وقولُه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قال النسفي: (﴿﵃﴾ بأعمالهم الحسنة، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية). وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. تتويج الرضا من الله سبحانه بالخلود يوم القيامة في بساتين النعيم العظيم، والأمن المقيم، والفوز الكريم. ١٠١ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾. في هذه الآيات: تَنْبيهُ الله تعالى عباده المؤمنين، لوجود أعراب حولهم متسللين، من أهل النفاق ومن عاونهم ممن على طريقتهم في المدينة، دربوا على النفاق ومرنوا عليه، وقد تَوَعَّدَهُم الله بعذاب في الدنيا مرتين، ثم بالرد إلى عذاب في الآخرة عظيم. وآخرون مؤمنون مقصرون، أهل كسل وتشاغل وتقاعس، جمعوا بين العمل الصالح ونقيضه، ربما يتوب الله عليهم، إن الله غفور رحيم. فقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. إخبار من الله تعالى لعباده المؤمنين عن قوم منافقين يتخللون الصفوف في المدينة ومن حولها من أعراب البادية. قال ابن زيد: (﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تاب الآخرون). وقال ابن إسحاق: (أي: لجُّوا فيه، وأبوا غيرَه). وقال ابن جرير: (﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به).

стр. 1915

وفي لغة العرب: تمرّد فلان إذا عتا ومرنَ على معصيته واعتادها. قال الرازي: (المرود على الشيء المُرون عليه. قال: والماردُ العاتي). وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، كقوله في سورة الأنفال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. . الآية. لأن هذا من باب التوسّم فيهم بصفات يُعْرَفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا، وإن كان يراه صباحًا ومساء). وقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال السدي عن أبي مالك: (كان رسول الله ﷺ يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه. قال: وعذاب القبر). ٢ - وقال مجاهد: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: القتل والسِّبَاء). أو قال: (بالجوع وعذاب القبر). أو قال: (الجوع والقتل). وقال يحيى: (الخوف والقتل). ٣ - قال قتادة: (﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر). ٤ - وقال ابن زيد: (أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد. وقرأ قول الله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]، بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة، في النار، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، قال: النار). وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. هو في حال المذنبين المتأخرين عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة، مع إثبات الإيمان لهم، فالأولون هم المنافقون المتخلفون عن الغزو شكًا وتكذيبًا، وهؤلاء هم المؤمنون المتخلفون كسلًا وتشاغلًا؛ فقد اعترفوا بالذنوب وأقروا بها، ولهم من الأعمال الصالحة ما يجعلهم تحت عفو الله ورحمته. والآية عامة في جميع المذنبين المخلطين، وإن كانت نزلت في أناس معينين، وكل "عسى" في القرآن حق. وفي صحيح البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن سَمُرَة بن جُندب رضي الله عنه

стр. 1916

قال: قال رسول الله ﷺ لنا: [أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبَنِ فِضّة، فتلقّانا رجالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهم كأحْسَنِ ما أنت راءِ، وشَطْرٌ كأقْبَحِ ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فَقَعُوا في ذلك النَّهْر، فَوَقَعوا فيه ثم رجعوا إلينا قَدْ ذَهَبَ ذلك السوء عنهم فصاروا في أَحْسَنِ صورة، قالا لي: هذه جَنَّةُ عَدْنٍ وهذاك مَنْزِلُك، قالا: أما القومُ الذينَ كانوا شَطْرٌ منهم حَسَنٌ وشَطْرٌ منهم قبيحٌ فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم] (١). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: ذو صفح عن ذنوب عباده وعفو لها إذا تابوا منها، وهو رحيم بهم يتجاوز تعذيبهم إذا أنابوا إليه. ١٠٣ - ١٠٦. قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾. في هذه الآيات: الأمْرُ من الله لنبيِّه أخذ صدقات أموال المسلمين والدعاء لهم، فالله تعالى هو الذي يقبل توبة عباده ويأخذ بالصدقات فينمِّيها لهم. والتوعد من الله للمتخلفين المتقاعسين بفضح أعمالهم أمام رسول الله ﷺ والمؤمنين، ثم يُرَدّون إلى ربهم فيرون عرض تفاصيل أعمالهم في صحائفهم. وهناك آخرون أمرهم إلى الله قد يتوب الله عليهم أو يعذبهم، فهو العليم بأعمالهم وحرصهم على التوبة، الحكيم في تقديره مصيرهم. فقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. أمْرٌ من الله تعالى نبيّه ﷺ أن يأخذ من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة وهي التطوع، تطهرهم بها من دنس البخل والطمع والقسوة على الفقراء، وتزكي أنفسهم وتنميها بالبركات الخلقية والخيرات.

стр. 1917

والآية عامة، وإن كان بعض المفسرين أعادوا الضمير في ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا. ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، إنما كان خاصًا بالرسول ﷺ ، محتجين بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فتصدى لهم صديق الأمة وأول خلفائها، فردّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد وقاتلهم حتى دفعوها. فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى. فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَنَاقًا (١) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق] (٢). والمراد بنو يربوع وكانوا جمعوا الزكاة ليخرجوها فمنعهم مالك بن نويرة وفرقها فيهم، وكان قتالهم في أول خلافة أبي بكر ﵁. وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. أي: ادع لهم واستغفر لهم. كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم. وفي رواية: (قال: اللهم صل عليهم). فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى] (٣). وقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ , قال ابن عباس: (رحمة لهم). وقال قتادة: (وقار).

стр. 1918

وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائك يا محمد ولكل شيء، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أهل لدعوتك، وبالسر وأخفى. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يُرَبِّي أحدكم مُهْرَه (١) أو فَلُوَّه أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثلَ جبل أحد. قال وكيع: وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾] (٢). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ تَصَدَّق بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كسْبٍ طيّب، ولا يقبلُ اللهُ إلا الطيِّبَ، وإنّ الله يتقبّلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مِثل الجبل] (٣). وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. قال مجاهد: (هذا وعيد). أي: إن الله تعالى يتوعد المخالفين أوامره والمتخلفين عن الجهاد بعرض أعمالهم، فهو يراها سبحانه ويُريها رسوله والمؤمنين في الدنيا، ثم العرض الأكبر يوم القيامة، وهو قوله: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩, ١٠].

стр. 1919

٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ٩ - ١١]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المفهوم لعرض الأعمال في الدنيا والآخرة أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: [ليس أحدٌ يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ , فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمانٌ، ولا حجابٌ يَحْجُبُه، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: [لا عليكم أن تَعْجَبُوا بأحدٍ حتى تنظروا: بم يُختمُ له؟ فإن العاملَ يعملُ زمانًا من عمره - أو: بُرْهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دَهْره بعمل سَيَّئ لو مات عليه دخلَ النار، ثم يتحولُ فيعمل عملًا صالحًا، وإذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله قبل موته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: يوفِّقهُ لعمل صالحٍ ثم يقبضه عليه] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال مجاهد: (هلال بن أمية، ومرارة بن ربعي، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج). وقال الضحاك: (هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة). قال النسفي: (﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا ولم يتوبوا، ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا).

стр. 1920

وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي برجائهم، وبكل ما يخفى وما يظهر، ﴿حَكِيمٌ﴾ في إرجائهم، وفي كل أمره وقدره. وأصل الإرجاء التأخير. من أرجأته أي أخّرته. ومنه سمي "المرجئة" - لأنهم أخّروا العمل. قال القرطبي: (﴿إِمَّا﴾ في العربية لأحد أمرين، والله عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون، أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا). والمقصود: أنّ "إما" في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أنها للشك بالنسبة للعباد، أي خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة، وأما الله تعالى فهو عالم بمصير كل شيء وإليه يرجع الأمر كله. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (١). ١٠٧ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾. في هذه الآيات: كَشْفُ الله تعالى قصة مسجد الضرار الذي أسّسه المنافقون على

стр. 1921

الكفر والنفاق وإيواء المجرمين، وتظاهرهم بالحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. ونَهْيُ الله نبيّه عن الصلاة فيه، فإن المسجد الأول الذي أُسِّسَ على التقوى هو الأحق للصلاة فيه، وفيه رجال مؤمنون متطهرون. هل يستوي البنيان الذي أُسِّسَ على طاعة الله كالبنيان المؤسس على معصيته، والله لا يصلح عمل المفسدين. لا يزال هذا البنيان القبيح نكتة سوداء في قلوب هؤلاء المنافقين حتى زوالهم عن الدنيا والله عليم حكيم. فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. قصّته: أن رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك في رجب (٩ هـ)، هي آخر غزوة غزاها ﷺ , فقد وصلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان، وأن جيشًا ضخمًا يوشك أن يكون على جاهزية لمرحلة فاصلة دامية مع المسلمين، ففرح المنافقون بهذه الأخبار، وأبْرَقَ لهم الشّيطان آمالًا من الخزي والعار، وكان أبو عامر الراهب - الذي سمّاه رسول الله ﷺ بالفاسق - قد فرَّ إلى قيصر بالشام، وكان هو الذي حزّب الأحزاب من قبل لقتال رسول الله ﷺ ، فلما خذله الله لحق بالروم، وكتب إلى المنافقين في المدينة يأمرهم ببناء مسجد يتحَزّبوا به ضد رسول الله والمسلمين، وليكون بمثابة وكر للدس والتآمر يأمنون فيه، وليستعدوا لاستقباله فيه مع جيش الروم الزاحف. قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾. قال: وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأُخرج محمدًا وأصحابه! فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة) (١). ويروي ابن إسحاق بسند حسن من حديث عاصم بن عمر بن قتادة قال: (وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا

стр. 1922

فتصلي لنا فيه! فقال: إني على جناح سفر وحال شُغْلٍ - أو كما قال رسول الله ﷺ ولو قد قَدِمْنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه) (١). ثم مضى رسول الله ﷺ إلى تبوك، وأذلّ الله أعداءه الروم وكسر شوكتهم وأهان دولتهم، وركب المسلمون هودج النصر وداسوا مُلك قيصر بأقدامهم، وقفلوا عائدين إلى المدينة، فلما نزل النبي ﷺ بأصحابه بذوي أوان، وهي على ساعة من المدينة، أصدر أمره هناك إلى بعض أصحابه بحرق مسجد الضرار وهدمه على أهله. قال ابن إسحاق: (فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالكَ بن الدُّخشم، أخا بني سالم بن عوف، ومَعْنَ بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، أخا بني العَجْلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهدماه وحرِّقاه. فخرجا سريعَيْن حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي. فدخل إلى أهله، فأخذ سَعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرّقاه وهدّماه، وتفرّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخر القصة) (٢). قال مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾، قال: المنافقون، ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ , لأبي عامر الراهب). أي "إرصادًا" له، وإعدادًا لأجل ذاك الفاسق. وقوله: ﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لأجله، أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء. ﴿وَكُفْرًا﴾ أي تقوية للنفاق وأهله، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال ابن زيد: (لئلا يصلي في مسجد قباء جميع المؤمنين). فأرادوا تفريقهم واختلاف كلمتهم ففضحهم الله. وقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: يحلف بانوه أنهم إنما أرادوا ببنائه الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل

стр. 1923

الضعف والعلة ومن شَقَّ عليه الوصول إلى مسجد النبي ﷺ والله يشهد أنهم بحلفهم هذا يكذبون، وما أرادوا الحق ولا نصرة هذا الدين. وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ - نهي من الله تعالى نبيّه ﷺ عن القيام أو الصلاة في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله. وقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾. قَسَمٌ من الله تعالى أن مسجد قباء الذي أسس على التقوى من أول يوم ابتدئ في بنائه هو أولى أن تقوم فيه - يا محمد - مُصَليًا. لقد نزل رسول الله ﷺ أول ما نزل المدينة في قباء، في بني عمرو بن عوف، على كلثوم بن الهدم، أربع عشرة ليلة، وأسَّس فيها مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة وفي الإسلام. قال ابن إسحاق: (فأقام رسول الله ﷺ بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده). وقد ذُكر أن رسول الله ﷺ كان أول من وضع حجرًا في قبلة المسجد، ثم جاء أبو بكر بِحَجَر فوضعه إلى حجر رسول الله ﷺ ثم أخذ الناس في البنيان. أخرج البخاري في صحيحه عن عروة قال: [فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بِضْعَ عشْرَةَ ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته، فسارَ يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يُصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهَيْل وسَهْل غلامين يتيمين في حَجْر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزِلُ. ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساوَمَهُما بالمِربَد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نَهَبَهُ لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلَهُ منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه ويقول، وهو ينقل اللَّبِن: هذا الحمال لا حمال (١) خيبر، هذا أبَرُّ ربَّنا وأطْهَر. ويقول: اللهم إن الأجر أجرُ الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة] (٢).

стр. 1924

وقد اختلف المفسرون في المقصود في قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ على وجهين: الوجه الأول: المقصود مسجد المدينة. فقد روى ابن جرير بإسناده إلى عثمان بن عبيد الله قال: (أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟ مسجد المدينة أو مسجد قباء؟ قال: لا، مسجد المدينة). وقال زيد بن ثابت: (المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول). الوجه الثاني: بل المقصود مسجد قُباء. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، يعني مسجد قُباء). وكذلك قال ابن بريدة: (مسجد قباء، الذي أسس على التقوى، بناه نبي الله ﷺ ) وقد جمع الحافظ ابن كثير بين القولين جمعًا لطيفًا حيث قال: (وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى). ثم ذكر أحاديث بعضها رواه الإمام أحمد وبعضها جاء في بعض السنن وله رواية عند الإمام مسلم: فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي سعيد أنه قال: [تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي] (١). ورواه مسلم عن حميد الخراط المدني قال: [سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن

стр. 1925

أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله ﷺ فدخلت عليه في بيتٍ لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله: أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: [هو مسجدكم هذا] (١). واختاره ابن جرير ﵀، على أنه أولى القولين بالصواب. قلت: والذي أميل إليه أن اللفظ قد أطلق في السنة الصحيحة على المسجدين معًا، فكلاهما أسس على التقوى، فإلى أيهما كان الحديث عنه سلك المعنى، فقد سبق في رواية البخاري عن عروة قوله: "فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسَّسَّ المسجد الذي أسس على التقوى". ثم قوله ﵊: "هو مسجدكم هذا" الذي رواه الإمام مسلم. وقد مدح الله في القرآن المسجد الأول في الإسلام بقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. وكذلك جاء المدح من السنة المطهرة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة] (٢). الحديث الثاني: روى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: [كان رسول الله ﷺ يأتي مسجدَ قباء راكبًا أو ماشيًا، فيصلي فيه ركعتين] (٣). فكان رسول الله ﷺ يتعاهد مسجد قباء فيزوره راكبًا وماشيًا ويصلي فيه، فَإنَّ ذِكْرَاهُ من أعطر الذكرى، فقد أسسه المسلمون على التقوى فكان بيت الحق والإيمان. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح من حديث سهل بن

стр. 1926

حنيف مرفوعًا: [من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة] (١). وله شاهد عند الترمذي والحاكم من حديث أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري بلفظ: [صلاة في مسجد قباء كعمرة] (٢). وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية] (٣). وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: [أن هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار! إن الله قد أثنى عليكم في الطُّهور. فما طُهورُكم؟ قالوا: نتوضأ للصلاةِ، ونَغْتَسِلُ من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: فهو ذاك. فَعَلَيكُمُوه] (٤). وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، أي: طرف حَفِيرة مُنْثَالة ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يصلح عمل المفسدين).

стр. 1927

وقال القرطبي: (بيّن أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشّفا: الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه). وقال أيضًا: (الشفا: الحرف والحد. و ﴿جُرُفٍ﴾ قُرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها، قال: والجُرُف: ما يُتجرّف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تَنْحَفِرِ بالماء، وأصله من الجَرْف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله. ﴿هَارٍ﴾ ساقط، يقال: تهور البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من المقلوب يقلب ويؤخر ياؤها). وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: لا يزال بنيان هؤلاء المنافقين في مسجد الضرار شكًا في قلوبهم ونفاقًا في نفوسهم إذ يحسبون أنهم ببنائه محسنون، إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا والله عليم بما بنوا وبما بَيَّتوا، حكيم في فضحهم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، ثم بمجازاتهم يوم يلقونه. قاد ابن عباس: (﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: شكًا، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، يعني الموت). وقال قتادة: (حتى يموتوا). وقال الحسن: (﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: شكًا في قلوبهم). وقال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال: إلا أن يموتوا). قال النسفي: (أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعًا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرًا لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم). وقرأ بعض قراء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إلا أن تُقَطَّعَ قلوبهم) بضم التاء. في حين قرأ بعض قرأة المدينة والكوفة: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بفتح التاء، بمعنى إلا أن تتقطَعَ قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين، وكلاهما قراءتان مشهورتان.

стр. 1928

فوائد من الآيات: الفائدة الأولى: هدم الحاكم المسلم لأماكن المعصية وتجمعات النفاق، أو تغيير هيئاتها عما وضعت له، ولا حرمة لوقف إن بُني على معصية أو نفاق. ومنه حرق النبي ﷺ لمسجد الضرار وهدمه، والنهي عن استخدام مرافق ديار ثمود. قال ابن القيم: (ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسولهُ فيها وهدمُها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مَسْجدٌ يُصَلّى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضِرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكلُّ مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته، وإخراجه عما وُضِعَ له. وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات). ثم قال: (ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قُربة، كما لم يصحَّ وقفُ هذا المسجد، وعلى هذا: فيُهدم المسجد إذا بني على قبر، كما يُنْبَشُ الميتُ إذا دُفِنَ في المسجد، نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيرُه، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيّهما طرأ على الآخر، منع منه، وكان الحكم للسابق). الفائدة الثانية: كراهة الصلاة خلف إمام الحاكم الظالم. وقد استفاده أهل العلم من قصة مسجد الضرار وإمامه. قال القرطبي في التفسير: (قال العلماء: إنَّ مَنْ كان إمامًا لظالم لا يُصَلّى وراءه، إلا أن يظهر عذره أو يتوب، فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعْمَة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مُجَمِّع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخًا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، فَصَلّيْتُ ولا أحسب ما صنعتُ إثمًا، ولا أعلم بما في أنفسهم، فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء).

стр. 1929

الفائدة الثالثة: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، ولا يبنى مسجدان إلى جانب بعضهما دون حاجة. قال القرطبي: (قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبْنَى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرًا، إلا أن تكون المحَلّة كبيرة فلا يكفي أهلَها مسجدٌ واحد فيبنى حينئذ. ثم قال: تَفَطَّنَ مالك ﵀ من هذه الآية فقال: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافًا لسائر العلماء. وقد رُوي عن الشافعي المنع، حيث كان تشتيتًا للكلمة وإبطالًا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم) (١). ١١١ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن صفقة رابحة عقدها سبحانه مع المؤمنين، فقد بايعهم فأغلى لهم الثمن بمعاوضته إياهم عن أنفسهم وأموالهم الجنة، فهم يقاتلون في سبيله فيَقْتُلون ويُقتلون، وهذا وعد مكتوب في التوراة والإنجيل والقرآن، فمن أحسن وفاء وأصدق عهدًا من الله، فاستبشروا يا أهل الصدق والجهاد بهذا الربح العظيم. ثم في الآيات وَصْفٌ من الله لهؤلاء المؤمنين أصحاب تلك الصفقة بنعت بعض مزاياهم ومحاسنهم مع تأكيد البشرى لهم.

стр. 1930

فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. قال قتادة: (ثامَنَهم الله، فأغلى لهم الثمن). وقال الحسن: (بايعهم فأغلى لهم الثمن). وقال شِمر بنُ عَطِيَّة: (ما من مسلم إلا ولله في عنقه بيعةٌ، وَفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية). قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه عاوضَ عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تَفَضَّل به على عباده المطيعين له). وفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [انتدب الله لمن خَرَجَ في سبيله لا يُخْرِجُهُ إلا إيمانٌ بي وتصديقٌ بِرسلي أَنْ أرْجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمة أو أُدخله الجنة] (١). وفي لفظ: [وتَوَكّلَ الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يُدْخله الجنة أو يرْجِعَهُ سالمًا مع أجر أو غنيمة]. وفي لفظ آخر: [تكفّلَ الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: [قيل: يا رسول الله! أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال رسول الله ﷺ : مُؤْمِنٌ يجاهِدُ في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم مَنْ؟ قال: مؤمنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ يتقي الله ويدعُ الناس من شَرّه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الحميدي في "مسنده" بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله
следующие страницы →