← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حنيف مرفوعًا: [من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة] (١). وله شاهد عند الترمذي والحاكم من حديث أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري بلفظ: [صلاة في مسجد قباء كعمرة] (٢). وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية] (٣). وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: [أن هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار! إن الله قد أثنى عليكم في الطُّهور. فما طُهورُكم؟ قالوا: نتوضأ للصلاةِ، ونَغْتَسِلُ من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: فهو ذاك. فَعَلَيكُمُوه] (٤). وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، أي: طرف حَفِيرة مُنْثَالة ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يصلح عمل المفسدين).

стр. 1927

وقال القرطبي: (بيّن أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشّفا: الشفير. وأشفى على كذا أي دنا منه). وقال أيضًا: (الشفا: الحرف والحد. و ﴿جُرُفٍ﴾ قُرئ برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها، قال: والجُرُف: ما يُتجرّف بالسيول من الأودية، وهو جوانبه التي تَنْحَفِرِ بالماء، وأصله من الجَرْف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله. ﴿هَارٍ﴾ ساقط، يقال: تهور البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من المقلوب يقلب ويؤخر ياؤها). وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: لا يزال بنيان هؤلاء المنافقين في مسجد الضرار شكًا في قلوبهم ونفاقًا في نفوسهم إذ يحسبون أنهم ببنائه محسنون، إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا والله عليم بما بنوا وبما بَيَّتوا، حكيم في فضحهم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، ثم بمجازاتهم يوم يلقونه. قاد ابن عباس: (﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: شكًا، ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، يعني الموت). وقال قتادة: (حتى يموتوا). وقال الحسن: (﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: شكًا في قلوبهم). وقال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال: إلا أن يموتوا). قال النسفي: (أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعًا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويرًا لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم). وقرأ بعض قراء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: (إلا أن تُقَطَّعَ قلوبهم) بضم التاء. في حين قرأ بعض قرأة المدينة والكوفة: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بفتح التاء، بمعنى إلا أن تتقطَعَ قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين، وكلاهما قراءتان مشهورتان.

стр. 1928

فوائد من الآيات: الفائدة الأولى: هدم الحاكم المسلم لأماكن المعصية وتجمعات النفاق، أو تغيير هيئاتها عما وضعت له، ولا حرمة لوقف إن بُني على معصية أو نفاق. ومنه حرق النبي ﷺ لمسجد الضرار وهدمه، والنهي عن استخدام مرافق ديار ثمود. قال ابن القيم: (ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسولهُ فيها وهدمُها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مَسْجدٌ يُصَلّى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضِرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكلُّ مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته، وإخراجه عما وُضِعَ له. وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات). ثم قال: (ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قُربة، كما لم يصحَّ وقفُ هذا المسجد، وعلى هذا: فيُهدم المسجد إذا بني على قبر، كما يُنْبَشُ الميتُ إذا دُفِنَ في المسجد، نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيرُه، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبر، بل أيّهما طرأ على الآخر، منع منه، وكان الحكم للسابق). الفائدة الثانية: كراهة الصلاة خلف إمام الحاكم الظالم. وقد استفاده أهل العلم من قصة مسجد الضرار وإمامه. قال القرطبي في التفسير: (قال العلماء: إنَّ مَنْ كان إمامًا لظالم لا يُصَلّى وراءه، إلا أن يظهر عذره أو يتوب، فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعْمَة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مُجَمِّع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخًا قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، فَصَلّيْتُ ولا أحسب ما صنعتُ إثمًا، ولا أعلم بما في أنفسهم، فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء).

стр. 1929

الفائدة الثالثة: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، ولا يبنى مسجدان إلى جانب بعضهما دون حاجة. قال القرطبي: (قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبْنَى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرًا، إلا أن تكون المحَلّة كبيرة فلا يكفي أهلَها مسجدٌ واحد فيبنى حينئذ. ثم قال: تَفَطَّنَ مالك ﵀ من هذه الآية فقال: لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين، خلافًا لسائر العلماء. وقد رُوي عن الشافعي المنع، حيث كان تشتيتًا للكلمة وإبطالًا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم) (١). ١١١ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن صفقة رابحة عقدها سبحانه مع المؤمنين، فقد بايعهم فأغلى لهم الثمن بمعاوضته إياهم عن أنفسهم وأموالهم الجنة، فهم يقاتلون في سبيله فيَقْتُلون ويُقتلون، وهذا وعد مكتوب في التوراة والإنجيل والقرآن، فمن أحسن وفاء وأصدق عهدًا من الله، فاستبشروا يا أهل الصدق والجهاد بهذا الربح العظيم. ثم في الآيات وَصْفٌ من الله لهؤلاء المؤمنين أصحاب تلك الصفقة بنعت بعض مزاياهم ومحاسنهم مع تأكيد البشرى لهم.

стр. 1930

فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. قال قتادة: (ثامَنَهم الله، فأغلى لهم الثمن). وقال الحسن: (بايعهم فأغلى لهم الثمن). وقال شِمر بنُ عَطِيَّة: (ما من مسلم إلا ولله في عنقه بيعةٌ، وَفى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية). قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه عاوضَ عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تَفَضَّل به على عباده المطيعين له). وفي كنوز السنة الصحيحة آفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [انتدب الله لمن خَرَجَ في سبيله لا يُخْرِجُهُ إلا إيمانٌ بي وتصديقٌ بِرسلي أَنْ أرْجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمة أو أُدخله الجنة] (١). وفي لفظ: [وتَوَكّلَ الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يُدْخله الجنة أو يرْجِعَهُ سالمًا مع أجر أو غنيمة]. وفي لفظ آخر: [تكفّلَ الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: [قيل: يا رسول الله! أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فقال رسول الله ﷺ : مُؤْمِنٌ يجاهِدُ في سبيل الله بنفسه وماله. قالوا: ثم مَنْ؟ قال: مؤمنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ يتقي الله ويدعُ الناس من شَرّه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الحميدي في "مسنده" بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله

стр. 1931

عنه أن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة في ضمان الله : رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله ، ورجل خرج غازيًا في سبيل الله، ورجل خرج حاجًا] (١). وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾. أي: هو ضمان لهم بالجنة سواء قَتلوا أو قُتلوا. فإنه بمجرد خروج المجاهد في سبيل الله يدخل في عقد هذا الضمان. ففي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج غازيًا في سبيل الله فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يردَّه بما نال من أجر أو غنيمة، ورجلٌ راحَ إلى المسجد فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخلَه الجنة أو يردّه بما نال من أجر، ورجلٌ دخلَ بيتَهُ بسلام، فهو ضامنٌ على الله] (٢). وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾. قال القرطبي: (إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى ﵇. وقال النسفي: (وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه). وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما يدل عليه كون الثمن مؤجلًا. وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: ومن أحسن وفاء وأصدق عهدًا وأوفى ضمانًا من الله تعالى، وهو كقوله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال الحسن: (والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة). ومعنى الآية: أظهروا السرور - معشر المؤمنين - بهذه البشارة، وليستبشر من حفظ هذا العهد وقام بالتزاماته بالفوز العظيم، في جنة الخلود والنعيم.

стр. 1932

وأصل البشارة إظهار السرور في البشرة. قال الرازي: ("أبشر إبشارًا" أي سُرَّ. قال: والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾). وقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾. هو وصف للمؤمنين أصحاب تلك الصفقة ببعض مزاياهم ومحاسنهم. ﴿التَّائِبُونَ﴾، رُفِعَ على المدح أي هم التائبون، أو مبتدأ وخبر. وهم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله، إلى الحالة المحمودة، وهي موضع طاعته ورضاه سبحانه. قال الحسن: (تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق). وقال: (تابوا إلى الله من الذنوب كلها). وأما قوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾، قال ابن جرير: (فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته). قال الحسن: (العابدون لربهم. عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء). وقال قتادة: (﴿الْعَابِدُونَ﴾، قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم). والخلاصة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ - إنهم قوم اعترفوا بذنوبهم وتخلصوا منها بالتوبة وارتقوا بالعبادة فمدحهم الله تعالى بذلك. وفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي سعيد الأنصاري عن النبي ﷺ قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (١). وأما قوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، فهم أهل الحمد على كل تقلبات أحوالهم في السراء والضراء. قال قتادة: (﴿الْحَامِدُونَ﴾، قوم حمدوا الله على كل حال).

стр. 1933

وعن الحسن: (الحامدون على الإسلام). وقال: (الذين حمدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء). أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (١). وله شاهد عند الطبراني من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة]. وعن كعب يحكي عن التوراة - في صفة النبي ﷺ وأصحابه وأمته - قال: (وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف) (٢). وفي صحيح الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا أتاه الأمر يَسُرُّه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال] (٣). وأما قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾، ففيه أقوال: القول الأول: المقصود أهل الصيام. قال قتادة: (قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله). وقال مجاهد: (﴿السَّائِحُونَ﴾، هم الصائمون). القول الثاني: المقصود طلبة العلم. قال عكرمة: (هم طلبة العلم). القول الثالث: المقصود أهل الجهاد. قال عطاء: (السائحون: المجاهدون). القول الرابع: هم المهاجرون.

стр. 1934

قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورواه ابن أبي حاتم. قلت: والراجح القول الثالث، لورود الخبر الصحيح في ذلك عن رسول الله ﷺ . فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي أمامة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة، قال النبي ﷺ : [إنَّ سِيَاحةَ أمتي الجهادُ في سبيل الله تعالى] (١). وأما قوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، يعني المصلين، أهل الركوع والسجود بالمحافظة على صلواتهم. قال الحسن: (﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، قال: الصلاة المفروضة). وأما قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، صفة لازمة لأتباع هذا النبي الكريم، عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم. قال الحسن: (﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أما إنهم لم يأمروا الناس حتى كانوا من أهلها، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال: أمَا إنهم لم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه). أخرج ابن ماجه في السنن بسند حسن عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مُروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تَدْعُوا فلا يُسْتَجاب لكم] (٢). وأخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا. فكان فيما قال: [ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقولَ بِحَقٍّ، إذا عَلِمَه]. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا. وفي لفظ: [لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه أو شهده أو سمعه] (٣). وأما قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (يعني القائمين على طاعة

стр. 1935

الله، وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد، إذا وَفَوا لله بشرطه، وفى لهم بشرطهم). وقال الحسن: (﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: القائمون على أمر الله). وعنه في رواية: (﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض الله). وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (يعني: وبشر المصدِّقين بما وعدهم الله إذا هم وفَّوا الله بعهده، أنه مُوَفٍّ لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة). ١١٣ - ١١٦. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾. في هذه الآيات: نَهْيُ الله تعالى نبيَّه ﷺ والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أهل رحم وقرابة بعدما تبين لهم مصير المشركين. وتبرير استغفار إبراهيم لأبيه أول الأمر، فلما تبين له عداوته لله أعلن البراءة منه، إن إبراهيم لأواه حليم. إنه لا يضل الله قومًا إلا بعد توضيح السبيل لهم، فإن أصروا على الفسق والغي خذلهم، إنه سبحانه بكل شي عليم. إن سلطان السماوات والأرض وملكهما - أيها الناس - بيد ربكم، وقلوب الثقلين بين أصبعين من أصابع بارئكم، فهو يحيي ويهدي من يشاء، ويميت ويضل من يشاء، وما لكم من دون الله من نصير ولا مجير ولا معين. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن

стр. 1936

المسيب عن أبيه أنه أخبره: [أنه لما حَضَرَتْ أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدَ الله بنَ أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى فيه الآية]. وفي رواية: (فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) (١). فنهى الله تعالى نبيّه ﷺ والمؤمنين بعد هذه الآية أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا قرابة ورحمًا فضلًا عن أن يحضروا أو يشهدوا جنائزهم، في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [استأذنت ربي أن أَسْتَغْفِرَ لأمي فلم يأذَنْ لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذِنَ لي] (٢). وفي رواية: [قال أبو هريرة: زار النبي ﷺ قَبْرَ أمه، فبكى وأبْكَى من حَوْلَه فقال ﷺ : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلمْ يؤذنْ لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذِنَ لي، فزوروا القبور، فإنها تُذَكِّرُكُم الموت]. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، قال: [كنا مع النبي ﷺ نحن في سفر فنزل بنا ونحن معه قريبٌ من ألف راكب، فصَلّى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذْرِفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفَداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله، مالك؟ قال: إني سألت ربي في الاستغفار لأمّي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم

стр. 1937

عن ثلاث: نَهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فتذكركم زيارتُها خيرًا. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم. ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا] (١). وله شاهد أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه: [أنَّ النبي ﷺ لما قَدِمَ مكّة أتى رَسْمَ قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا. فقلنا: يا رسول الله، إنا رأينا ما صنعت! قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي". فما رُئي باكيًا أكثر من يومئذ] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن علي قال: [قلت للنبي ﷺ : إن عمَّك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهبْ فوَارِ أباكَ، ثمَّ لا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتيني". فذهبت فواريته، وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي] (٣). قلت: بل من السنة عدم حضور الإمام جنازة أهل الكبائر ولا الصلاة عليهم، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن جابر بن سَمْرَة قال: [أُتِيَ النبي ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ (٤)، فلم يُصَلِّ عليه] (٥). الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي قتادة قال: [كان رسول الله ﷺ إذا دعي لجنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خيرٌ قام فصلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها، ولم يصل عليها] (٦). الحديث الثالث: أخرج أصحاب السنن بسند صحيح من حديث زيد بن خالد - في

стр. 1938

امتناع النبي ﷺ من الصلاة على الغال - وقال لأصحابه: [صلوا على صاحبكم. . إن صاحبكم غل في سبيل الله] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (استغفر له ما كان حيًّا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له). وقال الضحاك: (كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيًّا، فلما مات على شركه تبرأ منه). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذيخ متلطِّخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار] (٢). وفي معنى "الأواه" - أقوال متقاربة: ١ - قال عبد الله بن مسعود: (الأواه: الدعّاء)، ذكره ابن جرير بسنده ورجَّحه. ٢ - وسئل عبد الله - في رواية - عن "الأواه"، فقال (الرحيم). وقال الحسن: (الرحيم بعباد الله). وقال عمرو بن شرحبيل: (الأواه: الرحيم، بلحن الحبشة). ٣ - وقال مجاهد، عن ابن عباس: (الأواه: الموقن، بلسان الحبشة)، وقال سفيان نحوه. وقال مجاهد: (أوّاه: مؤتمن موقن). وقيل: (الفقيه الموقن).

стр. 1939

٤ - وعن ابن عباس: (الأواه: المؤمن). وقيل هو المسبّح، الكثير الذكر لله. وقيل الخاشع المتضرع. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال مجاهد: (بيانُ الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُهُ ومعصيتُهُ عامة، فافعلوا أو ذروا). وفي الآية: إقامة الحجة من الله تعالى على عباده قبل تغييره أحوالهم، فإن آمنوا وصدقوا وشكروا زادهم نعيمًا ورزقًا كريمًا، وإن فسقوا وآثروا الشهوات والشبهات والغي أضلهم وأزاغ قلوبهم، إنه بكل أحوال خلقه وبكل شيء عليم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [لَيْسَ أحَدٌ أحبَّ إليه المَدْحُ من الله ، من أجل ذلك مَدَحَ نَفْسَه، وليس أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجل ذلك حَرمَ الفواحشَ، وليس أحَدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تعرضُ الفِتنُ على القلوب عرضَ الحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلب أُشربَها نُكِتَت فيه نكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرَها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تضُرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودَ مُرْبَدًا

стр. 1940

كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر مُنكرًا، إلا ما أشرب من هواه] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقرر تعالى في آخر تلك الآيات أن سلطان السماوات والأرض وملكهما بيده، وقلوب عباده بيده، وحياتهم وموتهم ومعاشهم وأرزاقهم بيده، يحيي من شاء منهم ويميت من شاء، ويهدي من شاء منهم ويضل من شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نصير ولا مُجير من عذاب الله إلا أمره تعالى ورضاه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ : [قال الله : يَسُبُّ ابْنُ آدمَ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ، بيدي الليلُ والنهار] (٢). وفي رواية: [يؤذيني ابن آدم، يسُبُّ الدهر، وأنا الدَّهْر، أقلب الليل والنّهار]. وفي رواية: [قال الله ﵎: يؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خيبةَ الدَّهر! فلا يقولَنَّ أحدُكم: يا خيبة الدَّهر! فإني أنا الدَّهْر، أُقَلِّبُ ليله ونهارَهُ، فإذا شئتُ قبضتُهما]. ١١٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾. في هذه الآية: يخبر تعالى أنه أعان نبيّه محمدًا ﷺ والمهاجرين ديارَهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله ﵊، على طاعته وامتثال أمره في الغزو ساعة العسرة منهم من النفقة والظَّهر والزاد والماء، من بعد ما كاد يضعف بعضهم وتميل قلوبهم عن الصدق والحق, ثم رزقهم سبحانه الإنابة والرجوع إلى الثبات واليقين في الإيمان والدين، إنه تعالى رؤوف بضعفهم رحيم بهم أن يهلكهم.

стр. 1941

قال مجاهد: (﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: غزوة تبوك. قال: ﴿الْعُسْرَةِ﴾، أصابهم جَهْدٌ شديد، حتى إن الرَّجُلين ليشقَّان التمرة بينهما، وإنهم ليمصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء). وعن قتادة قال: (قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية، الذين اتبعوا رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قِبَلَ الشام في لهبان الحرّ، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يَمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصّها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم). يروي ابن جرير بسند حسن عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة فقال عمر: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا، فأصابنا فيه عطشٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمسِ الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فَرْثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عوَّدك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: تحب ذلك؟ قال: نعم! فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر) (١). ١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الله خبر المخلفيق الثلاثة، الذين تخلفوا عن تبوك، وكيف ضاقت عليهم أنفسهم، وحاصرهم الوحي حتى ﵃ توبتهم، فأنزل فرجه عليهم، وهو التواب الرحيم.

стр. 1942

ودعوة الله تعالى عباده المؤمنين ليخلصوا له التقوى وليكونوا مع الصادقين. أخرج الإمام البخاري في كتاب المغازي من صحيحه، والإمام مسلم في كتاب التوبة، واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب ﵁ من بنيه حين عَمِيَ، قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث بحديثه حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: قال كعب: [لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوةٍ غزاها إلا في غزوة تبوك، غيرَ أني كنتُ تَخَلَّفْتُ في غزوة بدْرٍ ولم يُعَاتِب أحدًا تخلَّف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلةَ العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهدَ بَدْرٍ، وإن كانت بَدْرٌ أذكرَ في الناس منها، وكان من خبري حين تخلَّفْتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكُنْ قط أقوى ولا أيسرَ حين تخلّفتُ عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جَمَعْتُهُما في تلك الغزوة، ولم يَكُنْ رسول الله ﷺ يُريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا وعدوًّا كثيرًا، فجلّى للمسلمين أمْرَهم ليتأهبوا أُهْبَةَ غَزْوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتابٌ حافظ، يريد الدِّيوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتَغَيَّبَ إلا ظنَّ أن سيخفى له، ما لم ينزِل فيه وحيُ الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفِقْتُ أغْدو لكي أتجهَّزَ معهم، فارجِعُ ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجِدُّ، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه، ولم أقضِ مِنْ جَهازي شيئًا، فقلت أتجهزُ بعده بيوم أو يومين ثم ألْحَقُهُم، فَغَدَوْتُ بعد أن فَصَلُوا لأَتَجهَّز، فرجَعْتُ، ولم أقْضِ شيئًا، ثم غَدَوْتُ، ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا، فلم يَزلْ بي حتى أسْرعوا وتفارطَ الغزو، وهَمَمْتُ أن أرتَحِلَ فأدركَهم، وليْتني فعلتُ، فلم يُقَدَّر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجتُ في الناسِ بَعْدَ خروج رسول الله ﷺ فطُفْتُ فيهم، أحزنَني أني لا أرى إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه النفاقُ، أو رجلًا ممن عَذَرَ الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ ".

стр. 1943

فقال رجل من بني سَلمَة: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرْدَاه، ونَظَرُهُ في عِطْفَيْه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ . قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجَّهَ قافلًا حضرني هَمِّي، وطفِقْتُ أتذكَّرُ الكذِبَ وأقول: بماذا أخرجُ من سَخَطِه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظَلَّ قادمًا زاحَ عني الباطِلُ، وعرفت أني لنْ أخرجَ منه أبدًا بشيء فيه كَذِبٌ، فأجمعت صِدْقَه، وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قدِمَ من سَفَرٍ بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقُوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بِضْعَةً وثمانين رجلًا، فقبِلَ منهم رسول الله ﷺ علانِيَتَهُم، وبايعهم واستغفَرَ لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فَجئتُهُ، فلما سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب، ثم قال: تعالَ. فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ، ألم تَكُنْ قد ابْتَعْتَ ظهركَ؟ فقلت: بلى، إني والله - يا رسول الله - لو جَلَسْتُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أنْ سأخْرُجُ من سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولقد أعطيتُ جدلًا، ولكني والله، لقد علمتُ لئن حَدَّثْتُكَ اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عليَّ ولئن حَدَّثْتُكَ حَديثَ صِدْقٍ تجدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عَفْوَ الله، لا والله، ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنْتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تَخَلَّفْتُ عنك. فقال رسول الله ﷺ : أمّا هذا فقد صَدَقَ، فَقُمْ حتى يقضي الله فيكَ. فَقُمْتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمَةَ فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما عَلِمْنَاكَ كنتَ أذْنَبْتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عَجَزْتَ أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجعَ فأكذِّبَ نَفْسي، ثم قلت لهم: هل لَقِيَ هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، فقيل لهما مِثْلُ ما قيل لك، فقلت: مَنْ هُما؟ قالوا: مُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العَمْرِيُّ، وهلالُ بن أميَّةَ الواقِفيُّ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بَدْرًا، فيهما أسوةٌ، فَمَضَيْتُ حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثةُ من بين من تخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكَّرَتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعْرِفُ، فلبثنا على ذلك

стр. 1944

خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنْتُ أشَبَّ القومِ وأجلدَهم، فكنت أخرجُ فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلمُّ عليه وهو في مجلسِهِ بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هَلْ حرّك شفَتيْه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فَأُسَارِقُهُ النَّظر (١)، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفَتُّ نَحوَهُ أعْرَض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوَةِ الناس، مشيتُ حتى تَسَوَّرْتُ جدار حائطِ أبي قتادة، وهو ابنُ عمّي وأحَبُّ الناس إليَّ، فَسَلّمْتُ عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلامَ، فقلت: يا أبا قتادةَ، أَنْشُدُكَ بالله هل تَعْلَمُني أحِبُّ الله ورسوله؟ فسكت، فَعُدْتُ له فنَشَدْتُه فسكت، فعدْتُ له فنشدتُهُ، فقال: الله ورسوله أعْلَمُ، ففاضت عَيْنايَ وتَوَلَّيْتُ حتى تَسَوَّرْتُ الجدار. قال: فبَيْنَا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطيٌّ من أنباط أهل الشَّأمِ، ممن قَدِمَ بالطعام يبيعُهُ بالمدينة، يقول: مَنْ يَدُلُّ على كعب بن مالك، فَطَفِقَ الناسُ يُشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا مِنْ مَلِكِ غسَّان، فإذا فيه: أمّا بعد، فإنه قد بلغني أن صاحِبَكَ قدْ جفاكَ، ولم يَجْعَلْكَ الله بدار هوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحقْ بنا نواسِكَ. فقلت لما قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء. فتيمَّمْتُ بها التَّنُور فَسَجَرْتُهُ بها، حتى إذا مَضَتْ أربعون ليلةً من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمُرُكَ أن تعتزلَ امرأتَكَ، فقلتُ: اُطَلِّقُها أمْ ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتَزِلْها ولا تَقْربْها. وأَرسلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذلكَ، فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلالِ بن أميّةَ رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلالَ بن أمية شيخٌ ضائِعٌ ليسَ له خادِمٌ، فهل تَكْرَهُ أن أخْدِمَهُ؟ قال: لا، ولكنْ لا يَقْرَبْكِ. قالتْ: إنه والله ما بِهِ حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي مُنْذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتِكَ، كما أذِنَ لامرأة هلال بن أمية أن تَخْدُمَهُ؟ فقلت: والله لا أستأذِنُ فيها رسول الله ﷺ ، وما يُدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذَنْتُهُ فيها، وأنا رجل شابٌّ؟ فلبثْتُ بعد ذلك عَشْرَ ليال،

стр. 1945

حتى كَمُلَتْ لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صَلَّيْتُ صلاةَ الفجر صُبْحَ خمسين ليلة، وأنا على ظَهْرِ بَيْتٍ من بيوتنا، فَبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكرَ اللهُ، قد ضاقتْ عليَّ نَفْسي، وضاقتْ عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صارخٍ، أوفى على جبل سَلْعٍ، بأعلى صَوْتِهِ: يا كعبُ بنَ مالك أبْشِر، قال: فخررْتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ، وآذنَ رسول الله ﷺ بتوبةِ الله علينا حين صلّى صلاة الفجر فذهب الناس يبشِّرونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرون، وركضَ إليَّ رجُلٌ فَرسًا، وسعى ساعٍ من أسْلَمَ، فأوفى على الجبل، وكان الصَّوتُ أسرعَ من الفرس، فلما جاءني الذي سَمِعْتُ صوتَهُ يُبَشِّرُني نزعتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسَوْتُهُ إياهما بِبُشْراه، والله ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَوْمَئِذٍ، واستَعَرْتُ ثوبين فلبِسْتُهُما، وانطلقتُ إلى رسول الله ﷺ ، يتلقاني الناس فَوْجًا فَوْجًا، يهنُّونَني بالتوبة يقولون: لتهنِكَ توبةُ الله عليك. قال كعب: حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ حوْلَهُ الناسُ، فقام إليَّ طلحةُ بنُ عُبَيد الله يُهرولُ حتى صافحني وهَنَّاني، والله ما قام إليَّ رجُلٌ من المهاجرين غَيْرُهُ، ولا أَنْسَاها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ ، وهو يَبْرُقُ وَجْهُهُ من السرور: أبْشِرْ بخيرِ يوم مرَّ عليك مُنْذُ وَلدَتْكَ أمُّكَ. قال: قلت: أمِنْ عِندك يا رسولَ الله، أم من عندِ الله؟ . قال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتى كأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكنا نَعْرِفُ ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلتُ: يا رسولَ الله، إن من تَوْبتي أن أنْخَلِعَ مِنْ مالي صدقةً إلى الله وإلى رسول الله. قال رسول الله ﷺ : أمْسِك عليك بَعْضَ مالِكَ فهو خَيْرٌ لك. قلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمي الذي بخيبرَ، فقلتُ: يا رسول الله، إن الله إنّما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقًا ما بقيتُ. فوالله ما أعلمُ أحدًا من المسلمين أبْلاه الله في صدْق الحديث مُنْذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ أحسَنَ مما أبلاني، ما تَعَمّدْتُ منذُ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ

стр. 1946

تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. فوالله ما أنعمَ الله عليَّ مِنْ نعمةٍ قطُّ، بعد أنْ هداني للإسلام، أعظم في نفسي مِنْ صِدْقي لرسول الله ﷺ , أن لا أكون كذبته فاهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحيَ - شرَّ ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال كعب: وكنا تُخِلِّفْنَا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عَمَّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه] (١). قال عكرمة: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قال: خلفوا عن التوبة). وقال مجاهد: (الذين أرجئوا). وقال نافع: (قيل للثلاثة الذين خلِّفُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، محمد وأصحابه). وقال الضحاك: (﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رحمةُ الله عليهم). وقال ابن جُريج: (مع المهاجرين الصادقين). قال ابن القيم: (وتأمل تكرِيرَه سبحانه توبتَهُ عليهم مرتين في أول الآية وآخرِها، فإنه تاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا، تاب عليهم ثانية بقبولها منهم، وهو الذي وفقهم لفعلها، وتفضل عليهم بقبولها، فالخير كله منه وبه، وله وفي يديه، يعطيه من يشاءُ إحسانًا وفضلًا، ويحرمه من يشاء حكمة وعدلًا) (٢).

стр. 1947

دروس ونتائج وأحكام: ١ - الأصل حسن ظن المسلم بأخيه. ومنه قول معاذ بن جبل في كعب: (والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا). وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وفي المسند عن أسماء بنت يزيد، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ ذَبَّ عن عِرض أخيه بالغَيْبَة، كان حقًا على الله أن يُعْتِقَهُ من النار] (١). ٢ - جواز الهجر أكثر من ثلاثة أيام لسبب شرعي. ففي حديث البخاري عن كعب قال: (حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشُرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا] (٢). وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يحل لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار] (٣). قال أبو داود: (إذا كانت الهجرةُ لله تعالى، فليس من هذا في شيء). ٣ - أهمية الصدق وشؤم الكذب. فقيمة الصدق عالية ورفيعة، ومنزلة الصادقين كبيرة وعظيمة، وقد أمر الله بذلك المؤمنين فقال في سورة التوبة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 1948

ومنه قول كعب - كما روى البخاري عنه -: (يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صِدْقًا ما بقيت). أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليَصْدُق حتى يُكْتَبَ عند الله صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفُجور، وإن الفُجورَ يهدي إلى النار، وإن الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتى يُكْتَبَ عند الله كَذّابًا] (١). ٤ - سعة رحمة الله وقبوله للتائبين. ففي قصة المخلفين وتوبتهم درس لأهل الذنوب والمعاصي والآثام، أن يطرقوا باب الكريم الغفور المنّان، ليلتمسوا منه العفو عما مضى والتجاوز والإحسان. قال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسطُ يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢). وهناك دروس كثيرة أخرى سطرتها في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، عقب غزوة تبوك (٣/ ١٥٥٤ - ١٥٧٨) ولله الحمد والمنة. ١٢٠ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا

стр. 1949

كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾. في هذه الآيات: إعلام من الله تعالى عباده المؤمنين في المدينة وما حولها أنه لا ينبغي لأحد التخلف عن رسول الله ﷺ في الغزو والرغبة بنفسه عن مشاركته مشقة الجهاد وقتال الأعداء، وأنه لا يصيب أحدًا في خروجه عطش أو تعب أو جوع، ولا ينزلون أرضًا أو موقعًا يُرهب العدو ولا يصيبون منه إلا كتب لهم به عمل صالح والله لا يضيع أجر المحسنين. وكذلك لا يبذلون في سبيل الله نفقة صغيرة أو كبيرة، ولا يقطعون واديًا في طريقهم إلى الغزو أو في عودتهم إلا سُجِّلَ لهم ذلك في صحائفهم بأعطر وأجزل الثواب. إنه لا ينبغي إخلاء المواقع في سبيل الله، بل إذا خرجت فِرَقُ السرايا إلى الغزو، جلس الباقون ليتفقهوا في دينهم، ليقوموا بواجب الإنذار والبلاغ في قومهم لعلهم يحذرون. قال قتادة: (قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، هذا إذا غزا نبيُّ الله بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف). والآية عتاب من الله تعالى للمتخلفين عن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، من أهل المدينة وممن حولها من أحياء العرب وسكان البوادي، فإنه ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، وما ينبغي لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن مشاركته ﷺ الجهاد وأعباء الغزو ومشقة السفر. فإنه: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو العطش. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ وهو: التعب. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ وهي المجاعة أو الجوع. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طريق إقامة دين الله ونصرته، وإبطال الباطل وهدم منار الكفر. ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ أي: لا ينزلون أرضًا أو منزلًا يُرهب عدوهم ويغيظه ويغضبه. ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أي: ولا يصيبون من عدوهم ظفرًا أو موقفًا أو قهرًا في الأموال أو الأنفس. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ - أي: إلا احتسب لهم ضمن معالي الأعمال ورفيع الدرجات وثواب العمل الصالح، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ - أي: لا يبطل ثوابهم.

стр. 1950

وقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾. قال النسفي: (﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾ في سبيل الله ﴿صَغِيرَةً﴾ ولو تمرة ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي: أرضًا في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال، ومنه الودي، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ من الإنفاق وقطع الوادي). وقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: أرفع المراتب وأعلى الدرجات. وقد نال عثمان ﵁ من هذه البشائر الحصة العظمى. فقد أخرج الترمذي وأحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: [جاء عثمان، إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جَهَّزَ النبي ﷺ جيش العُسرة - قال: فَصَبَّها في حِجْر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: ما ضرَّ ابن عفانَ ما عملَ بعد اليوم. يرددها مرارًا] (١). وفي رواية: (فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: ما ضَرَّ عُثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم مرتين). وأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن في الشواهد عن عبد الرحمن بن خَبّاب السلمي قال: [خطب رسول الله ﷺ فَحَثَّ على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان ﵁: عليَّ مئةُ بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علىّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حَثَّ، فقال عثمان بن عفان: عَلَيَّ مئة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله ﷺ يقول بيده هكذا - يحركها - "ما على عثمان ما عمل بعد هذا"] (٢). قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/ ٥٥٩): (ومنها: ما برز به عثمانُ بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة، وسبِق به الناس، فقال النبي ﷺ : غفر الله لك يا عثمانُ ما أسْرَرْتَ، وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ، وما أبْدَيْتَ. ثم قال: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم، وكان قد أنفق ألف دينار، وثلاث مئة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابها).

стр. 1951

وذكر قتادة بإسناد صحيح مرسل أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله، في تجهيز جيش العسرة (١). كما أنفق أبو بكر وعمر والعباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وغيرهم أموالًا كبيرة، وجاء الفقراء بما استطاعوا ولم يوفروا اليسير الذي عندهم، فتعرضوا للمز المنافقين. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، فيه أقوال: ١ - قيل: هم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ بعثهم إلى البوادي يعلمون الناس الإسلام. فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ انصرفوا عن البادية خشية دخولهم في تحذير الآية. قال مجاهد: (ناس من أصحاب محمد ﷺ ، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ ، فقال الله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، يبتغون الخير، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾، الناس كلهم، ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾). ٢ - قيل: المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوهم، ويتركوا نبيّهم ﷺ وحده. قال ابن زيد: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، قال: ليذهبوا كلهم، فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، ليتفقه المتخلفون مع النبي ﷺ في الدين، ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) - وهو اختيار ابن جرير. ٣ - قيل: بل المعنى: لو كانوا مؤمنين لم ينفروا جميعهم بل هم منافقون، وهذا قول بعيد. ٤ - قيل: بل هو تكذيب من الله لمنافقين أزْرَوا بأعراب المسلمين وغيرهم في

стр. 1952

تخلفهم خلاف رسول الله ﷺ ، وهم ممن عذره الله بالتخلف. ٥ - قيل: بل المعنى: لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله قاعد، فإذا غزا بنفسه ﷺ لم يحل لأحد التخلف إلا بعذر. قال الضحاك: (كان رسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا لم يَحِلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه رسول الله ﷺ على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ : إن الله أنزل بعدكم على نبيّه قرآنًا. فَيُقرئُونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، يقول: إذا أقام رسول الله ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله ﷺ قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله تَسَرّت السرايا، وقعد معه عظْمُ الناس). ٦ - قال الحسن البصري: (ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم). قلت: والراجح في معنى الآية أنه لولا نفر للجهاد من كل فرقة طائفة، لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد عند رجوعهم إليهم فيخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي. فإن النفير في لغة العرب إنما يستعمل للخروج للجهاد لا لطلب العلم. والمقصود: أهمية انصراف جموع المؤمنين لطلب العلم والتفقه في الدين ودعوة الخلق إلى إقامة منهاج الإسلام في حياتهم، وإنما يكتفى للجهاد بنفير فئة يقوم بها أمر مجاهدة الأعداء. وأكثر من حَلّق في آفاق هذا المعنى بتحليل لطيف الإمام ابن القيم ﵀، فلنستمع إلى روائع التأويل في ذلك. قال ابن القيم في "أعلام الموقعين" (٢/ ١٧٨ - ١٧٩): (قولكم: "وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم". جوابه من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل

стр. 1953

في غيبتهم عند النبي ﷺ في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي. الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة، فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين، أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم، فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رَجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار مَنْ سمعه من رسول الله ﷺ ، وهنا للناس في الآية قولان: أحدهما: أن المعنى فَهَلّا نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدَد التواتر. والثاني: أن المعنى فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح، لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد. كما قال النبي ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا"، وأيضًا فإن المؤمنين عام في المقيمين مع النبي ﷺ والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًا بالغائبين عنه فقط، والمعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه من كل فرقة منهم طائفة، وهذا خلاف ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراج للفظ عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه، فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النذير مَنْ أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سَمَّيْتُم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فَسَمُّوه ما شئتم، وإنما ننكر نَصْبَ رجل معين يُجْعَلُ قولُه عيارًا على القرآن والسنن، فمَا وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معهُ، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يعلن إنكاره وذمه وذم أهله).

стр. 1954

١٢٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾. في هذه الآية: أمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين في دولة الحق قتال الكفرة المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله والقسوة عليهم والله ولي المتقين. قال ابن كثير: (أمر تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرَغَ منهم وفتح الله عليه مكة، والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهّز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهْد الناس وجَدْب البلاد وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته ﵇. ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجته حجّة الوداع. ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد الحجة بواحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده. وقام بالأمر بعده وزيرُه وصديقه وخليفته أبو بكر ﵁ وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل (١)، فثبته الله تعالى به فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم. ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطَّغام، وبيَّنَ الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله. ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عَبَدَة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الإله. وكان تمامُ الأمر على يدي وصيه من بعده، وَوَليِّ عهده الفاروق الأوّاب، شهيد

стр. 1955

المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحُملت إليه خزائنُ الأموال من سائر الأقاليم بُعْدًا وقربًا، فَفَرَّقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضيِّ. ثم لما مات شهيدًا وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان شهيد الدار. فكُسِيَ الإسلامُ بحالةِ رياسته حُلَّة سابغة، وأُمِدَّتْ في سائر الأقاليم على رقاب العباد حُجَّةُ الله البالغة، وظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما عَلَوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوّه الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]). قلت: ولا شك أن هذه الآية خطاب للدولة المسلمة ممثلة بالخليفة ذي الشوكة ليقوم بمقتضاها على مدار الزمان، فيعز الحق في الأرض ويذل الشرك والكفر والباطل، ومن ثمَّ فليس الخطاب لأفراد غُرباء في أرجاء المعمورة يفرون بدينهم وليس لأمتهم كيان ولا شوكة وهم لم يقيموا الإسلام أولًا في بيوتهم ومساجدهم وأحيائهم ومجتمعاتهم، فيتهورون بفتح النار على أعدائهم قبل تميّز الصفوف وإقامة دولة الحق، فيقعون في الفتنة والضياع. وإنما الواجب على المسلمين اليوم إقامة الدين في طائفة الحق التي ستفرز يومًا قريبًا بإذن الله الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي سيكون وصولها نذير سوء لكل مناهج الكفر والظلم وجيوش البغي في الأرض. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1956

[لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك] (١). وله شاهد عنده من حديث المغيرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لن يزالَ قَوْمٌ من أمتي ظاهرين على الناس، حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: [لن يَبْرَحَ هذا الدينُ قائمًا، يُقاتل عليه عِصابةٌ من المسلمين، حتى تقوم الساعة] (٢). وله شاهد عنده من حديث جابر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة]. وشاهد آخر من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة]. وأهل الغرب: هم أهل الشام. وشاهد ثالث من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرّهم مَنْ خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (٣). وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. أي: توكل سبحانه بالنصر والتأييد لأهل

стр. 1957

استقامة المنهج، ووعدهم الظهور على عدوهم في كل زمان، إذا ما أقاموا أمره ورفعوا لواء دينه الحق على منهاج النبوة. ١٢٤ - ١٢٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾. في هذه الآيات: كَشْفٌ من الله تعالى لسلوك المنافقين عند نزول سورة من سور القرآن، إذ يقول قائلهم: أيكم زادته هذه السورة تصديقًا؟ فالمؤمنون يزدادون بها إيمانًا وهم يستبشرون. وأما المنافقون فيزدادون مرضًا ورجسًا في قلوبهم ويموتون كافرين. ثم في الآيات توبيخ لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم كل عام مرة أو مرتين ليصدقوه الإيمان والعمل، ومع ذلك فلا هم يتوبون ولا هم يتعظون. بل إذا أنزلت سورة على رسول الله ﷺ تغامزوا بالعيون والتفت بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا من مجلسه ﷺ خشية الفضيحة، والله تعالى بعدله وحكمته يصرف قلوبهم عن تدبر هذا القرآن لأنهم قوم لا يفقهون. قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾، قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها، فزادهم الله إيمانًا وتصديقًا، وكانوا يستبشرون). وعن الربيع: (﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال: خشية). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن على نبيه محمد ﷺ ، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله في هذه السورة من يقول: أيها الناس، أيكم زادته هذه السورة إيمانًا؟ يقول: تصديقًا بالله وآياته. يقول الله: ﴿فَأَمَّا

стр. 1958

الَّذِينَ آمَنُوا﴾، من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة التي أنزلت، ﴿إِيمَانًا﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين). وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: نفاق وشك وريبة وسوء ظن بالله ودينه، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: زادهم نزول تلك الآيات مرضًا إلى مرضهم، ونفاقًا ونتنًا في تصورهم، وقبحًا في منهاجهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. أي: هلكوا وفارقوا الدنيا على الكفر بالله ورسوله، والشك والريبة والنفاق. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. توبيخ من الله لهؤلاء المنافقين حيث يختبرهم ربهم في أحد الأعوام مرة وفي بعضها مرتين، ثم هم مع ذلك البلاء والاختبار لا يرجعون من نفاقهم ولا يتوبون ولا يتعظون. ومن أقوال المفسرين في ذلك: ١ - عن مجاهد قال: (يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين). وقال: (بالسنة والجوع). ٢ - وعن قتادة قال: (يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين). ٣ - عن حذيفة قال: (كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضلُّ بها فئام من الناس كثير). أو قال: (كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان). والمقصود أن المنافقين يفتنون بما يشيعه المشركون من الأكاذيب على رسول الله ﷺ وأصحابه فيمشون بالكذب والضلال. ويجمع هذه الأقوال فَصْل شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ حيث يقول: (إن الله عجَّبَ عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، وَوَبَّخَ المنافقين في أنفسهم بقلّة تذكرهم، وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظُ الشدائدَ التي ينزلها بهم من الجوع والقحط، وجائزٌ أن تكون ما يريهم من نُصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائزٌ أن تكون ما يظهرُ للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم، بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله ﷺ وأصحابه).

стр. 1959

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. إخبار منه سبحانه عن سلوك هؤلاء المنافقين عند نزول سورة على النبي ﷺ ، فهم يتلفتون بين بعضهم، ويتغامزون فيما بينهم، هل يراكم أحد إن تناجيتم بمعايب القوم فيخبرهم، ثم يقومون منصرفين ولم يستمعوا التنزيل الذي فيه خزيهم وذكر معايبهم، لقد صرف الله قلوبهم عن الحق وأزاغها بأنهم قوم لا يفقهون. قال النسفي: (﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ تغامزوا بالعيون إنكارًا للوحي وسخرية به قائلين ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم، أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته ﵇ ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن حضرة النبي ﵇ مخافة الفضيحة ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن فهم القرآن ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يتدبرون حتى يفقهوا). ١٢٨ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾. في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على العرب أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم لا من غيرهم، يَعِزُّ عليه مشقتهم، حريص على هدايتهم ونجاتهم وسعادتهم، بالمؤمنين رفيق رحيم. فإن أعرضوا عما جئتهم به - يا محمد - من الشريعة العظيمة السمحة فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعليه اعتمدت، فهو ناصري ومؤيدي ومعيني، وهو رب العرش العظيم. فقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للعرب: لقد جاءكم، أيها القوم، رسول الله

стр. 1960

إليكم، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، تعرفونه، لا من غيركم فتتهمونه على أنفسكم في النصيحة لكم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى - يحكي دعوة إبراهيم ﵊ لهذه الأمة -: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ومن أقوال المفسرين: ١ - عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، قال: (لم يصبه شيء من شركٍ في ولادته). وقال: (لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية). ٢ - وقال قتادة: (﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾، قال: جعله الله من أنفسهم، فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة). ومن السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس: [- في سؤال هرقل لأبي سفيان - كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. . . فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه؟ فذكرْتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبْعَثُ في نسب قومها] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح من حديث أم سلمة ﵂ في قصة الهجرة إلى الحبشة ومخاطبة جعفر للنجاشي - قال له: [أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل المَيْتَةَ ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا

стр. 1961

منا، نعرف نَسَبَه وصدقه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى الله تعالى. .] الحديث (١). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: [خرجت من نكاح، ولم أخرج من سِفاح، من لدنْ آدم، إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء] (٢). الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم من حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (٣). وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾. قال القرطبي: (أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة). وقال القاسمي: (أي شديد عليه شاق، لكونه بعضًا منكم، عنتُكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب). ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ في وصف النبي ﷺ أشد ما لقي من قومها في يوم العقبة - قال: [فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قولَ قومِكَ لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمعَ قولَ قومكَ لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - هما جبلا مكة أبو قبيس والمقابل -؟ فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرجَ الله من أصلابهم من يَعْبُدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا] (٤).

стр. 1962

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن ابن عباس قال: [سئل النبي ﷺ أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال: الحنيفية السمحة. وفي لفظ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس مرفوعًا: [يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا] (٢). وكان إذا بعث أحدًا من أصحابه أوصاه بذلك، وقال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: [يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٣). وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي: على هدايتكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة. قال قتادة: (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، حريص على ضالهم أن يهديه الله). وقال: (حريص على من لم يسلم أن يسلم). وقال ابن جرير: (حريص على هدى ضُلّالِكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق). ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: [تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ : ما بقي شيءٌ يُقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم] (٤). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [مثلي ومثلُ ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: رأيت الجيش بِعَيْني، وإني

стр. 1963

أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فأطاعه طائفة فأدلجوا على مَهْلِهم فنَجوا، وكذّبته طائفة فَصَبَّحَهُم الجيش فاجتاحهم] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إنما مثلي ومثل الناس: كمثلِ رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقَعْنَ فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فأنا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النار وأنتم تَقَحَّمُونَ فيها] (٢). وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: رفيق رحيم. قال النسفي: (قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ ). وفي التنزيل: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾. أي إن أعرضوا وأنكروا ما جئتهم به من الشريعة العظيمة والدين الحق فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، فهو ناصري ومعيني، وهو رب العرش العظيم الذي كل مخلوق آخر دونه. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣). وفي الصحيحين عنه أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اللهم لك أسلمتُ وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزّتك، لا إله إلا أنت أن تضِلّني، أنت الحَيُّ الذي لا يموتُ، والجنُ والإنس يموتون] (٤).

стр. 1964

وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس أيضًا: [أن نبيَّ الله ﷺ كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات والأرض وربُّ العرش الكريم]. وفي رواية: [كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات، وربُّ الأرضِ، ورَبُّ العرش الكريم] (١). تم تفسير سورة التوبة بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه ° ° °

стр. 1965

دروس ونتائج وأحكام ١ - براءة الإسلام من التعاقد والتعاون مع المشركين فيما فيه تقريبهم وإعزازهم. ٢ - لا يدخل الجنة كافر، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ٣ - لا يحج في البيت مشرك، ولا يطوف به عريان. والحج الأكبر يوم النحر. ٤ - المشركون لا يرقبون في المؤمنين إلّا ولا ذمة، بل لا يجدون حرجًا في نقض العهد والكذب وإظهار الشماتة وإيقاع الضرر والأذى. ٥ - إذا استأمن المشرك فأمنوه حتى يسمع كلام الله، ولا بد من أخذ الحذر. ٦ - الجهاد اختبار من الله لصدق المؤمنين، والنصر من عند الله العلي العظيم. ٧ - الإيمان والجهاد فوق عمارة المسجد وسقاية الحاج. ٨ - كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله ولي المتوكلين. ٩ - مانع الزكاة يمثل ماله شجاعًا أقرع يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة. ١٠ - الأشهر الحرم: رجب مضر، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ١١ - الإثم أبلغ في الأشهر الحرم، والمعاصي أغلظ في الحرم. ١٢ - النسيء: تحريم صفر بدل المحرم، وهذا هو الزيادة في الكفر. ١٣ - المجاهد: إن استشهد دخل الجنة، وإن بقي فاز بالأجر والغنيمة. ١٤ - المنافقون: إن أعطاهم الرسول رضوا، وإن منعهم سخطوا. ١٥ - الزكاة ليست لغني أو قوي، بل للفقير والمسكين والجابي والمؤلفة قلوبهم، وللعتق، وللغارمين، وفي سبيل الله: ويشمل الحج والغزو، وللمسافر المحتاج للمعونة. ١٦ - الولاء والبراء جزء من منهاج الإيمان عند المؤمنين. ١٧ - تحريم الصلاة على المنافقين، ولا عذر بالتخلف عن الجهاد للأغنياء القادرين. ١٨ - الأعراب جفاة، ومنهم من هو أشد كفرًا ونفاقًا. ويستثنى الأعراب المؤمنون المتصدقون.
следующие страницы →