منا، نعرف نَسَبَه وصدقه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى الله تعالى. .] الحديث (١).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: [خرجت من نكاح، ولم أخرج من سِفاح، من لدنْ آدم، إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم من حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (٣).
وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾.
قال القرطبي: (أي يعز عليه مشقتكم. والعنت: المشقة).
وقال القاسمي: (أي شديد عليه شاق، لكونه بعضًا منكم، عنتُكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب).
ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ في وصف النبي ﷺ أشد ما لقي من قومها في يوم العقبة - قال: [فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قولَ قومِكَ لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملكُ الجبال، وسلّم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمعَ قولَ قومكَ لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - هما جبلا مكة أبو قبيس والمقابل -؟ فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرجَ الله من أصلابهم من يَعْبُدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا] (٤).
стр. 1962
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن ابن عباس قال: [سئل النبي ﷺ أي الأديان أحب إلى الله ؟ قال: الحنيفية السمحة. وفي لفظ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة] (١).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس مرفوعًا: [يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا] (٢).
وكان إذا بعث أحدًا من أصحابه أوصاه بذلك، وقال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: [يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا] (٣).
وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي: على هدايتكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة.
قال قتادة: (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، حريص على ضالهم أن يهديه الله). وقال: (حريص على من لم يسلم أن يسلم).
وقال ابن جرير: (حريص على هدى ضُلّالِكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق).
ومن كنوز السنة الصحيحة في هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: [تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرنا منه علمًا. قال: وقال رسول الله ﷺ : ما بقي شيءٌ يُقرِّبُ من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم] (٤).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [مثلي ومثلُ ما بعثني الله كمثل رجل أتى قومًا فقال: رأيت الجيش بِعَيْني، وإني
стр. 1963
أنا النذير العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ. فأطاعه طائفة فأدلجوا على مَهْلِهم فنَجوا، وكذّبته طائفة فَصَبَّحَهُم الجيش فاجتاحهم] (١).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إنما مثلي ومثل الناس: كمثلِ رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقَعْنَ فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فأنا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عن النار وأنتم تَقَحَّمُونَ فيها] (٢).
وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: رفيق رحيم.
قال النسفي: (قيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ ).
وفي التنزيل: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٢١٥ - ٢١٧].
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.
أي إن أعرضوا وأنكروا ما جئتهم به من الشريعة العظيمة والدين الحق فقل الله يكفيني فلا معبود سواه، فبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، فهو ناصري ومعيني، وهو رب العرش العظيم الذي كل مخلوق آخر دونه.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: [حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣).
وفي الصحيحين عنه أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يقول: [اللهم لك أسلمتُ وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، اللهم إني أعوذ بعزّتك، لا إله إلا أنت أن تضِلّني، أنت الحَيُّ الذي لا يموتُ، والجنُ والإنس يموتون] (٤).
стр. 1964
وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس أيضًا: [أن نبيَّ الله ﷺ كان يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات والأرض وربُّ العرش الكريم].
وفي رواية: [كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات، وربُّ الأرضِ، ورَبُّ العرش الكريم] (١).
تم تفسير سورة التوبة
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
стр. 1965
دروس ونتائج وأحكام
١ - براءة الإسلام من التعاقد والتعاون مع المشركين فيما فيه تقريبهم وإعزازهم.
٢ - لا يدخل الجنة كافر، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
٣ - لا يحج في البيت مشرك، ولا يطوف به عريان. والحج الأكبر يوم النحر.
٤ - المشركون لا يرقبون في المؤمنين إلّا ولا ذمة، بل لا يجدون حرجًا في نقض العهد والكذب وإظهار الشماتة وإيقاع الضرر والأذى.
٥ - إذا استأمن المشرك فأمنوه حتى يسمع كلام الله، ولا بد من أخذ الحذر.
٦ - الجهاد اختبار من الله لصدق المؤمنين، والنصر من عند الله العلي العظيم.
٧ - الإيمان والجهاد فوق عمارة المسجد وسقاية الحاج.
٨ - كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله ولي المتوكلين.
٩ - مانع الزكاة يمثل ماله شجاعًا أقرع يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة.
١٠ - الأشهر الحرم: رجب مضر، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
١١ - الإثم أبلغ في الأشهر الحرم، والمعاصي أغلظ في الحرم.
١٢ - النسيء: تحريم صفر بدل المحرم، وهذا هو الزيادة في الكفر.
١٣ - المجاهد: إن استشهد دخل الجنة، وإن بقي فاز بالأجر والغنيمة.
١٤ - المنافقون: إن أعطاهم الرسول رضوا، وإن منعهم سخطوا.
١٥ - الزكاة ليست لغني أو قوي، بل للفقير والمسكين والجابي والمؤلفة قلوبهم، وللعتق، وللغارمين، وفي سبيل الله: ويشمل الحج والغزو، وللمسافر المحتاج للمعونة.
١٦ - الولاء والبراء جزء من منهاج الإيمان عند المؤمنين.
١٧ - تحريم الصلاة على المنافقين، ولا عذر بالتخلف عن الجهاد للأغنياء القادرين.
١٨ - الأعراب جفاة، ومنهم من هو أشد كفرًا ونفاقًا. ويستثنى الأعراب المؤمنون المتصدقون.
стр. 1966
١٩ - النهي عن سب الصحابة، فإنفاق مثل أحد ذهبًا لا يبلغ أعمالهم.
٢٠ - كل مسجد لا يؤسس على التقوى هو مسجد ضرار.
٢١ - هدم الحاكم المسلم لأماكن المعصية وتجمعات النفاق أو تغيير هيئاتها عما وضعت له مشروع، ولا حرمة لوقف إن بُني على معصية أو نفاق.
٢٢ - إن كان مسجد قباء أسس على التقوى، فمسجد الرسول ﷺ أولى.
٢٣ - المجاهدون في سبيل الله موعدهم الجنة، سواء قَتلوا أو قُتلوا، وسياحة هذه الأمة الجهاد.
٢٤ - جواز الهجر أكثر من ثلاثة أيام لسبب شرعي.
٢٥ - سعة رحمة الله وقبوله للتائبين، وأهمية الصدق وشؤم الكذب.
٢٦ - جواز إخبار المسلم عن تقصيره، وجواز مدح نفسه للحاجة لا للرياء.
٢٧ - بيعة العقبة هي من أفضل مشاهد الصحابة.
٢٨ - استحباب اتخاذ الديوان إذا ظهرت مصلحة ذلك.
٢٩ - استحباب تفقّد القائد لجنوده في مواطن مختلفة.
٣٠ - لا يتخلف عن جيش المسلمين إلا منافق أو صاحب عذر.
٣١ - حكم الإمام مبني على الظاهر، ويكل إلى الله السرائر.
٣٢ - جواز ترك رد السلام على من أحدث زجرًا وتأديبًا، والتبسم قد يكون عن الغضب والسرور.
٣٣ - تبريد حرّ المصيبة بالتأسي بالنظير.
٣٤ - جواز دخول المرء بُسْتان صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك.
٣٥ - استحباب الصحابة سجدة الشكر عند البشارة، واستحباب التسابق لِبَثِّها، وجواز إعطاء البشير أنفس المتاع.
٣٦ - استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية والقيام إليه عند قدومه لمصافحته وتهنئته.
٣٧ - أفضل أيام العبد يوم توبته وقبول الله منه ذلك، والله أشد فرحًا بذلك منه.
٣٨ - استحباب الصدقة عند التوبة ببعض المال.
٣٩ - الصدق علم المؤمنين والكذب علم المنافقين، وذلك في الدارين.
٤٠ - ما يصيب المؤمن من ظمأ ولا نصب ولا هم ولا غم إلا كفر الله به من خطاياه.
٤١ - النفقة لتجهيز جيش المؤمنين من أعظم القربات إلى الله .
стр. 1967
٤٢ - وجوب انصراف فئة من المؤمنين للتفقه في الدين.
٤٣ - الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهو بضع وسبعون شعبة.
٤٤ - قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
٤٥ - العرش سقف المخلوقات جميعًا سماءً وأرضًا.
° ° °
стр. 1968
١٠ - سُورَة يُونس
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٠٩)
موضوع السورة
دعوة الخلق والتذكير بآيات الله ونعمه وتحقير الدنيا وتأكيد عذاب المشركين في الآخرة. تكذيب الأمم الرسل ونزول عذاب الدنيا، وتدارك قوم يونس أمرهم بالجأر إلى الله والاستغفار، قبل نزول الهلاك والدمار.
- منهاج السورة -
١ - انتصار الله تعالى لهذا الكتاب الحكيم، بعد ذكر الحروف المقطعة التي تدل على إعجاز القرآن الكريم.
٢ - تعجب الناس من إرسال الله إليهم رسولًا منهم، واتهامه بالسحر.
٣ - دعوة الناس لإخلاص العبادة لله فهو المبدئ والمعيد، وللمؤمنين عنده البشرى وللكفار الوعيد.
٤ - تذكير الله تعالى عباده بآياته الكبيرة: الشمس والقمر والليل والنهار.
٥ - الإنسان يجأر لربه بالدعاء عند نزول المصاب والبلاء، فإذا فرج عنه رجع إلى الطغيان والشرك بالله أيام الرخاء.
стр. 1969
٦ - طلب المستكبرين استبدال هذا القرآن، ولا أظلم ممن كذب على الله وادّعى النبوة.
٧ - شفعاؤكم - أيها المشركون - لا ينفعونكم شيئًا، أتخبرون الله بما لا يعلم! .
٨ - ما أسرع الناس إلى تناسي نعم الله عليهم، فإذا هاج البحر ورأوا الهلاك أخلصوا لله تعالى الدين، فلما أنجاهم عادوا مشركين.
٩ - تمثيل بديع من الله لهذه الحياة الفانية، ووعده بجعل الأرض حصيدًا كأن لم تغن بالأمس عند ذروة استكبار أهلها.
١٠ - ذِكْرُ ثواب المحسنين يوم القيامة: الجنة ورؤية وجه الله الكريم، وجزاء الذين أشركوا وكسبوا السيئات الخزي وعذاب الجحيم.
١١ - أمْرُ الله يوم القيامة بفصل المشركين عن المؤمنين، وظهور دقائق الأعمال في صحائف الفريقين.
١٢ - محاكمات رفيعة: هل من يخلق كمن لا يخلق؟ ومن يهدي كمن لا يهدي؟ من المستحق للعبادة القادر على كل شيء أم العاجز؟ !
١٣ - تحدي الله المشركين المكذبين أن يأتوا بسورة. والرسول ﷺ قد أعجز الفصحاء بهذا القرآن وأسكت البلغاء والشعراء.
١٤ - الله تعالى لا يظلم أحدًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
١٥ - إخبار الله تعالى عن حتمية عذاب المشركين في الآخرة، وقد يطلع الله نبيه في حياته على عذابهم وقد يؤجل ذلك، والرسول ﷺ لا يعلم من علم الله إلا ما أطلعه الله عليه.
١٦ - القرآن شفاء لما في الصدور من شرك وغيره.
١٧ - المشركون أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أَحَلَّ، بأهوائهم.
١٨ - أولياء الله في أمن وأمان، وهم أهل الإيمان والتقوى، لهم الفوز والبشرى.
١٩ - المشركون يعلمون أن الله هو جبار السماوات والأرض، ثم يعبدون مماليكه.
٢٠ - ذكر خبر نوح وغرور قومه، وخبر موسى مع فرعون وملئه.
٢١ - آمن بموسى كافة بني إسرائيل، وقليل من قوم فرعون.
٢٢ - أُمِرَ بنو إسرائيل بالصلاة في بيوتهم، تجنبًا لاضطهاد فرعون.
٢٣ - نجّى الله فرعون ببدنه، ليتحقق بنو إسرائيل من هلاكه.
٢٤ - ما اختلف اليهود إلا بعد ما جاءتهم التوراة بالعلم الحق.
стр. 1970
٢٥ - صفات نبينا ﷺ مكتوبة في التوراة والإنجيل.
٢٦ - لا يؤمن أحد إلا بإذن الله، ويجعل الله الرجس على الذين لا يعقلون.
٢٧ - الأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض والاعتبار بمصير الأمم السالفة.
٢٨ - الأمر بإفراده تعالى في الدعاء، فالدعاء هو العبادة.
٢٩ - نزول الضر بيد الله، ولا يكشفه إلا الله، ونزول النفع بإذن الله، ولا يغيّره إلا الله.
٣٠ - الأمر بالصبر على منهاج النبوة حتى يفصل الله بين المؤمنين والكافرين، والله خير الفاصلين.
° ° °
стр. 1971
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾.
في هذه الآيات: انتصارٌ من الله تعالى لهذا الكتاب الحكيم، بعد ذكر الحروف المقطعة التي تفيد الإعجاز لهذا القرآن العظيم. أَفَعَجِبَ الناس أن بعث الله رجلًا منهم ينذرهم غضبه تعالى إن عصوه، ويبشر المؤمنين ببشائر الخير والسعادة مقابل ما أطاعوه، لقد كذب الكافرون واتهموا رسول ربهم بالسحر والجنون. إن ربكم - أيها الناس - هو رب العالم كله، سماواته وأرضه، خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على عرشه يدبر الأمر ويصرف المقادير، ولا يشفع أحد يوم القيامة إلا بإذنه، فأخلصوا له العبادة، فَمَرْجِعُكُم إليه، فهو المبدئ والمعيد، وللمؤمنين عنده البشرى وللكفار الوعيد.
فقوله: ﴿الر﴾ - تقدم الكلام على مفهوم الحروف المقطعة في أوائل سورة البقرة وآل عمران. وخلاصة القول: هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، وهو مع ذلك الكلام المعجز الذي لا يمكن لبشر أن يأتي بسورة من مثله.
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ - تأكيد لإعجاز هذا القرآن، فهو كلام الله
стр. 1972
العظيم، وهذه الآيات هي آيات هذا الكتاب المحكم، الذي أحكمه الله وبيَّنه لعباده.
وفي التنزيل: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
قلت: ومن ذهب من المفسرين إلى أن المقصود التوراة والإنجيل أو الزبور فلا مناسبة له ولا وجه، بل السياق يدل على أن الوصف للقرآن الكريم.
وقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾. قال ابن عباس: (لما بعث الله محمدًا رسولًا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]).
وعن ابن ابن جريج قال: (عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]، قال الله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩]).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم، بِإنْذارِهِم عقاب الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجّبوا من وحينا إليه).
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال الضحاك: (ثواب صدق). وقال مجاهد: (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: الأعمال الصالحة). وقال ابن عباس: (يقول: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم). وقال ابن أبي مغيث عن مجاهد: (صلاتهم، وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم). وقال: (﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: خير).
٢ - قال ابن عباس: (﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول).
٣ - وعن قتادة: (أي: سلف صدق عند ربهم). وعن الحسن: (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾، قال: محمد شفيع لهم).
واختار ابن جرير قول من قال: أن لهم أعمالًا صالحة عند الله، يستوجبون بها منه الثواب. قلت: ولا مانع من بقية المعاني، فمن أسلف في العمل الصالح ومات عليه
стр. 1973
فإن السعادة قد سبقت له في اللوح المحفوظ، وتناله شفاعة النبي ﷺ بإذن الله يوم القيامة، وكذلك كل بشائر الخير.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢، ٣].
٢ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وفي سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي أمامةَ - صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يَخْطُبُ في حَجَّةِ الوداع فقال: [اتقوا الله، وصلوا خَمْسَكُم، وصوموا شَهْرَكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أُمَرَاءَكُم، تدخلوا جَنَّة ربِّكم] (١).
قال النسفي: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي سابقة وفضلًا ومنزلة رفيعة، ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدمًا كما سميت النعمة يدًا لأنها تعطى باليد، وباعًا لأن صاحبها يَبُوع بها).
وقوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.
قرأ أهل المدينة والبصرة: ﴿إن هذا لسِحْر مبين﴾ - يعنون القرآن.
وقرأ أهل الكوفة وجماعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ - يعنون النبي ﷺ . وكذبوا فيما قالوا على التأويلين، وهو دليل عجزهم أمام هذا الوحي العظيم، وصدق النبي ﷺ الكريم، صلوات الله عليه وعلى جميع المرسلين.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.
أي: إن الله ربكم هو رب العالم كله، سماواته وأرضه، وما فيهن من ألوان الخلائق، فقد أبدع السماوات والأرض في ستة أيام - كهذه الأيام - ثم علا على
стр. 1974
العرش، فله الكبرياء وحده وتصريف أمور هذا الكون بيده. قال مجاهد: (﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يقضيه وحده).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: [خلق الله التربة في السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).
وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).
وقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾. أي: لا يتجرأ أحد على الشفاعة لأحد يوم القيامة إلا من بعد إذن الله تعالى.
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كان يوم القيامة ماجَ الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده
стр. 1975
بتلك المحامد وأخِرُّ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي. .] الحديث (١).
ويروي الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [صنفان من أمتي لن تنالَهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢).
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: هذه بعض صفات ربكم العظيم في الخلق والتصريف والتدبير، فأفردوه بالعبادة والتعظيم، فإنه لا تصلح العبادة والإنابة والرجاء والدعاء إلا له، أفلا تتعظون وتعتبرون.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
أي: إن مآلكم ومعادكم - أيها الناس - في نهاية المطاف إليه سبحانه، فهو الذي بدأ إنشاء الخلق وإحداثه، ثم هو يعيده بعد فنائه وبلائه، ليقوم الجميع بين يدي رب العالمين، فيقابل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فالمؤمنون في غبطة وسرور، والكافرون في جحيم وسعير، فتبارك الله العلي العظيم.
وعن مجاهد: (﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال: يحييه ثم يميته، ثم يحييه).
أو قال: (يحييه، ثم يميته، ثم يبدؤه، ثم يحييه). وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ - قال مجاهد: (بالعدل). وقال ابن جرير: (﴿بِالْقِسْطِ﴾، يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسنَ من الثواب، والصالحَ من الجزاء في الآخرة وذلك هو "القسط"، و"القسط" العدلُ والإنصاف).
وأما الشراب الحميم فهو الشراب الذي أُغلي واشتد حرّه، فهو كالمهل يشوي الوجوه. وأصله في لغة العرب محموم، فهو مفعول صرف إلى فعيل، والمحموم: المُسَخَّن. قال الرازي: (الحميم: الماء الحار) - وكل مسخن عند العرب فهو حميم.
стр. 1976
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٧, ٥٨].
٢ - قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣, ٤٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٣].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [ناركم هذه التي يُوقد ابن آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من حرّ جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها] (١).
وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (٢).
٥ - ١٠. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ
стр. 1977
النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن بعض آياته الكبيرة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فقد جعل شعاع الشمس ضياء وجعل سلطانها بالنهار، وجعل شعاع القمر نورًا وجعل سلطانه بالليل، وقدّر القمر منازل لحساب أوقات السنين وعدد الأيام ومعرفة مواسم الخير، خلق ذلك كله بالحق لقوم يعلمون. إن في تعاقب الليل والنهار وما أبدع الله من الخلق في أرجاء السماوات والأرض لآيات للمتقين. إنَّ الذين اختاروا الركون إلى هذه الحياة الدنيا الزائلة وتجاهل الحياة الآخرة الباقية وما وجب في حق الله عليهم لمآلهم إلى نار الجحيم. وأما المؤمنون الذين عملوا الصالحات فيرشدهم ربهم يوم القيامة إلى منازلهم في جنات النعيم. ينطقون بالتسبيح ويُحيون بالسلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ - أي للعالمين بالنهار. ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ - أي لهم بالليل.
قال القاسمي: (والضياء أقوى من النور). و ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ - أي القمر. قال ابن كثير: (فأول ما يبدو صغيرًا ثم يتزايد نوره وجرمُه، حتى يستوسقَ ويكمُلَ إبدارُه، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩، ٤٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ - فبحركة الشمس تُعرف الأيام، وبمنازل القمر ومسيره تُعرف الشهور والأعوام. قال القاسمي: (لكون منازله معلومة محسوسة، وتعلق أحكام الشريعة به، وكونه عمدة في تواريخ العرب ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ أي حساب الشهور والأيام، مما نيطَ به المصالح في المعاملات والتصرفات).
وقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾. أي: ما كان هذا النظام البديع في الخلق عن عبث، بل من ورائه حكمة بالغة وحجة من الله تعالى على خلقه.
стр. 1978
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. أي: يبين الحجج والأدلة لقوم يتدبرونها فيعلمون ما وراءها من غاية الخلق وواجبات العبودية لله وكمال التعظيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.
أي: إن تعاقب الليل والنهار، وهذا الخلق العجيب المنتشر في أرجاء السماوات وأنحاء الأرض وأعماق المحيطات والبحار، كله آيات عظيمة دالة على وجوب تعظيم الواحد القهار، وصرف العبادة له وحده والخوف من معصيته وغضبه فهو العزيز الجبار.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
أي: إن الأشقياء الذين آثروا الركون إلى هذه الحياة الدنيا يلهثون وراء زينتها وشهواتها بما يسخط الله تعالى، وهم لا يرجون لقاءه ولا الدار الآخرة، بل إنهم كفروا بالله واليوم الآخر، فهؤلاء مصيرهم عذاب الخزي في نار جهنم بما كانوا يكسبون.
قال قتادة: (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، قال: إذا شئت رأيتَ صاحب دُنْيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها
стр. 1979
يسخط، ولها يرضى). وقال ابن زيد: (هؤلاء أهل الكفر).
وقال الحسن: (والله ما زيَّنوها ولا رَفَعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعيّة فلا يأتمرون بها، فإن مأواهم يومَ معادهم النار، جزاءً على ما كانوا يكسبون في دُنياهم من الآثام والخطايا والأجرام، مع ما هُم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
هذه هي المرتبة الرابعة من مراتب الهداية كما وردت في القرآن والسنة. فإن مراتب الهداية:
١ - هداية الخالق خلقه لمصالحهم.
٢ - هداية الدلالة والإرشاد.
٣ - هداية التوفيق والإلهام.
٤ - هداية الله المؤمنين يوم القيامة إلى الجنة.
فقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. قال مجاهد: (يكون لهم نورًا يمشون به).
وقال ابن جرير: (يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦].
قال مجاهد: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ الآية. يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا).
وقال ابن عباس: (هم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم).
وقال محمد بن كعب: (يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة).
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أن نبيَّ الله ﷺ قال: [إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في
стр. 1980
الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا] (١).
وفيه وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة] (٢).
والخلاصة: إن أهل صدق الإيمان واليقين بالله واليوم الآخر وقد تهيؤوا للقاء ربهم بالعمل الصالح يرشدهم ربهم يوم القيامة بنور إيمانهم إلى مساكنهم في الجنة تجري تحتهم الأنهار في بساتين النعيم.
وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
إخبار من الله تعالى عن دعاء المؤمنين في الجنة أنه تسبيح وتنزيه لله العظيم، الذي أولاهم هذا الخير من ألوان النعيم، والسلام تحيتهم فيما بينهم، والحمد لله ختام كل لذة ونعمة يرونها ويتنعمون بها.
قال قتادة: (﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾. ذلك دعاؤهم فيها، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس] (٣). وفي رواية: [قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك. يلهمون التسبيح والحمد].
أي: تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أول زمرة تَلِجُ الجنة صورتُهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصُقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتُهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامِرُهم الألُوَّة، ورشحُهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سُوقِها من وراء اللحم من الحُسنِ، لا اختلاف
стр. 1981
بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا] (١).
قلت: وهذا يدل على ارتفاع العبادات والتكاليف عن أهل الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة.
ومعنى سبحانك هو تنزيه الرب تعالى وتعظيمه وإجلاله عما لا يليق به.
وقال علي ﵁: (هي كلمة رضيها الله تعالى لنفسه).
وقد أفاد ابن القيم ﵀ في مفهوم هذه الآية فقال: (الدعوى مثل الدعاء، والدعاء يراد به الثناء ويراد به المسألة. وفي الحديث: أفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين. فهذا دعاء ثناء وذكر يلهمه الله أهل الجنة. فأخبر الله سبحانه عن أوله وآخره، فأوله تسبيح، وآخره حمد يلهمونهما، كما يلهمون النفس. وفي هذا إشارة إلى أن التكليف في الجنة يسقط عنهم، ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوة التي يلهمونها. وفي لفظة ﴿اللَّهُمَّ﴾ إشارة إلى صريح الدعاء فإنها متضمنة لمعنى يا الله فهي متضمنة للسؤال والثناء) (٢).
١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أنه لو يعجل استجابته لكثير من دعائهم أثناء غفلتهم كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم، ويَدَعُ سبحانه الذين لا يؤمنون بالحساب في تمردهم وغيّهم يترددون. إنه إذا نزل بالإنسان الضر سارع إلى الدعاء لكشفه، فإذا
стр. 1982
كشفه الله له تنكّر لشكره وزيّن له الشيطان الكبر والعجب والغرور. لقد أهلك الله أممًا كثيرة عاشت على الكبر وكذبت الرسل فأذاقها الله ما يذيق المجرمين. ثم جعلكم - أيها الناس - سكانًا في الأرض من بعدهم، لِتُمْتَحنوا كما امتَحَنَ من قبلكم ولينظر كيف تعملون.
فقوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾.
قال مجاهد: (قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه! فلو يعجِّلُ الله الاستجابة لهم في ذلك، كما يستجاب في الخير، لأهلكهم).
والآية تدل على حلم الله سبحانه ولطفه بعباده، فإنه لو استجاب دعاء الداعي منهم - حالة غضبه أو ضيقه - وهو يدعو على نفسه أو ماله أو ولده أو أهله لأصابهم العنت والهلاك ولنزل بهم ما يحذرون من الضيق والهمّ. قال ابن جرير: (﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، يقول: لهلكوا، وَعُجِّلَ لهم بالموت، وهو الأجل).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: [دخل رسول الله ﷺ على أبي سَلمَةَ وقد شَقَّ بَصَرُه، فأغْمَضَهُ، ثم قال: إن الروح إذا قُبضَ تبعه البصر. فَضَجَّ ناسٌ من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. . .] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تَدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على
стр. 1983
خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نَيْل فيها عطاء فيستجيبَ لكم] (١).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط البخاري، عن أم الفضل ﵂: [أن رسول الله ﷺ دخل عليهم، وعباس عم رسول الله ﷺ يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله ﷺ : يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنًا، فان تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمن الموت] (٢).
وقوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
أي: فندع الذين لا يؤمنون بالحساب والبعث ولا يخافون العاقبة في تمردهم وطغيانهم وغيّهم يترددون.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾.
قال ابن جريج: (﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ قال: مضطجعًا). وقال ابن جرير: (﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه، ﴿لِجَنْبِهِ﴾، يعني مضطجعًا لجنبه، ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾، بالحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرّ به).
وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.
أي: حتى إذا استجاب الله له وكشف عنه ما نزل به من الضيق والهم والمصيبة عاد لغفلته ونسي شكر ربه على ما فرّج عنه، وربما خاض من جديد في طريقته الأولى في العتو والكبر والإسراف.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - ذمٌّ لمن كان هذا حاله في التقلب، فهو يستكين ويتواضع لربه عند النازلة، ثم لا يلبث أن يعود لتكبره عن شكره تعالى وعبادته عند الفرج والفرح.
стр. 1984
وفي التنزيل من آفاق هذا المعنى:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١].
فاستثنت الآية من تلك الصفة الذميمة أهل الإيمان والهداية والصبر، فإنهم حذرون من السقوط في تلك الهاوية، وبذلك جاءت نصوص السنة العطرة، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن صُهَيْبٍ قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أَمْرَه كُلَّهُ له خَيْرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابَتْهُ سَرّاء شكَرَ، فكان خَيْرًا له، وإن أصابَتْهُ ضَرَّاءَ صَبَرَ، فكان خيرًا له] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والدارمي بسند صحيح على شرط مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطيالسي بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [عجبتُ للمسلم إذا أصابته مصيبةٌ احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمدَ الله وشكرَ، إنَّ المسلم يؤجرُ في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٣).
الحديث الرابع: يروي عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال
стр. 1985
رسول الله ﷺ : [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (١).
وفي لفظ: [عجبتُ للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
إخبار من الله تعالى عن مصير الأمم المكذبة رسلها فيما مضى، فقد نزل بهم العذاب والهلاك عند طغيانهم بعدما جاءتهم حجج الحق والوحي البالغة والمعجزات، وقد أصرّوا على الكفر والظلم حتى لو بقوا، ومن ثمَّ فإن طغاة مكة - يا محمد - داخلون في مصير من قبلهم من أولئك القوم المجرمين إن أصروا على الكفر والتكذيب بالقرآن والنبوة.
قال النسفي: (﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إن بقوا ولم يهلكوا، لأن الله علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وهو عطف على ﴿ظَلَمُوا﴾ أو اعتراض، واللام لتأكيد النفي، يعني أنّ السبب في إهلاكهم تكذيبهم للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ﷺ ).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
الخلائف: جمع خليفة، أي جعلناكم - أيها الناس - سكانًا في الأرض تخلفون أولئك القوم - وتلك القرون السالفة - الذين أهلكناهم، لينظر ربكم في أعمالكم هل تخالفون منهج أولئك الهالكين أم تستقيمون على طاعته وتعظيم شرعه ووحيه.
قال القرطبي: (﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي ليقع منكم ما تستحقون به الثواب والعقاب، ولم يزل يعلمه غيبًا. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر إظهارًا للعدل. وقيل: النظر راجع إلى الرسل، أي لينظر رسلنا، وأولياؤنا كيف أعمالكم).
قلت: والراجح هو نظر الرب سبحانه في أعمال عباده وأحوالهم التي اختبرهم بها، وهو أعلم بها، وإنما هو يحصيها عليهم ليوافيهم بها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥].
стр. 1986
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: [. . . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم - أيضًا - عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ : [إنّ الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُم فيها، فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوَّلَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (٣).
وقوله: "مستخلفكم" أي جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم. "فاتقوا الدنيا واتقوا النساء". أي: احذروا الافتتان بهذه الدنيا الفانية، وبأخطر ما فيها على الرجال، ألا وهي فتنة النساء، فقد ضلت أمم بذلك.
١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا
стр. 1987
تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك المستكبرين عند سماع قوارع القرآن تتلى عليهم، فهم في تنطع وغرور، يطلبون استبدال هذا القرآن في محاولة للنفور، فقل لهم يا محمد: إني لا أملك تبديله من تلقاء نفسي، وإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، وإني أخاف إن تجرأت على الوحي نحو تجرئكم عذاب يوم عظيم. إنه لو شاء الله ما سمعتم هذا القرآن ولا علمتم به، فقد مكثت فيكم عمرًا قبل أن أتلوه عليكم أفلا تعقلون؟ ! إنه لا أحد أشد ظلمًا ممن افترى الكذب على الله أو تطاول على آياته إنه لا يفلح المجرمون.
فقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ - إخبار من الله تعالى عن سوء سلوك الكافرين عند سماع حجج الحق وقوارع الوحي، فحاولوا صَرْفَ هذا البلاغ المبين والإنذار القويم إلى الهزل والتنطع بطلبهم غيره من نمَطٍ آخر، أو تبديله بغيره.
وقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. أي: قل لهم - يا محمد -: كيف لي أن أبدِّلَه وقد أوحاه الله إليّ، وإنما أنا رسول مُبَلِّغ عن الله تعالى.
وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
أي: إني أخشى إن بدلت وحيه - تعالى - وحولت حلاله أو حرامه إلى ما يناسب أهواءكم، وخالفت هديه ومنهاجه، فعصيته بذلك، عذاب يوم شديد الهول والآلام، يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وتحسب الناس سكارى وما هم بسكارى.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه). أو قال: (يقول: ما حذّرتكم به).
стр. 1988
وعن قتادة: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال: لبث أربعين سنة).
والخلاصة في معنى الآية: قل لهم - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين الذين يريدون تبديل هذا القرآن ليأتي بأحكام تناسب أهواءهم -: إنّ الله تعالى لو شاء ما حذّرتكم به ولا أعلمكم به، فقد مكثت فيكم أربعين سنة قبل أن أتلوه عليكم، وذلك قبل أن يوحيه الله إلي.
قال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أني لو كنت منتحلًا ما ليس لي من القول، كنت قد انتحلته في أيام شبابي وحَداثتي، وقبل الوقت الذي تلوته عليكم، فقد كان لي اليوم، لو لم يوحَ إليّ وأُومر بتلاوته عليكم، مندوحةٌ عن معاداتكم، ومتَّسَعٌ، في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحى إليَّ وأومر بتلاوته عليكم).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
أي: ليس هناك أشد ظلمًا وأكبر إجرامًا ممن تطاول بالكذب على الله أو كذّب بآياته. قال ابن كثير: (ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ ! ).
قلت: إنه ما من شخص يتصدى لأمر الناس إلا وسلّطَ الناس أنظارهم عليه لدراسة أحواله، فما تمر الأعوام إلا وقد انكشف على حقيقته، وخاصة إذا تقلب بين أوضاع الضعف والقوة، والخوف والأمن، والفقر والغنى، وقلة الأتباع وكثرتهم، والشدة والرخاء، كما حدث في حياة نبينا محمد ﷺ . وإذا تأملنا أحواله وجدْناها تشهد بأنها أحوال لا تكون إلا لنبي، ولقد شهد له قومه بالصدق فسمَّوه قبل أن يبعثه الله بالرسالة "الصادق الأمين"، حتى قال له أبو جهل: "إنا لا نكذبك، ولكن نكذِّبُ ما جئت به" فأنزل الله قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: [أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب. قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها
стр. 1989
الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام] (١).
١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: توبيخُ الله المشركين في عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم وادعائهم حصول الشفاعة لهم منهم، فقل لهم - يا محمد -: هل تخبرون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض! تنزه الله عما يشركون. إن الناس كانوا على دين واحد فتفرقت بهم السبل حين اتبعوا الشياطين، ولولا قضاء الله أن لا يهلك قومًا إلا بعد انقضاء آجالهم لفصل بينهم بإهلاك المجرمين ونجاة المؤمنين. إن المشركين يطالبون بالمعجزات لإثبات النبوة، والله تعالى يُقَدِّرُ ما يصلح شؤون عباده، وهو علام الغيوب.
فقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. أي: ويعبد هؤلاء المشركون - يا محمد - من دون الله ما لا يملك لهم نفعًا ولا ضرًا. قال النسفي: (﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادتها ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوها).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (وهذه غاية الجهالة منهم، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال. وقيل: ﴿شُفَعَاؤُنَا﴾ أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا).
وقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
стр. 1990
أي: قل لهم يا محمد، هل تنبئون الله بأمر غاب عنه، فهم شفعاء لكم من حيث لا يعلم! ! وهو ملك السماوات والأرض وما فيهن! ! تنزه الله وتعالى أن يكون له شريك.
أخرج البخاري ومسلم عن معاذ قال: [كنتُ رِدْفَ رسول الله ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا مُؤخرة الرحل فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١).
وفي المسند وصحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: [من مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخل النار] (٢).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾. قال مجاهد: (حين قتل أحد ابني آدم أخاه). وقال الزجاج: (هم العرب كانوا على الشرك). وقيل: كل مولود يولد على الفطرة، فاختلفوا عند البلوغ. والمقصود: أن الناس كانوا على دين واحد وملة واحدة ثم افترقت بهم السبل حين اتبعوا الشياطين. قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرةُ قرون، كُلُّهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعُبدت الأصنامُ والأندادُ، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحُجَجِه البالغة وبراهينه الدامغة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]).
أخرج البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣].
قال ابن عباس: [أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يَجْلِسُون أنْصَابًا وسَمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هَلَكَ أولئكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ] (٣).
стр. 1991
ثم انتقل الشرك إلى جزيرة العرب عن طريق الشقي عمرو بن لحي.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إنّ أول من سيَّبَ السوائب وعَبَدَ الأصنام أبو خزاعة عمرو بنُ عامر، وإني رأيته في النار يَجُرُّ أمعاءَه فيها] (١).
وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ولولا أنه سبق من الله أنه لا يهلك قومًا إلا بعد انقضاء آجالهم - لقضي بينهم بأن يُهلك أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. أي: يقول هؤلاء المشركون: لولا أنزل على محمد آية من ربه كدليل على ما يقول. قال ابن كثير: (يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أنْ يُحَوِّل لهم الصفا ذهبًا، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارًا، ونحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله).
قلت: والإيمان بالله لا يحتاج إلى دليل، فكل ما في هذا الكون الفسيح من السماوات والأرض والجبال والبحار والرياح والأقمار والمجرات يدل على الخالق العظيم، وإنما كان التحدي في إثبات النبوة، فأكرم الله نبينا ﷺ بهذا القرآن العظيم الذي شده العرب وألقاهم أمامه حائرين، وحملهم عند سماع قوارع آياته فخروا ساجدين. وإنما حاولوا تنطعًا سؤال المعجزات كبقية الأمم، وهذا الذي سألوه زيادة يشكل إنكارها خطرًا مضاعفًا على منكريها كما قال تعالى:
١ - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧].
٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
стр. 1992
٤ - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥].
ومع ذلك فقد استجاب الله تعالى - أمام إلحاح كفار قريش وطغاة مكة - فأراهم معجزة انشقاق القمر نصفين، إلا أنهم عادوا إلى كفرهم متهمين ما رأوا بالسحر شأن الأمم قبلهم لتحق سنة الله فيهم.
أخرج الترمذي من حديث أنس قال: [سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب] (١).
وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شِقَّتَين حتى رأوا حراءً بينهما] (٢).
وقد روى الحدث أيضًا - الإمام البخاري - عن شاهد عيان وهو عبد الله بن مسعود حيث قال: [انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال: اشهدوا، فذهبت فرقة نحو الجبل] (٣).
وقوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
قال النسفي: (﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة - ليس غير - ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول ما اقترحتموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات).
٢١ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
стр. 1993
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن مسارعة الناس إلى تناسي نعمة الله عليهم في إخراجهم من العسر إلى اليسر ومن الكرب إلى الفرج، بل إلى المكر في آياته والاستهزاء بشرعه، فقل لهم - يا محمد -: إن الله أسرع بكم مكرًا، وملائكته تكتب عليكم ما تمكرون. هو الذي يحملكم في البر والبحر آمنين، فإذا هاج البحر بكم ورأيتم الموت أخلصتم له الدعاء والدين، وعاهدتموه أن تكونوا من الشاكرين. فلما أنجاكم رجعتم إلى البغي متنكرين، وما بغيكم إلا على أنفسكم، فمآلكم إلى ربكم لو كنتم تعلمون.
فقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾. أي: فَرَجًا من بعد كرب، أو يسرًا من بعد شدة، أو عافية من بعد مرض، أو خِصْبًا من بعد جَدْب، أو مطرًا من بعد قَحْط، ونحو ذلك مما يجعل الله فيه بعد العسر يسرًا على الناس، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾. قال مجاهد: (استهزاء وتكذيب).
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين المستهزئين بالحق وتعظيم الوحي ومنهاج النبوة، الله أسرع مِحَالًا بكم وهو يستدرجكم من حيث لا تشعرون.
وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق معنى الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١).
стр. 1994
وفي رواية: ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. وفي لفظ: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).
قال قتادة: (بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سَلْوتهم ونعمتهم وغِرَّتهم. فلا تغتروا بالله).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله] (٢).
قال أبو سليمان الداراني: (ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فَسَد القلب).
الحديث الرابع: أخرج الشيخان من حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: [صلّى لنا النبي ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثْر سَماءَ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أصبحَ من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأمّا مَنْ قال: مُطِرنا بفضلِ الله ورَحْمتهِ فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وأمّا مَنْ قال: بِنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب"] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾. قال القرطبي: (يعني بالرسل الحَفظة).
وقال النسفي: (إعلام بأن ما تظنونه خافيًا لا يخفى على الله وهو منتقم منكم).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. أي: يُسَيِّرُكُم في البر على الظَّهر، وفي البحر في الفلك، يحفظكم ويكلؤكم بحراسته.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾. أي: حتى إذا ركبتم في السفن وجرت في البحر بريح طيبة فرح لها ركبان الفلك واطمأن الناس في رحلتهم،
стр. 1995
﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ أي: شديدة مفاجئة. ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾. أي: عصف الموج بركبان السفينة من كل اتجاه ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾. أي: أيقنوا أن الهلاك قد أحاط بهم وأحدق بمصيرهم، فهنالك أخلصوا لله الدعاء وأفردوه بالتعظيم لينجيهم.
وهو قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. قال قتادة: (إذا مَسَّهم الضرُّ في البحر أخلصوا له الدعاء).
وقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. أي: دعوا الله مخلصين له الدين، لئن كشفت عنا هذه الحال وكتبت لنا النجاة من أهوالها وظلماتها لنخلصن لك في الشكر والطاعة والعبادة.
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أي: فلما خلّصهم وأنقذهم رجعوا إلى العمل بالفساد والمعاصي. قال القرطبي: (والبغي: الفساد والشرك، من بَغى الجرحُ إذا فسد، وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بالتكذيب، ومنه بغت المرأةُ طلبت غير زوجها).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
أي: إن اعتداءكم - أيها الناس - إنما هو على أنفسكم، وظلمكم يعود بالوبال عليها، وهذا البغي والتفلت إنما هو متاع الحياة الدنيا الفانية. قال سفيان بن عيينة: (أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا).
قلت: وهذا الذي قاله سفيان منسجم مع الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ .
فقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من ذنب أحرى أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يُدَّخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والبغي] (١).
وقرأها ابن أبي إسحاق: ﴿متاعَ﴾ بالنصب على أنه مصدر، والتقدير: تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا، أو بالنصب على الحال أو الظرفية. في حين قرأها الباقون ﴿متاعُ﴾ بالضم، أي هو متاع الحياة الدنيا، وكلاهما مشهور عند القراء.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: إنما مآلكم ومصيركم في
стр. 1996
نهاية المطاف إلى الله سبحانه، وهو مخبركم بجميع ما كنتم تعملون ثم مجازيكم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنّ إلا نفسه.
٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: تشبيهُ الله تعالى حقيقة هذه الحياة الزائلة بالماء أنزله من السماء فأنبت به النبات، فاستهلكه الناس والدواب والأنعام. إنه إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها، وظن أهلها بما أوتوا من علم التحكم بشؤونها والسيطرة على تقلباتها، أنزل الجبار أمره فيها، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس عقابًا لأهلها، ويفصل سبحانه هذه الآيات لقوم يتفكرون. وهو - تعالى - يدعو عباده إلى الجنة دار السلام، والأمن والأمان، ويهدي من يستحق إلى صراطه المستقيم.
فقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ - تمثيل لحقيقة حال هذه الحياة الفانية البالية. قال ابن كثير: (ضرب تعالى مثلًا لزهرةِ الحياة الدنيا وزينتها وسُرعَةِ انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء، مما يأكلُ الناس من زَرْعٍ وثِمار، على اختلاف أنواعها وأصنافِها، وما تأكل الأنعام من أبّ وقَضْب وغير ذلك).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
إيذانٌ من الله تعالى بانهدام هذه الحضارة المادية الظالم أهلها، الذين أفادوا منها في البغي والظلم ونشر الفساد في الأرض، ولم ينتفعوا منها في إقامة العدل ورفع راية الحق، بل فرحوا بما أوتوا من العلم وظنوا أنهم تمكنوا من السيطرة على تقلبات الظواهر الطبيعية والكونية، فهنالك يأذن الله تعالى بوضع حدّ لهذا الكبر والغرور، إذ
стр. 1997
لا يليق الكبر إلا بالله العظيم، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٢, ٨٣].
- وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
ومن كنوز صحيح السنة ما يدل على آفاق هذا المعنى في اقتراب انقراض هذا البنيان المادي المهدّد من داخله بالدمار والخراب، وعودة أساليب القوة إلى ما كانت عليه في كشف البطولات وكفاءات الرجال والأبطال:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قَوْمًا صِغارَ الأعين، عِرَاض الوجوه، كان أعيُنَهم حَدَقُ الجراد، كأن وجوههم المِجانُّ المُطْرَقة، ينتعلون الشَّعْرَ، ويتخذون الدَّرْقَ، حتى يربطوا خيولهم بالنخل] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ذي مِخْبَر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم، فتُنْصَرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون، حتى تنزلوا بِمَرْج ذي تُلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلَبَ الصليبُ، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه فعند ذلك تغدرُ الروم، وتجمع للملحمة. (زاد بعضهم: فيثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)] (٢).
стр. 1998
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق (١)، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خَلُّوا بيننا وبين الذين سَبَوْا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلثٌ لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلثُ لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيحَ قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبيناهم يُعِدُّون للقتال يسوّون الصفوف، إذْ أُقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حَرْبَتِه] (٢).
وفي رواية من طريق ابن مسعود في تفصيل أكبر للحدث: [فبيناهم كذلك إذا سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: أن الدَّجال قد خلفهم في ذراريّهم، فيرفضون - أي يتركون - ما في أيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارسَ طليعة، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وأَلوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ].
والخلاصة: حتى إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها وتزينت بوسائل البذخ والترف والشهوات بما يسخط الله تعالى، وظن أهلها أنهم قد أصبحوا متحكمين بنباتها وصناعتها وآلاتها وتقلباتها جاء أمر الله فجأة بهلاك ما عليها من الحرث وآلات المكر والخزي ووسائل الترف في المعصية والكفر، فأحالها محصودة مهجورة خاوية على عروشها، كأن لم تكن اكتست بالأمس بألوان الكساء ومادّيات الحضارة وزخرفها.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. أي: نبيّنُها لقوم يعتبرون في حجج الله وآياته.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال قتادة: (الله هو السلام، ودارُه الجنة). وقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى الدنيا
стр. 1999
وسرعة زوالها، رغَّبَ في الجنة ودعا إليها، وسَمَّاها دارَ السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات). وقال ابن جرير: (وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانِه وكرامته).
٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.
في هذه الآيات: إعلامٌ من الله تعالى أن ثواب الذين أحسنوا دخول جنات النعيم، وزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وبعد ذلك لا يغشى وجوههم كآبة ولا حزن، بل هم في السرور والملذات خالدون. وأمّا الذين ظلموا وكسبوا السيئات فيعتريهم خزي وهوان، وظلمة في الوجوه وسواد، ولا عاصم لهم من الله، وهم في النار خالدون.
فقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾. أي: الجنة. قال ابن زيد: (الحسنى: الجنة). وتشمل ما فيها من القصور والحور والرضا عنهم والخلود في النعيم المقيم في بساتين عدن.
وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾. هي النظر إلى وجه الرحمان ﵎. قال قتادة: (وأما الزيادة، فالنظر إلى وجه الرحمان). وهو مروي عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن والسدي ومحمد بن إسحاق، وجمهور كبير من أئمة السلف والخلف.
قلت: وقد ثبت ذلك أصلًا من خبر النبي ﷺ في سنته المطهرة.
ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن صُهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنّةِ الجَنَّةَ، قال يقول الله ﵎: تُريدونَ شيئًا أزيدُكُم؟ فيقولون: ألَمْ تُبَيِّضْ وجوهَنا؟ أَلمْ تُدْخِلنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟ قال: فيكشِفُ الحجابَ، فما أُعْطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظرِ إلى ربهم ] (١). وفي رواية:
стр. 2000
[ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾]. وفي لفظ عند أحمد: [فيُكشَفُ الحجابُ، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم].
وقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾.
القتر: الغبار، جمع قَتَرة، والذلة: الهوان. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾، قال: سوادُ الوجوه). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، قال: بعد نظرهم إلى ربهم). والمقصود كما قال ابن جرير: (لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصيرَ من الحُزن كأنما علاها قترٌ).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما ذُكر، هم سكان الجنة وأهلها، وهم ماكثون فيها أبدًا لا يخافون زوال نعمة أو تنغيص لذة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. قال ابن عباس: (تغشاهم ذلة وشدّة). قال القرطبي: (ومعنى هذه المِثلية أن ذلك الجزاء مما يعدّ مماثلًا لذنوبهم، أي هم غير مظلومين، وفعل الرب - جلت قدرته وتعالى شأنه - غير معلَّل بعلة).
والخلاصة: الجزاء لأهل السيئات بالمثل ويعتريهم هوان وخزي من هول ما ينتظرهم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢, ٤٣].
وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. أي: لا يحول بينهم وبين عقاب الله أحد.
قال النسفي: (أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه).
وقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. قال ابن كثير: (إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة).