← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

نهاية المطاف إلى الله سبحانه، وهو مخبركم بجميع ما كنتم تعملون ثم مجازيكم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنّ إلا نفسه. ٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: تشبيهُ الله تعالى حقيقة هذه الحياة الزائلة بالماء أنزله من السماء فأنبت به النبات، فاستهلكه الناس والدواب والأنعام. إنه إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها، وظن أهلها بما أوتوا من علم التحكم بشؤونها والسيطرة على تقلباتها، أنزل الجبار أمره فيها، فجعلها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس عقابًا لأهلها، ويفصل سبحانه هذه الآيات لقوم يتفكرون. وهو - تعالى - يدعو عباده إلى الجنة دار السلام، والأمن والأمان، ويهدي من يستحق إلى صراطه المستقيم. فقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ - تمثيل لحقيقة حال هذه الحياة الفانية البالية. قال ابن كثير: (ضرب تعالى مثلًا لزهرةِ الحياة الدنيا وزينتها وسُرعَةِ انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء، مما يأكلُ الناس من زَرْعٍ وثِمار، على اختلاف أنواعها وأصنافِها، وما تأكل الأنعام من أبّ وقَضْب وغير ذلك). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. إيذانٌ من الله تعالى بانهدام هذه الحضارة المادية الظالم أهلها، الذين أفادوا منها في البغي والظلم ونشر الفساد في الأرض، ولم ينتفعوا منها في إقامة العدل ورفع راية الحق، بل فرحوا بما أوتوا من العلم وظنوا أنهم تمكنوا من السيطرة على تقلبات الظواهر الطبيعية والكونية، فهنالك يأذن الله تعالى بوضع حدّ لهذا الكبر والغرور، إذ

стр. 1997

لا يليق الكبر إلا بالله العظيم، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٢, ٨٣]. - وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. ومن كنوز صحيح السنة ما يدل على آفاق هذا المعنى في اقتراب انقراض هذا البنيان المادي المهدّد من داخله بالدمار والخراب، وعودة أساليب القوة إلى ما كانت عليه في كشف البطولات وكفاءات الرجال والأبطال: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قَوْمًا صِغارَ الأعين، عِرَاض الوجوه، كان أعيُنَهم حَدَقُ الجراد، كأن وجوههم المِجانُّ المُطْرَقة، ينتعلون الشَّعْرَ، ويتخذون الدَّرْقَ، حتى يربطوا خيولهم بالنخل] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ذي مِخْبَر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم، فتُنْصَرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون، حتى تنزلوا بِمَرْج ذي تُلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلَبَ الصليبُ، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه فعند ذلك تغدرُ الروم، وتجمع للملحمة. (زاد بعضهم: فيثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)] (٢).

стр. 1998

الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق (١)، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خَلُّوا بيننا وبين الذين سَبَوْا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلثٌ لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلثُ لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبيناهم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيحَ قد خلفكم في أهليكم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبيناهم يُعِدُّون للقتال يسوّون الصفوف، إذْ أُقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حَرْبَتِه] (٢). وفي رواية من طريق ابن مسعود في تفصيل أكبر للحدث: [فبيناهم كذلك إذا سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: أن الدَّجال قد خلفهم في ذراريّهم، فيرفضون - أي يتركون - ما في أيديهم، ويقبلون فيبعثون عشر فوارسَ طليعة، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وأَلوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ]. والخلاصة: حتى إذا ظهر حسن الأرض وبهاؤها وتزينت بوسائل البذخ والترف والشهوات بما يسخط الله تعالى، وظن أهلها أنهم قد أصبحوا متحكمين بنباتها وصناعتها وآلاتها وتقلباتها جاء أمر الله فجأة بهلاك ما عليها من الحرث وآلات المكر والخزي ووسائل الترف في المعصية والكفر، فأحالها محصودة مهجورة خاوية على عروشها، كأن لم تكن اكتست بالأمس بألوان الكساء ومادّيات الحضارة وزخرفها. وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. أي: نبيّنُها لقوم يعتبرون في حجج الله وآياته. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال قتادة: (الله هو السلام، ودارُه الجنة). وقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى الدنيا

стр. 1999

وسرعة زوالها، رغَّبَ في الجنة ودعا إليها، وسَمَّاها دارَ السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات). وقال ابن جرير: (وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانِه وكرامته). ٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾. في هذه الآيات: إعلامٌ من الله تعالى أن ثواب الذين أحسنوا دخول جنات النعيم، وزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وبعد ذلك لا يغشى وجوههم كآبة ولا حزن، بل هم في السرور والملذات خالدون. وأمّا الذين ظلموا وكسبوا السيئات فيعتريهم خزي وهوان، وظلمة في الوجوه وسواد، ولا عاصم لهم من الله، وهم في النار خالدون. فقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾. أي: الجنة. قال ابن زيد: (الحسنى: الجنة). وتشمل ما فيها من القصور والحور والرضا عنهم والخلود في النعيم المقيم في بساتين عدن. وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾. هي النظر إلى وجه الرحمان ﵎. قال قتادة: (وأما الزيادة، فالنظر إلى وجه الرحمان). وهو مروي عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن والسدي ومحمد بن إسحاق، وجمهور كبير من أئمة السلف والخلف. قلت: وقد ثبت ذلك أصلًا من خبر النبي ﷺ في سنته المطهرة. ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن صُهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنّةِ الجَنَّةَ، قال يقول الله ﵎: تُريدونَ شيئًا أزيدُكُم؟ فيقولون: ألَمْ تُبَيِّضْ وجوهَنا؟ أَلمْ تُدْخِلنا الجنة وتُنَجِّنا من النار؟ قال: فيكشِفُ الحجابَ، فما أُعْطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النَّظرِ إلى ربهم ] (١). وفي رواية:

стр. 2000

[ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾]. وفي لفظ عند أحمد: [فيُكشَفُ الحجابُ، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه ولا أقرَّ لأعينهم]. وقوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾. القتر: الغبار، جمع قَتَرة، والذلة: الهوان. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾، قال: سوادُ الوجوه). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾، قال: بعد نظرهم إلى ربهم). والمقصود كما قال ابن جرير: (لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصيرَ من الحُزن كأنما علاها قترٌ). وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما ذُكر، هم سكان الجنة وأهلها، وهم ماكثون فيها أبدًا لا يخافون زوال نعمة أو تنغيص لذة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. قال ابن عباس: (تغشاهم ذلة وشدّة). قال القرطبي: (ومعنى هذه المِثلية أن ذلك الجزاء مما يعدّ مماثلًا لذنوبهم، أي هم غير مظلومين، وفعل الرب - جلت قدرته وتعالى شأنه - غير معلَّل بعلة). والخلاصة: الجزاء لأهل السيئات بالمثل ويعتريهم هوان وخزي من هول ما ينتظرهم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢, ٤٣]. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. أي: لا يحول بينهم وبين عقاب الله أحد. قال النسفي: (أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه). وقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. قال ابن كثير: (إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة).

стр. 2001

والقطع: جمع قطعة، قال قتادة: (﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾، قال: ظلمة من الليل). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢]. ومن كنوز السنة الصحيحة: أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جَهَنَّمَ يُسمى بُولسَ، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْنَ من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما سبق، هم أهل النار الذين هم ماكثون فيها والعياذ بالله. ٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم حشر الناس جميعًا في أرض المحشر، ثم أمْره الذين أشركوا لزوم أماكنهم وشركاءهم، فيقطع الله الأوصال التي كانت تربطهم، ثم يتبرأ الشركاء من عبادة شركائهم، والله شهيد على ما كانوا يكسبون. هنالك تُختبر

стр. 2002

الأنفس بما صدر عنها، وترجع الأمور إلى آمرها، ويحيق بالمستهزئين ما كانوا يفترون. فقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾. أي: نجمعهم في أرض المحشر، إنسهم وجنهم، وبرّهم وفاجرهم، ﴿جَمِيعًا﴾. أي: فلا نغادر منهم أحدًا. فهو في محل نصب حال. وقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾. قال ابن جرير: (أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم، أيها المشركون، وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان). وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]. وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾. قال النسفي: (ففرقنا بينهم وقطعنا أقرانهم والوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا). وقال ابن جرير: (يقول: ففرّقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به). وقوله: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾. قال القاسمي: (إذ لم تكن عبادتكم عن أمرنا، بل عن أمر الشيطان، فكنتم عابديه بالحقيقة، بطاعتكم إياه، وعابدي ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة، وأمانيّ كاذبة). وقال القرطبي: (وذلك أنهم ادعوا على الشياطين الذين أطاعوهم والأصنام التي عبدوها أنهم أمروهم بعبادتهم ويقولون ما عبدناكم حتى أمرتمونا). قلت: ولا مانع من قولهم ذلك تملصًا من أمرهم لهم بالعبادة، وإنما يقولون اليوم ذلك كذبًا واحتيالًا للخلاص، عندما رأوا هول العذاب، وهذا ينطبق على حال بعض الشياطين والطغاة. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦, ١٦٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥, ٦].

стр. 2003

٣ - وقال تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]. ٤ - وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٢، ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾. قال مجاهد: (يقول ذلك كل شيء كان يُعْبَدُ من دون الله). قال ابن كثير: (وفي هذا تبكيتٌ عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، مِمّن لا يسمع ولا يُبصر، ولا يغني عنهم شيئًا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضيَ به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم، السميع البصير، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء. . .). وقوله: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾. قال مجاهد: (تختبر). وهناك قراءة أخرى مشهورة قرأها بعض أهل الكوفة والحجاز "تتلو" - قال ابن زيد: (تعاينه). وقيل بل معناه: تتبع كل نفس ما قدّمت في الدنيا لذلك اليوم، وقيل: بل المعنى: يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يوردوهم النار، وهذا المعنى وارد في السنة الصحيحة: أخرج عبد الله بن أحمد في "السنة" بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [. . . ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل ناس ما كان يتولى ويعبد في الدنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى فينطلقون، فيتمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ولمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير. .] (١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يعبدُ شيئًا فَلْيتَّبِعْه، فيتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمسَ الشَّمسَ، ويتَّبعُ مَنْ يَعْبُدُ

стр. 2004

القمرَ القمرَ، وَيتَّبِعُ مَنْ يَعْبُدُ الطواغيتَ الطواغيتَ. .] الحديث (١). وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. أي: رجعت الأمور إلى آمرها العزيز الحكيم، وصارت الأحوال في نهاية المطاف إلى الحكم العدل العلي العظيم، بعدما دخلت في حالة التخيير والابتلاء، فحصل ما حصل من كذب وافتراء، وظلم وبغي واستهزاء، فأدخل سبحانه أهل الجنة الجنة كرمًا منه وفضلًا، وأدخل أهل النار النار حكمة منه وعدلًا، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ - أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء وكذبًا على الله، وحاق بهم ما كانوا يعملون. ٣١ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾. في هذه الآيات: يقول تعالى لنبيه ﷺ : قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين: من الذي يرزقكم ويملك حماية أسماعكم وأبصاركم ويخرج الحي من الميت والميت من الحي وَيُصرِّف أمور هذا الكون؟ ! سيجيبوك: إنه الله. فقل لهم أفلا تتقون؟ ! ذلكم الله ربكم الحق وماذا يكون بمخالفة الحق إلا الوقوع في الباطل والضلال فأنى تصرفون! إنه كذلك لزمت كلمة ربك الفاسقين أنهم يعاندون ولا يؤمنون، عقاب الله لهم مقابل استكبارهم وإصرارهم على ما يعملون ويفسدون. فقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: الغيث والقطر من السماء، والشجر والنبت من الأرض. قال ابن جرير: (﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ - يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ : قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين بالله الأوثان والأصنام، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾، الغيث والقطر، ويطلع لكم شمسها، ويُغْطِشُ ليلها، ويخرج ضُحاها، ومن الأرض، أقواتكم وغذاءكم الذي ينبته لكم، وثمار أشجارها).

стр. 2005

وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾. قال النسفي: (أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، أو من يحميهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. فَصِحَّةُ هذه الآلات من النعم الجليلة التي يغفل عنها كثير من الناس ولا يؤدون حق شكرها. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (١). وأخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [اغتنم خَمسًا قبل خمس: حياتك قبلَ موتك، وصحتك قبل سقمكِ، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك] (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أي: يخرج الشيء الحيّ من الشيء الميت وبالعكس، كما سبق ذكره بآفاقه المختلفة، نحو النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. قال القاسمي: (أي ومن يلي تدبير أمر العالم كله، بيده ملكوت كل شيء، تعميم بعد تخصيص). وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. أي: سيعترفون بأن كل الأمر والخلق لله، فقل لهم عند ذلك: أفلا تخافون غضبه وتتقون عقابه فتفردوه سبحانه بالطاعة والعبادة والتعظيم.

стр. 2006

أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي تميمة، عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١). وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. أي: إن الذي أقررتم له بفعل ذلك كله هو الله ربكم وإلهكم الحق، فأفردوه بالتعظيم فإنه لا يستحق ذلك غيره، وكل معبود سواه باطل. قال ابن كثير: (وقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، أي: فكيف تُصْرَفُون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الربُّ الذي خلقَ كُلَّ شيء، والمتصرّف في كل شيء؟ ! ). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بسبب ما كان من إصرار المشركين على عبادة وتعظيم غير الله مع اعترافهم لله تعالى بالخلق والأمر، كان ما كتب الله في اللوح المحفوظ من استحقاق هؤلاء المشركين الشقاء في الدار الآخرة. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. ولكن هذه الكتابة في اللوح المحفوظ هي كتابة علم لا كتابة جبر، فإن أهل الشقاء اختاروا سبيلهم ذلك بأعمالهم، كما اختار أهل السعادة سبيل سعادتهم بأعمالهم. وفي الصحيحين عن علي ﵁ قال: قال رسول الله: [ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر

стр. 2007

لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾] (١). ٣٤ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ الله نبيّه متابعة الاحتجاج بقوارع الوحي على المشركين. قل لهم: هل يستطيع أحد من شركائكم بدء الخلق ثم إعادته؟ ! فالله القادر على ذلك وحده، فأنى تؤفكون؟ ! ثم قل لهم: هل من شركائكم من يملك هداية القلوب وانشراح الصدور للحق؟ ! إنّ الله هو القادر على ذلك وحده، أفيستحق العاجز أن يُعبد أم القادر؟ فكيف تحكمون؟ ! إنه ما يتبع أكثرهم - يا محمد - إلا الظن، والظن لا يفيد صاحبه من الحق شيئًا، والله عليم بما يفعلون. فقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾. أي: ينشئه من العدم، فيبدؤه من غير أصل "ثم يعيده" - قال ابن جرير: (يقول: ثم يفنيه بعد إنشائه، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه). وهذا احتجاج بديع من الله تعالى على هؤلاء المشركين الذين خلقهم ويعبدون غيره، وهو وحده القادر على بدء الخلق وإعادته. ومنه: قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ - قال الحسن: (أنى تصرفون). وقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ - قال ابن كثير: (أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يَهدِي الحيارى والضُّلَّال ويُقلب القلوب من الغيِّ إلى الرُّشد الله الذي لا إله إلا هو).

стр. 2008

وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. قال ابن جرير: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلّا أن يهدى؟ ). وقال النسفي: (أفمن يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله. وقيل معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن يهدى إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيًا ناطقًا فيهديه ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطل حيث تزعمون أنهم أنداد الله). وقرأ عامة قراء المدينة "أمَّن لا يَهْدِّي" بتسكين الهاء وتشديد الدال، في حين قرأها بعض قراء مكة والشام والبصرة: "يَهَدِّي" بفتح الهاء وتشديد الدال، وقرأها بعض قراء الكوفة "يَهِدِّي" بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وبعضهم قرأها "أمْ مَنْ لا يَهْدي". وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾ يريد الرؤساء منهم، أي ما يتبعون إلا حَدْسًا وتخريصًا في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدًا. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي من عذاب الله، فالحق هو الله. وقيل "الحق" هنا اليقين، أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يُكْتَفَى بالظن في العقائد. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد). ٣٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: تقرير من الله تعالى أن هذا الكتاب العظيم المعجز لا يقدر أحد

стр. 2009

على معارضته بمثله، وهو تصديق للكتب التي قبله، وفيه بيان مجمل الأحكام، وأمور الحلال والحرام، من الله رب العالمين. فإن زعم المبطلون أنك افتريته - يا محمد - فاسألهم أن يخوضوا في محاولةِ مشابهة سورة منه، وليستعينوا بمن شاؤوا لتحقيق ذلك إن كانوا صادقين. وإنما كذب المشركون بهذا القرآن تطاولًا وبغيًا ولم يقدروا حقه، شأن المكذبين الذين درجوا في الأمم عبر الزمان، ودكهم الله بعذابه، وأوعدهم في الآخرة أليم عقابه. إنه سيؤمن به بعضهم ويُصِدّ آخرون على الكفر به كما هو سابق في علم الله، فهو سبحانه عليم بالمصلحين والمفسدين. فقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ما ينبغي له أن يتخرّصه أحد من عند غير الله). وهذا بيانٌ من الله لإعجاز هذا الكتاب العظيم، فإنه لا يقدر أحد أو يتجرأ على مشابهته في فصاحته وبلاغته وجوامع كلمه وحلاوة آياته وعذوبة معانيه. وقوله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. أي: من الكتب قبله التي أنزلها الله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام، بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مِرْيَةَ فيه من الله رب العالمين). وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال القاسمي: (أي إن كان الأمر كما تزعمون، فأتوا على وجه الافتراء، بسورة مثله في البلاغة، وحسن الصياغة، وقوة المعنى، فأنتم مثل في العربية والفصاحة، وأشد تمرنًا في النظم، ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي ادعو من دونه تعالى، ما استطعتم من خلقه، للاستعانة به على الإتيان بمثله - إن صدقتم في أني اختلقته - فإنه لا يقدر عليه أحد). والآية في موضع التحدي الذي تدرج في مراتب ثلاث: المرتبة الأولى: المجيء بنظير هذا القرآن جملة. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. المرتبة الثانية: المجيء بعشر سور مثله. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣].

стр. 2010

المرتبة الثالثة: المجيء بسورة واحدة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. وهذه الآية هنا من سورة يونس هي في ذلك المقام الثالث من التحدي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. أي: بل كذب المشركون بهذا القرآن جهلًا بحقه فما عرفوه وما فهموه ولم يدركوا آفاق ما فيه من الهدى والدين الحق كما فعل المكذبون من الأمم قبلهم فانظر يا محمد كيف كان مصير من كذب وطغى وتعامل مع الوحي المنزل بالجهل والافتراء والهوى. قال ابن جرير: (﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، يقول: ولما يأتهم بعدُ بيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعّدهم الله في هذا القرآن). وقال القاشاني: (تأويله: أي ظهور ما أشار إليه في مواعيده، وأمثاله مما يؤول أمره وعلمه إليه، فلا يمكنهم التكذيب، لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قيل: المراد أهل مكة، أي ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن طال تكذيبه، لعلمه تعالى السابق فيهم أنهم من السعادة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ والمعنى ومنهم من يُصر على كفره حتى يموت، كأبي طالب وأبي لهب ونحوهما. وقيل المراد أهل الكتاب. وقيل هو عام في جميع الكفار، وهو الصحيح. قال: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي من يُصرّ على كفره، وهذا تهديد لهم). ٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: خطاب الله تعالى لنبيه ﷺ مُسَلِّيًا: إن أصَرَّ هؤلاء المشركون على

стр. 2011

تكذيبك فقل لهم: لي عملي ولكم عملكم، وكل سينال تبعة عمله. ومنهم من يستمعون إلى قولك ولكنهم لا يفقهون. ومنهم من ينظرون إليك ويقرؤون الصدق في وجهك ودلائل النبوة، ولكن غلبهم العمى فهم لا يبصرون. إن الله لا يظلم أحدًا: فمن استحق الهداية نوّر الله قلبه وبصيرته، ومن استحق الخذلان أعمى الله قلبه وبصيرته، فالناس هم أنفسهم يُسْعِدُون أو يظلمون. فقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾. أي: إن كذبك هؤلاء المشركون من قومك ويئست من إجابتهم - يا محمد - فتبرَّأ منهم ومن عملهم وقل لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، فلا يضرني عملكم ولا يضركم عملي، ولكم دينكم ولي دين، وهو قوله: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي: ومن هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك ولكنهم لا يفقهون ما تقول ولا يريدون. قال ابن جرير: (يقول: أفأنت تخلق لهم السمع، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به، أم أنا؟ . قال: وإنما هذا إعلامٌ من الله عبادَه أن التوفيق للإيمان به بيده لا إلى أحد سواه. يقول لنبيه محمد ﷺ : كما أنك لا تقدر أن تسمع، يا محمد، من سلبته السمع، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمري ونهيي قلبًا سلبته فهم ذلك، لأني ختمتُ عليه أنه لا يؤمن). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال النسفي: (ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون. أتحسب أنك تقدر على هداية الأعمى ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدث، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، يعني أنهم في اليأس من أن يقلبوا ويصدقوا كالصم والعمى الذين لا عقول لهم ولا بصائر). وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [تُعرض الفِتنُ كالحصير عودًا عودًا، فأي قَلبٍ أُشْرِبَها نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصيرَ على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف

стр. 2012

معروفًا ولا يُنْكر منكرًا، إلا ما أشربَ من هواه] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدًا شيئًا، وإن كان قد هدى به من هدى وبَصَّرَ به من العمى، وفتحَ به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأضلَّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، لعلمه وحكمته وعَدْلِه). وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي، إني حَرَّمت الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا فلا تظالموا. . . - إلى أن قال - يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسه] (٢). ٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن إقرار الناس يوم الحشر أنهم ما لبثوا في هذه الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم، لقد خسر يومئذ المكذبون وما كانوا راشدين. فإما نرينك - يا محمد - في حياتك خزي هؤلاء المشركين أو توفيناك قبل ذلك فإن مرجعهم إلينا والله شهيد على ما يفعلون. إنه ستعرض كل أمة على الله بحضرة رسولها والفصل يومئذ بالعدل وهم لا يظلمون. فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾. أي: ما لبثوا في دنياهم إلا قدر ساعة. قال ابن عباس: (رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة).

стр. 2013

وقال القرطبي: (يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث، دليله قولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. وقيل: إنما قصرت مُدّة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا لا مدة كونهم في القبر). قلت: وصرفها إلى مدة لبثهم في الدنيا أرجَح. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم، ثم انقطعت المعرفة، وانقضت تلك الساعة). ٢ - وقال ابن كثير: (وقوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرفُ الأبناءُ والآباءُ والقراباتُ بعضهم بعضًا، كما كانوا في الدنيا، ولكن كُلٌّ مشغولٌ بنفسه، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ [المعارج: ١٠ - ١٥]). ٣ - وقيل: وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح، ويقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر، وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف. ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠]. وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، قال القرطبي: (وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]. وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا

стр. 2014

سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآية. قال: فأمّا قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة، والله أعلم. قال: وقيل: القيامة مواطن. وقيل: معنى ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ يتساءلون، أي يتساءلون كم لبثتم، كما قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وهذا حسن). قلت: وكل ما سبق بيانه من آفاق معنى قوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾. وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. أي: قد خسر هؤلاء المجرمون والمشركون والمكذبون أنفسهم وأهليهم، وفُرِّقَ بينهم وبين أحبتهم يوم القيامة، إذ أصروا على الكفر بلقاء الله وما كانوا بذلك مصيبين رشدهم. وقوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. قال مجاهد: (﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾). أي: يقول تعالى: إن أريناك - يا محمد - في حياتك بعض ما نعد هؤلاء المشركين من قومك من الخزي والعذاب أو توفيناك قبل ذلك فإن مآلهم لا محالة إلينا. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ - أي هو سبحانه شاهد على أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ولا يخفى عليه منها شيء، والميزان سيزن تلك الأعمال ليروا مصيرهم بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، قال: بالعدل). قال ابن كثير: (فكلّ أمة تُعرض على الله بحضرة رسولها، وكتابُ أعمالها من خير وشَرٍّ موضوع شاهدٌ عليهم، وحَفَظتهم من الملائكة شهودٌ أيضًا، أمة بعد أمة، وهذه الأمةُ الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أولُ الأمم يوم القيامة يُفْصَلُ بينهم، ويُقضى لهم. كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق". فأمته إنما حازت قَصَب السَّبْقِ لشرفِ رسولها، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين). قلت: بل أمة محمد ﷺ هي الشاهدة للرسل بالبلاغ حين يكذب الأقوام رسلهم في أرض المحشر، ثم يقبل الله شهادة هذه الأمة ويعذِر الرسل صلوات الله وسلامه عليهم في بلاغهم أقوامهم - وهو أعلم بهم - ويقضي بينهم وبين أممهم بالقسط وهم لا يظلمون. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 2015

[يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بَلَّغَكُم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهدُ لك، فيقول: محمدٌ وأمته، فيُدعى محمدٌ وأمتُه، فيقالُ لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءَنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلّغوا فصدَّقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]] ورواه البخاري (١). ٤٨ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن استعجال المشركين العقوبة أو الساعة بكثرة سؤالهم عنها، فقل لهم يا محمد: إني لا أملك جلب النفع لنفسي أو دفع الضر عنها فكيف أملك جلب العذاب لكم، إنه لكل أمة أجل محدد لا يتجاوزونه ساعة بزيادة أو نقصان. ثم قل لهم: ماذا لو نزل بكم العذاب ليلًا أو نهارًا هل تقدرون على دفعه؟ أم هو مجرد اليقين بحدوثه! ثم يعقبه الهلاك فالخلود في النار. إنهم يستخبرونك - يا محمد - أحق نبأ المعاد وبعث الأجساد لمشهد الحساب؟ فَأَقْسِمْ لهم بقولك: إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين. يوم تتمنى كل نفس ظلمت لو افتدت بجميع ما في الأرض من سوء العذاب، ولكن هيهات، فلا ينفع يومئذ أعظم الفداء، وإنما هو حصاد الأعمال، والندامة عند رؤية العذاب، والقصاص بالحق وهم لا يظلمون.

стр. 2016

فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (ويقول هؤلاء المشركون من قومك، يا محمد، ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، الذي تعدنا أنه يأتينا من عند الله، وذلك قيام الساعة). وقال النسفي: (أي وعد العذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب نازل، وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين). وقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أي: قل - يا محمد - لمستعجليك هذا العذاب أو الوعيد، أنا لا أملك لنفسي ولا أقدر لها على ضر أو نفع في دين أو دنيا إلا بإذن الله. قال القاسمي: (﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي مع أن ذلك أقرب حصولًا، فكيف أملك لكم حتى أستعجل في جلب العذاب لكم، وتقديم الضر). وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. قال النسفي: (لكل أمة وقت معلوم للعذاب مكتوب في اللوح، فإذا جاء وقت عذابهم لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون فلا تستعجلوا). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء المتنطعين المستكبرين من قومك: أخبروني ما الذي يستعجله المجرمون من نزول العذاب بهم، وهو واقع معلوم زمانه وهيئته في علم الله، ثم هم لا يقدرون دفعه إن نزل بهم ليلًا أو نهارًا، بل يصبحون أسارى ذلك الخزي والعقاب. وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. يعني: أنهم حين ينزل العذاب بهم يصدقون ما كانوا أنكروا من قبل ولكن هيهات فقد أخروا ذلك إلى حين لا ينفع التصديق، وإلى وقت فات قطار النجاة. قال القرطبي: (﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ﴾ في الكلام حذف، والتقدير: أتأمنون أن ينزل بكم العذاب ثم يقال لكم إذا حل: آلآن آمنتم به؟ قيل: هو من قول الملائكة استهزاء بهم. وقيل: هو من قول الله تعالى، ودخلت ألف الاستفهام على ﴿ثُمَّ﴾ والمعنى: التقرير والتوبيخ). واختار ابن جرير معنى ﴿أَثُمَّ﴾ أهنالك. وأما ﴿آلْآنَ﴾ فقيل: أصل فعل مبنيّ مثل حان، والألف واللام لتحويله إلى الاسم. قال الخليل: (بنيت لالتقاء الساكنين، والألف واللام للعهد والإشارة إلى الوقت، وهو حدّ الزمانين). والخلاصة: إن المشركين المنكرين النبوة والوحي ولقاء الله يوم البعث إذا عاينوا

стр. 2017

المشهد في الحشر وأهوال ذلك اليوم وأبصروا جهنم اضطرهم ذلك للإيمان بعد كفر طويل، ولكن حين لا ينفع الإيمان. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤, ٨٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. ومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يقول الله ﵎ لأهونِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مُفْتَدِيًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أَرَدْتُ منك أهونَ مِنْ هذا وأنت في صُلب آدم: أن لا تُشْرك ولا أدخِلَكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: [يُقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك مِلءُ الأرض ذهبًا، أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيُقال له: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ من ذلك] (٢). وفي رواية: [فَيُقال له: كَذَبْتَ، قَدْ سُئِلتَ ما هوَ أيسرُ من ذلك]. الحديث الثالث: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترَةٌ وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تُخْزِيَني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ ! فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين] الحديث (٣).

стр. 2018

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: ثم يقال للظالمين يوم القيامة بعد أن عرفوا مصيرهم المؤلم - ذوقوا عذاب الخلد - يقال ذلك تقريعًا لهم وتبكيتًا، فإنما تنالون ما قدمتم لأنفسكم وما كسبتم بأيديكم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. أي: ويستخبرونك - يا محمد - في شأن المعاد وبعث الأجساد من القبور والقيام لموقف الحساب أهو حق فعلًا؟ فَأَقسم لهم بقولك: ﴿إِي وَرَبِّي﴾ إن بعثكم حق والحِسَاب حق، والنار حق، والجنة حق، وليس صيرورتكم ترابًا بمعجز لله عن إعادتكم كما خلقكم أول مرة، فإنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون. قال ابن كثير: (وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد، في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]).

стр. 2019

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: إن كل كافر حق عليه العذاب يتمنى لو افتدى من عذاب جهنم بملء الأرض ذهبًا ولكن لا حيلة له إلى ذلك، فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا من خلقه، وإنما ستملأ الندامة صدور المشركين حين يرون العذاب يوم القيامة، ولا يُظلم أحدٌ يومئذ شيئًا. قال ابن جرير: (﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وذلك أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا بجريرته، ولا يأخذه بذنب أحد، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وتابع عليه الحجج). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨]. ومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفلته ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أعذر الله إلى امرئٍ أخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الحاكم من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: [من عَمَّرَ من أمتي سبعين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر] (٣).

стр. 2020

وفي لفظ آخر: [إذا بلغ العبد - أو قال: إذا عمر العبد - ستين سنة، فقد أبلغ الله إليه، وأعذر الله إليه في العمر]. ٥٥ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾. في هذه الآيات: إثبات الملك جميعه لله، ويوم الحشر بعض ذلك، ووعد الله نافذ في المشركين. فإنه تعالى يحيي ويميت وإليه المصير. يا أيها الناس قد جاءكم زاجر من ربكم وقوارع من الوحي، فيه شفاء للصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. فليفرح القوم بهذا القرآن العظيم، وهذا الشرع الكريم، هو خير مما يجمعون. فقوله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: له ملك كل شيء فلا سبيل للكافرين من فداء للنجاة من لقاء الله وعذابه. ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن العذاب الذي أوعده الله المشركين على كفرهم واقع بهم لا محالة، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقة وقوع ذلك بهم، فهم في جهلهم يترددون، ولأجل ذلك يُكذبون. وقوله: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال النسفي: (هو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وإلى حسابه وجزائه المرجع فيخاف ويرجى). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن كثير: (﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشُّبَهِ والشكوك، وهو إزالةُ ما فيها من رجس ودَنَس). وقال القاسمي: (﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: القلوب من أمراضها، كالشك والنفاق، والغل والغش، وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق، والحكم الموجبة لليقين، وتصفيتها بقبول المعارف، والتنوّر بنور التوحيد، ﴿وَهُدًى﴾ أي: لنفوسكم من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لمن آمن به، بالنجاة من العذاب والارتقاء إلى درجات النعيم).

стр. 2021

وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ذهب المفسرون إلى أن فضل الله ورحمته هو القرآن والإسلام، أو الإسلام والقرآن، فإن القرآن وانتساب المرء إلى أهله هو خير من كل ما يحرص عليه الناس في هذه الحياة الدنيا من الأموال والذهب والفضة. ١ - قال قتادة: (أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن). وقال مجاهد: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، قال: القرآن). ٢ - قال هلال بن يساف: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علّمكم). وعنه قال: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، قال: بالإسلام والقرآن، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، من الذهب والفضة). ٣ - قال ابن عباس: (﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾، القرآن، ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾، حين جعلهم من أهل القرآن). قلت: فإذا كان يوم القيامة فرحَ صاحب القرآن بتكريمه أمام الخلق وبتتويجه. وفي ذلك أحاديث من صحيح السنة العطرة: الحديث الأول: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبَسُ حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه فيرضى عنه فيقول: اقرأ وارق ويُزاد بكل آية حسنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال

стр. 2022

رسول الله ﷺ : [الماهر بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكرام البَررَة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاق له أجران] (١). ٥٩ - ٦١. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾. في هذه الآيات: ذَمُّ الله تعالى المشركين الذين يتجرؤون على الله بالتحليل والتحريم دون علم، بل يفترون الكذب ويمضون خلف أهوائهم، فما ظنهم إذا وقفوا بين يدي ربهم يوم القيامة؟ ! إنّ الله لذو تفضل على خلقه بتأجيل معاقبتهم، وأكثر الناس لا يشكرون. إنه ما تكون - يا محمد - في حال أو عمل أو تلاوة للقرآن - وكذلك أنتم أيها الناس - فإنكم لا تعلمون شيئًا إلا والله مطلع عليه وعلى جميع شؤونكم، فلا يغيب عنه - جَلت عظمته - دقائق أعمالكم، بل كل صغير وكبير مسطر في اللوح المحفوظ. فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة. ١ - قال ابن عباس: (﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ قال: الحرث والأنعام). وقال مجاهد: (البحائر والسُّيَّب). أو قال: (في البحيرة والسائبة). ٢ - وقال قتادة: (يقول: كل رزق لم أحرِّم حَرَّمْتُموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم، آلله أذن لكم فيما حرمتم من ذلك، أم على الله تفترون). ٣ - وعن ابن عباس: (﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ قال: هم أهل الشرك).

стр. 2023

وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: ما ظن الذين يتجرؤون على الله بالتحليل والتحريم دون علم، بل يفترون الكذب ويمضون حسب أهوائهم يَضلون! هل يظنون أنهم يفلتون من عقاب الله وغضبه؟ . قال ابن جرير: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ يقول: إن الله لذو تفضُّل على خلقه، بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا، وإمهاله إياه إلى وروده عليه في القيامة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾، يقول: ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضّله عليهم بذلك، وبغيره من سائر نعمه). وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. أي: وما تكون - يا محمد - في حال أو عمل أو في قراءة من كتاب الله، أو أنتم كذلك - أيها الناس - فإنكم لا تعملون من عمل إلا وأنتم تحت مراقبة الله فهو ينظر سبحانه إلى أعمالكم ويشهد شؤونكم. قال ابن عباس: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يقول: إذ تفعلون). وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. خَبَرٌ من الله تعالى عن نفسه أنه شاهد لصغائر ودقائق أعمال عباده وما يجري في ملكه فقد علم كل شيء وكتبه في اللوح المحفوظ. وفي لغة العرب: عَزَبَ فلان عن أهله إذا بَعُدَ وغاب. والمقصود أن الله تعالى لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، بل يعلم سبحانه السر وأخفى. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].

стр. 2024

وفي صفحات السنة الصحيحة من آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كتبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقَ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشُهُ على الماء] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني في (الكبير) بسند جيد عن أبي الدرداء - حين حضرته الوفاة قال: أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اعبُد الله كأنك تراهُ، فإنْ لم تكُنْ تراه فإنه يراكَ، واعدُدْ نفسك في الموتى، وإياك ودعوةَ المظلوم فإنها تُستجابُ، ومن استطاعَ منكم أن يشهدَ الصلاتين العِشاء والصبحَ ولو حَبْوًا فليفعل] (٢). وتقدّم في الصحيح حديث جبريل: [الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك]. الحديث الثالث: أخرج الطبراني في "الكبير" بسند حسن في الشواهد عن أبي سلمة قال: قال معاذ: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: [اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنةٌ، السِّرُ بالسِّر، والعلانية بالعلانية] (٣). ٦٢ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾. في هذه الآيات: تأكيدٌ من الله تعالى على حفظه أولياءه وحمايته لهم وإزاحة الخوف

стр. 2025

والحزن عنهم. وإخباره تعالى عن ركني الولاية: الإيمان والتقوى. فالأولياء الصالحون لهم بشائر الظفر في الدنيا والسعادة في الآخرة، وعدًا عليه تعالى حقًا، وذلك الفوز العظيم. فقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. أي: إن أنصار الله مطمئنون في الدنيا آمنون في الآخرة، فلا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، ولا هم يفزعون في الآخرة إذ آمَنَهُم سبحانه من عقابه. والأولياء جمع "ولي"، وهو النصير. قال الرازي: (الوِلاية بالفتح والكسر النُّصرة). وقال سيبويه: ("الوَلاية" بالفتح المصدر وبالكسر الاسم). وأركان الولاية بنص الآية: ١ - الإيمان. ٢ - التقوى. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. فكل من جمع بين هذين الركنين: الإيمان والتقوى كان وليًا من أولياء الله تعالى، ولو كان مجهولًا لكثير من الناس أو أشعث أغبر لا يُهتم به. ومن أقوال المفسرين في وصف أولياء الله تعالى: ١ - قال ابن عباس: (الذين يذكر الله لرؤيتهم). ٢ - قال أبو الضحا: (من الناس مفاتيح، إذا رؤوا ذُكِرَ الله لرؤيتهم). ٣ - قال ابن زيد: (﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، من هم يا ربّ؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ قال أبيّ: لن يُتقَبّلَ الإيمان إلا بالتقوى). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر صفات هؤلاء الأولياء ونعوتهم التي تميزوا بها في أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جرير: أن عمر بن الخطاب قال: قال النبي ﷺ : [إنّ من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يومَ القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن

стр. 2026

الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو نعيم والطبراني ورجاله ثقات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: [أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى] (٢). وفي لفظ: (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [يأتي من أفناءِ الناسِ ونوازع القبائل قومٌ لم تتصل بينهم أرحامٌ متقاربة، تحابُّوا في الله، وتَصَافُّوا في الله، يَصنَعُ اللهُ لهم يوم القيامة منابرَ من نور، فَيُجلِسُهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] (٣). وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال الحسن: (هي ما يبشرهم الله تعالى في كتابه من جنته وكريم ثوابه). ٢ - وقال قتادة: (هي البشارة التي تبشّر بها الملائكة المؤمنَ في الدنيا عند الموت). ٣ - وقيل: إذا خرجت الروح بُشِّرت بِرِضْوانِ الله. وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالجنة إذا خرجوا من قبورهم. ٤ - وقيل: بل البشرى هي الثناء الحسن والذكر العطر بين الناس. ٥ - وقيل: بل البشرى هي الرؤيا الصالحَة يراها المسلم أو تُرى له. قلت: وكل ما سبق داخل في مفهوم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني العطرة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا اقْتَرَبَ الزمانُ لم تَكَدْ رؤيا المسلم تَكْذِبُ، وأصْدَقكُم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمسةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورُؤيا تحزينٌ من الشيطان، ورؤيا مما يُحَدّثُ المرءُ نفسَهُ، فإن رأى

стр. 2027

أحدكم ما يَكْرَهُ، فليَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يحدِّثْ بها الناس] (١). الحديث الثاني: أخرج الشيخان وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه في السنن بسند صحيح عن عبادة بن الصامت قال: [سألت رسول الله ﷺ ، عن قول الله سبحانه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال: هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [كشف رسول الله ﷺ السِّتارة، والناسُ صفوفٌ خلف أبي بكر فقال: أيها الناسُ! إنه لم يَبْقَ من مُبَشِّراتِ النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. .] الحديث (٤). الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الرسالةَ والنُبوَّةَ قد انقطعت، فلا رسولَ بعدي، ولا نبيَّ. قال: فشقَّ ذلك على الناس فقال: لكن المُبَشِّرات. فقالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي من أجزاء النبوة] (٥). الحديث السادس: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [رؤيا الرجل المسلم الصالح، جزءٌ من سبعين جزءًا من النبوة] (٦). وفي الباب عن أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ذهبت النبوة وبقيت المبشِّراتُ].

стр. 2028

الحديث السابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، الرجلُ يعملُ العملَ فيحمده الناسُ عليه، ويثنون عليه به، فقال رسول الله ﷺ : [تلك عاجلُ بشرى المؤمن] (١). الحديث الثامن: أخرج الإمام أحمد من حديث البراء: [إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيضُ الوجوه، بيضُ الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيّبة إلى رَوْح وريْحان، وربٍّ غير غضبان، فتخرجُ من فَمِهِ، كما تسيل القطرةُ من فَمِ السِّقاء] (٢). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]. وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: هذا الوعد بالبشرى، بكل ألوانها وأشكالها في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا يغيّره شيء، فإن الله لا يخلف الميعاد، وهذا أعظم الفوز وأكبر الظفر. ٦٥ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ

стр. 2029

يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾. في هذه الآيات: تسلية الله تعالى نبيّه ﷺ عما يلقاه من أذى قومه: لا يحزنك - يا محمد - قول هؤلاء المشركين، فالعزة لله وهو السميع العليم. له ما في السماوات وما في الأرض، والمشركون تائهون في شركهم مغرورون كاذبون. إن الله تعالى هو الذي يقلب الليل والنهار، فجعل الليل سكنًا مظلمًا تسكنون فيه، والنهار مبصرًا مضيئًا تعملون فيه، إن في ذلك لآيات كبيرة لقوم يسمعون فيتعظون، ويعلمون حق الله عليهم في وجوب إفراده تعالى بالعبادة والتعظيم. فقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. أي: لا يحزنك - يا محمد - قول هؤلاء المشركين في ربهم وإشراكهم في عبادته الأوثان والطواغيت، فإن العزة لله جميعًا. كما قال ابن جرير: (فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحد، لأنه لا يُعَازُّه شيء). وقوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده العليم بأعمالهم وأحوالهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. إِخْبارٌ بأن الملك كله في هذا الكون لله، وإليه يرجع الأمر كله، فهو المثيب والمعاقب، وإنما يعظم المشركون ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، ويمضون بذلك التيه والضلال وراء أوهامهم وتخرّصهم وكذبهم وإفكهم. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. قال النسفي: (أي جعل لكم الليل مظلمًا لتستريحوا فيه من تعب التردد في النهار ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيئًا لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم). وقال ابن كثير:

стр. 2030

(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيِّرها). ٦٨ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى عن تجرؤ المشركين على انتقاص صفات الله، فهم يدعون له الولد، والله تعالى هو الغني الملك له سلطان السماوات والأرض، والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. إنما هو متاع قليل في الدنيا ثُمَّ مرجعهم إلى الله، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يشركون. فقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال القاسمي: (تنزيه له عن أن يجانس أحدًا، أو يحتاج إليه، وتعجب من كلمتهم الحمقاء، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي الذي وجوده بذاته، وبه وجود كل شيء، فكيف يماثله شيء؟ ومَنْ له الوجود كله، فكيف يجانسه شيء، والجملة علة لتنزيهه، وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة، إما للتقوي به، أو لبقاء نوعه، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لغناه، أي فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدًا). وقوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ - المراد تجهيلهم، وأنه لا دليل على ادعائهم إلا تقليد الأوائل، واتباع جاهل لجاهل، وأما البرهان الساطع فهو في حجج الله ووحيه العظيم، وهو ينقض دعواهم ويبطل منهجهم ويكشف باطلهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وفي التنزيل: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥].

стр. 2031

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يفترون على الله الباطل ويتطاولون بانتقاص جلال صفاته وكمالها، فيدعون له ولدًا، لن تفلحوا في طريقتكم بل إنكم تمتعون أيام حياتكم الدنيا، ثم تردون إلى أشد العذاب بما كنتم تكفرون. قال ابن جرير: (﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ يقول: لا يَبْقَوْن في الدنيا، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِبَ فناؤهم فيه، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾، وذلك إصلاؤهم جهنم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته). ٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقصص على كفار مكة نبأ نوح ﷺ مع قومه، إذ تحدّى قومه الذين استكبروا عن وعظه لهم بحجج الله البالغة أن يفعلوا ما بوسعهم فهو متوكل على ربه، ولا يريد منهم أجرًا، بل كان هو أول المسلمين. فلما أصروا على عنادهم وتكذيبهم أغرقهم الله ونجّى نوحًا ومن معه من المؤمنين، فجعلهم خلائف في الأرض من بعدهم وساء عاقبة المنذرين. فقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: أخبرهم - يا محمد - واقصص على كفار مكة الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك خبر نوح ﵊ ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كان عظُمَ عليكم مقامي بين أظهركم وشق عليكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يقول: ووعظي إياكم بحجج الله، وتنبيهي إياكم على ذلك).

стр. 2032

وقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾. أي: إن عزمتم على طردي أو قتلي أو التخلص مني فإني لا أبالي بما تبيتون من مكر، فعلى الله اتكالي، وبه ثقتي، وهو سندي ومعيني. وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾. قال الأعرج: (يقول: أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم). وقد نصب ﴿شُرَكَاءَكُمْ﴾ بالتقدير السابق. أي: وادعوا شركاءكم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ الآية. قال قتادة: (لا يكبر عليكم أمركم). قال ابن كثير: (أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم مُلتَبِسًا، بل افصِلُوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم مُحقُّونَ فاقضوا إلي ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلُوا، فإنى لا أبالي بكم ولا أخاف منكم، لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الإيمان بما جئتكم به ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي جُعْلٍ على عظتكم، أي فلا باعث لكم على التولي والنفور ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي ما ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى، يثيبني به، آمنتم أو توليتم، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي المستسلمين له وحده بالإيمان به، ونبذ كل معبود دونه). وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى عن تكذيب قوم نوح لنبيّهم، وما أعقب ذلك من هلاكهم بالغرق، ونجاة المؤمنين معه في السفينة واستخلافهم في الأرض، فانظر يا محمد كيف كانت نهاية القوم المنذَرين بالوحي وحجة الله البالغة، المقابلين ذلك الإنذار والبرهان والحجج بالتكذيب والمكر. ٧٤ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ

стр. 2033

مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيه ﷺ عن متابعته إرسال الرسل - من بعد نوح - إلى أقوامهم بالحجج الدامغات، وطَبْع الله على قلوب المكذبين. وكذلك كان شأن فرعون وقومه مع موسى ﵇، كذبوه واتهموه بالسحر ومحاولة أخذ الرياسة منهم في الأرض وما كانوا مؤمنين. فقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾. أي: من بعد نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالحجج الدامغات والبراهين القاطعات على صدق النبوة وما جاؤوا به من الوحي، ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال النسفي: (يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد). وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي: نختم على قلوب المجاوزين الحدّ في الكفر والعناد والتكذيب. وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. أي: من بعد تلك الرسل والأمم. ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ - أي أشراف قومه. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ - قال القرطبي: (يريد الآيات التسع). وقال ابن جرير: (﴿بِآيَاتِنَا﴾، يقول: بأدلتنا على حقيقة ما دعوهم إليه من الإذعان لله بالعُبودة، والإقرار لهما بالرسالة). وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. أي: تكبروا عن الحق وكانوا مشركين آثمين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. أي: فلما جاء فرعون وقومه دلائل الحق وبينات الهدى حملوا المعجزات على السحر مخففين من قيمتها لئلا تؤثر في حياة الناس، شأن الطغاة على مدار الزمان، يتفننون في حرف الناس عن صدق الإيمان ومتابعة الرسل خشية على مصالحهم وزينةِ دنياهم الفانية. وقوله: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾. إنكار بعد إنكار، فالإنكار

стр. 2034

الأول: ﴿أَتَقُولُونَ﴾ وقولهم محذوف، أي هذا سحر. والإنكار الثاني: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ خبر ومبتدأ. وهو استفهام إنكار من قول موسى وليس من قولهم، لأنهم بتّوا القول بأنه سحر. قال القاسمي: (فهو مستأنف لإنكار كونه سحرًا، وتكذيب لقولهم، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ). وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾. أي: ولا يظفر الساحرون ولا فلاح لهم ولا بقاء. وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. أي: لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا قبل مجيئك إلينا. قال قتادة: (لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا). وقوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ - يعني السلطان والملك والعظمة. قال مجاهد: (السلطان في الأرض). أو قال: (الملك). وقال الضحاك: (﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: الطاعة). وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ونحن غير مقرين لكما بالرسالة - يا موسى وهارون. ٧٩ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه ﷺ عن استنفار فرعون سحرته لمقارعة موسى بما معه من الحق، وتحذير موسى السحرة أن السحر باطل لا يصمد أمام الحق والله لا يصلح عمل المفسدين. بل يحق الله الحق ويرفع أهله ولو كره المجرمون. فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ - محاولة من فرعون لطمس الحق المبين، بالبهرجة على الناس بحركات المشعوذين وزخارف السحرة المبطلين، ولكن الأمر مضى بعكس ما أحبّ، فانقلب السحر على الساحر، وآمن السحرة وخروا لله ساجدين. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ - أي من حبالكم

стр. 2035

وعصيّكم. وقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾. قال ابن جرير: (فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون، أنه سحر). وهناك من قرأها من المدنيين والبصريين: "ما جئتم به آلسِّحر؟ " على وجه الاستفهام، لكن لا وجه له، لأن موسى لم يكن شاكًا أنه سحر. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٩]. قال ابن كثير: (فأراد موسى أن تكون البَدْأَةُ منهم، ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. أي: إن الله سيظهر بطلان هذا السحر وسيذهب به، فإنه لا يصلح عمل من بغى في الأرض وأراد إفشاء الفساد فيها ونشر المعاصي والآثام. وقوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ أي يبيّنه ويوضحه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي بكلامه وحججه وبراهينه، وقيل: بعداته بالنصر، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ من آل فرعون). ٨٣ - ٨٦. قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيّه ﷺ أنه لم يؤمن مع موسى إلا طائفة قليلة على خوف من بطش فرعون وملئه، فلقد كان فرعون عاتيًا من المجرمين، فطمأن موسى
следующие страницы →